(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) (61)
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا)
مَجمَعَ البَحرَينِ.
(نَسِيَا حُوتَهُمَا)
أَي نَسِيَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ يُوشَعُ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الزَّادِ، دَلِيلُهُ.
(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)
وَهُوَ كَقَولِهِم نَسُوا زَادَهُم، وَإِنَّمَا يَنسَاهُ مُتَعَهِّدُ الزَّادِ، قِيلَ: كَانَ الحُوتُ سَمَكَةً مَملُوحَةً فَنَزَلَا لَيلَةً عَلَى شَاطِئِ عَينِ الحَيَاةِ وَنَامَ مُوسَى، فَلَمَّا أَصَابَ السَّمَكَةَ رُوحُ المَاءِ أَي “قُوَّتُهُ وَبَردُهُ” عَاشَت وَوَقَعَت فِي المَاءِ.
(فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ)
أَيِ اتَّخَذَ طَرِيقًا لَهُ مِنَ البَرِّ إِلَى البَحرِ.
(سَرَبًا )
أَي سَرَبَ فِيهِ سَرَبًا، يَعنِي دَخَلَ فِيهَ وَذَهَبَ، وَحُكِيَ فَوقَ ذَلِكَ أَقوَالٌ أُخَرُ مِنهَا مَا رُوِيَ أَنَّ الحُوتَ جَعَلَ لَا يَمَسُّ شَيئًا مِنَ البَحرِ إِلَّا يَبِسَ حَتَّى يَكُونَ صَخرَةً، وَقِيلَ: جَعَلَ لَا يَسلُكُ طَرِيقًا إِلَّا صَارَ المَاءُ جَامِدًا، وَأَصَحُّ مِن ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيخَانِ وَأَحمَدُ وَغَيرُهُم عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «فَأَمسَكَ اللهُ([1]) بِقُدرَتِهِ عَنِ الحُوتِ جِريَةَ المَاءِ فَصَارَ مِثلَ الطَّاقِ([2])».اهـ وَأَشَارَ ﷺ إِلَى صِفَةِ الطَّاقِ، وَالطَّاقُ مَا عُطِفَ مِنَ الأَبنِيَةِ أَي جُعِلَ كَالقَوسِ مِن قَنطَرَةٍ وَكَوَّةٍ([3]).
(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا) (62)
(فَلَمَّا جَاوَزَا)
مَجمَعَ البَحرَينِ ثُمَّ نَزَلَا وَقَد سَارَا مَا شَاءَ اللهُ.
(قَالَ)
مُوسَى.
(لِفَتَاه)
يُوشَعَ.
(آتِنَا غَدَاءَنَا)
أَي طَعَامَنَا الَّذِي نَتَغَدَّى بِهِ وَهُوَ السَّمَكَةُ.
(لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا )
تَعَبًا وَلَم يَتعَب وَلَا جَاعَ قَبلَ ذَلِكَ.
(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (63)
(قَالَ)
يُوشَعُ لِمُوسَى.
(أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا)
أَي حِينَ نَزَلنَا.
(إِلَى الصَّخْرَةِ)
وَنِمنَا عِندَهَا وَهِيَ مَوضِعُ المَوعِدِ.
(فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)
أَي حَملَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ يُوشَعَ رَأَى مَا حَصَلَ لِلسَّمَكَةِ، لَكِنَّهُ قَالَ لَا أُوقِظُ مُوسَى، ثُمَّ نَسِيَ أَن يُخبِرَهُ فِيمَا بَعدُ مَا جَرَى، ثُمَّ اعتَذَرَ يُوشَعُ قَائِلًا.
(وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ)
أَي فَأَنسَانِي أَن أَحمِلَ الحُوتَ فَفَقدَاهُ.
(وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا )
أَي يَتَعَجَّبُ مِنهُ، وَهُوَ أَنَّ أَثَرَ الحُوتِ بَقِيَ إِلَى حَيثُ سَارَ، أَو مَعنَاهُ فَنَسِيتُ أَن أُخبِرَكَ بِخَبَرِهِ، فَإِنَّهُ حَيِيَ بِإِذنِ اللهِ وَوَقَعَ فِي البَحرِ وَاتَّخَذَ مَسلَكَهُ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَأَمرٌ عَجَبٌ، وَرُوِيَ أَنَّ الأَمرَ العَجَبَ كَانَ فِي أَنَّهُمَا قَد أَكَلَا شَيئًا مِنَ السَّمَكَةِ فَأَحيَاهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا هِيَ عَلَيهِ مِنَ الهَيئَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الحُوتَ ذَهَبَ فِي المَاءِ وَبَقِيَ أَثَرُهُ مُتَّصِلًا إِلَى حَيثُ سَارَ فِي البَحرِ.
(قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ۚ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا) (64)
(قَالَ ذَٰلِكَ)
أَي فَقدُ الحُوتِ فِي المَوضِعِ هُوَ.
(مَا)
أَيِ الَّذِي.
(كُنَّا نَبْغِ ۚ )
أَي نَطلُبُهُ مِنَ العَلَامَةِ عَلَى وُجُودِ الخَضِرِ، وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى اتِّخَاذِهِ سَبِيلًا، أَي ذَلِكَ الَّذِي كُنَّا نَطلُبُ، لِأَنَّ ذَهَابَ الحُوتِ كَانَ عَلَمًا([4]) عَلَى لِقَاءِ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ.
(فَارْتَدَّا)
أَي فَرَجَعَ مُوسَى وَيُوشَعُ.
(عَلَىٰ آثَارِهِمَا)
فَرَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَا فِيهِ يَقُصَّانِ.
(قَصَصًا)
أَي يَتبَعَانِ آثَارَهُمَا اتِّبَاعًا حَتَّى بَلَغَا الصَّخرَةَ الَّتِي كَانَ عِندَهَا مِن أَمرِ الحُوتِ مَا كَانَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: القَصَصُ: اتِّبَاعُ الأَثَرِ([5]).اهـ
(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (65)
(فَوَجَدَا)
أَي فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى مَوضِعِ الصَّخرَةِ وَجَدَا.
(عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا)
هُوَ نَبِيُّ اللهِ الخَضِرُ بَليَا ابنُ مَلكَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَكُنيَتُهُ أَبُو العَبَّاسِ، جَالِسًا فِي البَحرِ أَو مُغَطًّى بِثَوبٍ عِندَ ذَلِكَ المَوضِعِ.
( آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا)
رَحمَةً خَاصَّةً وَهِيَ الوَحيُ وَالنُّبُوَّةُ.
(وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا)
أَي مِن قِبَلِنَا.
(عِلْمًا)
يَعنِي الأَخبَارَ بِالغُيُوبِ بِمَا عَلَّمَهُ اللهُ، وَقِيلَ العِلمُ الَّلدُنِّيُّ مَا حَصَلَ لِلعَبدِ بِطَرِيقِ الإِلهَامِ، وَهَذَا يُعطَاهُ النَّبِيُّ مِن طَرِيقِ الوَهبِ وَهُوَ نَوعٌ مِنَ الوَحيِ.
(قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) (66)
(قَالَ لَهُ مُوسَىٰ)
بِلُطفٍ وَتَوَاضُعٍ بَالِغَينِ، رُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم فَقَالَ: وَعَلَيكَ السَّلَامُ يَا نَبِيَّ بَنِي إِسرَائِيلَ فَقَالَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: مَن عَرَّفَكَ هَذَا؟ قَالَ الخَضِرُ: الَّذِي بَعَثَكَ إِلَيَّ، قَالُوا هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخَضِرَ إِنَّمَا عَرَفَ ذَلِكَ بِالوَحيِ وَالوَحيُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ النُّبُوَّةِ.
(هَلْ أَتَّبِعُكَ)
أَي جِئتُ لِأَصحَبَكَ وَأَتَّبِعَكَ.
(عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)
أَي عِلمًا ذَا رُشدٍ أَرشُدُ بِهِ فِي دِينِي، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يَترُكَ طَلَبَ العِلمِ وَإِن كَانَ قَد بَلَغَ نِهَايَتَهُ وَأَن يَتَوَاضَعَ لِمَن هُوَ أَعلَمُ مِنهُ، وَالرُّشدُ وَالرَّشَدُ إِصَابَةُ الحَقِّ، فَطَلَبَ مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الخَضِرِ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَن يُعَلِّمَهُ بَعضَ مَا خَصَّهُ اللهُ بِهِ مِنَ العِلمِ، فَقَالَ الخَضِرُ عَلَيهِ السَّلَامُ: “يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلمٍ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعلَمُهُ وَأَنتَ عَلَى عِلمٍ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعلَمُهُ” فَقَالَ مُوسَى:) هَلْ أَتَّبِعُكَ(
(قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) (67)
(قَال)
الخَضِرُ لِمُوسَى بِلُطفٍ.
(إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)
أَي عَنِ الإِنكَارِ وَالسُّؤَالِ، أَي فِي أُمُورٍ خَاصَّةٍ وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّهُ لَا صَبرَ لَهُ بِالمَرَّةِ، فَإِنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ أَيِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغَايَةَ فِي الصَّبرِ، وَبِذَلِكَ مَدَحَهَمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَخَاطَبَ نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) ([6])، وَرَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَعلَى الأَنبِيَاءِ فِي الصَّبرِ، وَوَجهُ قَولِ الخَضِرِ عَلَيهِ السَّلَامُ ذَلِكَ لِمُوسَى أَنَّ الخَضِرَ يُبَاشِرُ بَعضَ الأُمُورِ نَظَرًا إِلَى بَاطِنِهَا وَأَمَّا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ يَنظُرُ لَهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ([7]).
(وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) (68)
أَي عَلَى أَمرٍ لَا تَعلَمُهُ مِن حَيثُ البَاطِنُ، بَل تَرَاهُ فَتُنكِرُ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ لَا يَتَمَالَكُ أَن يَجزَعَ إِذَا رَأَى ذَلِكَ فَكَيفَ إِذَا كَانَ نَبِيًّا.
(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) (69)
(قَالَ)
مُوسَى عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِندَئِذٍ.
(سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا)
مِنَ الصَّابِرِينَ عَنِ الإِنكَارِ وَالِاعتِرَاضِ.
(وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا)
أَي سَتَجِدُنِي صَابِرًا وَغَيرَ عَاصٍ ثُمَّ لَم يَقُلِ الخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ اتَّبِعنِي بَل تَوَاضَعَ لَهُ وَهَذَا دَأبُ الأَنبِيَاءِ.
(قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) (70)
(قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي)
أَي لَكِن إِن صَحِبتَنِي فَرَأَيتَ مِنِّي شَيئًا قَد عَلِمتَ أَنَّهُ صَحيِحٌ إِلَّا أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيكَ وَجهُ فِعلِي فِيهِ فَأَنكَرتَ فِي نَفسِكَ.
(فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْء)
فَلَا تُفَاتِحنِي بِالسُّؤَالِ وَلَا تُرَاجِعنِي فِيهِ.
(حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)(70)
حَتَّى أَكُونَ أَنَا الفَاتِحَ عَلَيكَ أَيِ البَادِئَ بِذِكرِ الأَمرِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَفعَالَ الأَنبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ لَا تَصدُرُ عَن عَبَثٍ بَل يَكُونُ لَهُم فِيهَا حِكمَةٌ وَغَايَةٌ حَمِيدَةٌ.
([2]) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَارِيِّ ـ كِتَابُ الأَنبِيَاءِ ـ بَابُ حَدِيثِ الخَضِرِ مَعَ مُوسَى عَلَيهِمَا السَّلَامُ ـ رَقمُ الحَدِيثِ (3220).
([3]) القَنطَرَةُ: مَا يُبنَى عَلَى المَاءِ لِلعُبُورِ عَلَيهِ.اهـ المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص507)، وَالكَوَّةُ بِفَتحِ الكَافِ وَضَمِّهَا: الثُّقبَةُ فِي الحَائِطِ، المِصبَاحُ المُنِيرُ فِي غَرِيبِ الشَّرحِ الكَبِيرِ، لِأَبِي العَبَّاسِ الفَيُّومِيِّ (ج2 ص545).
([5]) مَعَانِي القُرآنِ وَإِعرَابُهُ، لِأَبِي إِسحَقَ الزَّجَّاجِ (ج3 ص300).
([6]) [سُورَةُ الأَحقَافِ:35].
([7]) وَلَيسَ مَعنَاهُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ عَصَبِيَّ المِزَاجِ كَمَا قَالَ بَعضُ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا حَلِيمًا صَبُورًا ثُمَّ إِنَّ بَعضَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ التَّصَوُّفَ يُعَانِدُونَ أَهلَ العِلمِ يَقُولُونَ أَنتُم أَهلُ الظَّاهِرِ وَنَحنُ أَهلُ البَاطِنِ لَا نَتَّفِقُ، هَؤُلَاءِ زَنَادِقَةٌ يَنتَسِبُونَ إِلَى التَّصَوُّفِ، هُم إِذَا عَجَزُوا عَنِ الحَقِّ يَقُولُونَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الصُّوفِيَّةَ الحَقَّةَ لَا تُوَافِقُهُم عَلَى ذَلِكَ بَلِ الصُّوفِيَّةُ عِلمٌ وَعَمَلٌ صِدقٌ وَاتِّبَاعٌ، كَانَ الإِمَامُ أَحمَدُ الرِّفَاعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: كُلُّ طَرِيقَةٍ خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ فَهِيَ زَندَقَةٌ.اهـ وَكَانَ إِمَامُ الطَّائِفَةِ الصُّوفِيَّةِ الجُنَيدُ البَغدَادِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: طَرِيقُنَا هَذَا مَضبُوطٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّرِيقُ إِلَى اللهِ مَسدُودٌ إِلَّا عَلَى المُقتَفِينَ آثَارَ رَسُولِ اللهِ.اهـ