﴿وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١).
﴿وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾
أي: الذي غَنِمْتُمُوه من أموالِ المشركين.
﴿مِنْ شَيْءٍ﴾
أي: من أيِّ شيءٍ كان، حتى الخيطِ والمِخْيَط، كما قيل.
ثم بيَّن سبحانهُ حُكمَ الخُمُس، فقال:
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
وكان الخُمُس في عهد رسولِ الله ﷺ يُقسَم خمسةَ أسهُمٍ:
سهمٌ لرسولِ الله ﷺ، وسهمٌ لذوي قرابته من بني هاشم وبني المطلب — دون بني عبد شمس وبني نوفل — وذلك لنصرتهم رسولَ الله ﷺ قديمًا، كما جاء في قصّةِ عُثمان وجُبير بن مطعم رضي الله عنهما.
وثلاثةُ أسهُمٍ تُصرف إلى: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
وأمّا بعد وفاةِ النبي ﷺ، فقد سقط سهمُه بموته، وكذلك سهمُ ذوي القُربى لا يُعطَى منه إلّا فقراؤهم، أمّا أغنياؤهم فلا نصيبَ لهم فيه.
وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ الخُمُس كان على ستّةٍ: لله، وللرسول سهمان، وسهمٌ لأقاربه، حتى قُبِض النبيُّ ﷺ، فأجرى أبو بكرٍ رضي الله عنه الخُمُس على ثلاثةٍ، وكذلك عمر ومن بعدهما من الخلفاء رضي الله عنهم.
ومعنى قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾
أي: لرسولِ الله ﷺ، كما في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.
ثم قال سبحانه:
﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾
أي: إن كنتم صادقين في إيمانكم، فاقبلوا هذه القِسمة، وارضَوا بحُكمِ الله تعالى، فإنّ الإيمانَ يوجبُ الرضا، والعملَ بما عَلِمَ.
وقد جاء عُثمانُ وجُبير رضي الله عنهما إلى رسولِ الله ﷺ يسألانه أن يُشركَ بني عبد شمس وبني نوفل، فقال ﷺ: «لَا، إِنَّمَا نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، فلم يُدخِلْهما، مع أنّ بني هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل إخوةٌ لأبٍ واحد. إلّا أنّ الله تعالى خصَّ بني هاشم وبني المطلب بفضيلةٍ عظيمة: تحريمُ الزكاة عليهم دون غيرهم، وكذلك استحقاقُهم سهمَ ذوي القُربى؛ لأنّهم لم يتخلّفوا عن رسولِ الله ﷺ في جاهليّةٍ ولا في إسلام.
﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١).
﴿وَمَآ أَنزَلْنَا﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾
أي: إن كنتم آمنتم بالله، وآمنتم كذلك بما أنزلناه على عبدِنا محمدٍ ﷺ. ووصفُه بالعبودية هنا من باب إضافة التشريف، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عِيسَىٰ عَبْدُ ٱللَّهِ وَٱبْنُ أَمَتِهِ﴾، وقوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾؛ فكلّنا عبيدُ الله تعالى، غير أنَّ الإضافة في حقِّ الأنبياء تأتي على وجه التكريم والتشريف.
﴿عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾
فيه تعظيمٌ لقدر النبي ﷺ، وبيانٌ لشرف منـزلته عند ربِّه عزّ وجلّ.
﴿يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾
أي: يوم بدرٍ العظمى، بحقٍّ سُمِّي يوم الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى فرَّق فيه بين الحقِّ والباطل. وقد كان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان؛ يوم المعركة الفاصلة التي نصر الله فيها الإسلام وأهله.
وكان المسلمون يومئذٍ ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشر رجلاً، في حين كانت قريشٌ قد خرجت بما يقارب الألف مقاتل. وقد نزل المسلمون عند ماء بدر، وجُعلت بقيّةُ الآبار تُدفن بالحجارة والتراب لئلّا يشرب منها المشركون، فاشتدَّ بهم العطش، وأخذوا يطلبون الماء.
فخرج الأسودُ بنُ عبدِ الأسدِ المخزوميّ متوعِّدًا وقال: أُعاهِدُ اللهَ لأشربَنَّ من حوضهم ولأهدِمَنَّه، أو لأموتَنَّ دونه! فبرز له حمزةُ بنُ عبد المطلب رضي الله عنه، فضربه فقطع قدمه بنصف ساقه، فوقع الأسودُ على ظهره والدمُ يشخب من رجله، ثم جعل يحبو نحو الحوض يريد الوفاء بيمينه، فاتبعه حمزة رضي الله عنه فضربه فيه فقتله.
ثم خرج عُتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، والوليدُ بن عتبة، يطلبون المبارزة. فخرج إليهم فتيانٌ من الأنصار، فسألوهم: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. فقال المشركون: ما لنا بكم حاجة، إنما نريد أكفاءنا.
فأمر النبي ﷺ عُبيدةَ بنَ الحارث وحمزةَ وعليًّا رضي الله عنهم، وقال: «قُم يا عُبيدةُ بنَ الحارث، ويا حمزةُ، ويا عليّ». فبرز الثلاثة.
فلما عرفهم المشركون ارتضوهم للمبارزة، فبارز عبيدةُ عتبةَ، وبارز حمزةُ شيبةَ، وبارز عليٌّ الوليدَ. فأما حمزةُ وعليٌّ رضي الله عنهما فلم يُمهِلا خصميهما فقتلاهُما من ساعتهما. وأما عبيدةُ وعتبةُ فقد تبادلا ضربتين أثبت كلٌّ منهما صاحبه. فكرَّ حمزةُ وعليٌّ على عتبة فجهزا عليه، ثم حملا عبيدةَ رضي الله عنه وأحضراه إلى صفِّ المسلمين.
ثم تزاحفت الصفوف، ودنا الجيشان بعضهما من بعض. وكان النبي ﷺ القائد، فأمر أصحابَه ألا يبدأوا بالهجوم حتى يأمرهم، وقال لهم: «إنِ اكْتَنَفَكُمُ القومُ فَانْضَحُوا عليهم بالنبل»، أي: ارموهم بالسهام.
وكان موقف النبي ﷺ في بدرٍ في موضع العريش، وقد بُني له هناك مقرٌّ يشرف منه على أرض القتال. ولا يزال في الموضع اليوم مسجدٌ يُسمّى مسجد العريش، وبقيت آثارُ موقف النبي ﷺ، وتُشمُّ من المكان رائحةُ الطيب، ومن زاره يعرف ذلك.
ومن هذا الموضع كان ﷺ يرى مواقع المعركة، ويراقب جيشَه، ويشاهد الجبلَ الذي قيل إنّ الملائكة نزلت عليه يوم بدر، فهو مكان يكشف أرضَ المعركة كلّها، ويُمكّن القائد من رصد تحرّكات العدو.
كان اختيارُ النبيِّ ﷺ لموضعه في بدرٍ اختيارًا مقصودًا، فوقف في العريش المُشرف على أرض المعركة، ومعه صاحبُه في الغار، رفيقُ الهجرة، أبو بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه. وفي المواطن الشديدة يظهر قربُ الصِّدِّيق من رسول الله ﷺ، فهو بحقٍّ خيرُ أمةِ محمدٍ ﷺ بعد نبيّها.
ونزل النبيُّ ﷺ من العريش يُسَوِّي صفوفَ المسلمين، يضع هذا في موضعه، ويأمر ذاك بموضعه، ثم يرجع إلى مكانه في العريش الذي أُقيم له على مرتفعٍ يكشف أرض بدر. واستقرّت الصفوف، وبرز الزحفان، وظهرت كثرةُ جيش المشركين أمام قِلَّةِ أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، وقد انعقدت بذلك أوائلُ المعركة الفاصلة.
وهنا يبرز موقفُ رسول الله ﷺ بعد الأخذ بالأسباب؛ فقد قام ﷺ بما أمره اللهُ من الإعداد، لكنه يعلم يقينًا أنَّ الله تعالى خالقُ الأسباب والمسبَّبات، وأنَّ علمَه أزليٌّ أبديٌّ، ومشيئتَه لا تتغيّر. فالتفويضُ إليه عزّ وجلّ، والاعتمادُ بالقلب عليه، هو سرُّ ثبات تلك الأقدام الطاهرة في يوم بدرٍ أمام ذلك الجيش الكبير.
وما أحوجَنا اليومَ إلى هذا اليقين! فنحن—حين نمرُّ بآيات بدرٍ في سورة الأنفال—نقف عند معانيها؛ فلا يليق أن نيأس من رحمة الله، ولا أن تفتر عزائمُنا، فإن النصرَ من عند الله، وما علينا إلا أن نبذل ونصبر، ونخدم الدين، وندافع عنه بعد قدوتنا وقائدنا ومعلمنا ﷺ، وبعد الصحابةِ الذين ساروا على طريقه.
فما دمتَ تستحضر هذه المعاني؛ فلا تخف، ولا تجزع، ولا يضطرب قلبك؛ فالسكينةُ وعدُ المؤمنين، والنصرُ من عند ربِّ العالمين. ثلاث عشرة سنة صبرًا في مكة منذ نزول الوحي في غار حراء، ثم عام الهجرة، ثم إلى السنة الثانية من الهجرة حيث أُذِن بالقتال… صبرٌ طويلٌ وجهاد: جهادُ البيان، وجهادُ السِّنان، ومعهما يكون الفرقانُ ونصرُ أهل الإيمان، وذلُّ أهل الشرك والطغيان.
وقف النبيُّ ﷺ في العريش، وإلى جواره أبو بكرٍ رضي الله عنه، والجيشان متقابلان في أرض بدر، فرفع رسولُ الله ﷺ يديه متضرِّعًا إلى ربِّه. وكان ﷺ يومئذٍ في مقام الخوف، يدعو: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هذِهِ الْعِصَابَةُ…»، يسأل اللهَ أن ينصرها. وكان يرفع يديه حتى يسقط رداءُه عن كتفيه، فيبدو بياضُ إبطيه الشريفين، فيأخذ أبو بكرٍ الرداء ويرفعه على النبي ﷺ ويقول:
يا رسولَ الله، اللهُ سينصرُك، اللهُ مُنجِزٌ لك ما وعد.
هذا هو الصِّدِّيق؛ صاحبُ الرجاء، يثبّت النبيَّ ﷺ بكلمات اليقين، لا يفتُر همّةَ أهل الحق، ولا يخذلهم، ولا يصرف الناسَ عنهم ليقوى عليهم عدوُّهم. قالها رضي الله عنه والنبيُّ ﷺ يعلم ذلك، لكنّ الصِّدِّيق شهد مقامات الرجاء كما شهد مقامات الصدق.
وأطال النبي ﷺ الدعاء، حتى خفق خفقةً ثم رفع رأسه وقال:
«أَبْشِرْ يا أبا بكرٍ، أتاكَ نصرُ الله!»
يا لَعِظَمِها من بشارة! بشَّر بها النبيُّ ﷺ صاحبَه، كما بشَّر أمّتَه من بعده بأن أهل الحق سيظهرهم الله. ونحن اليوم ننتظر هذه البشارة، ونستمسك بها.
وكان في سفح جبلٍ يُسمّى جبل الملائكة، وهو موجودٌ إلى اليوم، وترى الجبال حوله متشابِهة، غير أنّ هذا الجبل يختلف عنها، فإذا نظرتَ إلى أعلاه رأيتَ الرمالَ مُغطّيةً صخرَه بغطاءٍ عجيبٍ ثابت، على خلاف الرمال المتنقّلة في الكثبان. وقد ذُكرت له قصةٌ لطيفةٌ يرويها الملا علي القاري في «مجموع رسائله»، وتُذكَر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.
سُمِّيَ هذا الجبلُ “جَبَلَ المَلائِكَةِ” لِمَا نَزَلَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ. وقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم لِأَبِي بَكْرٍ رضي اللهُ عنه: «يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ!». فَنُزُولُ المَلائِكَةِ كَانَ عَلَى ذَلِكَ الجَبَلِ، وَقَدْ كَانَ صَلْبًا مِنَ الصَّخْرِ، ثُمَّ صَارَ رَمْلًا تَحْتَ أَقْدَامِ المَلائِكَةِ، وَهَذَا الرَّمْلُ لا يَزَالُ يُشاهَدُ عَلَى قِمَّتِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وقدْ نَقَلَ العُلَمَاءُ عَنْ بَعْضِ مَنْ بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ تَكْبِيرَ المَلائِكَةِ. وكانَ النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم فِي العَرِيشِ يَرَى ذَلِكَ الجَبَلَ، فَيَقُولُ: «يَا أَبَا بَكْرٍ أَتَاكَ نَصْرُ اللهِ، هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ». فَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ نَزَلَ وَمَعَهُ فَرَسٌ يُسَمَّى حَيْزُوم.
وَقَدْ هَبَّتْ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُ رِيَاحٍ:
- فِي الأُولَى كَانَ جِبْرِيلُ فِي أَلْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ.
- وَفِي الثَّانِيَةِ مِيكَائِيلُ فِي أَلْفٍ عَنْ يَمِينِهِ.
- وَفِي الثَّالِثَةِ إِسْرَافِيلُ فِي أَلْفٍ عَنْ يَسَارِهِ.
وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ أَهْلِ الحَقِّ: إِنَّ المَلائِكَةَ يَوْمَ بَدْرٍ قَاتَلَتْ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا فِي غَيْرِهَا، بَلْ كَانُوا فِيهَا مَدَدًا وَعَدَدًا.
وقدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ طَارَدَ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ، فَسَمِعَ ضَرْبَةَ سَوْطٍ، وَصَوْتَ فَارِسٍ يَقُولُ: «أَقْدِمْ حَيْزُوم!». فَنَظَرَ فَإِذَا الْكَافِرُ قَدْ خَرَّ صَرِيعًا، قَدْ تَهَشَّمَ أَنْفُهُ وَانْشَقَّ وَجْهُهُ ضَرْبَةً كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، وَالضَّارِبُ هُوَ سَيِّدُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قال تعالى:
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾.
وَكَانَ شِعَارُ المَلائِكَةِ يَوْمَئِذٍ: «أَحَدٌ أَحَدٌ». وَعَلَيْهِمْ عَمَائِمُ بِيضٌ، وَعَلَى جِبْرِيلَ عِمَامَةٌ صَفْرَاءُ قَدْ أَرْخَاهَا خَلْفَهُ.
ويروي ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما عن رَجُلٍ مِنْ غِفَار أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَابْنُ عَمِّهِ يَنْظُرَانِ مِنْ جَبَلٍ إِلَى بَدْرٍ، فَدَنَتْ سَحَابَةٌ، فَسَمِعَا فِيهَا حَمْحَمَةَ الخَيْلِ؛ فَقَدْ جَاءَتِ المَلائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ. ثُمَّ سَمِعَا صَاحِبًا يَقُولُ: «أَقْدِمْ حَيْزُوم!». فَمَاتَ ابْنُ عَمِّهِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَأَمَّا هُوَ فَتَمَالَكَ نَفْسَهُ.
فَكَانَ هَذَا المَدَدُ الإِلَهِيُّ تَأْيِيدًا لِلنَّبِيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وَتَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وكانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ـ كَعِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ ـ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ بِإِذْنِ اللهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَكِينَةً وَطُمَأْنِينَةً.
وقدْ أَشَارَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ ثَانِيًا:
﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾
إِلَى أَنَّ النَّاصِرِينَ هُمْ المَلائِكَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
وقوله تعالى:
﴿يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾
أَيْ: يَوْمَ تَقَابَلَ الفَرِيقَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.
وَالْمُرَادُ مَا أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم مِنَ الآيَاتِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالْفَتْحِ. وسنبقى ـ بإذنِ اللهِ تعالى ـ نَذْكُرُ تِباعًا مَا تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ الأَنْفَالِ مِنْ البَشَائِرِ وَالآيَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وخِتَامُ المَقْطَعِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾
فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾، أَوِ التَّقْدِيرُ: اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ….
ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١).