وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)
وَجَاءَ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ بعَظمٍ بَالٍ وَفَتَّتَهُ وَقَالَ: أَنُبعَثُ بَعدَ مَا صِرنَا هَكَذَا؟ فَنَزَلَت: (وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)) أَي إِذَا مَا مِتُّ أُبعَثُ؟، وَيُفِيدُ اجتِمَاعُ (إِذَا) وَ(مَا) التَّوكِيدَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحَقًّا إِنَّا سَنَخرُجُ مِنَ القُبُورِ أَحيَاءً حِينَ يَتَمَكَّنُ فِينَا المَوتُ وَالهَلَاكُ، عَلَى وَجهِ الِاستِنكَارِ وَالِاستِبعَادِ.
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)
(أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ) أَيَقُولُ ذَلِكَ وَلَا يَتَذَكَّرُ(أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ) مِن قَبلِ الحَالَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَهِيَ حَالُ النَّشأَةِ الأُولَى، حَتَّى لَا يُنكِرَ النَّشأَةَ الأُخرَى، فَإِنَّ تِلكَ أَدَلُّ عَلَى قُدرَةِ الخَالِقِ (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعدُومَ لَيسَ بِشَىءٍ خِلَافًا لِلمُعتَزِلَةِ.
فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)
(فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) أَيِ الكُفَّارَ المُنكِرِينَ لِلبَعثِ (وَالشَّيَاطِينَ) أَي يُحشَرُونَ مَعَ قُرَنَائِهِم مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ أَغوَوهُم، يُقرَنُ كُلُّ كَافِرٍ مَعَ شَيطَانٍ فِي سِلسِلَةٍ، وَفِي إِقسَامِ اللهِ بِاسمِهِ مُضَافًا إِلَى رَسُولِهِ تَفخِيمٌ لِشَأنِ رَسُولِهِ (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) أَي بَارِكِينَ عَلَى الرُّكَبِ، أَي يُعتَلُونَ مِنَ المَحشَرِ إِلَى شَاطِئِ جَهَنَّمَ عَتلًا عَلَى حَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا فِي المَوقِفِ جُثَاةً عَلَى رُكَبِهِم غَيرَ مُشَاةٍ عَلَى أَقدَامِهِم مَقرُونِينَ بِقُرَنَائِهِم مِنَ الشَّيَاطِينِ.
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا (69)
(ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ) مِن كُلِّ طَائِفَةٍ شَاعَت أَي تَبِعَت غَاوِيًا مِنَ الغُوَاةِ (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا) جُرأَةً، أَو فُجُورًا، أَي لَنُخرِجَنَّ مِن كُلِّ طَائِفَةٍ مِن طَوَائِفِ الغَيِّ أَعتَاهُم فَأَعتَاهُم فَإِذَا اجتَمَعُوا طَرَحنَاهُم فِي النَّارِ عَلَى التَّرتِيبِ نُقَدِّمُ أَولَاهُم بِالعَذَابِ فَأَولَاهُم، وَقِيلَ المُرَادُ بِأَشَدِّهِم عِتِيًّا الرُّؤَسَاءُ لِتَضَاعُفِ جُرمِهِم لِكَونِهِم ضُلَّالًا وَمُضِلِّينَ، أَو لَنَنزِعَنَّ الَّذِينَ يُقَالُ فِيهِم أَيُّهُم أَشَدُّ عَلَى الرَّحمَنِ عِتِيًّا، أَو لَنَنزِعَنَّ بَعضَ كُلِّ شِيعَةٍ، فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: مَن هُم؟ فَقِيلَ: أَيُّهُم أَشَدُّ عِتِيًّا.
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا (70)
(ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا) أَحَقُّ بِالنَّارِ (صِلِيًّا) أَي دُخُولًا.
وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71)
(وَإِن مِّنكُمْ) أَي لَيسَ مِنكُم أَحَدٌ (إِلَّا وَارِدُهَا ۚ ) مَا مِن أَحَدٍ إِلَّا سَيَمُرُّ مِن هَوَاءِ جَهَنَّمَ عَلَى الصِّرَاطِ([1])، فَإِمَّا أَن يَنجُوَ كَالأَتقِيَاءِ وَالأَنبِيَاءِ وَلَا يَدخُلُونَهَا، وَإِمَّا أَن يَقَعَ فِيهَا كَالكُفَّارِ وَبَعضِ العُصَاةِ مِنَ المُسلِمِينَ([2]).
(كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا) أَي كَانَ وُرُودُهُم كَائِنًا مَحتُومًا([3]).
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)
(ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) الشِّركَ وَالكُفرَ وَهُمُ المُؤمِنُونَ (وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ) المُشرِكِينَ وَالكُفَّارَ (فِيهَا جِثِيًّا) عَلَى رُكَبِهِم، وَقَالَتِ المُرجِئَةُ الخَبِيثَةُ لَا يُعَاقَبُ المُسلِمُ لِأَنَّ المَعصِيَةَ لَا تَضُرُّ مَعَ الإِسلَامِ عِندَهُم، وَقَالَتِ المُعتَزِلَةُ يُخَلَّدُ مرتكب الكبيرة من المسلمين فِي النَّارِ([4])، فَهُمَا طَرَفَا نَقِيضٍ وَكِلَاهُمَا عَلَى ضَلَالٍ، وَأَهلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَينَهُمَا.
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)
(وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا) أَيِ القُرآنُ (بَيِّنَاتٍ) ظَاهِرَاتِ الإِعجَازِ، أَو حُجَجًا وَبَرَاهِينَ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ كَقَولِهِ: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا)([5]) إِذ آيَاتُ اللهِ لَا تَكُونُ إِلَّا وَاضِحَةً وَحُجَجًا (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أَي مُشرِكُو قُرَيشٍ وَقَد سَرَّحُوا شُعُورَهُم وَتَكَلَّفُوا فِي زِيِّهِم (لِلَّذِينَ آمَنُوا) لِلفُقَرَاءِ وَرُؤُوسُهُم غَيرُ مُسَرَّحَةٍ وَثِيَابُهُم خَشِنَةٌ (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) نَحنُ أَم أَنتُم (خَيْرٌ مَّقَامًا) مَكَانًا وَمَسكَنًا أَو إِقَامَةً وَمَنزِلًا (وَأَحْسَنُ نَدِيًّا) مَجلِسًا يَجتَمِعُ القَومُ فِيهِ لِلمُشَاوَرَةِ، وَمَعنَى الآيَةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِذَا أَنزَلنَا آيَةً فِيهَا دَلَائِلُ وَبَرَاهِينُ أَعرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهَا إِلَى الِافتِخَارِ بِالثَّروَةِ وَالمَالِ وَحُسنِ المَنزِلِ وَالحَالِ فَقَالَ تَعَالَى:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ) أَي أَهلَكنَا كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ، وَكُلُّ أَهلِ عَصرٍ قَرنٌ لِمَن بَعدَهُم (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا) هُوَ مَتَاعُ البَيتِ، أَو مَا جَدَّ مِنَ الفَرشِ (وَرِئْيًا) مَنظَرًا وَهَيئَةً، أَو نِعمَةً.
قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا (75)
(قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ) أَي فِي الكُفرِ (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا ۚ) هُوَ أَمرٌ بِمَعنَى الخَبَرِ، أَي مَن كَفَرَ مَدَّ لَهُ الرَّحمَنُ يَعنِي أَمهَلَهُ وَأَملَى لَهُ فِي العُمُرِ لِيَزدَادَ طُغيَانًا وَضَلَالًا كَقَولِهِ تَعَالَى: ( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (178) ) ([6]) وَإِنَّمَا أُخرِجَ عَلَى لَفظِ الأَمرِ إِيذَانًا بِوُجُوبِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ مَفعُولٌ لَا مَحَالَةَ كَالمَأمُورِ بِهِ المُمتَثَلِ لِيَقطَعَ مَعَاذِيرَ الضَّلَالِ (حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ) أَي لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ هَذَا القَولَ إِلَى أَن يُشَاهِدُوا المَوعُودَ رَأيَ عَينٍ (إِمَّا الْعَذَابَ) فِي الدُّنيَا وَهُوَ تَعذِيبُ المُسلِمِينَ إِيَّاهُم بِالقَتلِ وَالأَسرِ(وَإِمَّا السَّاعَةَ) أَيِ القِيَامَةَ وَمَا يَنَالُهُم مِنَ الخِزيِ وَالنَّكَالِ (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا) مَنزِلًا (وَأَضْعَفُ جُندًا) أَعوَانًا وَأَنصَارًا، أَي فَحِينَئِذٍ يَعلَمُونَ أَنَّ الأَمرَ عَلَى عَكسِ مَا قَدَّرُوهُ وَأَنَّهُم شَرٌّ مَكَانًا وَأَضعَفُ جُندًا لَا خَيرٌ مَقَامًا وَأَحسَنُ نَدِيًّا وَأَنَّ المُؤمِنِينَ عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِم، أَو أنَّ الَّذِينَ فِي الضَّلَالَةِ مَمدُودٌ لَهُم فِي ضَلَالَتِهِم لَا يَنفَكُّونَ عَن ضَلَالَتِهِم إِلَى أَن يُعَايِنُوا نُصرَةَ اللهِ لِلمُؤمِنِينَ أَو يُشَاهِدُوا السَّاعَةَ.
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا (76)
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ۗ ) أَي يَزِيدُ فِي ضَلَالِ الضَّالِّ بِخِذلَانِهِ وَيَزِيدُ المُهتَدِينَ أَيِ المُؤمِنِينَ هُدًى وَثَبَاتًا عَلَى الِاهتِدَاءِ، أَو يَقِينًا وَبَصِيرَةً بِتَوفِيقِهِ (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أَعمَالُ الآخِرَةِ كُلُّهَا، أَوِ الصَّلَوَاتُ الخَمسُ، أَو سُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ للهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ (خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا) مِمَّا يَفتَخِرُ بِهِ الكُفَّارُ (وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) أَي مَرجِعًا وَعَاقِبَةً، تَهَكَّمَ بِالكُفَّارِ لِأَنَّهُم قَالُوا لِلمُؤمِنِينَ: أَيُّ الفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحسَنُ نَدِيًّا.
([1]) الصِّرَاطُ جِسرٌ عَرِيضٌ مَمدُودٌ فَوقَ جَهنَّمَ أَي فِي هَوَائِهَا، أَحَدُ طرَفَيهِ فِي الأَرضِ المُبَدَّلَةِ وَالآخَرُ فِيمَا يَلِي الجَنّةَ، أَي فِي أَرضٍ عَلَيهَا الحَوضُ قَبلَ الجَنَّةِ، وَجَهَنَّمُ تَحتَهُ، فَتَمُرُّ عَلَى هَذَا الجِسرِ الخَلَائِقُ المُؤمِنُونَ وَالكَافِرُونَ، وَقَد جَاءَ فِي وَصفِهِ فِي الحَدِيثِ المَرفُوعِ الَّذِي رَوَاهُ الشَّيخَانِ وَغَيرُهُمَا: «مَدحَضَةٌ مَزِلَّةٌ»، صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ أَبِي عَبدِ اللهِ البُخَارِيِّ – كِتَابُ التَّوحِيدِ – بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22)) – رَقمُ الحَدِيثِ (7439)، أَي زَلِقٌ تَزلَقُ فِيهِ الأَقدَامُ إِلَّا مَن شَاءَ اللهُ لَهُ أَن يَجتَازَهُ بِدُونِ زَلَقٍ، فَخَطَرُ الصِّرَاطِ عَظِيمٌ، مِنَ النَّاسِ مَن يَرِدُهُ وُرُودَ دُخُولٍ وَهُمُ الكُفَّارُ وَبَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ، أَي يَزِلُّونَ مِنهُ إِلَى جَهَنَّمَ، وَمِنهُم مَن يَرِدُهُ وُرُودَ مُرُورٍ فِي هَوَائِهِ، فَمِن هَؤُلَاءِ مَن يَمُرُّ كَالبَرقِ الخَاطِفِ، وَمِنهُم مَن يَمُرُّ كَطَرفَةِ عَينٍ، وَقَد وَرَدَ فِيهِ أَيضًا أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعرَةِ، فَقَد رَوَى مُسلِمٌ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ الجِسرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيفِ»، صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الإِيمَانِ – بَابُ مَعرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤيَةِ، لَكِنَّهُ لَم يَرِد مَرفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيسَ المُرَادُ مِنَ اللَّفظِ ظَاهِرَهُ، بَلِ الصِّرَاطُ عَرِيضٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا المُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ، فَإِنَّ يُسرَ الجَوَازِ عَلَيهِ وَعُسرَهُ عَلَى حَسَبِ حَالِ مَن يَجُوزُهُ وَلَا يَعلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللهُ، وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَرفُوعِ أَنَّهُ تَجرِي بِالنَّاسِ أَعمَالُهُم فَوقَ الصِّرَاطِ، صَحِيحُ مُسلِمٍ، لِلإِمَامِ مُسلِمِ بنِ الحَجَّاجِ – كِتَابُ الإِيمَانِ – بَابُ أَدنَى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً فِيهَا، مَعنَاهُ أَنَّهُ عَلَى حَسَبِ أَعمَالِهِم يُعطَونَ القُوَّةَ فِي العُبُورِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَى الصِّرَاطِ يَهوِي إِلَى جَهَنَّمَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى يَصِلَ قَعرَهَا وَالعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى.
([2]) الصَّوَابُ أَنَّ الوُرُودَ المُرُورُ فِي هَوَائِهَا، كَمَا يُقَالُ وَرَدتُ النَّهرَ لِمَن مَرَّ عَلَى الجِسرِ، قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: وَكُلُّ مَن أَتَى مَكَانًا مَنهَلًا أَو غَيرَهُ فَقَد وَرَدَهُ، لِسَانُ العَرَبِ، لِابنِ مَنظُورٍ (ج3 ص457)، وَفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ ثَعلَبٌ فَقَالَ: يَرِدُونَهَا مَعَ الكُفَّارِ فَيَدخُلُهَا الكُفَّارُ وَلَا يَدخُلُهَا المُسلِمُونَ، المَرجِعُ السَّابِقُ، وَوَرَدَ فِي بَعضِ كُتُبِ التَّفسِيرِ أَنَّ الوُرُودَ الدُّخُولُ لِكُلِّ النَّاسِ، وَاحتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالَى: (فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ ) ، [سورة هود:98]، وَبِقَولِهِ تَعَالَى: (لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ۖ) ، [سورة الأنبياء:99]، وَبِقَولِهِ تَعَالَى: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا) ، [سورة مريم:72]، وَقَالُوا: النَّجَاةُ إِنَّمَا تَكُونُ بَعدَ الدُّخُولِ، وَهُوَ مَردُودٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)) ، [سورة الأنبياء:101]، وَلَو قِيلَ إِنَّ الوُرُودَ مَعنَاهُ الدُّخُولُ فَقَولُهُ تَعَالَى: (أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)) مُخَصِّصٌ لِقَولِهِ تَعَالَى: (وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ )، عَلَى أَنَّ الوُرُودَ يَأتِي بِمَعنَى العُبُورِ فِي هَوَاءِ النَّارِ كَمَا بَيَّنَّا، فَالوُرُودُ بِمَعنَى الدُّخُولِ يَختَصُّ بِالكُفَّارِ وَلَا يَدخُلُهَا كُلُّ المُسلِمُونَ وَإِن كَانَ بَعضُ العُصَاةِ مِنَ المُؤمِنِينَ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ، وَقِيلَ: الوُرُودُ الحُضُورُ لِقَولِهِ تَعَالَى: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ)، [سورة القصص:23]، وَعَنِ الحَسَنِ وَقَتَادَةَ: الوُرُودُ المُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، لِأَنَّ الصِّرَاطَ مَمدُودٌ عَلَيهَا فَيَسلَمُ أَهلُ الجَنَّةِ وَيَتَقَاذَفُ أَهلُ النَّارِ، مَدَارِكُ التَّنزِيلِ وَمَعَالِمُ التَّأوِيلِ، لِأَبِي البَرَكَاتِ النَّسَفِيِّ (ج2 ص347)، وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لِآخَرَ: أَيقَنتَ بِالوُرُودِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: وَأَيقَنتَ بِالصَّدرِ؟ أَيِ النَّجَاةِ وَالخُرُوجِ بَعدَ الوُرُودِ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ وَفِيمَ التَّثَاقُلُ؟ أَيِ الكَسَلُ عَنِ الطَّاعَةِ. المَرجِعُ السَّابِقُ.
([3]) قَالَ ابنُ إِسحَاقَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا مَعَ الوَلِيدِ بنِ المُغِيرَةِ فِي المَسجِدِ، فَجَاءَ النَّضرُ بنُ الحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُم وَفِي المَجلِسِ غَيرُ وَاحِدٍ مِن رِجَالِ قُرَيشٍ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَرَضَ لَهُ النَّضرُ فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَفحَمَهُ، ثُمَّ تَلَا عَلَيهِ وَعَلَيهِم: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)) ، [سورة الأنبياء:98-100]، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَقبَلَ عَبدُ اللهِ بنُ الزِّبَعرَى السَّهمِيُّ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ لَهُ: وَاللهِ مَا قَامَ النَّضرُ بنُ الحَارِثِ لِابنِ عَبدِ المُطَّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ، يَعنِي مَا قَدَرَ أَن يَرُدَّ عَلَيهِ، وَقَد زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعبُدُ مِن آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ الزِّبَعرَى: أَمَا وَاللهِ لَو وَجَدتُهُ لَخَصَمتُهُ، فَسَلُوا مُحَمَّدًا أَكُلُّ مَا نَعبُدُ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ مَعَ مَن عَبَدَهُ؟ فَنَحنُ نَعبُدُ المَلَائِكَةَ، وَاليَهُودُ تَعبُدُ عُزَيرًا، وَالنَّصَارَى تَعبُدُ عِيسَى، مَعنَاهُ عَلَى زَعمِهِم أَنَّ اللهَ أَوحَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ أَنَّ المَلَائِكَةَ وَعِيسَى وَعُزَيرًا فِي النَّارِ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ، وَهُوَ عَكسُ مَا صَرَّحَ بِهِ قَبلَ ذَلِكَ، وَكَلَامُهُم لَا شَكَّ بِبُطلَانِهِ، لِأَنَّ لَفظَ “مَا” وَإِن كَانَ يَدُلُّ عَلَى العُمُومِ لَكِنَّهُ عَامٌّ فِيمَا لَا يَعقِلُ وَلَا يُوصَفُ بِالعِلمِ، فَلَا يَدخُلُ العُقَلَاءُ تَحتَهَا، فَيَكُونُ مَعنَى الآيَةِ أَنتُم أَيُّهَا المُشرِكُونَ سَتَكُونُونَ وَقُودًا لِجَهَنَّمَ الَّتِي سَتُلقَى فِيهَا أَيضًا أَصنَامُكُم وَمَا عَبَدتُم مِنَ الجَمَادَاتِ كَالشَّمسِ وَالقَمَرِ زِيَادَةً فِي إِهَانَتِكُم وَتَعذِيبِكُم، وَلَكِن لَمَّا كَانَ بُغضُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي ذَلِكَ الوَقتِ قَد أَكَلَ قَلبَ ابنِ الزِّبَعرَى وَأَعمَى حُبُّ مُخَاصَمَتِهِ وَالرَّدِّ عَلَيهِ بَصِيرَتَهُ فَاتَهُ هَذَا الأَمرُ الَّذِي مَا كَانَ يَفُوتُ عَرَبِيًّا فِي زَمَانِهِ فَضلًا عَن أَنَّهُ الشَّاعِرُ المَعرُوفُ فِي قَومِهِ، فَعَجِبَ الوَلِيدُ وَمَن كَانَ مَعَهُ فِي المَجلِسِ مِن قَولِ ابنِ الزِّبَعرَى وَرَأَوا أَنَّهُ قَدِ احتَجَّ وَخَاصَمَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا ۖ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102))، [سورة الأَنبِيَاءِ:101-102]، أَي أَنَّ عِيسَى وَعُزَيرًا مَضَيَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَنَزَلَ فِي إِعجَابِ المُشرِكِينَ بِقَولِ ابنِ الزِّبَعرَى: (۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)) ، [سورة الزخرف:57-58]، فَالآيَةُ لَا تَتَنَاوَلُهُم لَا لَفظًا وَلَا مَعنًى، فَهُم يَعلَمُونَ أَنَّ مَا ضَرَبُوهُ بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ مِنَ المَثَلِ جَدَلٌ بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)) ، [سورة الزخرف:58]. قَالَ السُّهَيلِيُّ: لَو تَأَمَّلَ ابنُ الزِّبَعرَى وَغَيرُهُ مِمَّن كَانَ مَعَهُ الآيَةَ لَرَأَى أَنَّ اعتِرَاضَهُ غَيرُ لَازِمٍ مِن وَجهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الخُصُوصِ لِقُرَيشٍ عَبَدَةِ الأَصنَامِ، وَقَولُهُ «إِنَّا نَعبُدُ المَلَائِكَةَ» عُدُولٌ عَنِ الحَقِّ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الكَلَامُ وَالمُحَاجَّةُ فِي اللَّاتِ وَالعُزَّى وَهُبَلَ وَغَيرِ ذَلِكَ مِن أَصنَامِهِم، وَالثَّانِي: أَنَّ لَفظَ التِّلَاوَةِ: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) وَلَم يَقُل “وَمَن تَعبُدُونَ” فَكَيفَ يَلزَمُ اعتِرَاضُهُ بِالمَسِيحِ وَعُزَيرٍ وَالمَلَائِكَةِ، وَهُم يَعقِلُونَ وَالأَصنَامُ لَا تَعقِلُ؟ وَمِن ثَمَّ جَاءَتِ الآيَةُ بِلَفظِ (مَا) الوَاقِعَةِ عَلَى مَا لَا يَعقِلُ. انتَهَى. الرَّوضُ الأُنُفُ، لِأَبِي القَاسِمِ السُّهَيلِيِّ (ج3 ص317).
([4]) لِأَنَّهُم جَعَلُوهُ خَارِجًا مِنَ الإِيمَانِ غَيرَ دَاخِلٍ فِي الكُفرِ فِي مَنزِلَةٍ بَينَ المَنزِلَتَينِ.