إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ وَلَا نِدَّ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ عُيُونِنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَحَبِيبُهُ.
أَشْهَدُ أَنَّكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ لِلْأُمَّةِ، وَجَاهَدْتَ فِي اللَّهِ حَقَّ الجِهَادِ؛ فَجَزَى اللَّهُ مُحَمَّدًا عَنَّا خَيْرًا.
اللَّهُمَّ صَلِّ صَلَاةً كَامِلَةً، وَسَلِّمْ سَلَامًا تَامًّا، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ العُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهِ الكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهِ الحَوَائِجُ، وَتُنَالُ بِهِ الرَّغَائِبُ وَحُسْنُ الخَوَاتِيمِ، وَيُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ.
عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ العَلِيَّ العَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ.
يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ القِيَامَةِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
{ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) }.
أَقْسَمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِيَوْمِ القِيَامَةِ، وَأَقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. دَخَلَتْ عَلَى القَسَمِ “لَا” فَصَارَ مَعْنَاهُ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ.
قَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ: فَائِدَةُ ذٰلِكَ الرَّدُّ عَلَى المُنْكِرِينَ؛ كَمَا لَوْ قَالَ لَكَ أَحَدٌ: فَعَلْتَ كَذَا؟ فَقُلْتَ: لَا وَاللَّهِ، أَيْ رَدَدْتَ القَوْلَ وَزِدْتَ عَلَيْهِ القَسَمَ.
وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُنْكِرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالإِخْبَارِ عَنْهُ أَنْكَرُوا البَعْثَ. وَالحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسُولُ حَقُّهُ التَّسْلِيمُ وَالقَبُولُ.
نَحْنُ مُؤْمِنُونَ وَمُصَدِّقُونَ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ عَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ، وَسُؤَالِ المُنْكَرِ وَالنَّكِيرِ، وَالبَعْثِ وَالحَشْرِ، وَالصِّرَاطِ، وَالقِيَامَةِ، وَالحِسَابِ، وَالمِيزَانِ، وَالثَّوَابِ، وَالعِقَابِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ؛ وَكُلُّ ذٰلِكَ بِإِخْبَارِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ: أَقْسَمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذٰلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ، وَأَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الَّتِي تَلُومُ صَاحِبَهَا وَتُعَاتِبُهُ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
“الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ”.
عِبادَ اللهِ، الكَيِّسُ العاقِلُ الفَطِنُ يُحاسِبُ نَفْسَهُ، يَلُومُ نَفْسَهُ، يُراجِعُ نَفْسَهُ الیَومَ فِي الدُّنْیا: لِماذا أَنا قَصَّرْتُ فِي هٰذِهِ الطّاعَةِ؟ لِماذا ضَعُفْتُ أَمامَ هٰذِهِ الشَّهْوَةِ؟ كَيْفَ تَجَرَّأْتُ عَلَى أَكْلِ لُقْمَةٍ مِنْ حَرامٍ؟ كَيْفَ تَرَكْتُ عَيْنِي تَقَعُ مُتَعَمِّدَةً عَلَى عَوْرَةِ مُسْلِمَةٍ؟ لِماذا لَمْ أَغُضَّ بَصَرِي عَنِ الحَرامِ؟ لِماذا نَظَرْتُ فِي هٰذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلَى هٰذِهِ الآلاتِ الَّتِي فِيهَا حَثٌّ عَلَى الحَرامِ؟ لِماذا فَعَلْتُ ذٰلِكَ؟ لِماذا أَطْلَقْتُ لِساني فِي غِيبَةٍ، وَفِي كَذِبٍ، وَفِي نَمِيمَةٍ عِندَما كُنْتُ قاعِدًا الیَومَ؟
ما هِيَ الفائِدَةُ مِنْ تِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي قُلْتُها، وَرَأَيْتُ أَنِّي لَمَّا قُلْتُها قَدْ تَغَيَّرَ وَجْهُ أَخِي؟ لَعَلَّهُ تَأَذَّى بِهٰذِهِ الكَلِمَةِ. لَعَلِّي آذَيْتُ زَوْجَتِي، أَوِ الزَّوْجَةُ تَقُولُ: لَعَلِّي آذَيْتُ زَوْجِي، لَعَلِّي آذَيْتُ وَلَدِي، لَعَلِّي آذَيْتُ جارِي. لَعَلِّي بِنَظْرَةٍ نَظَرْتُها وَأَنا فِي المَسْجِدِ إِلى أَخٍ لِي، أَرَدْتُ تَنْبِيهَهُ لِشَيْءٍ، لَكِنْ نَظَرْتُ لَهُ بِنَظْرَةٍ لَعَلَّها كَسَرَتْ خاطِرَهُ.
النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ. يَقُولُ الفاروقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ وَأَرْضاهُ:
(حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ لِيَوْمِ الحِسابِ أَنْ تُحاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الیَومَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ).
حاسِبْ نَفْسَكَ الیَومَ قَبْلَ الحِسابِ غَدًا، فَإِنْ كُنْتَ عَصَيْتَ اللهَ فَتُبْ إِلى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى، خَفِّفْ عَنْ نَفْسِكَ مِنَ الحِمْلِ.
يَرْوِي الحافِظُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيا فِي كِتابِ مُحاسَبَةِ النَّفْسِ، وَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى:
(لا يَلْقَى المُؤْمِنُ ـ يَعْنِي الَّذِي يَكُونُ فِي الكَمالِ ـ إِلَّا وَهُوَ يُعاتِبُ نَفْسَهُ؛ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: ما ذا أَرَدْتِ حِينَ تَكَلَّمْتِ؟ ما ذا أَرَدْتِ حِينَ أَكَلْتِ؟ ما ذا أَرَدْتِ حِينَ شَرِبْتِ؟ يُحاسِبُ نَفْسَهُ. قالَ: وَالعاجِزُ يَمْضِي قُدُمًا لا يُعاتِبُ نَفْسَهُ).
وَكانَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ كَذٰلِكَ يَقُولُ:
(إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَزالُ بِخَيْرٍ ما عاتَبَ نَفْسَهُ، ما كانَ لَهُ واعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَما كانَتِ المُحاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ).
نَعَمْ، كُلٌّ مِنَّا يَحْتاجُ مَنْ يَعِظُهُ: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ } وَلَكِنْ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ واعِظٌ، لا تَنْفَعُهُ المَواعِظُ.
إِنَّ المُؤْمِنَ لَا يَزالُ بِخَيْرٍ ما كانَ لَهُ واعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَما كانَتِ المُحاسَبَةُ ـ أَي مُحاسَبَةُ النَّفْسِ ـ مِنْ هِمَّتِهِ.
عَنْ إِسْحاقَ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعالى، قالَ: حَدَّثَ عَنْ إِبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالَ: مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الجَنَّةِ، يَعْنِي: صِرْتُ أَسْتَحْضِرُ: ماذا لَوْ أَنَّ الدُّنْيا انْتَهَتْ وَقامَتِ القِيَامَةُ؟ أُمَثِّلُ نَفْسِي الحَالَ الأَوَّلَ: ماذا لَوْ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُنْتُ فِي الجَنَّةِ.
وَالحالَ الثّانِيَ ـ وَالعِياذُ بِاللهِ ـ: ماذا لَوْ كُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ فَأَذْكُرُ نَفْسِي، ثُمَّ أَقُولُ: لَوْ أَنِّي كُنْتُ فِي ذٰلِكَ المَوْقِفِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: ماذا تَتَمَنّى يا إِبْراهِيمُ؟ فَأَقُولُ: أَتَمَنّى أَنْ أُرَدَّ إِلى الدُّنْيا.
فَأَقُولُ: اسْتَيْقِظْ يا إِبْراهِيمُ، أَنا فِي الدُّنْيا، فَلِماذا لا أَعْمَلُ صالِحًا؟
وَنَصُّهُ رَحِمَهُ اللهُ قالَ:
(مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الجَنَّةِ، آكُلُ مِنْ ثِمارِها، وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهارِها، وَأُعانِقُ أَبْكارَها. وَمَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النّارِ، آكُلُ مِنْ زَقُّومِها، وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِها، وَأُكابِدُ سَلاسِلَها وَأَغْلالَها. فَقُلْتُ: يا نَفْسُ، ماذا تُرِيدِينَ؟ قالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أُرَدَّ إِلى الدُّنْيا فَأَعْمَلَ صالِحًا. قالَ: يا نَفْسُ، أَنْتِ الآنَ فِي الأُمْنِيَةِ).
أَنْتَ الآنَ فِي الدُّنْيا، أَنْتَ الآنَ فِي دارِ العَمَلِ، لَسْتَ فِي دارِ الجَزاءِ. أَنْتَ الآنَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ حَتّى تَصِلَ إِلى أَشْجارِ الجَنَّةِ وَثِمارِ الجَنَّةِ وَنَعِيمِ الجَنَّةِ، وَحَتّى يَحْفَظَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ زَقُّومِ جَهَنَّمَ، وَصَدِيدِ جَهَنَّمَ، وَأَغْلالِ جَهَنَّمَ، وَسَلاسِلِ جَهَنَّمَ، وَحَيّاتِ جَهَنَّمَ، وَعَقارِبِ جَهَنَّمَ.
إِنَّهَا النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ تُحَاسِبُ صَاحِبَهَا، مَضَى كَمْ سَاعَةٍ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الْآنِ، مَاذَا فَعَلْتَ؟ اسْتَيْقَظْتَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَعَدْت أَذْكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، صَلَّيْتَ صَلَاةَ الضُّحَى، قَرَأْتَ سُورَةَ الْكَهْفِ، عَمِلْتَ الأَذْكَارَ الَّتِي وَقْتُ الصَّبَاحِ، بَكَّرْت فِي حُضُورِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَأَنَالُ بِإِذْنِ اللهِ ثَوَابَ مَنْ تَصَدَّقَ بِجَزورٍ، قَعَدْتُ خَاشِعًا مُخْبِتًا فِي الْمَسْجِدِ بِسَكِينَةٍ، أَسْتَمِعُ، مَا شَوَّشْتُ عَلَى إِخْوَانِي، إِنَّمَا أَسْتَمِعُ وَقَلْبِي خَاشِعٌ، وَأَنَا للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَاكِرٌ. هَذِهِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ هِيَ نَفْسُ الْمُخْبِتِ، إِنَّهَا النَّفْسُ اللَّوَّامَةُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. يَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ طَهَ الْمُصْطَفَى، رَسُولِ اللهِ أَحْمَدَ الْمُجْتَبَى، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالْوَفَاءِ.
عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَاتَّقُوا اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ وَأَطِيعُوهُ.
إِخْوَةَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ، مِنْ هَؤُلَاءِ أَصْحَابِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، هُوَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَانَ صَاحِبَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
كَانَ هَذَا شَدِيدَ الْمُحَاسَبَةِ لِنَفْسِهِ، وَكَانَ يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ، فَإِذَا جَاءَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي خَرَجَ إِلَى الْمَقَابِرِ وَقَالَ مُخَاطِبًا أَهْلَ الْقُبُورِ: أَيْنَ كُنَّا وَأَيْنَ كُنْتُمْ؟، وَيَبْقَى عَلَى ذَلِكَ لِلصَّبَاحِ، فَإِذَا أَصْبَحَ فَكَأَنَّمَا نُشِرَ مِنْ قَبْرِهِ.
كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَأْتِيهِ ابْنَتُهُ فَتَقُولُ لَهُ: يَا أَبَتَاهُ، أَلَا تَنَامُ؟ فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّتِي، جَهَنَّمُ لَا تَتْرُكُنِي أَنَامَ. نَفْسٌ لَوَّامَةٌ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ذَاتَ مَرَّةٍ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ، قَالَ لَهُ: لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَحَبَّكَ وَلَأَقْعَدَكَ إِلَى جِوَارِهِ، وَقَرَأَ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.
هَذَا الرَّجُلُ أَصَابَهُ آخِرَ حَيَاتِهِ فَالِحٌ، ابْتِلَاءٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هَذَا رَفْعَةٌ فِي الدَّرَجَاتِ.
بَعْضُ النَّاسِ إِذَا رَأَى وَاحِدًا صَارَ هَكَذَا قَالَ: انْظُرْ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، اللهُ عَاقَبَهُ.
أَنْتَ مَا يَدْرِيكَ أَنَّ هَذَا عِقَابٌ؟ لِمَاذَا لَا يَكُونُ ابْتِلَاءً مِنَ اللهِ؟
ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ وَفَاتِهِمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، تَطْهِيرٌ. قَالُوا: كَيْفَ؟
قَالَ: كَالنَّجَّارِ الَّذِي يُمْضِي الْمِنْشَار فِي الْخَشَبِ، كَيْفَ تَحُطُّ النُّشَارَةُ؟ وَهَكَذَا تُحَطُّ عَنْهُ هَذِهِ الْخَطَايَا. يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا مُطَهَّرًا مِنَ الذُّنُوبِ.
فَكَانَ مَعَ ذَلِكَ إِذَا صَارَ وَقْتُ الصَّلَاةِ جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ مَحْمُولًا، فَقِيلَ لَهُ: لَكِنَّكَ مَعْذُورٌ.
فَيَقُولُ: كَمْ ثَقِيلٌ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَسْمَعَ الْمُؤَذِّنَ الْمُنَادِيَ يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ لَا أُلَبِّي.
عِبَادَ اللهِ، اللهُ عَظَّمَ قَدْرَ جَاهِ مُحَمَّدٍ، وَأَنَالَهُ فَضْلًا لَدَيْهِ عَظِيمًا فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ، قَالَ لِخَلْقِهِ: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
عِبَادَ اللهِ، إِنِّي دَاعٍ، لَعَلَّهَا تَكُونُ سَاعَةَ إِجَابَةٍ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ.
اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلَهُمْ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِين.
اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً.
اللَّهُمَّ اخْلُفْهُمْ فِي أَهْلِهِمْ بِخَيْرٍ.
اللَّهُمَّ عَوِّضْ أَهْلَنَا وَإِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ خَيْرًا، بِفَضْلٍ مِنْكَ يَا اللهُ، بِفَضْلٍ مِنْكَ يَا اللهُ، بِكَرَمٍ مِنْكَ يَا اللهُ.
أَعِزَّهُمْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
أَكْرِمْهُمْ يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.
عَوِّضْهُمْ خَيْرًا، رُدَّ إِلَيْهِمْ أَسْرَاهُمْ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَأَفْرِغْ عَلَى قُلُوبِ الأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ الصَّبْرَ فِي مَنْ فَقَدُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ: وَلَدُهُ فِي الْحَيَاةِ أَمْ فِي الْمَوْتِ؟
يَا رَبَّ ارْزُقْهُمُ الْبَشَائِرَ، أَدْخِلْ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْفَرْحَةَ وَالسُّرُورَ، بِرَحْمَتِكَ يَا اللهُ، يَا غَفُورُ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
سَلِّمِ الضِّفَّةَ يَا رَبِّ، سَلِّمِ الْقُدْسَ يَا رَبِّ، سَلِّمِ الأَقْصَى يَا رَبِّ، سَلِّمْ فِلَسْطِينَ يَا رَبِّ، سَلِّمْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ هَذَا الدِّينَ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْكَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمَاكِرِينَ.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْحَاقِدِينَ.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ يُعِينُ أَعْدَاءَ الدِّينِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اَنْشُرْ عَلَى غَزَّةَ وَعَلَى فِلَسْطِينَ مِنَ الرَّحَمَاتِ الْخَاصَّةِ، بِرَحْمَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا سَخَاءً رَخَاءً، آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ مَلِكَ الْبِلَادِ لِخَيْرِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَأَدْخِلْنَا الْجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ، بِرَحْمَتِكَ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
وَأَنْتَ، يَا أَخِي، أَقِمِ الصَّلَاةَ.