اللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ
قَالَ أَهلُ السُّنَّةِ: اللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ([1]) لِأَنَّهُ لَا غَالِبَ لَهُ، فَمَن جَعَلَ اللهَ يَجِبُ عَلَيهِ شَيءٌ فَهَذَا لَيسَ مُسلِمًا، أَمَّا قَولُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ: (كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) ، أَي وَعدًا مِن الله([2])، فَاللهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيهِ شَىءٌ وَلَا يُقَالُ عَن شَىءٍ هَذَا حَرَامٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، أَمَّا مَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي»([3]) فَمَعنَاهُ: إِنِّي تَنَزَّهتُ عَنِ الظُّلمِ، فَالتَّحرِيمُ فِي اللُّغَةِ مَعنَاهُ المَنعُ، أَي أَنَا لَا أَتَّصِفُ بِالظُّلمِ، لِأَنَّ الظُّلمَ فِي لُغَةِ العَرَبِ يُطلِقُونَهُ عَلَى أَحَدِ أَمرَينِ: إِمَّا مُجَاوَزَةِ الحَدِّ، أَوِ التَّصَرُّفِ فِي مِلكِ الغَيرِ بِغَيرِ إِذنِهِ([4])([5])، قَالَ البَيهَقِيُّ: حَقِيقَةُ الظُّلمِ هُوَ تَعَدِّي الحَدِّ وَالرَّسمِ الَّذِي يَرسُمُهُ الآمِرُ الَّذِي لَا آمِرَ فَوقَهُ([6]).اهـ فَهُوَ سُبحَانَهُ الَّذِي لَا حَامِلَ لَهُ عَلَى فِعلِ شَىءٍ وَلَا مُلجِئَ لَهُ.
([1]) وَخَالَفَ المُعتَزِلَةُ فِي هَذَا أَهلَ السُّنَّةِ فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَفعَلَ الأَصلَحَ لِلعَبدِ، فَرَدَّ عَلَيهِم أَهلُ السُّنَّةِ بِقَولِهِم: مَا كَانَ أَصلَحَ لِلعَبدِ فَلَيسَ وَاجِبًا عَلَى اللهِ، قَالَ مُحَمَّدُ مَيَّارَة المَالِكِيُّ فِي الدُّرِّ الثَّمِينِ وَالمَورِدِ المَعِينِ: إِذ لَو وَجَبَ عَلَيهِ تَعَالَى فِعلُ الصَّلَاحِ وَالأَصلَحِ لِلخَلقِ كَمَا تَقَوَّلَهُ المُعتَزِلَةُ لَمَا وَقَعَت مِحنَةُ دُنيَا وَأُخرَى وَلَمَا وَقَعَ تَكلِيفٌ بِأَمرٍ وَلَا نَهيٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالمُشَاهَدَةِ.اهـ الدُّرُّ الثَّمِينُ وَالمَورِدُ المَعِينُ، لِمُحَمَّد مَيَّارَةَ المَالِكِيِّ (ج1 ص21).
([2]) قَالَ جَلَالُ الدِّينِ المَحَلِّيُّ: (قَولُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّبِّ إلَخ) وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ۖ ) ، [سُورَةُ الأَنعَامِ:54]، وَقَولُهُ: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)) ، [سُورَةُ الرُّومِ:47]، فَلَيسَ مِمَّا نَحنُ فِيهِ، إِذ ذَاكَ إِحسَانٌ وَتَفضِيلٌ لَا إِيجَابٌ وَإِلزَامٌ، عَلَى أَنَّ الوُجُوبَ فِي ذَلِكَ وَنَحوَهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِن وَعدِهِ بِذَلِكَ، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) ) ، [سُورَةُ الرَّعدِ:31].اهـ شَرحُ المَحَلِّيِّ لِجَمعِ الجَوَامِعِ لِلسُّبكِيِّ كِتَابُ الِاجتِهَادِ بَابُ التَّقلِيدِ.
([3])صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ – بَابُ تَحرِيمِ الظُّلمِ.
([4])وَكِلَا المَعنَيَنِ يَستَحِيلُ نِسبَتُهُمَا إِلَى الحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ.
([5]) قَالَ النَّوَوِيُّ: قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي»، قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَاهُ تَقَدَّستُ عَنهُ وَتَعَالَيتُ، وَالظُّلمُ مُستَحِيلٌ فِي حَقِّ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى كَيفَ يُجَاوِزُ سُبحَانَهُ حَدًّا وَلَيسَ فَوقَهُ مَن يُطِيعُهُ؟! وَكَيفَ يَتَصَرَّفُ فِي مِلكِ غَيرِهِ وَالعَالَمُ كُلُّهُ فِي مِلكِهِ وَسُلطَانِهِ؟! وَأَصلُ التَّحرِيمِ فِي اللُّغَةِ المَنعُ، فَسَمَّى تَقَدُّسَهُ عَنِ الظُّلمِ تَحرِيمًا لِمُشَابَهَتِهِ لِلمَمنُوعِ فِي أَصلِ عَدَمِ الشَّيءِ.اهـ المِنهَاجُ بِشَرحِ صَحِيحِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ، لِأَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ (ج16 ص112).
([6])شُعَبُ الإِيمَانِ، لِأَبِي بَكرٍ البَيهَقِيِّ (ج1 ص209).