﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)﴾
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِمۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾(٣٣)
أي: إنَّ الضمير في قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ واقعٌ موقعَ الحال، ومعناه نفيُ حصولِ الاستغفار منهم حقيقةً؛ لأنَّهم لم يكونوا ممَّن آمن واستغفر من كفره. فالمعنى: لو كانوا من أهل الإيمان والاستغفار لما عذَّبهم الله تعالى.
والاستغفارُ بالنِّسبة إلى الكافر إنَّما يتحقَّق بإسلامه؛ أي بدخوله في دين الله تعالى، لا بقول: “أستغفرُ الله”. فالكافرُ لا يكون مستغفرًا حقيقةً إلَّا إذا قال: «أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله»، نطقًا باللِّسان مع اعتقادٍ صادقٍ جازمٍ بالقلب.
وليس معناه أن يقول بلسانه: “أنوي الدُّخول في الإسلام”، بل عليه أن يَنطِق فَوْرًا بالشهادتين قائلًا: «أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله»، ويكون في قلبه نيَّةُ الدُّخول في الإسلام، فيصيرُ بهذه الكلمة مسلمًا.
وبيانُ ذلك أنَّ الله تعالى أخبر أنَّه لا يغفر للكافر الذي يموت على كفره، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، فدلَّ على أنَّ غفرانَ الشِّرك لا يكون إلَّا بالإسلام والدخول في دين الله تعالى.
وقد نقل الإمامُ النَّوويُّ رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم الإجماعَ على أنَّ الكافر لا يدخل في الإسلام بقول: “أستغفرُ الله”، بل لا يدخل فيه إلَّا بالنُّطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما. فمن قال “أستغفرُ الله” وهو لا يزال على كفره فكأنَّه يقول: “يا ربّ اكْذِبْ نَفْسَكَ”، إذ يستغفر طلبًا للمغفرة، ولا تتحقَّق المغفرة له وهو على غير الإسلام!
والقاعِدَةُ: أنَّ الدخولَ في الإسلام لا يكون إلَّا بالنُّطق بالشهادتين مع اعتقاد معناهما. فلو قالهما بلسانه وهو لا يزال يعتقد أنَّ لله زوجةً، أو ولدًا، أو شريكًا، أو شبيهًا، أو يثبت لله تعالى صفةً من صفات البشر، لم يَدخُل الإسلامَ، لأنَّه لم يُصَدِّقْ معناهما بقلبه.
وكذلك يصحُّ الدُّخول في الإسلام بكلِّ لفظٍ يؤدِّي معنى الشهادتين، مثل أن يقول: “لا خالقَ إلَّا الله، محمَّدٌ رسولُ الله”، أو يقول: “لا ربَّ إلَّا الله، محمَّدٌ رسولُ الله”، فيصيرُ بهذه الصِّيغِ مسلمًا.
إذًا فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾، أي: لو كانوا قد استغفروا بمعنى آمنوا؛ لأنَّ الاستغفارَ في حقِّ الكافر هو دخولُه في الإسلام كما قال تعالى في قوم نوح: ﴿فَقُلتُ ٱستَغفِرُواْ رَبَّكُم إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارا﴾، أي: أسلِموا، وهذا أحدُ الوجهين في تفسير الآية.
والوجهُ الآخر: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم﴾ أي: وما كان الله ليعذِّبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون الذين كانوا بين أظهر المشركين ممَّن تخلَّف عن الهجرة لعجزٍ أو ضعفٍ شديد، فبقوا في مكة، وكانوا يستغفرون. فهؤلاء أيضًا كان الله تعالى يدفع بهم العذابَ عن أهل مكة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)
﴿وَمَا لَهُم أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾
أي: وما كان الله ليعذِّبهم وأنتَ فيهم، فإذا فارقتهم فالله سبحانه معذِّبُهم لا محالة.
﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
أي: كيف لا يعذِّبهم الله، وحالُهم أنَّهم يصدُّون المؤمنين عن المسجد الحرام؟ يمنعونهم منه، كما صدُّوا رسولَ الله ﷺ عامَ الحديبية، ومنعوه وأصحابَه من الوصول إلى المسجد الحرام لأداء العمرة، وكما أخرجوا رسولَ الله ﷺ وصحابتَه من مكة، فذلك كلُّه من جملة صدِّهم عن المسجد الحرام.
وكانوا يقولون: نحن ولاةُ البيت والحرام، ندخل من نشاء ونمنع من نشاء، فجاء الردُّ
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾
أي: لم يستحقُّوا مع إشراكهم ومعاداتهم للدين أن يكونوا أولياءَ أمرِ الحرم. وكيف يكون وليًّا على المسجد الحرام من كان يصدُّ رسولَ الله ﷺ والمؤمنين عنه؟!
﴿أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾
أي: أولياءُ المسجد الحرام هم المتقون من أهل الإسلام. وقيل: الضميران راجعان إلى الله تعالى، أي: أولياءُ الله هم المتقون.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾
أي: لا يعلمون هذا الحقَّ، فكأنَّه استثنى من كان يعلم الحقَّ ولكنه يعاند. وقد يراد بـ “الأكثر” هنا “الجميع”، كما يراد بالقِلَّة أحيانًا معنى العدم. وقد يُراد بأكثرهم: أغلبُهم ممَّن كان على تلك الحال من الصدِّ والمعاندة. وكما يقال: “قليلًا ما يتصدَّق فلان” وقد يكون معناه: لا يتصدَّق أصلًا، وقد يكون معناه: غالبُ أمره أنَّه لا يتصدَّق.
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٥).
وهؤلاءِ المشرِكونَ الَّذينَ كانوا يَصُدُّونَ عنِ المسجدِ الحرامِ، كانت صلاتُهم – بزَعمِهم – أنَّهُم يُرِيدونَ الصَّلاةَ ويُرِيدونَ الحَجَّ، ولكنَّ صلاتَهم لم تَكُنْ إلَّا مُكَاءً وتَصدِيَةً.
فـ﴿مُكَاءً﴾: أي صَفِيرًا كصوتِ طائرِ المُكاءِ، وهو طائرٌ حَسَنُ الصَّوتِ، ووزنُ الكلمةِ فُعالٌ من مَكَا يَمْكُو إذا صَفَّرَ. أي إنَّ صلاتَهم عند البيتِ كانتْ صَفِيرًا.
وأمَّا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ فالمُرادُ بها: التَّصْفِيقُ، وهي تَفْعِيلَةٌ من الصَّدَى. فقد كانوا يَطُوفونَ بالبيتِ عُراةً، مُشَبِّكينَ أصابِعَهم، يُصَفِّرونَ فيها ويُصَفِّقون. وكانوا يفعلونَ مِثلَ ذلكَ أيضًا للتَّشويشِ على النبيِّ ﷺ إذا قرأ في صلاتِه، فيَخلِطونَ عليه؛ أي يُشَوِّشونَ ويَصُدُّونَ عن سماعِ القرآن.
ثمَّ قال تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وهذا بيانٌ لحالِ مَن يَصُدُّونَ عن مساجِدِ الله، فهؤلاءِ المشرِكونَ الَّذينَ صَدُّوا عنِ المسجدِ الحرامِ قيلَ لهم: فَذُوقُوا العَذَابَ، أي عذابَ القَتْلِ والأَسْرِ يومَ بَدْرٍ.
وإذا تَدَبَّرْنَا سورةَ الأنفالِ وجدْنَا أنَّ ذِكْرَ بدرٍ مُتَفَرِّقٌ في آياتِها من أوَّلِ السورةِ إلى آخِرِها، تذكيرًا بما كان في تلك الغزوةِ العظيمةِ الَّتي أعزَّ اللهُ بها الإسلامَ.
فحالُ هؤلاءِ أعداءِ اللهِ أنَّهُم قيلَ لهم: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ لما نالَهم في بدرٍ مِن قتالٍ وقَتْلٍ وأَسْرٍ.
﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي بسببِ كُفْرِكم باللهِ ورسولِه.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦).
نزلتْ هذه الآيةُ في المُطعِمينَ يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلًا من قريش، يطعمُ كلُّ واحدٍ منهم في اليومِ عشرَ جُزُرٍ؛ ينحر عشرةً من الإبل كلَّ يومٍ، بذلًا للأموالِ وتَهييجًا للحربِ على رسولِ الله ﷺ، ومبالغةً في عداوته، وهم على ضلالٍ وباطل.
فقد كان الكفّار يُحاربونَ بالنَّفْسِ وبالمَال، حتّى إنَّ مَن لم يَخرُج منهم في بدرٍ ـ كأبي لهبٍ لعنه الله ـ دفع مالًا كثيرًا ليستأجِرَ مَن يُقاتِلُ عنه رسولَ الله ﷺ! فأيُّ عداوةٍ أعظمُ مِن هذه؟! إنَّهم أخرجوا أبناءَهم، بل وبعضُهم أخرج نساءَه لتشهدَ معهم المعركة، كلُّ ذلك نُصرةً للباطل.
فإذا كان أهلُ الباطل يبذلون الأموالَ والأنفُسَ في سبيل باطلهم، فنحن أولى أن نبذلَ أموالَنا وأنفُسَنا وأهلَنا في سبيلِ الله تعالى، نُدافعُ عن دينه، ونحمي عقيدةَ نبيّه ﷺ.
أيليقُ بنا أن يَدفعَ أهلُ الضلال عن ضلالهم، ونحنُ ـ أهلَ الحقِّ ـ لا نَدفعُ عن حقّنا؟!
مَن كان قادرًا على الدِّفاعِ عن الدِّين بنفْسِه فقد فُرِضَ عليه، ومَن كان قادرًا على الدِّفاعِ بالمال فقد فُرِضَ عليه. ومن تخلّفَ عن نصرةِ الدِّين وهو قادرٌ خَيَّبَ الأمة، وكان حالُه حالَ مَن فَرَّ يومَ الزَّحف. نعوذ بالله من الخِذلان.
ثم انظروا ـ رعاكم الله ـ إلى شِدَّةِ ضلالِ بعضِ الأمم اليوم: بعضُهم يُشيِّع جنازةَ بقرةٍ، ويُزيِّنها، ويُنفقُ عليها الأموال! ونحنُ نعبدُ الله وحده، لا نعبدُ بقرةً ولا صنمًا ولا جسمًا. وكما قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه عند وفاة النبي ﷺ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾
أي إنَّ غرضَهم من هذا البذلِ صَدُّ النَّاسِ عن اتِّباعِ محمدٍ ﷺ، وهو سبيلُ الله القويم.
﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾.
أي إنَّ هذا البذلَ نفسَه حسرةٌ عليهم، وعاقبتُه ندمٌ. أمَّا نحنُ فبذلُنا في سبيلِ الله ـ ولو قلَّ ـ فهو نجاةٌ وفلاحٌ يوم القيامة.
وقد روى البيهقي أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:«المُؤْمِنُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
أي تكون صدقته مظلّةً وحمايةً له يومَ القيامة، وسببًا لوقايته وحفظِه في الدنيا، في نفسِه وأهلِه ومالِه.
وفي زمنِ البلاء والمرضِ الَّذي انتشر، وتحوُّلِ كثيرٍ من النّاس إلى الفقر والحاجة، ينبغي أن نتذكَّر إخوانَنا المحتاجين. فإذا فطرتَ وشبعتَ فتذكَّر أنَّ غيرك جائع. قبل أن تفكِّر في الحلوى والمشروبات الباردة، فكِّر في ضروراتٍ لم تُسدَّ، وحاجاتٍ لم تُقضَ. فإنَّ النفقةَ في سبيلِ الله دواءٌ ودِفَاع، يدفعُ اللهُ بها البلاء والمرض.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
وهذه بُشرى صادقة، وهي من دلائل النبوَّة؛ فقد أخبر ﷺ قبل وقوعها، فكان كما أخبر، وكان النصرُ وعدًا من الله في أوّل هذه السورة، فبُشِّر النبيُّ ﷺ بالنصر، ووقع كما وعده ربُّه.
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦) ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣٧).
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي الكافرون من أولئك القوم، أمّا مَن قاتل يوم بدرٍ ثم أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامُه فليس داخلًا في حكم الآية.
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ أي الَّذين ثبتوا على كفرهم ولم يُسلِموا.
واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ﴾ متعلِّقةٌ بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أي يُحشرون إلى جهنم لِيُمَيِّزَ اللهُ تعالى الفريقَ الخبيث من الكفار، من الفريق الطيب من المؤمنين. وليس المعنى أن الله تعالى لا يعلم الخبيث من الطيب؛ لأن علم الله تعالى أزلي أبدي فالله تعالى بعلمه الأزلي يعلم الفريق الخبيث ويعلم الفريق الطيب ويعلم ما كان وما يكون وما لا يكون إذا كان كيف يكون. ولكن معنى ﴿لِيَمِيزَ﴾: ليُظهر اللهُ ذلك للناس، وليبيِّن الحقَّ من الباطل، والطيبَ من الخبيث، عبرَ الابتلاءاتِ والاختباراتِ التي تُبرزُ للخلقِ ما علمه الله قديمًا.
﴿وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ﴾
أي الفريق الخبيث من الكفار
﴿بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾
أي يجمعُ بعضُهم إلى بعض، فيتراكمون مجتمعين، إذ إنَّ الخبيثَ يضمُّ الخبيث، والباطلُ يجمع أهلَه، ثم يكون مصيرُهم جميعًا إلى النار.
﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾
أي يجعلُ ذلك الفريق الخبيث مجتمعًا في جهنم.
﴿أُولَٰئِكَ﴾
إشارةٌ إلى الكافرين الخبيثين.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾
أي خسروا أنفسَهم وأموالَهم، وخسروا الفوزَ بالجنّة، فكانوا الخاسرين في الدُّنيا والآخرة.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ۖ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨).
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي لِأبي سفيانَ وأصحابِه ممَّن كانوا يُعَادون رسولَ الله ﷺ.
﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾
أي إن يَكُفُّوا عمَّا هم عليه من عداوةِ رسولِ الله ﷺ وقتاله، وذلك بالدخولِ في الإسلام. فالمعنى: إن أسلموا. وليس المرادُ مجرَّدَ تركِ القتال دون الإيمان؛ بل المرادُ أن يرجعوا عن كفرهم ويُقِرّوا بالتوحيد وينطقوا بالشهادتين.
فالمعنى: إن رجعوا عن كفرهم وأسلموا.
﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
أي ما تقدَّم لهم من العداوةِ والمعاصي، فإنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما قبله، كما قال رسول الله ﷺ:
“الإسلامُ يَجُبُّ ما قبله“ أي يَهْدِمُ ما تقدَّمه من الذنوب والكفر.
﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾
أي إن يرجعوا إلى قتال النبيِّ ﷺ وعداوته.
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾
أي مضت سنَّةُ الله فيمن عادَى رسلَه من الأمم السابقة، من الإهلاكِ في الدُّنيا والعذابِ في الآخرة.
والمعنى:
- إن انتهَوا عن كفرهم وأسلموا غُفِرَ لهم ما مضى من الكفر والذنوب.
- وإن عادوا إلى القتالِ والعداوةِ فسنَّةُ الله الماضية نازلةٌ بهم، وهي الهلاكُ والنكالُ في الدنيا، والعذابُ في العُقبى.
وهذانِ المعنيانِ متلازمانِ ولا تعارُضَ بينهما؛ فإمَّا توبةٌ وإسلامٌ ومغفرة، وإمَّا إصرارٌ على العداء فيجري عليهم حكمُ الأمم الهالكة قبلهم.
﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ ٱنْتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣٩).
﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾
أَي: حتّى لا يبقى فيهم شِرْكٌ أصلًا؛ فالـفِتْنَةُ هنا بمعنى الكُفْر. وقد وَرَدَت كلمةُ الفتنة في كتابِ اللهِ تعالى على معانٍ متعدِّدة، وأمّا في هذا الموضع فالمُرادُ بها الشِّرْك. ومِمّا يُؤَيِّدُ ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾؛ فقد قال ابنُ عبّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما ـــ وهو ترجمانُ القرآن ـــ كما رواه الطبريُّ عن الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وغيرِهما: الفتنةُ هنا بمعنى الشِّرْك، أي: الشركُ أشدُّ من القتل؛ والمرادُ بالفتنةِ الفتنةُ في الدين.
وبيانُ ذلك أنَّ المشركين عابوا على أصحابِ النبيِّ ﷺ قتالَهم إيّاهم في الأشهرِ الحُرُم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾، أي: كُفْرُكم باللهِ أعظمُ من قتالِكم في الأشهرِ الحرم.
﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
وهذا المعنى قد وَرَد في موضعٍ آخر من كتاب الله. فالمقصودُ أن تزولَ الفتنةُ ــ أي الشِّركُ والكُفْرُ بالله ــ وأن يبطلَ ما سواه من الأديان الباطلة، فلا يبقى إلّا دينُ الإسلام.
ولا يصحّ تفسيرُ قوله تعالى: ﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ بالنَّمِيمَةِ؛ لأنَّ النَّمِيمَةَ ــ مع كونها من الكبائر ــ ليست أشدَّ من القتل. وقد جاء في حديثِ ابنِ حِبّانَ أنَّ أبا ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه سأل النبيَّ ﷺ: أيُّ الذُّنوبِ أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قيل: ثم أيّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ الفَقْر». قيل: ثم أيّ؟ قال: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك». فأكبرُ الذنوب على الإطلاق هو الكفرُ بالله، ولهذا كان الكفر المراد بالفتنة هنا، لا النميمة.
فإذا كان الكُفْرُ فتنةً، والشِّرْكُ فتنةً، فإنَّ وجودَه يعني دوامَ العداوةِ لأهل الإسلام، وعداوةَ رسول الله ﷺ، وعداوةَ أصحابِه، وعداوةَ أُمّةِ الإسلام عامّة؛ لأنَّ الكفّار لا يزالون مجتمعين على الكيد لهذه الأمّة. ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُم حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: حتّى تنطفئَ فتنةُ الكفر.
﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
أي: حتى يَضمَحِلَّ عنهم كلُّ دينٍ باطلٍ، ولا يبقى فيهم إلّا دينُ الإسلام.
﴿فَإِنِ ٱنْتَهَوْا﴾
أي: تركوا الكفرَ وأسلَموا،
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
يُثيبُهم على إسلامِهم وطاعتِهم.
وقد ذكر العلماء أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ سيظهر ظهورًا جليًّا في آخر الزمان عند نزولِ عيسى المسيحِ عليه السلام؛ فإنَّه حينئذٍ يُهلِكُ اللهُ المللَ كلَّها إلّا الإسلام، فيُسلِمُ مَن شاء اللهُ له الهُدى، والآخرون الذين لم يُسلِموا يتوفّاهم اللهُ على يَدِ عيسى عليه السلام، وعندها يظهر بوضوحٍ تامٍّ معنى الآية: ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ (٤٠).
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾
أَي: إن أعْرَضوا عن الإيمان، ولم ينتهوا عمّا نُهُوا عنه،
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾
أي: ناصِرُكم ومُعِينُكم، فَثِقوا بولايته، وتوكَّلوا على نصرته.
﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾
أي: لا يَضِيعُ مَن تَوَلَّاهُ الله
﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾
أي: لا يُغلَبُ مَن نَصَرَهُ الله.
والمخصوصُ بالمدح محذوفٌ تقديرُه: هوَ اللهُ تعالى نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصيرُ.