وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41)
وَلَمَّا كَانَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ لِكَثرَةِ أَولَادِهِ مِنَ العَرَبِ وَالرُّومِ وَأَهلِ الكِتَابَينِ وَارِثًا لِأَكثَرِ الأَرضِ، وَكَانَ مِثلَ زَكَرِيَّا فِي هِبَةِ الوَلَدِ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ وَعُقمِ زَوجِهِ، أَتبَعَ ذَلِكَ قَولَهُ: (وَاذْكُرْ) لِقَومِكَ (فِي الْكِتَابِ) القُرآنِ (إِبْرَاهِيمَ ۚ ) قِصَّتَهُ مَعَ أَبِيهِ، وَالمَعنَى: وَاذكُر فِي الكِتَابِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيكَ وَهُوَ القُرآنُ قِصَّةَ إِبرَاهِيمَ وَخَبَرَهُ (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا([1])نَّبِيًّا) قِيلَ الصَّادِقُ المُستَقِيمُ فِي الأَفعَالِ وَالصِّدِّيقُ المُستَقِيمُ فِي الأَحوَالِ، وَالمُرَادُ فَرطُ صِدقِهِ وَكَثرَةُ مَا صَدَّقَ بِهِ مِن غُيُوبِ اللهِ وَآيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، أَي كَانَ مُصَدِّقًا لِجَمِيعِ الأَنبِيَاءِ وَكُتُبِهِم وَكَانَ نَبِيًّا فِي نَفسِهِ، وَالمُرَادُ بِذِكرِ الرَّسُولِ إِيَّاهُ وَقِصَّتَهُ فِي الكِتَابِ أَن يَتلُوَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَيُبَلِّغَهُ إِيَّاهُم وَإِلَّا فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ ذَاكِرُهُ وَمُورِدُهُ فِي تَنزِيلِهِ.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42)
(إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ) أَي كَانَ جَامِعًا لِخَصَائِصِ الصِّدِّيقِينَ وَالأَنبِيَاءِ حِينَ خَاطَبَ أَبَاهُ بِتِلكَ المُخَاطَبَاتِ (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) أَي لَا يَسمَعُ شَيئًا وَلَا يُبصِرُ شَيئًا (وَلَا يُغْنِي عَنكَ) لَا يَكفِيكَ (شَيْئًا)([2]) أَي شَيئًا مِنَ الإِغنَاءِ.
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ) الوَحيِ، أَو مَعرِفَةِ اللهِ([3]) (مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ) أُرشِدكَ (صِرَاطًا سَوِيًّا) مُستَقِيمًا.
يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44)
( يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ ) لَا تُطِعهُ فِيمَا سَوَّلَ مِن عِبَادَةِ الصَّنَمِ (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا) عَاصِيًا كَافِرًا بِهِ.
يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)
(يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ) أَي إِن مِتَّ عَلَى مَا أَنتَ عَلَيهِ، وَيَكُونُ (أَخَافُ) بِمَعنَى أَعلَمُ. وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ (أَخَافُ) عَلَى بَابِهَا فَيَكُونُ المَعنَى: إِنِّي أَخَافُ أَن تَمُوتَ عَلَى كُفرِكَ فَيَمَسَّكَ العَذَابُ (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) قَرِينًا فِي النَّارِ تَلِيهِ وَيَلِيكَ، وَلَكِن لَم يَقبَل ءَازَرُ نَصِيحَةَ نَبِيِّ اللهِ إِبرَاهِيمَ وَلَم يَستَجِب لِدَعوَتِهِ، بَلِ استَكبَرَ وَعَانَدَ وَتَوَعَّدَ وَهَدَّدَ ابنَهُ إِبرَاهِيمَ بِالشَّرِّ وَالرَّجمِ وَالقَتلِ، ثُمَّ:
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
(قَالَ) آزَرُ([4]) تَوبِيخًا(أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ ) أَي أَتَرغَبُ عَن([5]) عِبَادَتِهَا، فَنَادَاهُ بِاسمِهِ وَلَمْ يُقَابِل (يَا أَبَتِ) بِـ(يَا بُنَيَّ) (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ) عَن شَتمِ الأَصنَامِ (لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ ) لَأَقتُلَنَّكَ بِالرَّجمِ، أَو لَأَضرِبَنَّكَ بِهَا حَتَّى تَتَبَاعَدَ، أَو لَأَشتِمَنَّكَ (وَاهْجُرْنِي) أَي فَاحذَرنِي وَاهجُرنِي (مَلِيًّا)([6]) أَي زَمَانًا طَوِيلًا.
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
(قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ) سَلَامَ تَودِيعٍ وَمُتَارَكَةٍ، أَو تَقرِيبٍ وَمُلَاطَفَةٍ، وَلِذَا وَعَدَ بِالِاستِغفَارِ بِقَولِهِ (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ ) أَي سَأَطلُبُ مِنَ اللهِ أَن يَغفِرَ لَكَ كُفرَكَ بِالدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ([7]) (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) لَطِيفًا بِعُمُومِ النِّعَمِ، أَو رَحِيمًا، أَو مُكرِمًا، وَالحَفَاوَةُ: الرَّأفَةُ وَالرَّحمَةُ وَالكَرَامَةُ، فَهُوَ اللَّطِيفُ الَّذِي هَدَانِي لِعِبَادَتِهِ وَالإِخلَاصِ لَهُ، قَالَ:
وأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)
(وَأَعْتَزِلُكُمْ) أَرَادَ بِالِاعتِزَالِ المُهَاجَرَةَ مِن أَرضِ بَابِلَ إِلَى الشَّامِ (وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) ([8]) أَي مَا تَعبُدُونَ مِن أَصنَامِكُم (وَأَدْعُو) وَأَعبُدُ (رَبِّي)([9]) ثُمَّ قَالَ تَوَاضُعًا وَهَضمًا لِلنَّفسِ وَمُعَرِّضًا بِشَقَاوَتِهِم بِدُعَاءِ آلِهَتِهِم (عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) أَي كَمَا شَقِيتُم أَنتُم بِعِبَادَةِ الأَصنَامِ.
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)
ثُمَّ تَبَرَّأَ سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن أَبِيهِ لَمَّا عَلِمَ بِوَحيٍ مِنَ اللهِ أَنَّ أَبَاهُ لَا يُسلِمُ بَل يَمُوتُ عَلَى الكُفرِ (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) وَلَمَّا اعتَزَلَ الكُفَّارَ وَمَعبُودَهُم (وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ) وَلَدًا (وَيَعْقُوبَ) لِيَستَأنِسَ بِهِمَا (وَكُلًّا) كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُمَا (جَعَلْنَا نَبِيًّا) أَي لَمَّا تَرَكَ الكُفَّارَ الفُجَّارَ لِوَجهِهِ عَوَّضَهُ اللهُ أَولَادًا مُؤمِنِينَ أَنبِيَاءَ.
وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)
(وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا) مَالًا وَوَلَدًا (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ) ثَنَاءً حَسَنًا، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَآلِ إِبرَاهِيمَ فِي الصَّلَوَاتِ (عَلِيًّا) رَفِيعًا مَشهُورًا.
([1]) هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِدقِ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا سِيَّمَا المَذكُورَ هُنَا وَهُوَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا حَدِيثُ البُخَارِيِّ: «لَم يَكذِب إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ»، فَقَدِ أَوَّلَهُ بَعضُ العُلَمَاءِ وَاعتَرَضَ عَلَيهِ بَعضُهُمَ كَالرَّازِيِّ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ فِيهِ نِسبَةُ الكَذِبِ عَلَى خَلِيلِ اللهِ إِبرَاهِيمَ ﷺ وَهَذَا طَعنٌ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ وَقَدحٌ بِهَا، فَالكَذِبُ بِكُلِّ أَنوَاعِهِ يَستَحِيلُ عَلَى أَيِّ نَبِيٍّ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ، قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي الفَتحِ: “وَأَمَّا إِطلَاقُهُ الكَذِبَ عَلَى الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَلِكَونِهِ قَالَ قَولًا يَعتَقِدُهُ السَّامِعُ كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَم يَكُن كَذِبًا لِأَنَّهُ مِن بَابِ المَعَارِيضِ المُحتَمِلَةِ لِلأَمرَينِ”.اهـ وَقَالَ الرَّازِيُّ: «وَاعلَم أَنَّ البَعضَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا كَذَبَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ»، فَقُلتُ: الأَولَى أَن لَا نَقبَلَ مِثلَ هَذِهِ الأَخبَارِ، فَإِن قِيلَ عَلَى طَرِيقِ الِاستِنكَارِ: فَإِن لَم نَقبَلهُ لَزِمَنَا تَكذِيبُ الرُّوَاةِ، فَقُلتُ لَهُ: يَا مِسكِينُ، إِن قَبِلنَاهُ لَزِمَنَا الحُكمَ بِتَكذِيبِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَإِن رَدَدنَاهُ لَزِمَنَا الحُكمَ بِتَكذِيبِ الرُّوَاةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ صَونَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنِ الكَذِبِ أَولَى مِن صَونِ طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ عَنِ الكَذِبِ».اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج18 ص443).
([2]) إِنَّ إِبرَاهِيمَ نَبِيٌّ رَسُولٌ مَعصُومٌ مِنَ الزَّيغِ وَالإِشرَاكِ، قَد آتَاهُ اللهُ الرُّشدَ وَالصَّوَابَ، وَوَصَفَهُ بِمَقَامِ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَلَيسَ صَحِيحًا مَا قِيلَ وَنُسِبَ إِلَيهِ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الأَصنَامَ مَعَ وَالِدِهِ المُشرِكِ آزَرَ صَانِعِ الأَصنَامِ وَعَابِدِهَا وَبَائِعِهَا، بَل سَيِّدُنَا إِبرَاهِيمُ هُوَ الَّذِي نَهَى أَبَاهُ عَن عِبَادَتِهَا، كَمَا أَخبَرَ اللهُ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الآيَاتِ، فَكَمَا تَرَى أَنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَد بَيَّنَ لِأَبِيهِ المُشرِكِ بُطلَانَ مَا هُوَ عَلَيهِ مِن عِبَادَةِ الأَوثَانِ الَّتِي لَا تَسمَعُ دُعَاءَ عَابِدِهَا وَلَا تُبصِرُ مَكَانَهُ مُنكِرًا عَلَيهِ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَستَحِقُّ العِبَادَةَ فَهِيَ لَا تُغنِي شَيئًا وَلَا تُكسِبُ رِزقًا، لِأَنَّهَا مُجَرَّدُ أَحجَارٍ جَامِدَةٍ وَمِثلُ هَذَا لَا يَنفَعُ وَلَا يَضُرُّ.
([3]) مَعرِفَةُ اللهِ لَيسَت عَلَى مَعنَى الإِحَاطَةِ بَل تَكُونُ بِمَعرِفَةِ صِفَاتِهِ الوَاجِبَةِ لَهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَنزِيهِهِ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ.
([4]) زَعَمَ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ ءَازَرُ عَمُّهُ لَيسَ أَبَاهُ الحَقِيقِيَّ، قَالُوا: كَيفَ يَحصُلُ فِي أَجدَادِ الرَّسُولِ كَافِرٌ، وَهَذَا لَا مَعنَى لَهُ، عَبدُ المُطَّلِبِ أَلَيسَ كَانَ عَلَى عِبَادَةِ الوَثَنِ وَهُوَ الجَدُّ الأَقرَبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
([5]) قَالَ الفَيُّومِيُّ: وَرَغِبْتَ عَنْهُ إذَا لَمْ تُرِدْهُ. اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِلفَيُّومِيِّ (ج1 ص231).
([6]) جَاءَ فِي جَوَابِهِ دَعوَةَ ابنِهِ بِمُنتَهَى الجَفَاءِ وَالعُنجُهِيَّةِ [أَيِ الجَهلِ والحُمقِ كَمَا فِي لِسَانِ العَرَبِ] بِعَكسِ مَا فِي كَلَامِ إِبرَاهِيمَ مِنَ اللِّينِ وَالرِّقَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَاسِيَ القَلبِ، بَعِيدَ الفَهمِ، شَدِيدَ التَّصَلُّبِ فِي الكُفرِ. اهـ التَّحرِيرُ وَالتَّنوِيرُ، لِابنِ عَاشُورٍ (ج16 ص118).
([7]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنِّي أَطلُبُ لَكَ بِاللَّفظِ كَمَا يَستَغفِرُ المُسلِمُ لِلمُسلِمِ بِقَولِهِ: اللهُ يَغفِرُ لَكَ أَو أَستَغفِرُ اللهَ لَكَ، فَإِنَّ الدُّخُولَ فِي الإِسلَامِ يَكُونُ بِالنُّطقِ بِالشَّهَادَتَينِ وَلَيسَ بِالِاستِغفَارِ وَنَحوِهِ مِنَ الأَذكَارِ.
([8]) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مَا كَانَ يَعبُدُ غَيرَ اللهِ طَرفَةَ عَينٍ، كَمَا تُثبِتُ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَاتُ وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:51]، وَقَولِهِ تَعَالَى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) ) [سُورَةُ آلِ عِمرَانَ:67]، فَدَلَّ كُلُّ هَذَا أَنَّ قَولَ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنِ الكَوكَبِ حِينَ رَءَاهُ: (هَٰذَا رَبِّي )[سُورَةُ الأَنعَامِ:76]، هُوَ عَلَى تَقدِيرِ الِاستِفهَامِ الإِنكَارِيِّ كَأَنَّهُ قَالَ: “أَهَذَا رَبِّي كَمَا تَزعُمُونَ”، ثُمَّ لَمَّا غَابَ (قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)) [سُورَةُ الأَنعَامِ:76]، أَي لَا يَصلُحُ أَن يَكُونَ هَذَا رَبًّا فَكَيفَ تَعتَقِدُونَ ذَلِكَ؟ وَلَمَّا لَم يَفهَمُوا مَقصُودَهُ بَل بَقُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيهِ قَالَ حِينَمَا رَأَى القَمَرَ مِثلَ ذَلِكَ فَلَمَّا لَم يَجِد مِنهُم بُغيَتَهُ أَظهَرَ لَهُم أَنَّهُ بَرِيءٌ مِن عِبَادَةِ القَمَرِ وَأَنَّهُ لَا يَصلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ لَمَّا ظَهَرَتِ الشَّمسُ قَالَ مِثلَ ذَلِكَ فَلَم يَرَ مِنهُم بُغيَتَهُ فَأَيِسَ مِنهُم فَأَظهَرَ بَرَاءَتَهُ مِن ذَلِكَ، وَأَمَّا هُوَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَكَانَ يَعلَمُ قَبلَ ذَلِكَ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ.اهـ التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج13 ص47).
([9]) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعوَةَ جَمِيعِ الأَنبِيَاءِ هِيَ الإِسلَامُ، فَكُلُّهُم دَعَا إِلَى التَّوحِيدِ وَحَذَّرَ مِنَ الشِّركِ بِاللهِ.