فِي هَذِهِ الآيَةِ إِثبَاتُ أَصلٍ مِن أُصُولِ الإِيمَانِ وَهُوَ القَدَرُ
هَذِهِ الآيَةُ مِن أَصرَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى بُطلَانِ قَولِ المُعتَزِلَةِ: إِنَّ اللهَ لَم يَخلُقِ الشَّرَّ، وَمِن أَصرَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ كُلَّ شَىءٍ مِنَ الخَيرِ وَالشَّرِّ وَالكُفرِ وَالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ وَالمَعصِيَةِ، فَإِيجَادُ اللهِ لِلأَشيَاءِ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ فِي عِلمِهِ الأَزَلِيِّ وَإِبرَازُهُ لَهَا مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ يُسَمَّى قَدَرًا، وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخرَى: القَدَرُ هُوَ جَعلُ كُلِّ شَىءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيهِ.
وَليُعلَم أَنَّ القَدَرَ يُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللهِ أَيِ التَّدبِيرُ، وَيُطلَقُ وَيُرَادُ بِهِ المَقدُورُ أَيِ المَخلُوقُ، وَهَذَا هُوَ المَقصُودُ بِحَدِيثِ جِبرِيلَ: »وَبِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»([1])، لِأَنَّ المَقدُورَ هُوَ الَّذِي يُوصَفُ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ، فالإِنسَانُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً يُسَمَّى عَمَلُهُ خَيرًا، وَإِن عَمِلَ الإِنسَانُ مَعصِيَةً يُسَمَّى عَمَلُهُ شَرًّا، وَكِلاهُمَا بِخَلقِهِ تَعَالَى، أَمَّا اللهُ تَعَالَى تَقدِيرُهُ لا يُسَمَّى شَرًّا، تَقدِيرُهُ حَسَنٌ لَيسَ فِيهِ شَرٌّ، فَفِعلُ العَبدِ لِلقَبِيحِ قَبِيحٌ مِنَ العَبدِ، وَأَمَّا تَقدِيرُ اللهِ لِلقَبِيحِ لَيسَ قَبِيحًا مِنَ اللهِ، وَكَذَلِكَ خَلقُهُ لِلقَبِيحِ لَيسَ قَبِيحًا مِنَ اللهِ كَمَا أَنَّ إِرَادَتَهُ لِوُجُودِ الشَّرِّ لَيسَت قَبِيحًا مِنهُ.
وَيَدُلُّ عَلَيهِ قَولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِجِبرِيلَ حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الإِيمَانِ: »الإِيمَانُ أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»، رَوَاهُ مُسلِمٌ([2])، وَمَعنَاهُ: أَنَّ المَخلُوقَاتِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ تَعَالَى وَفِيهَا الخَيرُ وَالشَّرُّ وُجِدَت بِتَقدِيرِ اللهِ الأَزَلِيِّ، وَأَمَّا تَقدِيرُ اللهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ فَهُوَ لا يُوصَفُ بِالشَّرِّ، بَل تَقدِيرُ اللهِ لِلشَّرِّ الكُفرِ وَالمَعصِيَةِ وَتَقدِيرُهُ لِلإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ حَسَنٌ مِنهُ لَيسَ قَبِيحًا، فَإِرَادَةُ اللهِ تَعَالَى نَافِذَةٌ فِي جَمِيعِ مُرَادَاتِهِ عَلَى حَسَبِ عِلمِهِ بِهَا، لَا تَتَخَلَّفُ، لَيسَت كَمَشِيئَةِ العِبَادِ، مَشِيئَةُ العِبَادِ تَتَنَفَّذُ فِي بَعضِ الحَالاتِ وَلَا تَتَنَفَّذُ فِي بَعضِ الحَالَاتِ، أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَمَشِيئَتُهُ نَافِذَةٌ فِي كُلِّ مُرَادَاتِهِ، وَهَذَا مَعنَى مَا أَجمَعَ عَلَيهِ المُسلِمُونَ وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: »مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن»، فَمَا عَلِمَ اللهُ فِي الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فَقَد شَاءَ كَونَهُ فَلا بُدَّ أَن يَكُونَ، فَأَعمَالُنَا الَّتِي سَبَقَ فِي عِلمِ اللهِ أَنَّهَا تَكُونُ شَاءَ أَن تَكُونَ فَلا بُدَّ أَن تَكُونَ، وَأَمَّا مَا لَم يَشَأِ اللهُ تَعَالَى أَن يَكُونَ فَلا يَكُونُ.
فَلا يَحدُثُ فِي العَالَمِ شَىءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَلا يُصِيبُ العَبدَ شَىءٌ مِنَ الخَيرِ أَوِ الشَّرِّ أَوِ الصِّحَّةِ أَوِ المَرَضِ أَوِ الفَقرِ أَوِ الغِنَى أَو غَيرِ ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَلا يُخطِئُ العَبدَ شَيءٌ قَدَّرَ اللهُ وَشَاءَ أَن يُصِيبَهُ، فَقَد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ بَعضَ بَنَاتِهِ: »مَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَم يَشَأ لَم يَكُن«، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ ثُمَّ تَوَاتَرَ وَاستَفَاضَ بَينَ أَفرَادِ الأُمَّةِ([3]).
وَرَوَى البَيهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: »إِنَّ أَحَدَكُم لَن يَخلُصَ الإِيمَانُ إِلَى قَلبِهِ حَتَّى يَستَيقِنَ يَقِينًا غَيرَ شَكٍّ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَم يَكُن لِيُخطِئَهُ وَمَا أَخطَأَهُ لَم يَكُن لِيُصِيبَهُ، وَيُقِرَّ بِالقَدَرِ كُلِّهِ»([4])، أَي لا يَجُوزُ أَن يُؤمِنَ بِبَعضِ القَدَرِ وَيَكفُرَ بِبَعضٍ.
وَرَوَى البَيهَقِيُّ أَيضًا بِالإِسنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ بِالجَابِيَةِ([5]) فَقَامَ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ: »مَن يَهدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ«، وَكَانَ عِندَهُ كَافِرٌ مِن كُفَّارِ العَجَمِ مِن أَهلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ بِلُغَتِهِ: »إِنَّ اللهَ لا يُضِلُّ أَحَدًا«، فَقَالَ عُمَرُ لِلتَّرجُمَانِ: »مَاذَا يَقُولُ«؟ قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ اللهَ لا يُضِلُّ أَحَدًا، فَقَالَ عُمَرُ: »كَذَبتَ يَا عَدُوَّ اللهِ وَلَولا أَنَّكَ مِن أَهلِ الذِّمَّةِ لَضَرَبتُ عُنُقَكَ هُوَ أَضَلَّكَ وَهُوَ يُدخِلُكَ النَّارَ إِن شَاءَ»([6]).
([1]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الإِيمَانِ – بَابُ مَعرِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ.
([2]) صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الإِيمَانِ – بَابُ مَعرِفَةِ الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالقَدَرِ وَعَلَامَةِ السَّاعَةِ.
([3]) سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، لِأَبِي دَاوُدَ السِّجِستَانِيِّ (ج4 ص319).
([4]) القَضَاءُ وَالقَدَرُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص299).
([5]) قَريَةٌ قُربَ دِمَشقَ مِن نَاحِيَةِ الجُولَانِ فِي شَمَالِيِّ حُورَانَ.اهـ مُعجَمُ البُلدَانِ، لِشِهَابِ الدِّينِ يَاقُوتَ الحَموِيِّ (ج2 ص91).
([6]) القَضَاءُ وَالقَدَرُ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ص260).