أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)
رُوِيَ أَنَّ خَبَّابَ بنَ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صَاغَ لِلعَاصِ بنِ وَائِلٍ حُلِيًّا فَطَالَبَهُ بِالأَجرِ فَقَالَ: إِنَّكُم تَزعُمُونَ أَنَّكُم تُبعَثُونَ وَأَنَّ فِي الجَنَّةِ ذَهَبًا وَفِضَّةً، فَأَنَا أُعطِيكَ أَجرَكَ هُنَاكَ فَإِنِّي أُوتَى مَالًا وَوَلَدًا حِينَئِذٍ، فَنَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) كَأَنَّهُ قَالَ: أَخبِر أَيضًا بِقِصَّةِ هَذَا الكَافِرِ وَاذكُر حَدِيثَهُ بَعدَ حَدِيثِ أُولَئِكَ.
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا (78)
(أَطَّلَعَ الْغَيْبَ) أَي أَنَظَرَ فِي اللوحِ المَحفُوظِ فَرَأَى مُنيَتَهُ (أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا) مَوثِقًا أَن يُؤتِيَهُ ذَلِكَ، أَوِ العَهدُ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ.
كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79)
(كَلَّا ۚ ) رَدعٌ وَتَنبِيهٌ عَلَى الخَطَأِ، أَي هُوَ مُخطِئٌ فِيمَا تَصَوَّرَهُ لِنَفسِهِ فَليَرتَدِع عَنهُ (سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ) أَي قَولَهُ، وَالمُرَادُ سَنُظهِرُ لَهُ وَنُعلِمُهُ أَنَّا كَتَبنَا قَولَهُ، لِأَنَّهُ قَد كتبَ مَا قَالَ مِن غَيرِ تَأخِيرٍ(وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ) نَزِيدُهُ مِنَ العَذَابِ كَمَا يَزِيدُ فِي الِافتِرَاءِ وَالِاجتِرَاءِ (مَدًّا) أَكَّدَ بِالمَصدَرِ لِفَرطِ غَضَبِهِ تَعَالَى([2]).
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) أَي نَأخُذُ مِنهُ مَا زَعَمَ أَنَّهُ يَنَالُهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ المَالِ وَالوَلَدِ وَنَجعَلُهُ لِغَيرِهِ مِنَ المُسلِمِينَ، أَو نَأخُذُ مَا عِندَهُ مِنَ المَالِ وَالوَلَدِ فِي الدُّنيَا بِإِهلَاكِهِ وَإِبطَالِ مُلكِهِ (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) أَي بِلَا مَالٍ وَلَا وَلَدٍ كَقَولِهِ: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ) ([3]) فَمَا يُجدِي عَلَيهِ تَمَنِّيهِ وَتَأَلُّبُهُ([4]).
وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)
(وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً) أَيِ اتَّخَذَ هَؤُلَاءِ المُشرِكُونَ أَصنَامًا يَعبُدُونَهَا (لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) أَي لِيَعتَزُّوا بِآلِهَتِهِم وَيَكُونُوا لَهُم شُفَعَاءَ وَأَنصَارًا يُنقِذُونَهُم مِن عَذَابِ الدُّنيَا، لِأَنَّهُم لَا يُؤمِنُونَ بِالآخِرَةِ.
كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
(كَلَّا ۚ ) رَدعٌ لَهُم عَمَّا ظَنُّوا (سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ) الضَّمِيرُ لِمَا عَبَدُوهُ، أَي سَيَجحَدُونَ عِبَادَتَهُم وَيُنكِرُونَهَا وَيَقُولُونَ وَاللهِ مَا عَبَدتُمُونَا وَأَنتُم كَاذِبُونَ، أَو لِلمُشرِكِينَ، أَي يُنكِرُونَ أَن يَكُونُوا قَد عَبَدُوهَا كَقَولِهِ: (قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) )([5]) (وَيَكُونُونَ) أَيِ المَعبُودُونَ (عَلَيْهِمْ) عَلَى المُشرِكِينَ (ضِدًّا) خَصمًا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُنطِقُهُم فَتَقُولُ: يَا رَبِّ عَذِّب هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَبَدُونَا مِن دُونِكَ، وَالضِّدُّ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ وَالجَمعِ وَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ قَولِهِ: (لَهُمْ عِزًّا)، وَالمُرَادُ ضِدُّ العِزِّ وَهُوَ الذُّلُّ وَالهَوَانُ أَي يَكُونُونَ عَلَيهِم ضِدًّا لِمَا قَصَدُوهُ أَي يَكُونُونَ عَلَيهِم ذُلًّا لَهُم لَا عِزًّا، وَإِن رَجَعَ الضَّمِيرُ فِي (سَيَكْفُرُونَ) وَ(وَيَكُونُونَ) إِلَى المُشرِكِينَ فَالمَعنَى: وَيَكُونُونَ عَلَيهِم ضِدَّا أَي أَعدَاءً وَكَفَرَةً بِهِم بَعدَ أَن كَانُوا يَعبُدُونَهَا، ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِقَولِهِ:
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ) أَي خَلَّينَاهُم وَإِيَّاهُم، أَو سَلَّطنَاهُم عَلَيهِم بِالإِغوَاءِ (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) تُغرِيهِم عَلَى المَعَاصِي إِغرَاءً، وَالأَزُّ وَالهَزُّ أَخَوَانِ وَمَعنَاهُمَا التَّهييجُ وَشِدَّةُ الإِزعَاجِ([6]).
فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)
(فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ ) بِالعَذَابِ (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) أَي أَعمَالَهُم لِلجَزَاءِ وَأَنفَاسَهُم لِلفَنَاءِ، وَقَرَأَهَا ابنُ السَّمَّاكِ عِندَ المَأمُونِ فَقَالَ: إِذَا كَانَتِ الأَنفَاسُ بِالعَدَدِ وَلَم يَكُن لَهَا مَدَدٌ فَمَا أَسرَعَ مَا تَنفَدُ([7]).
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا (85)
(يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا) رُكبَانًا عَلَى نُوقٍ رِحَالُهَا ذَهَبٌ وَعَلَى نَجَائِبَ سُرُوجُهَا يَاقُوتٌ.
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ) الكَافِرِينَ سَوقَ الأَنعَامِ لِأَنَّهُم كَانُوا أَضَلَّ مِنَ الأَنعَامِ (إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا) عِطَاشًا، لِأَنَّ مَن يَرِدُ المَاءَ لَا يَرِدُهُ إِلَّا لِعَطَشٍ، أَو يَومَ نَحشُرُ وَنَسُوقُ نَفعَلُ بِالفَرِيقَينِ مَا لَا يُوصَفُ، أَوِ اذكُر يَومَ نَحشُرُ، ذُكِرَ المُتَّقُونَ بِأَنَّهُم يُجمَعُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الَّذِي غَمَرَهُم بِرَحمَتِهِ كَمَا يَفِدُ الوُفُودُ عَلَى المُلُوكِ تَبجِيلًا لَهُم، وَذُكِرَ الكَافِرُونَ بِأَنَّهُم مُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهُم نَعَمٌ عِطَاشٌ يُسَاقُ إِلَى المَاءِ استِخفَافًا بِهِم.
لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا (87)
(لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ)لَا يَملِكُونَ أَن يُشفَعَ لَهُم (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا) بِأَن آمَنَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ»([8])، وَرَوَى الحَاكِمُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا) ، قَالَ: اتَّخِذُوا عِندَ الرَّحمَنِ عَهدًا، فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: مَن كَانَ لَهُ عِندِي عَهدٌ فَليَقُم، قَالُوا فَعَلِّمنَا يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، قَالَ: قُولُوا: اللهم فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ، عَالِمَ الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، إِنِّي أَعهَدُ إِلَيكَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا، إِنَّكَ إِن تَكِلنِي إِلَى عَمَلٍ تُقَرِّبنِي مِنَ الشَّرِّ وَتُبَاعِدنِي مِنَ الخَيرِ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحمَتِكَ، فَاجعَلهُ لِي عِندَكَ عَهدًا تُؤَدِّيهِ إِلَيَّ يَومَ القِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخلِفُ المِيعَادَ([9])، أَو يَكُونُ مِن عَهِدَ الأَمِيرُ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا إِذَا أَمَرَهُ بِهِ، أَي لَا يَشفَعُ إِلَّا المَأمُورُ بِالشَّفَاعَةِ المَأذُونُ لَهُ فِيهَا.
([2]) الغَضَبُ وَالرِّضَى فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مَعنَاهُمَا إِرَادَةُ الإِنعَامِ وَإِرَادَةُ الِانتِقَامِ، فَالمُرَادُ أَثَرُ غَضَبِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يُوصَفُ اللهُ بِالغَضَبِ وَالرِّضَى اللَّذَينِ هُمَا انفِعَالَاتٌ نَفسَانِيَّةٌ كَمَا يُصِيبُ المَخلُوقَ، فَاللهُ مُنَزَّهٌ عَن مُشَابَهَةِ المَخلُوقَاتِ وَمُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِهِم.
([3]) [سُورَةُ الأَنعَامِ:94].
([4]) الاجتِمَاعُ عَلَى عَدَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج1 ص215).
([5]) [سُورَةُ الأَنعَامِ:23].
([6]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص351).
([7]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص352).
([8]) المُعجَمُ الكَبِيرُ، لِأَبِي القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ (ج12 ص437).
([9]) المُستَدرَكُ عَلَى الصَّحِيحَنِ، لِأَبِي عَبدِ اللهِ الحَاكِمِ (ج4 ص353).