وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا (88)
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا) أَيِ النَّصَارَى وَاليَهُودُ وَمَن زَعَمَ أَنَّ المَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ.
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
(لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) خَاطَبَهُم بِهَذَا الكَلَامِ، أَو أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأَن يَقُولَ لَهُم ذَلِكَ، وَالإِدُّ العَجَبُ، أَوِ العَظِيمُ المُنكَرُ، وَالإِدَّةُ الشِّدَّةُ، وَأَدَّنِي الأَمرُ أَثقَلَنِي وَعَظُمَ عَلَيَّ أَدًّا([1]).
تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)
(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ) تَقرُبُ (يَتَفَطَّرْنَ) الِانفِطَارُ مِن فَطَرَهُ إِذَا شَقَّهُ وَالتَّفَطُّرُ مِن فَطَّرَهُ إِذَا شَقَّقَهُ([2])(مِنْهُ) مِن عِظَمِ هَذَا القَولِ (وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ) تَنخَسِفُ وَتَنفَصِلُ أَجزَاؤُهَا (وَتَخِرُّ الْجِبَالُ) تَسقُطُ (هَدًّا) كَسرًا أَو قَطعًا أَو هَدمًا، وَالهَدَّةُ صَوتُ مَا يَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ([3])، أَي تُهَدُّ هَدًّا مِن سَمَاعِ قَولِهِم، أَو مَفعُولٌ لَهُ، أَو حَالٌ أَي مَهدُودَةً.
أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا (91)
(أَن دَعَوْا) هَدَّهَا دُعَاؤُهُم، أَو لِأَنَّهُم سَمَّوا (لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا).
وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)
أَي يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ اتِّخَاذُ الوَلَدِ، وَهَذَا لِأَنَّ اتِّخَاذَ الوَلَدِ لِحَاجَةٍ وَمُجَانَسَةٍ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنهُمَا، وَفِي اختِصَاصِ الرَّحمَنِ وَتَكرِيرِهِ مَرَّاتٍ بَيَانُ أَنَّهُ الرَّحمَنُ وَحدَهُ لَا يَستَحِقُّ هَذَا الِاسمَ غَيرُهُ، لِأَنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وَفُرُوعَهَا مِنهُ، فَليَنكَشِف عَن بَصَرِكَ غِطَاؤُهُ، فَأَنتَ وَجَمِيعُ مَا عِندَكَ عَطَاؤُهُ، فَمَن أَضَافَ إِلَيهِ وَلَدًا فَقَد جَعَلَهُ كَبَعضِ خَلقِهِ، وَأَخرَجَهُ بِذَلِكَ عَنِ استِحقَاقِ اسمِ الرَّحمَنِ.
إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا (93)
(إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ) أَي يَأتِيهِ (عَبْدًا) أَي خَاضِعًا ذَلِيلًا مُنقَادًا، وَالمَعنَى مَا كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ إِلَّا هُوَ يَأتِي اللهَ يَومَ القِيَامَةِ مُقِرًّا بِالعُبُودِيَّةِ، وَالعُبُودِيَّةُ وَالبُنُوَّةُ تَتَنَافَيَانِ، حَتَّى لَو مَلَكَ الأَبُ ابنَهُ يَعتِقُ عَلَيهِ، وَنِسبَةُ الجَمِيعِ إِلَيهِ كَنِسبَةِ العَبدِ إِلَى المَولَى فَكَيفَ يَكُونُ البَعضُ وَلَدًا وَالبَعضُ عَبدًا.
لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
(لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) أَي حَصَرَهُم بِعِلمِه وَأَحَاطَ بِهِم.
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)
(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) أَي كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَأتِيهِ يَومَ القِيَامَةِ مُنفَرِدًا بِلَا مَالٍ وَلَا وَلَدٍ أَو بِلَا مُعِينٍ وَلَا نَاصِرٍ.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا (96)
مَوَدَّةً فِي قُلُوبِ العِبَادِ، قَالَ الرَّبِيعُ: يُحِبُّهُم وَيُحَبِّبُهُم إِلَى النَّاسِ، وَفِي الحَدِيثِ: «يُعطَى المُؤمِنُ مِقَةً فِي قُلُوبِ الأَبرَارِ وَمَهَابَةً فِي قُلُوبِ الفُجَّارِ»([4])، وَعَن قَتَادَةَ وَهَرِمٍ: مَا أَقبَلَ العَبدُ إِلَى اللهِ إِلَّا أَقبَلَ اللهُ بِقُلُوبِ العِبَادِ إِلَيهِ([5])، وَعَن كَعبٍ: مَا يَستَقِرُّ لِعَبدٍ ثَنَاءٌ فِي الأَرضِ حَتَّى يَستَقِرَّ لَهُ فِي السَّمَاءِ([6]).
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا (97)
(فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ) سَهَّلنَا القُرآنَ (بِلِسَانِكَ) لُغَتِكَ (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) المُؤمِنِينَ (وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا) شِدَادًا فِي الخُصُومَةِ بِالبَاطِلِ، أَيِ الَّذِينَ يَأخُذُونَ فِي كُلِّ لَدِيدٍ أَي شِقٍّ مِنَ المِرَاءِ وَالجِدَالِ، يُرِيدُ بِهِ أَهلَ مَكَّةَ.
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ) تَخوِيفٌ لَهُم وَإِنذَارٌ (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ) أَي هَل تَجِدُ، أَو تَرَى، أَو تَعلَمُ، وَالإِحسَاسُ الإِدرَاكُ بِالحَاسَّةِ (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) صَوتًا خَفِيًّا، أَي لَمَّا أَتَاهُم عَذَابُنَا لَم يَبقَ شَخصٌ يُرَى وَلَا صَوتٌ يُسمَعُ، يَعنِي هَلَكُوا كُلُّهُم، فَكَذَا هَؤُلَاءِ إِن أَعرَضُوا عَن تَدَبُّرِ مَا أُنزِلَ عَلَيكَ فَعَاقِبَتُهُمُ الهَلَاكُ، فَليَهُن عَلَيكَ أَمرُهُم، وَاللهُ أَعلَمُ.
صَدَقَ اللهُ العَظِيمُ
([1]) لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص75).
([2]) المَرجِعُ السَّابِقُ (ج5 ص56).
([3]) المَرجِعُ السَّابِقُ (ج3 ص432).
([4]) مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص354).