﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (31) قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هٰذَاۙ إِنْ هٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣١)
كَانَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ قَدْ رَجَعَ مِنْ بِلادِ فَارِسَ، وَمَعَهُ نُسْخَةٌ مِنْ حَدِيثِ «رُسْتَم» وَأَخْبَارِ العَجَمِ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَحَدَّى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ مُتَبَجِّحًا: «لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مِثْلَ هٰذَا الَّذِي تَقُولُ»، يُرِيدُ القُرْآنَ الكَرِيمَ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾، أَيْ: آيَاتُ القُرْآنِ.
﴿قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾
أَيْ: نَسْتَطِيعُ ــ فِي زَعْمِهِمُ البَاطِلِ ــ أَنْ نَقُولَ مِثْلَ هٰذَا القُرْآنِ. ثُمَّ تَجَرَّؤوا فَقَالُوا: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾، فَلَيْسَ هُوَ ــ عِنْدَهُمْ ــ إِلَّا حِكَايَاتٍ قَدِيمَةً مُتَقَادِمَةً.
وَزِيادَةً فِي العِنَادِ وَالاسْتِكْبَارِ، أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ:
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٢)
﴿وَإِذْ قَالُوا﴾: أي المشركون، ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هٰذَا﴾ ـــ أي القُرْآنُ ـــ ﴿هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾… رُوِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ لَمَّا قَالَ مُتَهَكِّمًا: ﴿إِنْ هٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكَ! هٰذَا كَلَامُ اللهِ». فَرَفَعَ النَّضْرُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ جَهْرًا: ﴿إِنْ كَانَ هٰذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، أَيْ: إنْ يَكُنِ القُرْآنُ حَقًّا، فَعَاقِبْنَا عَلَى إِنْكَارِنَا، وَأَنْزِلْ بِنَا الحِجَارَةَ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا فَعَلْتَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ، ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أَيْ: بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العَذَابِ المُوجِعِ.
فَمَاذَا حَلَّ بِهٰذَا الكَافِرِ الَّذِي تَحَدَّى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَجَرَّأَ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَزَعَمَ أَنَّ عِنْدَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَأَنَّ القُرْآنَ لَيْسَ إِلَّا «أَسَاطِيرَ الأَوَّلِينَ»؟ مَا مَآلُهُ؟ فقَدْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ سَبَأٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: «مَا أَجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأَةً»، فَقَالَ الرَّجُلُ: «أَجْهَلُ مِنْ قَوْمِي قَوْمُكَ»، يُرِيدُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ المُشْرِكِينَ، حِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا دَعَاهُمْ إِلَى الحَقِّ: ﴿إِنْ كَانَ هٰذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، وَلَمْ يَقُولُوا: «إِنْ كَانَ هٰذَا هُوَ الحَقَّ فَاهْدِنَا لَهُ»، بَلْ آثَرُوا طَلَبَ العَذَابِ عَلَى طَلَبِ الهِدَايَةِ! وَهٰذِهِ غَايَةُ الضَّلَالِ وَالتَّكَبُّرِ.
قَالُوا: «إِنْ كَانَ هٰذَا هُوَ الحَقَّ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ». وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ المُعَانَدَةِ الَّتِي تَسْتَحْكِمُ فِي قُلُوبِ بَعْضِ النَّاسِ؛ حَتَّى إِنَّكَ قَدْ تَسْمَعُ مِنْ بَعْضِهِمْ مَنْ يَقُولُ: «إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَأَنَا غَيْرُ رَاضٍ بِهِ». وَبَلَغَتْ بِبَعْضِهِمُ الجَهَالَةُ أَنْ يَقُولَ: «إِنْ كَانَ فُلَانٌ ضَالًّا وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحْشَرَ مَعَهُ فِي النَّارِ»، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَقُولَ ـــ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الحَقُّ ـــ: «إِنْ كَانَ فُلَانٌ عَلَى ضَلَالَةٍ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ»، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَقُولَ: «إِنْ كَانَ فُلَانٌ حَالُهُ حَالَ أَهْلِ النَّارِ فَأَنَا لَا أَتَّبِعُهُ». بَلْ تَجِدُ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: «وَلَوْ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ فِي زُمْرَتِهِ، مَحْشُورًا مَعَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَهٰذِهِ غَايَةُ العَمَى وَالانْسِلاخِ عَنِ الحَقِّ.
وَقَالَ الإِمَامُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: «لَا يُعْرَفُ الحَقُّ بِالرِّجَالِ، وَلٰكِنَّ الرِّجَالَ يُعْرَفُونَ بِالحَقِّ». فَالاعْتِبَارُ إِنَّمَا هُوَ لِلْحَقِّ، فَالرَّجُلُ الَّذِي يَحْمِلُ الحَقَّ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَيُعَلِّمُهُ، هُوَ الَّذِي نَتَّبِعُهُ. أَمَّا مَنْ يُخَالِفُ الحَقَّ ـــ كَائِنًا مَنْ كَانَ ـــ فَلَا نَتَّبِعُهُ.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا وَقَعَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِمَامُ، رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» فَلَوْ رَأَيْتَ شِدَّةَ غَضَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ! وَقَدْ زَجَرَهُ وَوَبَّخَهُ تَوْبِيخًا شَدِيدًا، وَقَالَ لَهُ: «أَتُرَانِي خَرَجْتُ مِنْ ذٰلِكَ المَكَانِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ الكُفَّارُ؟ أَتُرَانِي أَلْبَسُ لِبَاسَهُمْ؟ أَتُرَانِي كَذَا؟ أَتُرَانِي كَذَا؟، إِذَا سَمِعْتُمُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: رَسُولُ اللهِ يَقُولُ، ثُمَّ يَقُولُ خِلَافَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ، فَاعْلَمُوا أَنَّ عَقْلَهُ قَدْ ذَهَبَ».
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣٣)
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةٌ، وَوُجُودُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ ـــ فِي حَيَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ـــ رَحْمَةٌ. وَبَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ رَحْمَةً أُخْرَى لِهٰذِهِ الأُمَّةِ؛ بِانْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَبِهَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: اللَّامُ لِلْتَّأْكِيدِ، تُثْبِتُ النَّفْيَ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْذِيبَهُمْ مَعَ وُجُودِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. فَاللهُ تَعَالَى قَدْ رَحِمَنَا بِمُحَمَّدٍ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وَسُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ أَلَّا يُعَذِّبَ قَوْمًا عَذَابَ اسْتِئْصَالٍ مَا دَامَ نَبِيُّهُمْ فِيهِمْ. وَهٰذَا مَعْنَى «سُنَّةِ اللهِ فِي خَلْقِهِ»، أَيْ: مَا جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَادَةً مُطَّرِدَةً فِي أُمَمِ الأَنْبِيَاءِ. وَفِي الآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ مُرْصَدُونَ لِلْعَذَابِ إِذَا هَاجَرَ عَنْهُمْ.
فَمَعْنَى الآيَةِ: أَنَّهُ مَا دَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَلَنْ يُرْسَلَ عَلَيْهِمْ عَذَابُ اسْتِئْصَالٍ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةٌ مَحْضَةٌ. فَقَدْ بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدِّينِ الحَقِّ، دِينِ الإِسْلَامِ، وَهُوَ دِينُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: مَوْضِعٌ يَسْتَحِقُّ التَّوْقِيفَ وَالتَّأَمُّلَ، لِعِظَمِ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ مَعَانِي الرَّحْمَةِ وَالبَرَكَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَّا ـــ فِي جُمْلَةٍ مِنْ لَطَائِفِ البَيَانِ ـــ مَا فِي هٰذِهِ الآيَةِ مِنْ دَلَالَاتٍ عَظِيمَةٍ عَلَى بَرَكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَحْمَتِهِ.
وَلَأَذْكُرَنَّ الآنَ – بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ – شِقًّا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَنَّهُ نَفَعَ أُمَّتَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَهُوَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفَعُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ أَيْضًا. يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحَدِّثُونَ وَيُحَدَّثُ لَكُمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ؛ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا وَجَدْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمِدْتُ اللهَ عَلَيْهِ، وَمَا وَجَدْتُ مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللهَ لَكُمْ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَهَذَا كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ نَفْعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ. فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: أَلَيْسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ؟ أَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾؟ نَقُولُ: بَلَى، قَدْ مَاتَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَنَا فَقَالَ: «حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ»، وَهُوَ الَّذِي قَالَ:
«الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَحْيَاهُم فِي قُبُورِهِمْ حَيَاةً خَاصَّةً لَائِقَةً بِمَقَامِهِمْ. وَلِهَذَا نُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، وَنُصَلِّي عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبَاحَ مَسَاءٍ، فَنَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَنَنَالُ رَحْمَةَ اللهِ تَعَالَى بِسَبَبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَفِي زَمَنِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي اسْتَجَدَّتْ وَلَمْ نَكُنْ نَسْمَعُ بِهَا قَدِيمًا، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ رَفْعِ الدَّاءِ وَالْبَلَاءِ: كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَى خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ. يَجْعَلُهَا اللهُ تَعَالَى سَبَبًا لِذَهَابِ الْمَرَضِ. فَلِمَاذَا نُغْفِلُ عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ؟ وَلِمَاذَا لَا نُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ؟ نَحْنُ نَنْتَفِعُ، وَهَذَا بَعْضُ مَعَانِي رَحْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَعِنْدَمَا نَقُولُ: «مُحَمَّدٌ يَنْفَعُ»، فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّنَا نَعْبُدُهُ – حَاشَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بَلْ هُوَ نَفْعٌ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. أَفَإِذَا وُجِدَ دَوَاءٌ يَنْفَعُ، فَهَلْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ عَبَدُوا الدَّوَاءَ؟!
وَمَنْ قَالَ إِنَّ زِيَارَتَنَا لِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَادَةٌ لَهُ؟! أَيَعْقِلُ أَحَدٌ هَذَا؟! إِذَا زَارَ الْإِنْسَانُ قَبْرَ أَبِيهِ فَهَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَهُ؟! الزِّيَارَةُ هِيَ الزِّيَارَةُ، وَلَكِنَّ قَصْدَ التَّبَرُّكِ بِنَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عِبَادَةً، بَلْ هُوَ تَشَرُّفٌ وَاقْتِدَاءٌ وَتَعَظِيمٌ مَشْرُوعٌ.
فَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ تَنْقَطِعْ؛ وَزِيَارَتُهُ رَحْمَةٌ، وَفِيهَا بَرَكَةٌ، وَفِيهَا نَفْعٌ عَظِيمٌ لِمَنْ شَرُفَ بِهَا. فَلْنَرْوِ مِنْ هَذَا الْمَعِينِ الزَّلَّالِ.
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي، وَمَنْ مَاتَ بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ:
«مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا:
«مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ بِأَحَدِ الحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللهُ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ» لِلْبَيْهَقِيِّ أَنَّهُ قَالَ:
«مَنْ زَارَنِي بِالمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا، كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا: «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ زَارَنِي مُحْتَسِبًا إِلَى المَدِينَةِ كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
«مَنْ زَارَنِي مَيِّتًا فَكَأَنَّمَا زَارَنِي حَيًّا، وَمَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي».
وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ شَرُفَ بِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ خَالِصَةً لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ مَالُهُ الَّذِي أَنْفَقَهُ فِي السَّفَرِ مَالًا طَيِّبًا مِنْ حَلَالٍ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى المَدِينَةِ وَاسْتَقْبَلَ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَ اللهَ الشَّفَاعَةَ—فَهَذِهِ بُشْرَى لَهُ بِالْمَوْتِ عَلَى الإِيمَانِ، وَبِأَنَّهُ يَنَالُ شَفَاعَةَ سَيِّدِ الْأَنَامِ فِي النَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ، فَلَا يُعَذَّبُ فِي النَّارِ.
وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي». أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي» صِدْقٌ لَا يَتَخَلَّلُهُ بَاطِلٌ. وَهُوَ الَّذِي قَالَ: «حُجُّوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي».
وَمَعْنَى: «كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَضْلٌ جَلِيلٌ. فَلْيَتَأَمَّلِ الإِنْسَانُ: لَوْ خَطَرَ فِي بَالِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَيَرَى وَجْهَهُ المُنِيرَ، وَيَسْمَعُ صَوْتَهُ الشَّرِيفَ، وَيَرَى ابْتِسَامَتَهُ، وَيُصَافِحُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ—فَأَيُّ فَرَحٍ يَغْمُرُهُ؟!
وَقَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُنَاسًا سَيَأْتُونَ مِنْ بَعْدِهِ، يَشْتَاقُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَمَنَّوْنَ رُؤْيَتَهُ، وَيُحِبُّونَ لِقَاءَهُ؛ فَدَلَّهُمْ عَلَى الزِّيَارَةِ، وَعَلَّمَهُمْ سَبِيلَهَا، لِيَنَالُوا مِنْ بَرَكَتِهِ وَرَحْمَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حَتَّى إِنَّ الحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ البَارِي» وَهُوَ فَقِيهٌ شَافِعِيٌّ أَشْعَرِيٌّ، وَمِنْ أَقْوَى مَنْ شَرَحَ «صَحِيحَ البُخَارِي» قَالَ: «وَمَشْرُوعِيَّتُهَا—أَيْ: مَشْرُوعِيَّةُ زِيَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ—مَحَلُّ إِجْمَاعٍ بِلَا نِزَاعٍ». فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا—كَمَا قَدَّمْنَا—لَيْسَتْ مَسْأَلَةً خِلَافِيَّةً. فَمَنْ قَالَ: «هِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ وَلَا نُحِبُّ الْخَوْضَ فِي الخِلَافِيَّاتِ» نَقُولُ لَهُ: لَيْسَ هُنَاكَ خِلَافٌ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةُ إِجْمَاعٍ، وَالإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
وَالأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَهُمْ—وَالْعِيَاذُ بِاللهِ—ذَهَبَ إِلَى أَنَّ زِيَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَرَّمَةٌ، بَلْ بَالَغَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إِنَّهَا «مَعْصِيَةٌ» وَلَا يَصِحُّ مَعَهَا قَصْرُ الصَّلَاةِ! وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْغُرُورِ وَالْبُعْدِ عَنْ مَسَالِكِ العِلْمِ وَالهُدَى.
وَمَا زِلْنَا نَتَدَبَّرُ لَطَائِفَ هَذَا القَوْلِ الإِلَهِيِّ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾؛
لِعَظِيمِ بَرَكَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِعُمُومِ رَحْمَتِهِ. فَفَضْلُهُ عَلَيْنَا جَلِيلٌ، وَإِحْسَانُهُ—بِإِذْنِ اللهِ—دَائِمٌ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا». وَهَذَا الحَدِيثُ—وَهُوَ فِي «مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَد»—لَيْسَ مَعْنَاهُ تَحْرِيمَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ، وَلَا أَنَّ الزِّيَارَةَ مَكْرُوهَةٌ، بَلِ المَعْنَى—عَلَى مَا قَرَّرَهُ العُلَمَاء—أَلَّا يَكُونَ الزِّيَارَةُ مَحْصُورَةً فِي أَزْمِنَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَالْأَعْيَادِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ تُكْثَرَ الزِّيَارَةُ فِي سَائِرِ الأَوْقَاتِ.
وَقَدْ وَرَدَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ» أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نَائِيًا—أَيْ: بَعِيدًا—وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا يُبَلِّغُنِي صَلَاتَهُ».
أَيْ: إِذَا قَالَ المُسْلِمُ فِي أَيِّ بِلَادِ الدُّنْيَا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ» فَإِنَّ اللهَ يَكِلُ مَلَكًا يُبَلِّغُ النَّبِيَّ صَلَّاتَكَ، فَيُعْلِمُهُ قَائِلًا: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فُلَانًا ابْنَ فُلَانٍ صَلَّى عَلَيْكَ الآنَ».
وَتَأَمَّلْ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَرَكَةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ:«وَكُفِي أَمْرُ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا». وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَإِنَّ اللهَ وَكَّلَ بِي مَلَكًا عِنْدَ قَبْرِي، فَإِذَا صَلَّى عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي قَالَ لِي ذَلِكَ المَلَكُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فُلَانًا ابْنَ فُلَانٍ صَلَّى عَلَيْكَ السَّاعَةَ». رَوَاهُ السَّخَاوِيُّ.
يَرْوِي الإمامُ أحمَدُ وكذلك أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ عن رسولِ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم أنَّه قال:
«ما مِن أحدٍ يُسلِّمُ عليَّ إلّا رَدَّ اللهُ إلَيَّ رُوحي حتّى أرُدَّ عليهِ السَّلامَ».
ومعنى قوله عليه الصلاة والسلام «رَدَّ اللهُ إلَيَّ رُوحي» – وقد تقدَّم أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قد أحياهُ اللهُ تعالى في قبرِه – أنَّ اللهَ تعالى يُجْرِي في جسدِه الشريف قُوَّةً يَرُدُّ بها السلامَ على المُسلِّمين.
ولهذا قال العلماء: لو سلَّم على النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم مِلْيونُ إنسانٍ في اللحظةِ نفسها، مِن أيِّ بلدٍ كان: في الأردن، أو الشام، أو العراق، أو اليمن، أو غيرها، لَبَلَغَ سلامُهم كلَّه رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم بقدرةِ الله تعالى، فيسمعُه ويرُدُّه عليهم جميعًا.
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
«إنَّ أقرَبَكم مِنِّي يومَ القيامةِ في كلِّ مَوْطِنٍ أكثَرُكم عليَّ صلاةً في الدنيا».
ورُوي عند السيوطيِّ عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم:
«مَن صلّى عليَّ كلَّ يومٍ ألفَ مرّةٍ لم يَمُتْ حتّى يَرَى مَقْعَدَه مِن الجَنّة».
في كلّ يومٍ بأيِّ صيغةٍ صحيحةٍ مِن صِيَغِ الصلاةِ على النبي.
وانتبهْ–رعاكَ الله–ألا تقول: «اللهمّ صَلِّي» بإثبات الياءِ؛ لأنَّه خطابٌ للمؤنَّث، ولا يُخاطَب اللهُ تعالى بهذا.
وإنّما الصواب: «اللهمَّ صَلِّ على محمَّد»، مع التنبّه إلى تشديد الميم في محمَّد.
أو تقول: «صلّى اللهُ على محمَّدٍ صلّى اللهُ عليه وسلّم»، أو أي صيغةٍ صحيحة.
وفي الحديث الذي رواه السخاويّ:
«أكثِروا الصلاةَ عليَّ؛ فإنَّ اللهَ وكَّلَ بي مَلَكًا عند قبري، فإذا صلّى عليَّ رجلٌ من أمّتي قال لي ذلك الملك: يا محمَّد، إنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ صلّى عليكَ الساعة».
وفي روايةٍ أخرى:
«وكُفِيَ أمرُ دُنياهُ وآخرتِه، وكنتُ له يومَ القيامةِ شفيعًا أو شهيدًا».
ورُوي عن رسولِ الله صلّى الله عليه وسلّم كذلك:
«مَن صلّى عليَّ في يومِ الجُمُعةِ وليلَتِها مائةَ مرّةٍ قَضى اللهُ له مائةَ حاجةٍ: سبعينَ مِن حوائجِ الآخرة، وثلاثينَ مِن حوائجِ الدنيا. ثمّ يُوكِلُ اللهُ بذلك مَلَكًا يَدخُلُه في قبري كما تُدْخَلُ عليكم الهدايا، يُخبِرُني مَن صلّى عليَّ باسمهِ ونسبِه إلى عشيرته، فأثبِتُه عندي في صحيفةٍ بيضاء».
وفي روايةِ الطبرانيّ:
«إنَّ للهِ مَلَكًا أعطاهُ اللهُ أسماعَ الخلائق، فهو قائمٌ على قبري، فإذا مات أحدٌ ليس أحدٌ يصلّي عليَّ صلاةً إلا قال ذلك الملك: يا محمَّد، صلّى عليكَ فلانُ ابنُ فلان. فيُصَلّي الرّبُّ تباركَ وتعالى على ذلك الرجلِ بكلِّ واحدةٍ عشرًا».
وفي روايةٍ أخرى:
«فهو قائمٌ على قبري إلى أن تقومَ الساعةُ، فليس أحدٌ من أمّتي يُصلّي عليَّ صلاةً إلا قال: يا أحمد، أو يا محمَّد، إنَّ فلانًا ابنَ فلانٍ يُصلّي عليك بكذا وكذا. وضَمِنَ ليَ ربّي أنَّه لا يصلّي عليَّ أحدٌ صلاةً إلا صلّى اللهُ عليه عشرَ أمثالِها، وإن زاد زاده اللهُ».
وقد جاء في الترغيب والترهيب للمنذريّ أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال:
«وإنّي سألتُ ربّي عزّ وجلّ ألا يُصلّي عليَّ واحدٌ منهم صلاةً إلا صلّى عليه عشرَ أمثالِها، وإنَّ اللهَ عزّ وجلّ أعطاني ذلك».
وهذا كلُّه يدلُّ على عظيمِ بركةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وعلى نفعِه العظيم لأمّتِه بعد وفاتِه كما كان نافعًا لها في حياتِه.
فهل بعد ذلك يجرؤ أحدٌ على القول إنّ رسولَ الله لا ينفع؟!