﴿إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)﴾
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (١١)
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾
أَيِ النَّوْمَ الَّذِي أَلْقَاهُ اللهُ عَلَيْكُمْ.
﴿أَمَنَةً﴾
أَيْ نِعْمَةً مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ تُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ وَتَزِيلُ الرُّعْبَ؛ فَالنُّعَاسُ مَرْحَلَةٌ يُهَدِّئُ اللهُ بِهَا نُفُوسَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَأْمَنُونَ بَعْدَ الْخَوْفِ.
﴿مِّنْهُ﴾
أَيْ أَمْنَةً صَادِرَةً مِنْ لَدُنِ اللهِ تَعَالَى يَمُنُّ بِهَا عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فِي تِلْكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ؛ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْمُبَارَكَةِ الَّتِي أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا دِينَهُ، وَعَزَّزَ فِيهَا جَيْشَ الإِسْلَامِ وَقَوَّى قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَدْ خَرَجَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَهَيِّئِينَ بِالأَسْبَابِ، صَادِقِينَ فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، ثَابِتِينَ تَحْتَ رَايَةِ الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مُسْتَغِيثِينَ بِاللهِ أَمَامَ جُحُوفِ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوْهُمْ وَطَالَبُوهُمْ بِالسُّوْءِ. وَفِي ذَلِكَ الظَّرْفِ الْحَرِجِ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ وَأَمَدَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ أَنْ غَشَّاهُمُ النُّعَاسُ تَطْمِينًا لِقُلُوبِهِمْ فِي أَشَدِّ سَاعَاتِ الْقِتَالِ.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾
أَيْ أَمْطَارًا.
﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾
أَيْ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الْحَدَثَ وَالْجَنَابَةَ، فَيَكُونَ الْمَاءُ سَبَبًا فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَثَبَاتِ الطَّاعَةِ.
﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾
أَيْ وَسْوَسَتَهُ وَتَخْوِيفَهُ لَكُمْ بِالْعَطَشِ، أَوْ بِالْجَنَابَةِ مِنَ الِاحْتِلَامِ، وَقَوْلِهِمْ لَا نَصْرَ لَكُمْ عَلَى جَنَابَةٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ تَأْيِيدًا لِلْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ فِيهَا بَرَكَةً، وَأَجْرَى عَلَى أَيْدِيهَا النَّصْرَ، وَوَفَّرَ لَهَا مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يُثَبِّتُهَا وَيُقَوِّيهَا.
وَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَيْضًا أَنْ تُبَلَّلَ الأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ، وَهِي رَمْلِيَّةٌ تَسُوخُ فِيهَا الْقَدَمُ، فَإِذَا نَزَلَ عَلَيْهَا الْمَطَرُ اشْتَدَّتْ وَتَمَاسَكَتْ، فَتَثْبُتُ أَقْدَامُ الْمُقَاتِلِينَ فِي مَوَاقِفِهِمْ. وَهَكَذَا اجْتَمَعَ لَهُمْ سَبَبُ الطَّهَارَةِ، وَسَبَبُ الثَّبَاتِ، وَسَبَبُ تَسْكِينَ الْقُلُوبِ.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ﴾
أَيْ لِيَمْلَأَهَا صَبْرًا وَثَبَاتًا.
﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾
أَيْ بِالْمَاءِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ لَيِّنَةً رَمْلِيَّةً، أَوْ بِالرَّبْطِ عَلَى الْقُلُوبِ؛ فَإِذَا ثَبَتَ الْقَلْبُ ثَبَتَتِ الْقَدَمُ. فَأَصْبَحَ أَهْلُ بَدْرٍ عَلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ، تَغْشَاهُمُ السَّكِينَةُ، وَيُقَوِّيهِمُ النُّعَاسُ، وَيُثَبِّتُهُمُ الْمَطَرُ، وَتُؤَيِّدُهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١٢)
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾
أَيْ مَعَكُمْ بِنَصْرِي وَتَأْيِيدِي، فَهَذِهِ مَعِيَّةُ تَسْدِيدٍ وَتَقْوِيَةٍ.
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
أَيْ بَشِّرُوهُمْ وَأَلْقُوا فِي قُلُوبِهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ؛ فَقَدْ كَانَ الْمَلَكُ يَسِيرُ أَمَامَ الصَّفِّ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، يُطَمْئِنُ الْمُؤْمِنِينَ وَيَقُولُ: «أَبْشِرُوا فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُكُمْ».
وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَاتَلَتْ مَعَ جَيْشِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُصْرَةً لَهُمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُمُ الصَّبْرُ، وَثَبَاتُ الْأَقْدَامِ، وَتَأْيِيدُ الْمَلَائِكَةِ.
﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾
أَيْ سَأَمْلَأُ قُلُوبَهُمْ خَوْفًا يَبْلُغُ غَايَتَهُ؛ فَالرُّعْبُ هُوَ أَشَدُّ دَرَجَاتِ الْخَوْفِ. وَهَؤُلَاءِ الطُّغَاةُ الَّذِينَ أَذَاقُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْوَاعَ الأَذَى، قَدْ حَانَ الْوَقْتُ لِيَذُوقُوا أَشَدَّ مِمَّا أَذَاقُوا مِنْ قَبْلُ.
﴿فَاضْرِبُوا﴾
هُوَ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أَوْ لِلْمَلَائِكَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَاتَلَتْ حَقِيقَةً يَوْمَ بَدْرٍ، كَمَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ.
﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾
أَيْ أَعَالِي الأَعْنَاقِ، وَهِيَ الْمَذَابِحُ، أَوْ أَرَادَ بِهَا الرُّؤُوسَ لِأَنَّهَا فَوْقَ الأَعْنَاقِ؛ أَيْ اضْرِبُوا مَوَاضِعَ الْقَتْلِ إِصَابَةً لِمَقَاتِلِهِمْ وَإِزْهَاقًا لِأَرْوَاحِهِمْ.
﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾
أَيْ كُلَّ إِصْبَعٍ وَطَرَفٍ؛ يُرِيدُ الضَّرْبَ فِي الْمَقَاتِلِ وَغَيْرِ الْمَقَاتِلِ مَعًا، لِيَكُونَ الْعَذَابُ أَشَدَّ وَالتَّنْكِيلُ أَعْظَمَ. فَهُوَ ضَرْبٌ يُفْقِدُهُمُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَقْطَعُ عَنْهُم مَفَاصِلَ الْقُوَّةِ وَالْحَرَكَةِ.
ذُوقُوا ـ يَا مَنْ عَادَيْتُمُ الإِسْلَامَ ـ بَأْسَ اللهِ وَشِدَّتَهُ، فَهَذَا جَزَاءُ مَنْ بَغَى وَطَغَى وَحَارَبَ حِزْبَ اللهِ.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(13)
﴿ذَٰلِكَ﴾
إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَصَابَهُم مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْعِقَابِ الْعَاجِلِ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
أَيْ إِنَّمَا أَصَابَهُم مَا أَصَابَهُمْ لِأَنَّهُمْ عَادَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُمَا. وَأُصُولُ الْمَعْنَى مِنَ «المُشَاقَّةِ»؛ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ فِي «شِقٍّ» مُنَافٍ لِلآخَرِ، فَهُم فِي جِهَةٍ، وَشَرْعُ اللهِ وَرَسُولُهُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى.
﴿وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
أَيْ مَنْ دَامَ عَلَى هَذِهِ الْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَلَمْ يَنْقَدْ لِحُكْمِ اللهِ وَهَدْيِ رَسُولِهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُنْزِلُ بِهِ عِقَابًا شَدِيدًا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ جُرْمِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْقَاهِرُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَرُدُّ بَأْسَهُ رَادٌّ.
﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (١٤)
﴿ذَٰلِكُمْ﴾
خِطَابٌ لِلْكُفَّارِ، وَقِيلَ: هُوَ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ فِي الْقُرْآنِ، فَيَنْتَقِلُ الْخِطَابُ تَارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَتَارَةً لِلْكَافِرِينَ.
﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾
أَيْ: ذُوقُوا ذَلِكَ الْعِقَابَ الَّذِي حَلَّ بِكُمْ، وَتَجَرَّعُوا مَرَارَتَهُ وَذُلَّهُ؛ فَهُوَ جَزَاءُ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ.
﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾
وَالْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى «مَعَ»؛ أَيْ: ذُوقُوا ذَلِكَ الْعَذَابَ الْعَاجِلَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا هُوَ أَشَدُّ وَأَبْقَى فِي الآخِرَةِ، وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ.
فَهَذَا الَّذِي أَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ لَيْسَ مَجَرَّدَ ضَرْبٍ أَوْ جِرَاحٍ، بَلْ إِذْلَالٌ وَهَوَانٌ لِرُؤُوسِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَكَرُوا بِالإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَإِنْ كَانَ هَذَا عِقَابًا مُعَجَّلًا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ العِقَابَ الأَعْظَمَ يَنْتَظِرُهُمْ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ؛ عَذَابٌ لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يَفْتُرُ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (15)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾
حَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصْفٌ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ فِي «زَحْفٍ»؛ أَيْ فِي جَيْشٍ كَبِيرٍ يَبْدُو لِكَثْرَتِهِ كَأَنَّهُ يَزْحَفُ زَحْفًا، أَيْ يَدِبُّ دَبِيبًا قَلِيلًا فَقَلِيلًا، فَسُمِّيَ بِالْمَصْدَرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شِدَّةِ الْكَثْرَةِ.
﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾
أَيْ: لَا تَنْصَرِفُوا عَنْهُمْ مُنْهَزِمِينَ؛ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ لِلْقِتَالِ وَهُمْ كَثِيرٌ وَأَنْتُمْ قَلِيلٌ فَلَا تَفِرُّوا، بَلِ اثْبُتُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَوْ كَانَ جَيْشُهُمْ عَظِيمًا. فَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِالْعَدَدِ، بَلْ بِالْأَمْرِ الإِلٰهِيِّ وَالثَّبَاتِ.
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (16)
﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا﴾
أَيْ: مَائِلًا عَنْ مَوْقِفِهِ.
﴿لِقِتَالٍ﴾
أَيْ: يُجْرِي تَدْبِيرًا عَسْكَرِيًّا؛ فَيَتَوَهَّمُ الْعَدُوُّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تَرَاجَعُوا، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُمْ يَمِيلُونَ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ.
﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾
أَيْ: مُنْضَمًّا وَمُنْتَقِلًا.
﴿إِلَىٰ فِئَةٍ﴾
إِلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ غَيْرِ الفِئَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَقَدْ يَنْتَقِلُ الْمُجَاهِدُ مِنْ فِئَةٍ إِلَى فِئَةٍ مِنْ فِرَقِ الْمُخَاتِلَةِ؛ فَيَظْهَرُ لِلْعَدُوِّ كَأَنَّ الْمَدَدَ قَدْ قَدِمَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَزْدَادُ الْكُفَّارُ رُعْبًا وَالْمُؤْمِنُونَ ثَبَاتًا.
﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
هَذَا فِي حَقِّ مَنْ وَلَّى مُدْبِرًا فِرَارًا بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ؛ فَإِنِ ثبَتْتُمْ عِنْدَ لِقَاءِ العَدُوِّ نَلْتُم نَصْرَ اللهِ وَمَعُونَتَهُ.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧)
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾
تَقْدِيرُ الْمَعْنَى: إِنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْتُمْ فِي الحَقِيقَةِ لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُمْ؛ فَهُوَ الْخَالِقُ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا أَظْهَرَ اللهُ عَلَى أَيْدِيكُمُ النَّصْرَ.
وَهَذَا مِنْ أَصْلِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ: فِعْلُ الْعَبْدِ كَسْبٌ، أَمَّا الْخَلْقُ فَهُوَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.
وَقَدْ قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَارْمِهِمْ بِهَا»، فَرَمَى ﷺ وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ»، فَمَا بَقِيَ مُشْرِكٌ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْهَزَمُوا. فَتَعَدُّدُ وُجُوهِ الْمَدَدِ لِأَهْلِ بَدْرٍ آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِمَنْ صَدَقُوا وَنَصَرُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ.
﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾
أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، مَا رَمَيْتَ خَلْقًا.
﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾
أَيْ: كَسْبًا. فَالرَّمْيَةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْكَ كَسْبًا، وَإِلَى اللهِ تَعَالَى خَلْقًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَمْيَةً بَشَرِيَّةً مَحْضَةً لَمَا بَلَغَتْ ذَلِكَ الأَثَرَ الْعَجِيبَ الَّذِي بَلَغَتْهُ.
وَفِي الْآيَةِ تَأْكِيدٌ لِقَاعِدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ: فِعْلُ الْعَبْدِ مَكْسُوبٌ لَهُ، مَخْلُوقٌ لِلهِ.
﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾
أَيْ: وَلِيُعْطِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ لَدُنْهِ بَلَاءً حَسَنًا؛ أَيْ نِعْمَةً وَمِنْحَةً جَمِيلَةً، فَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ تَصْرِيفِ تِلْكَ الْأُمُورِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾
أَيْ: سَمِيعٌ لِدُعَائِهِمْ.
﴿عَلِيمٌ﴾
أَيْ: عَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ وَمَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ نَصْرٍ وَمَدَدٍ.
﴿ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١٨)
﴿ذَٰلِكُمْ﴾
إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَاءِ الْحَسَنِ، وَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، أَيْ: الأَمْرُ ذَلِكُمْ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلَى «ذَٰلِكُمْ»؛ أَيْ: الْمَقْصُودُ إِبْلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ إِحْسَانًا، وَإِضْعَافُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ وَتَحْطِيمُ مَكْرِهِمْ.