﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31)﴾
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣٠)
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي: اذكر إذ يمكر القوم بك يا محمد ﷺ، حين كان في مكة، ليشكر الله تعالى على نجاته من مكرهم واستيلائهم عليه. والمعنى: اذكر إذ يمكرون بك، أي أن قريشًا لما رأوا قوة الإسلام وصدق دعوة النبي ﷺ وخشيتهم من أن يزداد أمره، اجتمعوا في دار الندوة يتشاورون ويتآمرون على إيقاف دعوة محمد ﷺ.
دخل عليهم إبليسُ لعنه الله في صورة شيخٍ من نجد، فقدم نفسه قائلاً: «أنا شيخ من نجد، دخلت مكة وسمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تَعدَمُوا مِنِّي رأيًا ونصحًا»، فقال أبو البَختَرِي: «رأيي أن تحبسوه في بيتٍ، وتشُدوا وثاقه، وتسدو بابه، بحيث تُلقون إليه طعامه وشرابه من كوةٍ، وتتربصوا به ريْبَ المنون».
فقال إبليس: «بئس الرأي، يأتيكم من يُقاتلكم من قومه ويُخلصه من أيديكم»، وقال هشام بن عمرو: «رأيي أن تحملوه على جملٍ وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع»، فقال إبليس: «بئس الرأي، يُفسد قومًا غيركم ويُقاتِلُكم به».
فقال أبو جهل لعنه الله: «أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا وتعطوه سيفًا ليضربه ضربة رجلٍ واحد، فيتفرق دمه بين القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلنَاهُ واستَرَحنَاهُ »، فقال إبليس: «صدق هذا الفتى، هو أجودكم رأيًا»، فتفرقوا على رأي أبي جهل مجتمعين على قتله.
أما رسول الله ﷺ، فأخبره جبريل عليه السلام، وأمره ألا يبيت في مضجعه، فأذن الله له بالهجرة. فأمر عليًّا رضي الله عنه أن ينام في مضجعه، وغطّاه بردته، فلما أصبح المشركون ثاروا إلى المضجع، فإذا بعليّ رضي الله عنه هناك، فبُهِتُوا وخُيِّب سعيهم، وأبطَل الله مكرهم.
وجاء الإذن بالهجرة، وهو النور الذي أشرق وسط الظلم والظلام، وظهر الخبث والاجتماع الإجرامي، فانبثق نور الدعوة الإسلامية. أما المشركون، فقد أحاطوا ببيت النبي ﷺ أربعون شابًّا مسلَّحًا، يُراد بهم قتله بضربة واحدة عند خروجه، لكن الله سبحانه وتعالى أعمى أبصارهم، وجعل لهم سَدًّا أمامهم وسَدًّا خلفهم، كما ذكر في قوله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾
ثم أخذ النبي ﷺ حفنة ترابٍ ونثرها عليهم، فلا يبصر منهم أحدٌ شيئًا، وتمكَّن ﷺ من الخروج بينهم، فأبطَل الله مكرهم وحمى رسوله ﷺ بنصره وعظمته.
﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾
أي: ليحبسوك ويُوثِقوك، أو ليقتلوك بسيوفهم، أو ليخرجوك من مكة.
﴿وَيَمْكُرُونَ﴾
أي: ويخفون المكائد لك، ويستترون في شرورهم وخداعهم.
﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾
أي: هم يخفون المكائد لك، والله سبحانه وتعالى يَحكُم بين أفعالهم، ويخفي عليهم ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة العقاب.
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
أي: أن مكرَه أنفذ من مكر غيره، وأبلغ تأثيرًا، وهو يُجازِي الماكرين على مكرهم ويُحبط كيدهم، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم، وهي مقابلة لما فعلوه. وفي السياق نفسه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: تركوا طاعة الله، فتركهم الله من رحمته.
وليُعلم أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فلا يجوز إطلاق أي اسم أو وصف على الله إلا إذا ورد به نص القرآن الكريم أو نص الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، أو بالإجماع المعتبر للأمة.
كما ذكر الإمام ابن فورك في مقالات الأشعري عن أبي الحسن الأشعري: «فالأسماء ليست إلينا»، أي لا يجوز أن نُطلق على الله أسماءً لم يُسَمِّه بها كتابه، ولا رسوله ﷺ، ولا أجمعت الأمة عليها.
مثال ذلك:
- لا يُسمّى الله تعالى “الماكر” على معنى الاسم، بل المكر لله سبحانه وتعالى معناه جَزاء الماكرين.
- لا يُسمّى الله “الناسي”، أو “المضل”، أو “المهندس”، أو “الطاقة”، أو “المصدر” بمعنى ما يُنسب للمخلوق.
- لا يجوز أن يُقال لله “أصل” أو “فرع”، بل الصحيح: الله خالق كل شيء.
- يجوز القول: الله حكيم، الله فعال لما يريد، الله رحيم بعباده، لأن هذه أسماء وصفات ثابتة بالتوقيف.
- لا يجوز إطلاق ألفاظ غير توقيفية على الله، كقول: الله حر، أو الله سبب، أو الله علة، لأن ذلك من الوصف المخلوق.
كما قال الإمام الباقلاني: «وما وصف الله به نفسه وصفناه وما لا فلا»، ووافقه فخر الدين الرازي في تفسيره، مؤكدًا أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يُضاف إليه إلا ما ورد به نص صحيح من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣١)
كان ﷺ يقرأ القرآن ويذكر أخبار القرون الماضية، وكل ما يتعلق بماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ في قراءته، فتجد بدايات الدنيا ونهاياتها، وكل الوقائع في هذا الكتاب العظيم.
فقال النضر بن الحارث: “لو شئت لقلت مثل هذا”، يريد أن يتحدى رسول الله ﷺ، ويُظهر أنه لو شاء عن نفسه لأتى بمثل ما جاء به النبي ﷺ، متخيلاً أنه بما جاء به من بلاد فارس من كتب وأحاديث سابقة وبنسخة حديث رُسْتُمِ وأحاديث العجم ، سيُقدَّم على رسول الله ﷺ وعلى كتاب الله عز وجل.
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾
أي: إذا تُتْلَى عليهم آيات القرآن الكريم.
﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
أي: وهذا صَلَفٌ منهم ووقاحة، لأنهم دعوا أن يأتوا بسورة واحدة مماثلة لهذا القرآن، فلم يأتوا به وعجزوا عنه.
الله تعالى أنزل القرآن الكريم، الكتاب العظيم، في شهر رمضان، في ليلة القدر، جملةً واحدةً من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم صار ينزل القرآن الكريم مُنَجَّمًا، أي مفرقًا على رسول الله ﷺ على مدى نحو ثلاث وعشرين سنة.