(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
(أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا) وَلَعَلَّ رَبِّي يُذهِبُ مَاءَ جَنَّتِكَ فَيَجعَلَهُ غَائِرًا فِي الأَرضِ ذَاهِبًا لَا تَنَالُهُ الأَيدِي وَلَا الدِّلَاءُ
(فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) فَإِن طَلَبتَ هَذَا المَاءَ الغَائِرَ لَم تَجِدهُ فَلَا يَتَأَتَّى مِنكَ طَلَبُهُ فَضلًا عَنِ الوُجُودِ، وَالمَعنَى إِن تَرَنِ أَفقَرَ مِنكَ فَأَنَا أَتَوَقَّعُ مِن صُنعِ اللهِ أَن يَقلِبَ مَا بِي وَمَا بِكَ مِنَ الفَقرِ وَالغِنَى، فَيَرزُقَنِي لِإِيمَانِي جَنَّةً خَيرًا مِن جَنَّتِكَ، وَيَسلُبَكَ لِكُفرِكَ نِعمَتَهُ وَيُخَرِّبَ بَسَاتِينَكَ، وَقَد حَقَّقَ اللهُ تَعَالَى بَعضَ مَا كَانَ يَتَوَقَّعُ هَذَا المُؤمِنُ لِبَسَاتِينِ الكَافِرِ.
(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) (42)
( وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ )هُوَ عِبَارَةٌ عَن إِهلَاكِهِ، وَأَصلُهُ مِن أَحَاطَ بِهِ العَدُوُّ، لِأَنَّهُ إِذَا أَحَاطَ بِهِ فَقَد مَلَكَهُ وَاستَولَى عَلَيهِ
(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ )
فَصَارَ الكَافِرُ يَضرِبُ إِحدَى كَفَّيهِ عَلَى الأُخرَى نَدَمًا وَتَحَسُّرًا، وَإِنَّمَا صَارَ تَقلِيبُ الكَفَّينِ كِنَايَةً عَنِ النَّدَمِ وَالتَّحَسُّرِ لِأَنَّ النَّادِمَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ ظَهرًا لِبَطنٍ كَمَا كُنِيَ عَن ذَلِكَ بِعَضِّ الكَفِّ وَالسُّقُوطِ فِي اليَدِ، وَلِأَنَّهُ فِي مَعنَى النَّدَمِ، عُدِّيَ بِعَلَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَأَصبَحَ يَندَمُ
(عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا)
أَي فِي عِمَارَةِ بَسَاتِينِهِ
(وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا )
يَعنِي أَنَّ كُرُومَهَا المُعَرَّشَةَ سَقَطَت عُرُوشُهَا عَلَى الأَرضِ وَسَقَطَت فَوقَهَا الكُرُومُ
(وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا )
تَذَكَّرَ مَوعِظَةَ أَخِيهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ أُتِيَ مِن جِهَةِ كُفرِهِ وَطُغيَانِهِ، فَتَمَنَّى لَو لَم يَكُن مُشرِكًا حَتَّى لَا يُهلِكَ اللهُ بُستَانَهُ حِينَ لَم يَنفَعهُ التَّمَنِّي، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ قَد تَابَ مِن كُفرِهِ وَدَخَلَ فِي الإِسلَامِ وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنهُ، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: لَم يَرجِع إِلَى الإِسلَامِ بَل مَاتَ كَافِرًا، أَمَّا نَدَمُهُ عَلَى الشِّركِ لِاعتِقَادِهِ أَنَّهُ لَو كَانَ مُوَحِّدًا غَيرَ مُشرِكٍ لَبَقِيَت عَلَيهِ جَنَّتُهُ، فَهُوَ إِنَّمَا رَغِبَ فِي التَّوحِيدِ وَالرَّدِّ عَنِ الشِّركِ لِأَجلِ طَلَبِ الدُّنيَا، لَكِنَّهُ لَم يُسلِم.
(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا) (43)
(وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ) مَا حَصَلَت لَهُ فِئَةٌ يَقدِرُونَ عَلَى نُصرَتِهِ مِن دُونِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى وَحدَهُ القَادِرُ عَلَى نُصرَتِهِ، وَلَا يَقدِرُ أَحَدٌ غَيرُهُ أَن يَنصُرَهُ، إِلَّا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَم يَنصُرهُ لِحِكمَةٍ
(وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا) وَمَا كَانَ مُمتَنِعًا بِقُوَّتِهِ عَنِ انتِقَامِ الله
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (44)
وَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مِن قِصَّةِ الرَّجُلَينِ مَا ذَكَرَ عَلِمنَا أَنَّ النُّصرَةَ وَالعَاقِبَةَ المَحمُودَةَ كَانَت لِلمُؤمِنِ عَلَى الكَافِرِ، وَعَرَفنَا أَنَّ الأَمرَ هَكَذَا يَكُونُ فِي حَقِّ كُلِّ مُؤمِنٍ وَكَافِرٍ، فَقَالَ:
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)
أَي فِي مِثلِ ذَلِكَ الوَقتِ وَفِي مِثلِ ذَلِكَ المَقَامِ تَكُونُ الوَلَايَةُ للهِ، يُوَالِي أَولِيَاءَهُ فَيُغَلِّبُهُم عَلَى أَعدَائِهِ وَيُفَوِّضُ أَمرَ الكُفَّارِ إِلَيهِم، فَقَولُهُ (هُنَالِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى المَوضِعِ وَالوَقتِ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ إِظهَارَ كَرَامَةِ أَولِيَائِهِ وَإِذلَالَ أَعدَائِهِ فِيهِمَا،
(الْوَلَايَةُ) بِالفَتحِ النُّصرَةُ، وَقُرِئَ (الوِلَايَةُ) بِكَسر الوَاوِ بِمَعنَى السُّلطَانِ وَالمُلكِ، وَيَكُونُ المَعنَى عَلَى هَذَا هُنَالِكَ السُّلطَانُ وَالمُلكُ للهِ، لَا يُغلَبُ، أَو يَكُونُ المَعنَى فِي مِثلِ تِلكَ الحَالِ الشَّدِيدَةِ يَتَوَلَّى الحَقُّ أَيِ المَوجُودُ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيهِ زَوَالٌ وَلَا تَغَيُّرٌ وَلَا غَفلَةٌ، لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ وَلَا شَبِيهَ لَهُ، فَلَا يَحتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا إِلَى عَرشٍ وَلَا إِلَى سَمَاءٍ وَلَا غَيرِهَا مِنَ المَخلُوقَاتِ، فَإِنَّ الِاحتِيَاجَ صِفَةُ المَخلُوقِ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهُوَ تَعَالَى نَاصِرٌ أَولِيَاءَهُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى الكُفرِ بِإِظهَارِ شَرَفِ أَولِيَائِهِ وَإِكرَامِهِم وَإِبرَازِ مَرَاتِبِهِمُ العَلِيَّةِ فِي مُقَابِلِ خِذلَانِ أَعدَائِهِ، فَلَيسَ مَا جَاءَ بِهِ قُطرُوسُ مِنَ الكُفرِ وَالتَّعَالِي عَلَى يَهُوذَا المُؤمِنِ نَصرًا، بَلِ المُؤمِنُ مَنصُورٌ مَعنًى فِي كُلِّ حَالٍ
(هُوَ) أَيِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ
(خَيْرٌ ثَوَابًا) أَي أَفضَلُ جَزَاءً فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ لِأَهلِ طَاعَتِهِ
( وَخَيْرٌ عُقْبًا)
أَي وَاللهُ خَيرٌ عَاقِبَةً لِمَن آمَنَ بِهِ لِأَنَّ مَن عَمِلَ لِوَجهِ اللهِ لَم يَخسَر قَطُّ، فَعَاقِبَةُ طَاعَتِهِ خَيرٌ مِن عَاقِبَةِ طَاعَةِ غَيرِهِ فَهُوَ خَيرٌ إِثَابَةً وَعَاقِبَةً
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا) (45)
(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
أَي وَاذكُر يَا مُحَمَّدُ لِقَومِكَ تَشبِيهَ الدُّنيَا وَتَمثِيلَهَا فِي صِفَتِهَا، اضرِب لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ افتَخَرُوا بِأَموَالِهِم وَأَنصَارِهِم عَلى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ )كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ( أَي هِيَ كَمَطَرٍ أَنزَلنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَصلُ المَاءِ الَّذِي يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن تَحتِ العَرشِ، قَالَ ﷺ: «اللهم اسقِنَا مَاءً مَغزُورًا مِن تَحتِ عَرشِكَ([1])».اهـ ثُمَّ تَسُفُّهُ الرِّيحُ إِلَى الغَيمِ فَيَصِيرُ سَحَابًا مُشبَعًا بِالمَطَرِ([2])
(فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ)
أَي فَاختَلَطَ بَعضُ أَنوَاعِ النَّبَاتِ بِسَائِرِ الأَنوَاعِ بِسَبَبِ هَذَا المَاءِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عِندَ نُزُولِ المَطَرِ يَقوَى النَّبَاتُ وَيَختَلِطُ بَعضُهُ بِبَعضٍ وَيَشتَبِكُ بَعضُهُ بِبَعضٍ وَيَصِيرُ فِي المَنظَرِ فِي غَايَةِ الحُسنِ وَالزِّينَةِ، أَو يَكُونُ المَعنَى فَاختَلَطَ ذَلِكَ المَاءُ بِالنَّبَاتِ وَاختَلَطَ ذَلِكَ النَّبَاتُ بِالمَاءِ حَتَّى رَوِيَ
(فَأَصْبَحَ هَشِيمًا) بَعدَ أَنِ انقَطَعَ ذَلِكَ المَاءُ مُدَّةً جَفَّ ذَلِكَ النَّبَاتُ وَصَارَ هَشِيمًا يَابِسًا مُتَكَسِّرًا
(تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تَنسِفُهُ وَتُطَيِّرُهُ
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ) مِنَ الإِنشَاءِ وَالإِفنَاءِ وَالإِعَادَةِ
(مُّقْتَدِرًا)
قَادِرًا فَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالقُدرَةِ، وَقُدرَةُ اللهِ تَعَالَى صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُؤَثِّرُ اللهُ تَعَالَى بِهَا فِي المُمكِنَاتِ العَقلِيَّةِ، بِهَا يُوجِدُ وَيُعدِمُ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُعجِزُهُ شَيءٌ، وَقَد شُبِّهَ حَالُ الدُّنيَا فِي نُضرَتِهَا وَبَهجَتِهَا وَمَا يَتَعَقَّبُهَا مِنَ الهَلَاكِ وَالفَنَاءِ بِحَالِ النَّبَاتِ، يَكُونُ أَخضَرَ ثُمَّ يَهِيجُ فَتُطَيِّرُهُ الرِّيحُ كَأَن لَم يَكُن، فَهَذِهِ الدُّنيَا، تَظهَرُ أَوَّلًا فِي غَايَةِ الحُسنِ وَالنَّضَارَةِ، ثُمَّ تَتَزَايَدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ثُمَّ تَأخُذُ فِي الِانحِطَاطِ إِلَى أَن تَنتَهِيَ إِلَى الهَلَاكِ وَالفَنَاءِ، وَمِثلُ هَذَا الشَّيءِ لَيسَ لِلعَاقِلِ أَن يَبتَهِجَ بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ كَيفَ يَكُونُ تَكوِينُهُ أَوَّلًا ثُمَّ تَنمِيَتُهُ وَسَطًا ثُمَّ إِبطَالُهُ آخِرًا؟ فَكُلُّ ذَلِكَ بِخَلقِ اللهِ تَعَالَى وَتَكوِينِهِ، فَسُبحَانَ اللهِ القَدِيرِ عَلَى كُلِّ شَيءٍ.
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (46)
وَلَمَّا بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الدُّنيَا سَرِيعَةُ الِانقِرَاضِ وَالِانقِضَاءِ مُشرِفَةٌ عَلَى الزَّوَالِ وَالبَوَارِ وَالفَنَاءِ، بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ المَالَ وَالبَنِينَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا فقال سبحانه:
(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وَالمَقصُودُ إِدخَالُ هَذَا الجُزءِ الَّذِي هُوَ الزِّينَةُ تَحتَ ذَلِكَ الكُلِّ وَهُوَ الدُّنيَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَيفَ يُؤثَرُ عَلَى مَا عِندَ اللهِ تَعَالَى مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ فِي الآخِرَةِ، وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى أُولَئِكَ المُشرِكِينَ الَّذِينَ افتَخَرُوا عَلَى فُقَرَاءِ المُؤمِنِينَ بِكَثرَةِ الأَموَالِ وَالأَولَادِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى رُجحَانِ أُولَئِكَ الفُقَرَاءِ مِنَ المُسلِمِينَ عَلَى أُولَئِكَ الكُفَّارِ مِنَ الأَغنِيَاءِ، لِأَنَّ العِبرَةَ بِالإِيمَانِ وَبِالتَّقوَى، فَقَالَ سُبحَانَهُ:
)وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ (وَهِيَ أَعمَالُ الخَيرِ الَّتِي تُكسِبُ المَرءَ الحَسَنَاتِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ وَالصَّدَقَاتِ وَالذِّكرِ وَقِرَاءَةِ القُرآنِ وَنَحوِ ذَلِكَ عَلَى أَقوَالٍ كَثِيرَةٍ، فَبَعضُ المُفَسِّرِينَ قَالَ: البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هِيَ الصَّلَوَاتُ الخَمسُ، وَقَالَ بَعضُهُم: سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ، وَقَالَ بَعضُهُم: سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ وَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَقَالَ بَعضُهُم: الكَلَامُ الطَّيِّبُ كَذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعضُهُم: كُلُّ مَا كَانَ مِن طَاعَةِ اللهِ فَهُوَ مِنَ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَهِيَ أَعمَالٌ بَاقِيَةٌ بِاعتِبَارِ بَقَاءِ جَزَائِهَا فِي الآخِرَةِ لِفَاعِلِهَا فِي الدُّنيَا، فَهَذِهِ الأَعمَالُ الصَّالِحَةُ
( خَيْرٌ )
مِن نَعِيمِ الدُّنيَا الزَّائِلِ
(عِندَ رَبِّكَ)
فِي الآخِرَةِ
(ثَوَابًا)
أَي جَزَاءً لِلمُؤمِنِ، وَالأَعمَالُ الصَّالِحَةُ مُشَرَّفَةٌ عِندَ اللهِ وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ يُثِيبُ عَلَيهَا المُؤمِنَ فِي الآخِرَةِ، بِخِلَافِ نَعِيمِ الدُّنيَا الفَانِي، المَالُ وَالأَبنَاءُ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا الزَّائِلَةِ، أَمَّا البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ أَفضَلُ عِندَ اللهِ، البَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ هِيَ الحَسَنَاتُ، الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالحَجُّ وَالزَّكَاةُ وَالذِّكرُ وَقِرَاءَةُ القُرآنِ وَالصَّدَقَةُ وَنَحوُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَالْبَاقِيَاتُ)لِأَنَّ ثَوَابَ الحَسَنَاتِ دَائِمٌ لَا يَنقَطِعُ، لِأَنَّ الآخِرَةَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، حَيَاةٌ لَيسَ بَعدَهَا مَوتٌ، وَصِحَّةٌ لَيسَ بَعدَهَا مَرَضٌ، وَشَبَابٌ لَيسَ بَعدَهُ هَرَمٌ، وَرَاحَةٌ لَيسَ بَعدَهَا تَعَبٌ، أَمَّا زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنيَا فَالأَولَادُ خُلِقُوا لِلمَوتِ، نِهَايَتُهُم المَوتُ، هَذَا يَمُوتُ يَومَ يُولَدُ، وَهَذَا يَمُوتُ بَعدَ أَن يَعِيشَ أُسبُوعًا، وَهَذَا يَمُوتُ بَعدَ سَنَةٍ وَهَذَا يَمُوتُ قَبلَ الشَّبَابِ، وَقَد يَمُوتُ الحَفِيدُ قَبلَ الجَدِّ، فَأَفرَاحُ الدُّنيَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ، وَالمَالُ كَذَلِكَ سَرِيعُ الزَّوَالِ، الأَكلُ مَهمَا كَانَ لَذِيذًا وَمَهمَا تُؤُنِّقَ([3])فِي عَمَلِهِ فَإِنَّ نِهَايَتَهُ هَذَا الخَارِجُ القَذِرُ، الأَكلُ اللَّذِيذُ وَالأَكلُ غَيرُ اللَّذِيذِ نِهَايَتُهُ القَذَرُ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ مَهمَا كَانَت جَمِيلَةً نِهَايَتُهَا أَن تُرمَى فِي المَزَابِلِ بَعدَمَا تَنسَحِقُ وَيَذهَبُ حُسنُ مَنظَرِهَا، أَمَّا الحَسَنَاتُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَأَخَفُّ الحَسَنَاتِ عَلَى اللِّسَانِ الذِّكرُ، وَأَجرُهُ عَظِيمٌ، وَمِنَ الذِّكرِ سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ، المُسلِمُ إِذَا قَالَ سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ تُغرَسُ لَهُ فِي الجَنَّةِ نَخلَةٌ مِن ذَهَبٍ، فَمَن قَالَ سُبحَانَ اللهِ وَبِحَمدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ تُغرَسُ لَهُ مِائَةُ نَخلَةٍ، وَمَن قَالَ أَلفًا فَأَلفُ شَجَرَةٍ، وَمَن قَالَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ فَأَكثَرُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ نَخلُ الجَنَّةِ لَيسَ كَنَخلِ الدُّنيَا فِي الطَّعمِ وَاللَّونِ وَالرَّائِحَةِ، إِنَّمَا الِاسمُ مُشتَرَكٌ، هَذَا يُقَالُ لَهُ نَخلٌ وَهَذَا يُقَالُ لَهُ نَخلٌ ثُمَّ هَذِهِ الشَّجَرَةُ أَبَدِيَّةٌ لَا تَيبَسُ فَتُقلَعَ، بَل هِيَ دَائِمَةٌ رَطبَةٌ مُثمِرَةٌ، وَالصَّدَقَةُ مِن جُملَةِ الحَسَنَاتِ، فَمَن تَصَدَّقَ مِن مَالٍ حَلَالٍ بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ لِوَجهِ اللهِ لَيسَ لِيُقَالَ عَنهُ فُلَانٌ فَاعِلُ خَيرٍ لَيسَ لِيَمدَحَهُ النَّاسُ فَلَهُ أَجرٌ عَظِيمٌ([4])
( وَخَيْرٌ أَمَلًا )
لِأَنَّهُ وَعدٌ صَادِقٌ، يَعنِي أَنَّ صَاحِبَهَا يَأمُلُ فِي الدُّنيَا ثَوَابَ اللهِ وَيُصِيبُهُ فِي الآخِرَةِ، أَمَّا آمَالُ النَّاسِ فِي الدُّنيَا فَأَكثَرُهَا كَاذِبَةٌ.
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) (47)
وَبَعدَ بَيَانِ خَسَاسَةِ الدُّنيَا وَشرَفِ القِيَامَةِ جَاءَ الإِخبَارُ عَن أَحوَالِ القِيَامَةِ فَقَالَ:
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ )
وَالمَقصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلَى المُشرِكِينَ الَّذِينَ
افتَخَرُوا عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ بِكَثرَةِ الأَموَالِ وَالأَعوَانِ، وَالمَعنَى: وَاذكُر يَومَ يُذهِبُ اللهُ تَعَالَى بِقُدرَتِهِ مِن غَيرِ مُمَاسَّةٍ جِبَالَ الدُّنيَا، فَتُقلَعُ مِن مَكَانِهَا وَتُحَطَّمُ فَتَصِيرُ غُبَارًا مَسحُوقًا مُسَيَّرًا فِي الجَوِّ كَالسُّحُبِ، أَو يُذهَبُ بِهَا بِأَن تُجعَلَ هَبَاءً مَنثُورًا مُنبَثًّا، قَالَ تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)) ([5])
وَقَالَ تَعَالَى: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5 ) فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا( 6))([6])، وَتَسيِيرُ الجِبَالِ هُوَ نَوعٌ مِن أَحوَالِ القِيَامَةِ، وَمِن أَحوَالِ القِيَامَةِ كَذَلِكَ بَعدَهَا
(وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً)
لَيسَ عَلَيهَا مَا يَستُرُهَا مِمَّا كَانَ عَلَيهَا مِنَ الجِبَالِ وَالأَشجَارِ، فَبَقِيَت بَارِزَةً ظَاهِرَةً لَيسَ عَلَيهَا مَا يَستُرُهَا، وَهُوَ المُرَادُ مِن قَولِهِ:
(لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) ﱠ ([7])، وَتَكُونُ هَذِهِ الأَرضُ بَيضَاءَ كَالجِلدِ المَشدُودِ.
وَمِن أَحوَالِ القِيَامَةِ كَذَلِكَ
(وَحَشَرْنَاهُمْ) أَيِ المَوتَى
( فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا )
أَي فَلَم نَترُك، غَادَرَهُ أَي تَرَكَهُ، وَمِنهُ الغَدِيرُ لِأَنَّهُ مَا تَرَكَتهُ السُّيُولُ، هَذِهِ الآيَةُ مَعنَاهَا حَشرُ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ، فَقَد أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُم يُحشَرُونَ وَلَا يُترَكُ مِنهُم أَحَدٌ، أَي كُلُّهُم يُحشَرُونَ([8]).
( وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا )([9]) مُصطَفِّينَ ظَاهِرِينَ، تَرَى جَمَاعَتَهُم كَمَا تَرَى كُلَّ وَاحِدٍ، لَا يَحجُبُ أَحَدٌ أَحَدًا، شُبِّهَت حَالُهُم بِحَالِ الجُندِ المَعرُوضِينَ عَلَى السُّلطَانِ، قَالَ القَفَّالُ: وَيُشبِهُ أَن يَكُونَ الصَّفُّ رَاجِعًا إِلَى الظُّهُورِ وَالبُرُوزِ، وَمِنهُ اشتُقَّ الصَّفصَفُ لِلصَّحرَاءِ([10]).اهـ
(لَّقَدْ جِئْتُمُونَا)
أَي قُلنَا لَهُم لَقَد جِئتُمُونَا
(كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ)
أَي لَقَد بَعَثنَاكُم كَمَا أَنشَأنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ:( وَحَشَرْنَاهُمْ )مَاضِيًا بَعدَ (نُسَيِّرُ) (وَتَرَى ) لِلدِّلَالَةِ عَلَى حَشرِهِم قَبلَ التَّسيِيرِ وَقَبلَ البُرُوزِ لِيُعَايِنُوا تِلكَ الأَهوَالِ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَحَشَرنَاهُم قَبلَ ذَلِكَ، فَإِنَّكُم حِينَ أَخرَجَكُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى الدُّنيَا كُنتُم فِي حُكمِ العَدَمِ، ثُمَّ صَوَّرَكُم نُطَفًا مَيِّتَةً فِي أَرحَامِ أُمَّهَاتِكُم، ثُمَّ خَلَقَ فِيكُمُ الحَيَاةَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ أَفنَاكُم بِالمَوتِ، ثُمَّ أَعَادَكُم إِلَى الحَيَاةِ مَرَّةً أُخرَى، فَبَعَثَكُم وَحَشَرَكُم لِيُجَازِيَكُم عَلَى مَا قَدَّمتُم مِنَ العَمَلِ فِي دُنيَاكُم.
وَيُقَالُ لِمُنكِرِي البَعثِ يَومَ القِيَامَةِ تَوبِيخًا لَهُم وَتَقرِيعًا
( بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا )
أَي قَدِ ادَّعَيتُم جَهلًا مِنكُم وَأَنتُم فِي الدُّنيَا أَنَّهُ لَن يَكُونَ هُنَاكَ بَعثٌ وَلَن يَكُونَ هُنَاكَ وَقتٌ لِإِنجَازِ مَا جَاءَ الوَعدُ بِهِ عَلَى أَلسِنَةِ الأَنبِيَاءِ مِنَ البَعثِ وَالنُّشُورِ أَو مَكَانٌ لِإِنجَازِ وَعدِ المُحَاسَبَةِ
فَقَد كَذَّبتُم وَلَم يَنفَعكُم جَهلُكُم([11]).
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (49)
(وَوُضِعَ الْكِتَابُ)
أَي صُحُفُ الأَعمَالِ، وَالمُرَادُ أَنَّهُ يُوضَعُ فِي هَذَا اليَومِ كِتَابُ كُلِّ إِنسَانٍ فِي يَدِهِ، إِمَّا فِي اليَمِينِ أَو فِي الشِّمَالِ، فَيُنَاوَلُ المُؤمِنُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ لِشَرَفِ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ، فَيَفرَحُ المُؤمِنُ النَّاجِي وَيُعلِنُ ذَلِكَ لِأَحبَابِهِ المُؤمِنِينَ )فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ(19) ﱠ([12])، وَيُنَاوَلُهُ الكَافِرُ بِشِمَالِهِ مِن وَرَاءِ ظَهرِهِ لِخَسَاسَةِ الكُفرِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ، قَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَنِ الكَافِرِ:) يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25 (ﱠ([13])، لِمَا يَرَى مِنَ الفَضَائِحِ، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: المُرَادُ بِهَا هُنَا صُحُفُ أَعمَالِ العِبَادِ، تُوضَعُ فِي المِيزَانِ يَومَ القِيَامَةِ لِوَزنِ الأَعمَالِ
(فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ )
أَيِ الكَافِرِينَ، قَالَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ: وَذَكَرَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ أَنَّ كُلَّ مُجرِمٍ ذُكِرَ فِي القُرآنِ فَالمُرَادُ بِهِ الكَافِرُ
(مُشْفِقِينَ(أَي خَائِفِينَ
(مِمَّا فِيهِ) ﱠمِمَّا فِي الكِتَابِ مِن أَعمَالِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَيَكُونُ الكُفَّارُ خَائِفِينَ مِمَّا فِي الكِتَابِ وَمِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأَهلِ المَوقِفِ فَيُفتَضَحُونَ، وَبِالجُملَةِ يَحصُلُ لَهُم خَوفُ العِقَابِ مِنَ الحَقِّ وَخَوفُ الفَضِيحَةِ عِندَ الخَلقِ
(وَيَقُولُونَ) مِن شِدَّةِ رُعبِهِم وَكَربِهِم عِندَ مُعَايَنَتِهِم لَهُ وَرُؤيَتِهِم لِمَا فِيهِ مِمَّا عَمِلُوهُ مِن كُفرٍ وَمَعصِيَةٍ
(يَا وَيْلَتَنَا) أَي يَا هَلَاكَنَا، يُنَادُونَ هَلَكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوهَا خَاصَّةً مِن بَينِ الهَلَكَاتِ، فَإِنَّهُم يَقُولُونَ ذَلِكَ تَحَسُّرًا وَأَسَفًا عَلَى مَا كَانَ مِنهُم
(مَالِ هَٰذَا) أَي أَيُّ شَيءٍ لِهَذَا
(الْكِتَابِ) أَي مَا حَالُهُ، فَإِنَّهُ شَيءٌ يُتَعَجَّبُ مِنهُ، فَهُوَ
(لَا يُغَادِرُ) أَي لَا يَترُكُ
(صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) أَي لَا يَترُكُ شَيئًا مِنَ المَعَاصِي
(إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ) حَصَرَهَا وَضَبَطَهَا
(وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ) يَجِدُ الكَافِرُونَ وَقتَئِذٍ مَا عَمِلُوا فِي الدُّنيَا
(حَاضِرًا) أَي مَكتُوبًا مُثبَتًا فِي كِتَابِهِم، أَوِ المَعنَى أَنَّهُم وَجَدُوا العِقَابَ فِي الآخِرَةِ جَزَاءَ مَا عَمِلُوا فِي الدُّنيَا مِنَ الكُفرِ وَالمَعَاصِي، وَكُلُّ امرِئٍ يُجَازَى بِمَا قَدَّمَ
(وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
فَلَا يَكتُبُ عَلَيهِ إِلَّا مَا عَمِلَ، وَإِنَّ الظُلمَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ المَالِكُ لِلعَالَمِ بِأَسرِهِ، يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، هُوَ الآمِرُ فَلَا آمِرَ لَهُ، وَهُوَ النَّاهِي فَلَا حَادَّ لَهُ، قَالَ الفَقِيهُ الأُصُولِيُّ بَدرُ الدِّينِ الزَّركَشِيُّ: وَيَستَحِيلُ وَصفُ اللهِ بِالظُّلمِ شَرعًا وَعَقلًا، أَمَّا شَرعًا فَلِقَولِهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) ﱠ([14])، وَقَولِهِ تَعَالَى:( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(46)([15])، وَقَولِهِ: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(118)([16])، وَذَلِكَ لِحَقِيقَةٍ عَمِيَت عَنهَا الأَبصَارُ، وَقَولِهِ أَيضًا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا(44)ﱠ([17])، فَتَمَدَّحَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِنَفيِ الظُّلمِ عَنهُ فَلَا يَجُوزُ الظُّلمُ عَلَيهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَفيُ مَا أَثبَتَهُ لِنَفسِهِ مِنَ النُّعُوتِ وَالصِّفَاتِ، كَذَلِكَ مَا نَفَاهُ عَنهُ مِنَ النَّقَائِصِ لَا يَجُوزُ إِثبَاتُهَا لَهُ، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي([18])».اهـ أَي تَنَزَّهتُ عَنهُ، وَأَمَّا عَقلًا فَلِأَنَّ الظُّلمَ إِنَّمَا صَارَ ظُلمًا لِأَنَّهُ مَنهِيٌّ عَنهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي أَفعَالِهِ تَعَالَى مَا يُنهَى عَنهُ، إِذ لَا يُتَصَوَّرُ لَهُ نَاهٍ، وَلِأَنَّ العَالَمَ خَلقُهُ وَمُلكُهُ، فَهُوَ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23) ([19])، وَأَيضًا فَلَا يُتَصَوَّرُ الظُّلمُ إِلَّا عَلَى مَن يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ الجَهلُ، لِأَنَّهُ وَضعُ الشَّيءِ فِي غَيرِ مَوضِعِهِ، وَأَمَّا مَن أَحَاطَ عِلمُهُ بِالأَشيَاءِ وَمَوَاقِعِهَا فَلَا([20]).
وَليُعلَم أَنَّ المَقصُودَ مِن ذِكرِ الآيَاتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلَى القَومِ الَّذِينَ افتَخَرُوا بِأَموَالِهِم وَأَعوَانِهِم عَلَى فُقَرَاءِ المُسلِمِينَ، وَلَمَّا كَانَ إِبلِيسُ قَد تَكَبَّرَ عَلَى آدَمَ وَافتَخَرَ بِأَصلِهِ وَنَسَبِهِ قَالَ تَعَالَى إِخبَارًا عَنهُ: (خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(76)ﱠ([21])، فَأَنَا أَشرَفُ مِنهُ فِي الأَصلِ وَالنَّسَبِ، فَكَيفَ أَسجُدُ وَكَيفَ أَتَواضَعُ لَهُ، وَهَؤُلَاءِ المُشرِكُونَ عَامَلُوا فُقَرَاءَ المُسلِمِينَ بِعَينِ هَذِهِ المُعَامَلَةِ، فَقَالُوا كَيفَ نَجلِسُ مَعَ هَؤُلَاءِ الفُقَرَاءِ مَعَ أَنَّا مِن أَنسَابٍ شَرِيفَةٍ وَهُم مِن أَنسَابٍ نَازِلَةٍ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ وَهُم فُقَرَاءُ.
( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) (50)
اللهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هُنَا تَنبِيهًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ بِعَينِهَا طَرِيقَةُ إِبلِيسَ، فَقَالَ تَعَالَى:
(وَإِذْ قُلْنَا) أَي وَاذكُر يَا مُحَمَّدُ إِذ قُلنَا
(لِلْمَلَائِكَةِ) جَمِيعِهِم بِأَن أَمَرَهُمُ اللهُ أَنِ
(اسْجُدُوا لِآدَمَ) سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَاحتِرَامٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ لِغَيرِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ إِظهَارَ شَرَفِ آدَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَمَرَهُم بِالسُّجُودِ تَحِيَّةً لَهُ، لِأَنَّهُ يَخرُجُ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ الأَنبِيَاءُ وَالأَولِيَاءُ
(فَسَجَدُوا) أَيِ امتَثَلُوا لِأَمرِ اللهِ فَسَجَدُوا تَحِيَّةً لِآدَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
(إِلَّا إِبْلِيسَ) فَإِنَّهُ لَم يَسجُد وَلَم يَكُن مِنَ المَلَائِكَةِ بَل
(كَانَ مِنَ الْجِنِّ) وَهُوَ أَصلُ الجِنِّ وَأَبُوهُم، وَالجِنُّ جِنسٌ مُخَالِفٌ لِلمَلَائِكَةِ، وَلَم يَتَوَقَّف أَمرُ إِبلِيسَ عِندَ حَدِّ الِامتِنَاعِ عَن تَنفِيذِ أَمرِ اللهِ، بَل أَبَى وَاستَكبَرَ وَاعتَرَضَ عَلَى اللهِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ فَكَفَرَ
قَاَل اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ([22])
(فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) خَرَجَ عَمَّا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَأمُورًا بِالسُّجُودِ مَعَ المَلَائِكَةِ، إِبلِيسُ اللَّعِينُ لَم يَكُن مِنَ المَلَائِكَةِ طَرفَةَ عَينٍ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَثبَتَ هُنَا أَنَّهُ فَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ، أَمَّا المَلَائِكَةُ أَخبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنهُم بِأَنَّهُم (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ([23])
وَإِبلِيسُ تَكبَّرَ، وَاللهُ تَعَالَى أَخبَرَ عَنِ المَلَائِكَةِ فَقَالَ: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) ([24])، وَلَا يَجُوزُ أَن يُقَالَ إِنَّ إِبلِيسَ كَانَ طَاوُوسَ المَلَائِكَةِ، فَهَذَا مِنَ الإِسرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي تُنسَبُ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَذِبًا، ثُمَّ إِنَّ إِبلِيسَ كَفَرَ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) ([25])، ثُمَّ إِنَّ المَلَائِكَةَ لَيسَ لَهُم ذُرِّيَّةٌ، وَلَكِنَّ اللهَ أَثبَتَ لِإِبلِيسَ الذُّرِّيَّةَ فَقَالَ سُبحَانَهُ:
(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ) الهَمزَةُ لِلإِنكَارِ وَالتَّعجِيبِ، كَأَنَّهُ قِيلِ: عَقِيبَ مَا وُجِدَ مِن إِبلِيسَ تَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ([26])
(أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي) وَتَستَبدِلُونَهُم بِي
(وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) وَإِبلِيسُ([27]) وَذُرِّيَّتُهُ الكَفَرَةُ أَعدَاءٌ لَكُم، كَمَا كَانَ إِبلِيسُ عَدُوًّا لِأَبِيكُم آدَمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ([28])
(بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) بِئسَ البَدَلُ مِنَ اللهِ إِبلِيسُ لِمَنِ استَبدَلَهُ فَأَطاَعَهُ بَدَلَ طَاعَةِ اللهِ.
([1]) الخَصَائِصُ الكُبرَى، لِجَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيِّ (ج2 ص278).
([2]) فَيَنزِلُ إِلَى الأَرضِ بِكَيلٍ مَعلُومٍ، كُلَّ سَنَةٍ يَنزِلُ نَفسُ القَدرِ مِنَ السَّمَاءِ لَكِن يَختَلِفُ قَدرُ الَّذِي يَنزِلُ عَلَى كُلِّ أَرضٍ فَيَنزِلُ عَلَى هَذِهِ الأَرضِ أَكثَرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَعَلَى تِلكَ الأَرضِ أَقَلُّ، وَفِي السَّنَةِ الَّتِي بَعدَهَا يَنزِلُ فِي أَرضٍ أُخرَى أَكثَرُ وَفِي أَرضٍ أُخرَى أَقَلُّ، وَهَكَذَا.
([3]) أَي أُحكِمَ، قَالَ الفَيُّومِيُّ: مَعنَى وَتَأَنَّقَ فِي عَمَلِهِ أَحكَمَهُ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج1 ص26).
([4]) قُلتُ: الصَّدَقَةُ إِن كَانَت مِن مَالٍ حَلَالٍ وَبِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ لَيسَ لِطَلَبِ مَدحِ النَّاسِ بِأَن يُقَالَ لَهُ فُلَانٌ كَرِيمٌ فُلَانٌ سَخِيٌّ فُلَانٌ فَاعِلُ خَيرٍ بَل كَانَت بِنِيَّةِ أَنَّ اللهَ يُحِبُّ الصَّدَقَةَ فَمَن تَصَدَّقَ عَلَى هَذَا الوَجهِ بِصَدَقَةٍ مَهمَا كَانَت صَغِيرَةً فَهِيَ عِندَ اللهِ كَبِيرَةٌ عَلَى حَسَبِ حُسنِ نِيَّةِ الشَّخصِ وَكَونِ الشَّخصِ مُؤثِرًا شَدِيدَ الإِيثَارِ لِلآخِرَةِ يَعظُمُ ثَوَابُهَا، فَمَن تَصَدَّقَ مِن مَالٍ قَلِيلٍ لَهُ فَدَفَعَ نِصفَ مَالِهِ وَأَبقَى النِّصفَ الآخَرَ لِنَفسِهِ، هَذَا عِندَ اللهِ أَجرُهُ أَعظَمُ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ وَتَصَدَّقَ بِبَعضِهِ، مِثَالُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيرُهُ: (سَبَقَ دِرهَمٌ مِائَةَ أَلفِ دِرهَمٍ، قِيلَ كَيفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَهُ دِرهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلفِ دِرهَمٍ مِن عُرضِ مَالِهِ).اهـ أَي مِن مَالِهِ الكَثِيرِ دَفَعَ مِائَةَ أَلفِ دِرهَمٍ وَتَرَكَ كَثِيرًا لِنَفسِهِ، هَذِهِ المِائَةُ أَلفٍ بِالنِّسبَةِ لِكَثرَةِ مَالِهِ قَلِيلٌ فَثَوَابُ الشَّخصِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ وَاحِدٍ وَتَرَكَ لِنَفسِهِ دِرهَمًا وَاحِدًا أَعظَمُ عِندَ اللهِ مِن ثَوَابِ الآخَرِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِالمِائَةِ أَلفٍ الَّتِي هِيَ قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ بِالنِّسبَةِ لِمَالِهِ الكَثِيرِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ لَا يَقبَلُ الحَسَنَاتِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَاتِ إِلَّا بَعدَ مَعرِفَةِ اللهِ، مَن لَم يَعِرِفِ اللهَ كَمَا يَجِبُ مَهمَا عَمِلَ مِنَ الحَسَنَاتِ لَا يَقبَلُ اللهُ مِنهُ، أَمَّا مَن عَرَفَ اللهَ، آمَنَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ الَّذِي تُقبَلُ مِنهُ الحَسَنَاتُ، ثُمَّ الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَعرِفَةُ أَنَّ اللهَ مَوجُودٌ لَا يُشبِهُ غَيرَهُ، ذَاتُ اللهِ لَيسَ جِسمًا لَطِيفًا كَالضَّوءِ وَالرِّيحِ، وَلَا هُوَ جِسمٌ كَثِيفٌ كَالإِنسَانِ وَالشَّمسِ وَالقَمَرِ وَالنُّجُومِ، لَيسَ حَجمًا صَغِيرًا وَلَا حَجمًا كَبِيرًا، كَانَ مَوجُودًا قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، قَبلَ السَّمَاوَاتِ وَقَبلَ الأَرضِ وَقَبلَ الجِهَاتِ السِّتِّ، كَانَ مَوجُودًا قَبلَ وُجُودِ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ ثُمَّ خَلَقَ المَكَانَ، وَخَلَقَ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ المَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ جِرمًا كَبِيرًا يُقَالُ لَهُ العَرشُ، ثُمَّ خَلَقَ جِرمًا يُقَالُ لَهُ القَلَمُ الأَعلَى لَيسَ كَأَقلَامِ الدُّنيَا، وَخَلَقَ لَوحًا مِسَاحَتُهُ مَسِيرَةُ خَمسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَجَرَى هَذَا القَلَمُ بِقُدرَةِ اللهِ وَكَتَبَ كُلَّ شَيءٍ يَصِيرُ فِي الدُّنيَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ بَعدَ ذَلِكَ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ الأَرضَ وَالسَّمَاوَاتِ وَلَم يَكُن قَبلَ أَن يَخلُقَ اللهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ نُورٌ وَلَا ظَلَامٌ، ثُمَّ كُلُّ هَذِهِ الأَشيَاءِ خَلَقَهَا اللهُ بِقُدرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَخَلَقَ الإِنسَانَ آخِرَ كُلِّ شَيءٍ مِنَ العَالَمِ، بَعدَ أَن خَلَقَ كُلَّ أَنوَاعِ العَالَمِ خَلَقَ اللهُ آدَمَ أَبَا البَشَرِ عَلَيهِ السَّلَامُ، خَلَقَ الأَرضَ فِي يَومَيِ الأَحَدِ وَالِاثنَينِ، ثُمَّ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ الثُّلَاثَاءَ وَالأَربِعَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ فِي اليَومَينِ الأَخِيرَينِ مَرَافِقَ الأَرضِ الجِبَالَ وَالأَشجَارَ وَالأَنهَارَ وَالبِحَارَ وَجَعَلَ فِي الأَرضِ الأَمَاكِنَ الَّتِي يَنتَفِعُ بِهَا النَّاسُ، الأَمَاكِنُ الَّتِي تَصلُحُ لِأَن يَسلُكُوهَا، ثُمَّ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ آخِرَ النَّهَارِ وَقتَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ لِأَنَّ تِلكَ الأَيَّامَ السِّتَّةَ كُلُّ يَومٍ مِنهَا بِقَدرِ أَلفِ سَنَةٍ بِحِسَابِ أَيَّامِنَا هَذِهِ، آدَمُ عَلَيهِ السَّلَامُ خُلِقَ مِن تُرَابِ الأَرضِ، مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ رَفَعَ هَذَا التُّرَابَ بِأَمرِ اللهِ إِلَى الجَنَّةِ وَعُجِنَ بِمَاءِ الجَنَّةِ وَلَم يَرِد مَن هُوَ هَذَا المَلَكُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَيَحتَمِلُ أَن يَكُونَ جِبرِيلَ أَو عَزرَائِيلَ أَو غَيرَهُمَا، وَبَقِيَ هَذَا التُّرَابُ طِينًا مُدَّةً، ثُمَّ تَحَوَّلَ شَيئًا يَابِسًا جَامِدًا كَالفَخَّارِ، ثُمَّ حَوَّلَهُ اللهُ لَحمًا وَعِظَامًا وَدَمًا، ثُمَّ أُدخِلَ فِيهِ الرُّوحُ، ثُمَّ عَلَّمَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الكَلَامَ، وَأَفَاضَ عَلَى قَلبِهِ فَصَارَ يَعرِفُ أَسمَاءَ كُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ خَلَقَ اللهُ مِن ضِلَعٍ مِن أَضلُعِهِ حَوَّاءَ وَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، جَعَلَهَا زَوجَةً لَهُ، فَعَاشَ آدَمُ فِي الجَنَّةِ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَنزَلَهُ اللهُ إِلَى الأَرضِ وَعَلَّمَهُ أُمُورَ المَعِيشَةِ، عَلَّمَهُ كَيفَ يَزرَعُ القَمحَ ثُمَّ يَحصُدُ ثُمَّ يَعمَلُ مِنهُ الخُبزَ، وَعَلَّمَهُ كَيفَ يَستَخرِجُ الحَدِيدَ، وَكَيفَ يَستَخرِجُ النَّارَ، وَكَيفَ يَعمَلُ نَقدَ الذَّهَبِ وَنَقدَ الفِضَّةِ لِيَتَعَامَلَ بِهَا النَّاسُ.
([6]) [سُورَةُ الوَاقِعَةِ:5ـ6].
([8]) يَجمَعُ اللهُ المُؤمِنِينَ وَالكَافِرِينَ جَمِيعًا إِلَى مَوقِفِ الحِسَابِ بَعدَ أَن يُبعَثُوا مِن قُبُورِهِم، وَقَالَ بَعضُ المُفَسِّرِينَ: أَي قَبلَ نَسفِ الجِبَالِ وَتَبدِيلِ مَعَالِمِ الأَرضِ، وَذَلِكَ بَعدَ أَن يُبعَثَ المَوتَى مِن قُبُورِهِم، ثُمَّ يُحشَرُونَ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ، يُعَايِنُونَ فِيهِ نَسفَ الجِبَالِ وَتَسيِيرَهَا وَتَبدِيلَ الأَرضِ وَغَيرَ ذَلِكَ مِنَ الأَهوَالِ، ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ لِلحِسَابِ، أَمَّا أَرضُ المَحشَرِ وَالمَنشَرِ فَهِيَ الشَّامُ، يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ إِلَيهَا، وَأُمُّ بَرِّ الشَّامِ فِلَسطِينُ، فَهِيَ الأَصلُ، لِأَنَّ الأَنبِيَاءَ أَكثَرُهُم كَانُوا فِي فِلَسطِينَ، إِبرَاهِيمُ وَابنُهُ إِسحَاقُ وَابنُهُ يَعقُوبُ وَابنُهُ يُوسُفُ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كُلُّهُم قُبُورُهُم فِي فِلَسطِينَ، فَإِمَّا أَن يَكُونَ المُرَادُ أَنَّ أَرضَ الشَّامِ تُمَدُّ لِتَكُونَ مَحشَرَ كُلِّ النَّاسِ، وَإِمَّا أَن يَكُونَ المُرَادُ أَنَّهُم يَتَوَجَّهُونَ إِلَيهَا مِنَ النَّوَاحِي المُختَلِفَةِ وَإِن كَانَ قِسمٌ مِنهُم لَا يَصِلُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَهِيَ أَرضٌ مُستَوِيَةٌ كَالجِلدِ المَشدُودِ لَا جِبَالَ فِيهَا وَلَا وِديَانَ، أَكبَرُ وَأَوسَعُ مِن أَرضِنَا هَذِهِ، بَيضَاءُ كَالفِضَّةِ، فَإِنَّ النَّاسَ بَعدَ البَعثِ يُنقَلُونَ إِلَى ظُلمَةٍ عِندَ الصِّرَاطِ فَتُبَدَّلُ أَوصَافُ هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي خَرَجُوا مِنهَا، ثُمَّ يُعَادُونَ إِلَيهَا بَعدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَشرُهُم عَلَى الأَرضِ المُبَدَّلَةِ، وَقَد جَاءَ فِي مُسنَدِ الطَّيَالِسِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصنَافٍ: رُكبَانًا، وَمُشَاةً، وَعَلَى وُجُوهِهِم“، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَمشُونَ عَلَى وُجُوهِهِم؟، قَالَ: “الَّذِي أَمشَاهُم عَلَى أَقدامِهِم قَادِرٌ أَن يُمشِيَهُم عَلَى وُجُوهِهِم“. وفي البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَربَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُم حَيثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُم حَيثُ بَاتُوا، وَتُصبِحُ مَعَهُم حَيثُ أَصبَحُوا، وَتُمسِي مَعَهُم حَيثُ أَمسَوا“.
فَيُفهَمُ مِن ذَلِكَ وَمِن أَقوَالِ السَّلَفَ أنَّ النَّاسَ فِي الحَشرِ يَكُونُونَ عَلَى ثَلَاثةِ أَحوالٍ:
- قِسمٌ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ علَى نُوقٍ رحَائِلُها مِن ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتقِياءُ.
- وَقِسمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ وَهُم المُسلِمُونَ مِن أَهلِ الكَبَائرِ.
- وقِسمٌ يُحشَرُونَ ويُجَرُّونَ على وجُوهِهم وهمُ الكفّارُ.
وَرَوَى مُسلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: “يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرلًا“، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنظُرُ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، قَالَ ﷺ: “يَا عَائِشَةُ الأَمرُ أَشَدُّ مِن أَن يَنظُرَ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ“، فَإِنَّ هَولَ ذَلِكَ اليَومِ شَدِيدٌ، فَالأَنبِيَاءُ وَالأَتقِيَاءُ يَكُونُونَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ رَاكِبِينَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا الذَّهَبُ. وَمِن أَسمَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الحَاشِرُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ وَيُحشَرُ النَّاسُ عَلَى إِثرِهِ ﷺ.
([9]) يُعرَضُ المَحشُورُونَ لِحِسَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأتِي إِلَى مَكَانِ الحَشرِ وَيَجلِسُ وَالعِيَاذُ بِاللهِ عَلَى كُرسِيٍّ لِفَصلِ القَضَاءِ، بَلِ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مَوجُودٌ بِلَا كَيفٍ وَلَا مَكَانٍ، قَالَ الإِمَامُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجهَهُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، وَلَم يَتَّخِذهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ.اهـ وَقَالَ الإِمَامُ فَخرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفسِيرِهِ: قَالَتِ المُشَبِّهَةُ: (قَولُهُ تَعَالَى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)،يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَحضُرُ فِي ذَلِكَ المَكَانِ وَيُعرَضُ عَلَيهِ أَهلُ القِيَامَةِ صَفًّا، كَذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: )لَّقَدْ جِئْتُمُونَا( يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَحضُرُ فِي ذَلِكَ المَكَانِ)، وَأُجِيبَ عَنهُ: بِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ وُقُوفَهُم فِي المَوضِعِ الَّذِي يَسأَلُهُم فِيهِ عَن أَعمَالِهِم وَيُحَاسِبُهُم عَلَيهَا عَرضًا عَلَيهِ، لَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَحضُرُ فِي مَكَانٍ وَعُرِضُوا عَلَيهِ لِيَرَاهُم بَعدَ أَن لَم يَكُن يَرَاهُم.اهـ
([10]) التَّفسِيرُ الكَبِيرُ، لِفَخرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ (ج21 ص469).
([11]) وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى البَعثِ، فَإِنَّ البَعثَ حَقٌّ وَاقِعٌ، وَهُوَ خُرُوجُ المَوتَى مِنَ القُبُورِ الَّتِي دُفِنُوا فِيهَا بَعدَ إِعَادَةِ الجَسَدِ الَّذِي أَكَلَهُ التُّرَابُ، إِن كَانَ مِنَ الأَجسَادِ الَّتِي يَأكُلُهَا التُّرَابُ، وَهِيَ أَجسَادُ غَيرِ الأَنبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ المَعرَكَةِ وَبَعضِ الأَولِيَاءِ، لِمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيرِهِ أَنَّ الأَرضَ لَا تَأكُلُ أَجسَادَ الأَنبِيَاءِ، وَلِمَا تَوَاتَرَ مِن مُشَاهَدَةِ الشُّهَدَاءِ بَعدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِن دَفنِهِم لَم تَأكُلِ الأَرضُ أَجسَادَهُم، وَقَد شُوهِدَ هَذَا فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَغَيرِهِم، وَلِمَا ثَبَتَ مِن مُشَاهَدَةِ بَعضِ الأَولِيَاءِ لَم تَبلَ أَجسَادُهُم عِندَ فَتحِ قُبُورِهِم بَعدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِن دَفنِهِم، وَمِنهُمُ الشَّيخُ أَبُو عَمرِو بنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فُتِحَ قَبرُهُ بَعدَ أَكثَرَ مِن سَبعِمِائَةِ سَنَةٍ مِن دَفنِهِ فَوُجِدَ صَحيِحَ الجِسمِ وَالكَفَنِ، وَأَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ كَمَا أَخبَرَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ أَنَّهُ ﷺ أَوَّلُ مَن يُفِيقُ مِنَ الصَّعقَةِ، لَكِنَّهُ قَالَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: فَأَجِدُ مُوسَى مُتَعَلِّقًا بِقَائِمَةٍ مِن قَوَائِمِ العَرشِ، فَلَا أَدرِي أَفَاقَ قَبلِي أَو جُوزِيَ بِصَعقَةِ الطُّورِ، أَي فَلَم يُصعَق عِندَ النَّفخَةِ الأُولَى فِي البُوقِ لِأَنَّهُ كَانَ صُعِقَ فِي الدُّنيَا قَبلَ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ لَا يَدرِي هَل يَسبِقُهُ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالإِفَاقَةِ أَو لَا فَنَحنُ أَولَى بِأَن لَا نَدرِي أَيُّهُمَا يُبعَثُ أَوَّلًا، وَأَمَّا غَيرُ الأَنبِيَاءِ فَقَد رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهلَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ يَكُونُونَ مِن أَوَّلِ مَن يُبعَثُ. وَقَد وَرَدَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “نَحنُ أَوَّلُ مَن يُبعَثُ وَأَوَّلُ مَن يُحَاسَبُ“، الأَوَائِلُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ص40)، وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “أَنَا أَوَّلُ مَن تَنشَقُّ عَنهُ الأَرضُ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَن يُبعَثُ فَأَخرُجُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ إِلَى أَهلِ البَقِيعِ فَيُبعَثُونَ ثُمَّ يُبعَثُ أَهلُ مَكَّةَ فَأُحشَرُ بَينَ الحَرَمَينِ“.اهـ تَارِيخُ دِمَشقَ، لِلحَافِظِ أَبِي القَاسِمِ ابنِ عَسَاكِرَ (ج59 ص275).
([12]) [سُورَةُ الحَاقَّةِ:19].
([13]) [سُورَةُ الحَاقَّةِ:25].
([14]) [سُورَةُ النِّسَاءِ:40].
([16]) [سُورَةُ النَّحلِ:118].
([18]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ ـ كِتَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ وَالآدَابِ ـ بَابُ تَحرِيمِ الظُّلمِ.
([19]) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:23].
([20]) وَالمُخَالِفُ بِهَذِهِ المَسأَلَةِ القَدَرِيَّةُ، قَالُوا: إِنَّ القَدِيمَ يَصِحُّ مِنهُ الظُّلمُ لَكِن لَا يَظلِمُ لِكَونِهِ قَبِيحًا، قَالَ الشَّيخُ أَبُو إِسحَاقَ: وَفِي هَذَا إِسقَاطٌ لِمَا يُشِيعُونَهُ عَن أَهلِ الحَقِّ أَنَّهُم يَنسُبُونَ إِلَيهِ فِعلَ القَبَائِحِ تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَتَجوِيزُ القَدَرِيَّةِ وَغَيرِهِمُ الظُّلمَ عَلَى اللهِ كُفرٌ مِنهُم.
([22]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:34].
([23]) [سُورَةُ التَّحرِيمِ:6].
([24]) [سُورَةُ الأَنبِيَاءِ:19].
([25]) [سُورَةُ البَقَرَةِ:34].
([26]) وَمِن ذُرِّيَّتِهِ: لَاقِيسُ مُوَسوِسُ الطَّهَارَةِ، وَوَلهَانُ مُوَسوِسُ الصَّلَاةِ، وَالأَعوَرُ صَاحِبُ الزِّنَى، وَتَبَرُ بِفَتحِ التَّاءِ وَالبَاءِ صَاحِبُ المَصَائِبِ، وَمُطَوِّسُ صَاحِبُ الأَرَاجِيفِ، وَدَاسَمُ بِفَتحِ السِّينِ يَدخُلُ وَيَأكُلُ مَعَ مَن لَم يُسَمِّ اللهَ تَعَالَى.
([27]) خَلَقَ اللهُ تَعَالَى إِبلِيسَ مِن غَيرِ أَبٍ، وَجَعَلَ لَهُ زَوجَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قِرفَةٍ، وَهُم مَخلُوقُونَ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ، قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ: «خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِن نُورٍ وَخُلِقَ الجَانُّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ»، أَي مِن لَهِيبِ النَّارِ الصَّافِي.
([28]) لِيُعلَم أَنَّ الجِنَّ مِنهُمُ المُؤمِنُ وَمِنهُمُ الكَافِرُ، وَمُؤمِنُوهُم فِيهِمُ الصَّالِحُ وَفِيهِمُ الفَاسِقُ كَمَا هُوَ فِي بَنِي آدَمَ، وَأَكثَرُهُمُ الكُفَّارُ.