﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ (23) ﴾
﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ۗ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٩)
﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾
أَيْ: إِنْ تَطْلُبُوا الْفَتْحَ وَالنَّصْرَ، فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ عَلَيْكُمْ. وَهُوَ خِطَابٌ لِكُفَّارِ مَكَّةَ؛ فَإِنَّهُمْ لَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ يَقُولُونَ: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى حَقٍّ فَانْصُرْهُ، وَإِنْ كُنَّا عَلَى حَقٍّ فَانْصُرْنَا». فَكَانَ الْفَتْحُ وَالنَّصْرُ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَالْمَعْنَى وَاضِحٌ: قَدْ تَحَقَّقَ الْفَتْحُ.
﴿وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
أَيْ: وَإِنْ تَنْتَهُوا – أَيُّهَا الْكَافِرُونَ – عَنْ مُعَادَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَذَا الِانْتِهَاءُ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَسْلَمُ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ.
﴿وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ﴾
أَيْ: وَإِنْ تَعُودُوا إِلَى الْحَرْبِ وَالشِّقَاقِ، نَعُدْ لِلنَّصْرِ عَلَيْكُمْ.
وَالْمَعْنَى: كُلَّمَا عُدْتُمْ لِلْمُحَارَبَةِ عُدْنَا لِإِهْلَاكِكُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾
أَيْ: وَلَنْ تَدْفَعَ عَنْكُم جَمَاعَاتُكُمْ وَحُشُودُكُمْ شَيْئًا، وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهَا؛ فَإِنَّ النَّصْرَ لَيْسَ بِالْكَثْرَةِ، بَلْ بِمَنْ يَنْصُرُهُ اللهُ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
مَعِيَّةُ نَصْرٍ وَتَأْيِيدٍ، لَا مَعِيَّةُ مَكَانٍ؛ فَاللهُ سُبْحَانَهُ لَا يَحُلُّ فِي جِهَةٍ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ.
وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا».
فَمَعْنَاهَا: أَنَّ اللهَ نَاصِرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَافِظٌ لَهُمْ، مُؤَيِّدٌ لَهُمْ مَا دَامُوا عَلَى طَاعَتِهِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾
أي: لا تَعرِضوا عن رسولِ اللهِ ﷺ، لأنَّ المعنى أطيعوا رسولَ الله، وطاعةُ الرسولِ وطاعةُ اللهِ شيءٌ واحد، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فنحن نعبدُ اللهَ تعالى ولا نعبدُ محمدًا ﷺ، لكنَّا نُطيعُ محمدًا طاعةً للهِ عزَّ وجلَّ، فكان رجوعُ الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما، أو يرجع الضميرُ إلى الأمرِ بالطاعة، أي: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي لا تَعرِضوا عن هذا الأمرِ وأمثالِه وأصلِه، وحُذِفت إحدى التاءين للتخفيف.
﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾
لا تُعرِضوا عن رسولِ اللهِ ﷺ؛ فما مِن قدوةٍ أعظمُ لنا منه ﷺ. ولذلك قال الإمامُ الجُنيدُ البغداديُّ رحمهُ الله ـ وهو من أئمَّةِ الصوفيةِ الحقِّ، الأشاعرةِ أو الماتُريدية، شافعيةٍ كانوا أو حنفية، مالكيةٍ كانوا أو حنابلة ـ: «الطريقُ إلى اللهِ مسدودٌ إلَّا على المُقتَفِينَ آثارَ رسولِ اللهِ ﷺ».
وقال علماؤنا: «لا وُصولَ إلَّا على الأصول».
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾
أي: وأنتم تسمعون كلامه ﷺ سماعَ قبولٍ وتصديقٍ، لا سماعَ المعاندين والصمِّ المكذِّبين من الكفار.
.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾
أي: لا تكونوا كمَن ادَّعى السماعَ وهم في الحقيقة منافقون، ادَّعَوا السماعَ والطاعةَ وهم أبعدُ ما يكونون عنهما. وقيل: هم أهلُ الكتاب.
﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
أي: لا يسمعون سماعَ قبولٍ وتصديقٍ، فكأنهم غيرُ سامعين أصلًا؛ إذ السماعُ الحقيقي هو الذي يصدِّق ويتبع. والمعنى: أنتم تصدِّقون بالقرآن والنبوَّة، فإذا تولَّيتم عن طاعة الرسول ﷺ في بعض الأمور ـ كقِسمة الغنائم والأنفال ـ شابهتم حالَ هؤلاء.
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)﴾
أي: إنَّ شرَّ مَن يَدِبُّ على وجه الأرض؛ أي شرَّ المخلوقات التي تمشي على الأرض، هم الذين صَمُّوا عن سماع الحقِّ وبَكُمُوا عن النطق به، فلا يعقلون الهدى، فجعَلهم من جنس البهائم، بل شرًّا منها؛ لأن هؤلاء عاندوا مع قيام الحجة وظهور الدليل.
فهم صُمٌّ عن سماع الحق سماعَ قبولٍ، بُكْمٌ عن النطق بالتصديق، لا يعقلون؛ أي لا يستعملون عقولهم فيما خُلِقت له. ولو كان فيهم خيرٌ ورغبةٌ في الهداية لأسمعهم اللهُ سماعَ القلوب، وهو سماعُ الإدراك والتصديق، لا سماعَ الأذن فقط.
وقد قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
فهم قد سمعوا دعوةَ النبي ﷺ، لكن سماعَ أذنٍ لا سماعَ قلب.
ومن بلَغته كلمةُ «لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله»، وكان بالغًا عاقِلًا، فهو مُكلَّف، فإن مات ولم يُسلِم كان مُخلَّدًا في نار جهنم، ولو لم يسمعْ تفاصيلَ الأحكام؛ فالعبرةُ ببلوغ أصل الدعوة.
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾
أي: لو عَلِمَ اللهُ فيهم قابليةً للخير، أو استعدادًا للهداية والإيمان، لأسمعهم سماعَ قبولٍ وفهمٍ وتصديق، ولكنهم لم يؤمنوا، ولم يشأ اللهُ لهم الإيمان لما عَلِمه من فساد بواطنهم، فامتنعَ إسماعُ الهداية لامتناعِ وجود الخير فيهم.
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾
أي: ولو أسمعهم سماعَ القبول فآمنوا ظاهرًا، لَرجعوا بعد ذلك إلى الكفر، ولارتدّوا ولم يثبتوا على الإيمان.
وهذا يفتح بابَ بيانِ حقيقةٍ عظيمةٍ ذكرها العلماء، وهي أنَّ الرِّدَّةَ ـ والعياذ بالله ـ تكون بثلاثةِ أنواع:
- كُفرٌ قَوْلِيٌّ: مكانه اللسان، كسبِّ الله، أو سبِّ دين الإسلام، أو سبِّ الأنبياء والملائكة، أو الاستهزاء بشرع الله تعالى.
- كُفرٌ فِعْلِيٌّ: يكون بالجوارح، كإلقاءِ المصحف في القاذورات، أو طرحِ الأسماء المعظَّمة استخفافًا بها.
- كُفرٌ اعْتِقَادِيٌّ: مكانه القلب، كاعتقادِ أنَّ للهِ تعالى زوجةً أو ولدًا، أو شريكًا أو شبيهًا أو مثيلًا، أو نسبِ صفات النقص إليه كالجُلوسِ والقعود، أو السُّكنى في السماء أو الأرض، أو الاعتقادِ بالنزول الحِسّي بمعنى انتقالِه تعالى من مكانٍ إلى مكان.
وهذا التقسيمُ مما أجمع عليه أهلُ العلم، وقد قرَّره الإمام النوويُّ رحمه الله بقوله: «الرِّدَّةُ قطعُ الإسلام بنِيَّةٍ أو قولٍ أو فعل».
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
أي: مُدبِرون عن الإيمان، معرضون عن قبول الحق، فالعِلَّةُ فيهم لا في البيان ولا في الدليل.