﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)﴾
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (25)
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾
أي: احذروا عذابًا، واتَّقوا نزولَهُ عليكم باجتنابِ الظلمِ وتركِ المعاصي.
﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾
أي: إنْ نزلَتِ الفتنةُ فإنَّها لا تختصُّ بالظالمين وحدهم، بل تعمُّ الجميعَ إذا فشا الظلمُ وانتشر، فيعمُّ البلاءُ الصالحَ والطالحَ.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
أي: إذا عاقبَ الظالمَ كانت عقوبتُهُ شديدةً وخيمةً، لأنَّ الظلمَ هو التعدِّي على حدودِ الله تعالى، ومخالفةُ أمرِ مَنْ لهُ الأمرُ والنهي. فالذي يخالفُ أمرَ الله عزَّ وجلَّ فقد ظلمَ نفسَه.
وأعظمُ الظلمِ وأشدُّهُ على الإطلاقِ الكفرُ بالله تعالى، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكاملون في الظلم، إذ لا ظلمَ أعظمُ من الكفر.
وقد يكون الظلمُ فيما دون الكفر، كالوقوعِ في المعاصي كبيرِها وصغيرِها، فكلُّ مَن عصى الله فقد ظلم نفسَه، لكنَّه دون ظلمِ الكفرِ بدرجات.
ومِن آثار الظلمِ أنَّه سببٌ لتعجيلِ العقوبة في الدنيا، كما جاء في الحديث عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “ما من ذنبٍ أجدرُ بأنْ يعجِّلَ الله لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدَّخره له في الآخرة، مِنَ البغيِ وقطيعةِ الرحم”.
والبغيُ هو الظلم: كأكلِ حقِّ المسلم، أو التعدِّي عليه، أو الغصب، أو الخوض في مالِه بغير حقٍّ. فهذه الذنوبُ سببٌ لعقوباتٍ يُعجِّلُها اللهُ لصاحبِها، وقد تكونُ على صورةِ ابتلاءاتٍ عامَّةٍ أو خاصَّة.
وإذا فشا الظلمُ وانتشر كان ذلك من أشراطِ الساعة ومن علاماتِها؛ فعلينا أن نحفظَ أنفسَنا منه، وأن نبادر بردِّ المظالمِ إلى أهلِها.
واعلم أنَّ الظلم مستحيلٌ على الله تعالى؛ فإنْ عاقبَ فبعدلٍ، وإنْ أنعم فبفضلٍ. فكلُّ نقمةٍ منه عدلٌ، وكلُّ نعمةٍ منه فضلٌ، وهو سبحانه لا يُسألُ عمَّا يفعلُ وهم يُسألون.
ولو أطبقَ اللهُ السماءَ على الأرضِ ما كان ظالمًا، لأنَّ كلُّ شيءٍ ملكٌ لله تعالى.
وفي الحديثِ القدسيِّ الجليل: “يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظَالَموا”. فاللهُ تعالى يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريد، لأنَّه المالكُ الذي لا يُنازِعُه أحدٌ في مُلكِه.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾
أَيِ: اذكُروا حينَ كنتُم قِلَّةً ذلِيلين.
﴿قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
أي في أرضِ مكّةَ قبلَ الهجرةِ، حيثُ كانتْ قُرَيْشٌ تَسْتَضْعِفُكُم.
﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾
لِأَنَّ النَّاسَ كانوا أعداءَ لهم مُعادين مضادِّين.
﴿فَآوَاكُمْ﴾
إلى المدينةِ، مدينةِ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّم، بالهِجرة.
﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾
بمظاهرةِ الأنصارِ، وبإمدادِ الملائكةِ يومَ بدر.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
أَيْ: من الغنائمِ التي أحلَّها اللهُ لكم، ولم تُحَلَّ لأحدٍ من قبلكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
أي رجاءَ أنْ تُؤدُّوا شُكرَ هذه النِّعَمِ الجليلة.
يقولُ ابنُ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: جاءتْ فاطمةُ رضي اللهُ عنها إلى رسولِ اللهِ ﷺ تبكي، فقالت: تركتُ الملأَ من قريشٍ قد تعاقدوا في الحِجر، فحلفوا باللَّاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ ويَسافَ ونائلةَ ـ وهي أسماءُ أصنامٍ ـ إذا هم رَأَوْكَ قاموا إليكَ فيضربوك بأسيافِهم فيقتلونك، ليس فيهم رجلٌ إلَّا قد عُرِفَ نصيبُه منك. فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ»، ثم قامَ ﷺ فتوضَّأ وأتاهم، فلمَّا نظروا إليه طأطؤوا رؤوسَهم ونكسوها إلى الأرض، فأخذَ ﷺ كفًّا من ترابٍ فرماهم به ثم قال: «شاهَتِ الوجوهُ». قال ابنُ عبَّاسٍ: ما أصاب ذلك الترابُ منهم أحدًا إلَّا قُتِلَ يومَ بدرٍ كافرًا.
وتقولُ أُمُّ كُلثوم بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللهُ عنهما: لقد رجع أبو بكرٍ يومئذٍ وقد صَدَعوا فَرْقَ رأسِه ممّا جَبَذُوهُ بلحيته، وكان رضي اللهُ عنه رجلًا كثيرَ الشعر.
وأخرج الترمذيُّ في نوادر الأصول من حديثِ جعفرِ بنِ محمد، عن أبيه، عن عليٍّ رضي اللهُ عنه قال: «اجتمعت قريشٌ بعد وفاةِ أبي طالبٍ بثلاثٍ، فأرادوا قتلَ رسولِ اللهِ ﷺ، فأقبل هذا يَجَؤُه، وهذا يُتَلْتِلُه، كلُّ واحدٍ من ناحيةٍ يُؤذيه بنوعٍ من الأذى. فاستغاثَ النبيُّ ﷺ والمشركون يُحيطون به؛ هذا بكلمةٍ، وهذا يمدُّ يدَه، وهذا يُؤذي، فلم يُغِثْه أحدٌ إلَّا أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه، وله ضفيرتان؛ فأقبلَ يَجَؤُ ذا ويُتَلْتِلُ ذا، ويقول بأعلى صوتِه: وَيْلَكُمْ «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ»، واللهِ إنَّه لرسولُ الله. فقُطِعَتْ إحدى ضفيرتي أبي بكرٍ يومئذٍ». ثم قال عليٌّ رضي اللهُ عنه: «واللهِ لَيَوْمُ أبي بكرٍ خيرٌ من مؤمنِ آلِ فرعون، ذاك رجلٌ كتمَ إيمانَه فأثنى اللهُ عليه في كتابِه، وهذا أبو بكرٍ أظهرَ إيمانَه وبذل مالَه ودمَه للهِ عزَّ وجلَّ».
وكان الأذى الشديدُ يلحقُ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه، ومنهم بلالُ بنُ رباحٍ الحَبَشيُّ رضي اللهُ عنه، وكان مَوْلًى لأُميَّةَ بنِ خَلَف. فكان أميةُ يضع في عنقِه حبلًا ثم يُسَلِّمُه إلى الصبيان، يطوفون به في جبالِ مكة، حتى يظهرَ أثرُ الحبلِ في عنقِه، ويشتدَّ عليه الضربُ بالعصا، ويلجئه إلى الجلوس في حرِّ الشمس، ويُكرهه على الجوع والعطش. ثم إذا حَمِيَتِ الظهيرةُ طرحه في بطحاءِ مكة، وأمر بصخرةٍ عظيمةٍ فوُضِعَتْ على صدرِه، ويقول له: «لَا وَاللهِ لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أو تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى». فيقول بلالٌ رضي اللهُ عنه: «أَحَدٌ، أَحَدٌ».
حتى نجَّاه اللهُ تعالى بأبي بكرٍ رضي اللهُ عنه، فاشتراه بسبعِ أواقٍ وقيل: خمس من الفِضَّة، فأعتقه للهِ تعالى.
وكان أبو جهلٍ يُغري بمن أسلم من أصحاب النبي ﷺ؛ فإن كان للرجل شرفٌ ومنعةٌ قال له:
«تركتَ دينَ أبيكَ وهو خيرٌ منك! لَنُسَفِّهَنَّ حُلْمَكَ، ولَنَضَعَنَّ شَرَفَكَ». وإن كان تاجرًا قال:
«واللهِ لَنُفْسِدَنَّ تِجَارَتَكَ، ولَنُهْلِكَ مَالَكَ». وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرَى به.
ويقولُ الشعبيُّ: دخل خَبَّابُ بنُ الأرَتِّ رضي اللهُ عنه على عمرَ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنه، فأجلسه عمرُ على مُتَّكئِهِ، وقال: «ما على الأرضِ أحدٌ أحقُّ بهذا المجلسِ من هذا، إلَّا رجلٌ واحد».
قال خباب: مَن هو يا أميرَ المؤمنين؟ قال: بلالٌ. فقال خباب: يا أميرَ المؤمنين، ما بأحقَّ منِّي؛ إنَّ بلالًا كان له في المشركين مَن يمنعُه، وكنتُ لا أجدُ مَن يمنعني. لقد رأيتُني يومًا أخذوني، فأوقدوا لي نارًا، ثم سلقوني فيها، ووضع رجلٌ رجلَه على صدري، فما اتَّقيتُ حرَّ الأرضِ إلّا بظهري.
ثم كشف عن ظهره، فإذا هو قد أصيبَ إصابةً عظيمة.
ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ بعمَّارٍ وأبيه وأمِّه، فقال: «صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَصِيرَكُمُ الجَنَّةُ». وفي رواية: «مَوْعِدُكُمُ الجَنَّةُ».
وبعد هذا الصبرِ وهذا الأذى الذي تجمَّلتم في احتمالِه، آواكمُ اللهُ إلى المدينة، وأيَّدكم بنصرِه، وجعل للمهاجرين الأنصارَ نُصَراءَ لرسولِه ودعوتِه، وأمدَّكم بالملائكةِ يوم بدر، ورزقكم من الطيبات، وجاءتكم الغنائمُ التي لم تُحَلَّ لأحدٍ قبل أمةِ محمدٍ ﷺ. الصبرُ مُرٌّ، ولكنَّ ثمرتَهُ حلوةٌ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هذه النِّعَم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٧)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ﴾
أي: لا تُعَطِّلُوا فَرَائِضَهُ، فَتُخِلُّوا بِالْوَفَاءِ لِحَقِّهِ، فَهَذِهِ خِيَانَةٌ عَظِيمَةٌ.
﴿وَالرَّسُولَ﴾
أي: ولا تَخُونُوا رسوله ﷺ، بِأَنْ لا تَسْتَنُّوا بِأَمْرِهِ وَتَعصَوْهُ، فجاء الجزم هنا مُعْطَفًا على «لَا تَخُونُوا»؛ فمعنى الآية جامع بين خيانة الله وخيانة رسوله ﷺ.
﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾
أي: احفظوا الأمانات فيما بينكم، فلا تُنقصوها ولا تُسلموها بغير حق، ولا تُهدروا حقوقَ الآخرين. فالمقصود خيانة الأمانة في المال، والولد، والحقوق المقرَّرة، وكل ما عُهد إليكم حفظه، فإن انتقصتموه أو أضعتموه فقد خُنتموه.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
أي: أنتم عالمون بالعاقبة الوخيمة للخذلان والخيانة، وتدرون حُسن الحسن وقُبح القبيح، فتأتي الخيانة عن قصدٍ ووعيٍ، لا عن سهوٍ أو جهل.
ومعنى الخَوْن: النقص، كما أن معنى الإِيفاء: التمام والكمال. ومنه تَخَوَّنَهُ إذا انتقصه ثم استعمله ضد الأمانة والوفاء. لأنك إذا خُنْتَ الرجل في شيءٍ فقد أدخلت عليه النقصان فيه.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٨)
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
أَي: سَبَبٌ لِلْوُقُوعِ فِي الْفِتْنَةِ، وَهِيَ الْإِثْمُ وَالْعَذَابُ، أَوْ هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِيَبْلُوكُمْ: كَيْفَ تَحْفَظُونَ حُدُودَهُ فِيهِمْ؟
فَالَّذِي لَا يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ يَقَعُ فِي الْفِتْنَةِ، فَتَقُودُهُ إِلَى الْإِثْمِ وَالْعُقُوبَةِ.
وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْفِتْنَةُ اخْتِبَارًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَنَحْنُ نُخْتَبَرُ بِالنِّعَمِ.
وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الرِّفَاعِيُّ الْكَبِيرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «لَا تَنْشَغِلْ بِالنِّعَمِ عَنِ الْمُنْعِمِ».
﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
أَي: إِذَا اتَّقَيْتُمْ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا﴾
أَي: نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَيُذِلُّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَيُعِزُّ أَهْلَ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: هُوَ بَيَانٌ وَظُهُورٌ يُشَهِّرُ أَمْرَكُمْ، وَيُذِيعُ ذِكْرَكُمْ فِي الْآفَاقِ، كَقَوْلِهِمْ: سَطَعَ الْفُرْقَانُ أَي طَلَعَ الْفَجْرُ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ﴾.
﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
أَي: الصَّغَائِرُ.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
أَي: الْكَبَائِرُ.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
أَي: فَضْلُهُ عَلَى عِبَادِهِ عَظِيمٌ؛ فَمَنْ اتَّقَاهُ جَعَلَ لَهُ فُرْقَانًا، وَكَفَّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَسِعٌ الْفَضْلِ.