﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)﴾
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)﴾
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾
التَّقْدِيرُ: قُلْ إنَّ الأنفالَ قدِ اسْتَقَرَّ حُكْمُها للهِ ولِرَسُولِهِ، وثَبَتَ هذا الحُكْمُ مع كراهتِهم، ثُبوتًا مِثلَ ثُبوتِ إخراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِنْ بَيْتِكَ وهم كارِهون. فكما أنَّ الأنفالَ قد ثَبَتَ فيها الحُكْمُ للهِ ولرسولِه ﷺ، كذلك كان تفسيرُ النَّفَلِ تابعًا لأمرِ اللهِ وأمرِ رسولِه ﷺ، وكما ثَبَتَ هذا، ثَبَتَ ذاك.
﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾
إشارةٌ إلى خُروجِه ﷺ إلى غزوةِ بدرٍ من بَيْتِه بالمدينة. فكما اسْتَقَرَّ حُكمُ الأنفالِ للهِ ولِلرَّسولِ، كذلك ثَبَتَ أمرُ الخروجِ؛ إذ كان بعضُهم يُشيرُ على النبيِّ ﷺ ألّا يخرج، لكن جاءه الوحيُ من ربِّه آمِرًا بالخروج.
﴿بِالْحَقِّ﴾
أي: إخراجًا مُتَلَبِّسًا بالْحِكْمَةِ والصَّوابِ.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾
أي: أخرجكَ ربُّكَ في حالِ كراهتِهم. وذلك أنّ عِيرَ قُرَيْشٍ كانت قد أقبلت من الشام، وفيها تجارةٌ عظيمة، ومعها أربعون راكبًا، منهم أبو سفيان. فأخبر جبريلُ عليه السَّلامُ النبيَّ ﷺ بذلك، فعَلِمَ رسولُ اللهِ ﷺ بالوحي أنَّ هذهِ عِيرَ قريشٍ قد أقبلت في قافلةٍ سالكةٍ طريقَ السّاحل، فأخبر أصحابَه، فَسُرُّوا بتلقي العير لِكَثْرةِ خيرها وقِلَّةِ مَن معها؛ إذ كان الذين يرافقون القافلة قليلين، والعيرُ كثيرةَ المتاع.
فلمّا خرج أصحابُ النبيِّ ﷺ — وقد عَزَموا على تلقّي القافلة — عَلِمَتْ قريشٌ بذلك، فخرج أبو جهلٍ بالنفيرِ، بجميعِ أهلِ مكّة. فقيل له: إنّ العيرَ قد أخذت طريقَ الساحلِ ونجَت. فأبى، وثَارَ بمن معه متوجِّهًا إلى بدر، وهو ماءٌ كانت العربُ تجتمعُ عنده لسوقٍ يقام يومًا في السنة.
فنزل جبريلُ عليه السَّلامُ فقال: يا محمّد، إنَّ الله وعدكم إحدى الطائفتين، إمّا العيرَ، وإمّا قريشًا. فاستشار النبيُّ ﷺ أصحابَه وقال: «العِيرُ أحبُّ إليكم أم النفير؟» قالوا: بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدو. فَتَغَيَّر وجهُ رسولِ الله ﷺ، ثم رَدَّد عليهم وقال: «إنّ العيرَ قد مضَت على ساحل البحر، وهذا أبو جهلٍ قد أقبل». فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعيرِ ودَعِ العدوَّ.
فقام عند ذلك — وقد بان غضبُ النبيِّ ﷺ — أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما، فأحسنا، وقال كلٌّ منهما مقالةً أعجبت رسولَ اللهِ ﷺ وألهبت حماسةَ المسلمين. ثم قام سعدُ بنُ عُبادة فقال: «انظرْ أمركَ فامضِ؛ فواللهِ لو سِرْتَ إلى عَدَنِ أَبْيَنَ ما تخلَّف عنكَ رجلٌ من الأنصار». ثم قام المِقدادُ بنُ عمرو فقال: «امضِ لِمَا أمركَ الله؛ فإِنّا معكَ حيثُ أحببتَ. لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن نقول: اذهبْ أنت وربُّكَ فقاتِلا، إنّا معكما مقاتلون ما دامتْ عينٌ منَّا تَطْرُف». فتبسَّم رسولُ الله ﷺ.
ثم قال سعدُ بنُ مُعاذٍ: «امضِ يا رسولَ الله لِمَا أردتَ؛ فوالذي بعثكَ بالحقِّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضْتَهُ لَخُضْناهُ معكَ، وما تخلَّفَ منا رجلٌ واحد. فسِرْ بنا على بركة الله، لا نتخلَّفُ عنكَ، يا رسول الله». ففرح النبيُّ ﷺ، ونشَّطَه قولُ سعد.
ثم قال ﷺ: «سيروا على بركة الله، وأبشِروا؛ فإنّ الله وعدني إحدى الطائفتين: إمّا النصرَ والغنيمةَ، أو الشهادةَ. واللهِ لكأنّي أنظرُ إلى مصارعِ القومِ».
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6)﴾
﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾
أي: يُخاصِمُونَكَ في الحقِّ الذي بُيِّن لهم، وهو تلقّي النَّفِيرِ، لِمَيْلِهم إلى تلقّي العِيرِ وإيثارِهم إيّاها على لقاء العدوّ.
﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾
أي: بعدما ظهر لهم الحقُّ بيانًا شافيًا؛ إذ أخبرهم النبيُّ ﷺ فقال: «كأنّي أنظرُ إلى مَصارِعِ القوم»، وأمَرهم بالبشارة، ولا يُتصوَّر أن يكون قولُ رسولِ الله ﷺ كقولِ غيره، فماذا ينتظرون بعد هذا البيان؟
ومع ذلك جادلوه قائلين: ما كان خروجُنا إلّا للعير، ولِمَ لم تُخبِرْنا لنستعِدَّ؟، وذلك لِشدّةِ كراهتِهم للقتال. فهم — في واقع الحال — لم يكونوا على استعدادٍ نفسيّ للقاء العدوّ، مع أنّ البشائر قد تتابعت على لسان النبيِّ ﷺ، غير أنّهم كانوا يَسْتَثْقِلون ذلك.
﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾
شُبِّهَ حالُهم في شدّة فزعهم، وهم يُساقون إلى الظَّفَرِ والغنيمة، بحالِ مَن يُساق مُكْرَهًا إلى القتال، ويُدْفَعُ دَفْعًا إلى الموت، وهو يشاهد أسبابَهُ وينظرُ إليها بعينَيْه، لا يشكّ فيها.
وقيل: إنَّ خوفَهم كان لِقِلَّةِ عَدَدِهم، وأنهم كانوا رَجَّالَةً لا يركبون الخيلَ ولا الدوابَّ؛ إذ لم يكن معهم إلّا فارسان. فكأنّه يُقال لهم: أنتم تقولون — باستثقالكم — كأنّكم تُساقون إلى الموت، أفلا تسمعون بشارةَ النبيِّ ﷺ؟ ألَا تُصَدِّقونَهُ فيما وعدكم به ربُّه؟
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)﴾
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾
أي: اذكروا حين وعدكم الله أن تكون إحدى الطائفتين — العِيرُ أو النَّفِيرُ — لكم. فـ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ بدلٌ ممّا قبلَه، والتقدير: وإذ يعدكم الله أنّ إحدى الطائفتين لكم.
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾
أي: تَرْغَبون في أن تكون لكم العِيرُ؛ لأنّها غير ذات شوكة، لا سلاحَ معها ولا قتال، بينما كانت ذاتُ الشوكة — أي ذاتُ السلاح والقوة — في النفير؛ لِكَثْرة عددهم وعُدَّتهم، إذ خرج أبو جهل بقريش كلّها.
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾
أي: يُثْبِتَ الحقَّ ويُعْلِيَه بآياته وكلماته، وبما أنزله من الأمر بمحاربة ذات الشوكة، وما أمر به الملائكة من النزول للنصرة، وبما قضاه من قتل المشركين وطرحهم في قليب بدر.
فالله تعالى يُريد الحقَّ، ويُثبِّتُه ويُعلِيه؛ إذ أنزل الملائكة على رسول الله ﷺ وعلى أهل بدر، نصرةً وتأييدًا.
﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾
أي: يستأصِلَ آخِرَهُم؛ فـ(الدابِر) الآخر، من دَبَرَ إذا أدبَر. والمعنى: أنكم تَرْغَبون في الفائدة العاجلة، وتختارون الأسهل، أمّا اللهُ تعالى فيُريد معالي الأمور: نصرة الحق، وعلوّ الكلمة، وإظهار الدين، وقطعَ شوكة الكافرين.
وشَتّان ما بين المرادين؛ ولأجل ذلك اختار الله لكم الطائفةَ ذاتَ الشوكة، مع قلّتكم وضعفكم، ليُذِلَّ بها قوّتهم، ويُظهر دينه، ويُحقَّ الحقَّ ويُبطل الباطل.
والمقدَّم متأخّر ليفيد الاختصاص، أي: ما فعله سبحانه إلا لهذين الأمرين: إثباتُ الإسلام وإظهاره، وإبطالُ الكفر ومحوُه. وليس ذلك تكرارًا؛ فالأوّل تمييزٌ بين الإرادتين، والثاني بيانٌ لمراد الله فيما اختار من نُصرتكم على ذات الشوكة.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
ولأجل ذلك اختار اللهُ لكم الطائفةَ ذاتَ الشوكةِ، فكسَر قوّتَهم بضعفِكم، وأعزّكم وأذلّهم؛ ليُحِقَّ الحقَّ ويُبطِلَ الباطل. وقد فعل سبحانه ذلك، والمقدَّمُ فيه مُؤخَّرٌ ليفيد الاختصاص؛ أي: لم يفعلْهُ إلا لهذين الأمرين: إثباتِ الإسلامِ وإظهارِه، وإبطالِ الكفرِ ومحوِه. وليس هذا بتكرار؛ فالأوّلُ تمييزٌ بين إرادةِ المؤمنين وإرادةِ ربّ العالمين، والثاني بيانٌ لمرادِ الله فيما اختارَهُ لكم من مقاتلةِ ذاتِ الشوكةِ ونُصرتِكم عليها.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
أي: المشركون، وإن كرِهوا ذلك؛ فإنّ الله يُحقّ الحقَّ وينصرُه ويُقوِّيه، ويُبطِلُ الباطل ويُدحِضُه. وهكذا وصفهم اللهُ عزّ وجلّ؛ لأنّ الذين يكفرون بالله — بنصّ القرآن الكريم —مجرمون؛ لِتركِهم أعظمَ الحقوق على الإطلاق، وهو توحيدُ اللهِ تعالى.
فجُرْمُ مَن لا يؤمن بالله جُرمٌ عظيم.
والحقُّ: ما وافق أمرَ اللهِ وأمرَ رسولِه ﷺ.
والباطلُ: ما خالف ذلك.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)﴾
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾
أي: اذكُروا حين استغاثتم بربّكم؛ وقد وقع ذلك في بدر، إذ قال رسولُ الله ﷺ والصحابة معه: يا ربّنا انصُرْنا على عدوّك، أغِثْنا. والاستغاثة: طلبُ الغَوْثِ، وهو التفريجُ والتخليصُ من الشدائد.
﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾
أي: أجاب دعاءَكم؛ لأنّ المستغيثين صدقوا في التوجّه إلى الله، وعَظُم رَجاؤهم، وتوكّلوا عليه، وفوّضوا أمرهم إليه.
والنصرُ يأتي بأسبابٍ أرضيّةٍ يجعلها الله في الكون، يُوجَدُ أَسْبابٌ أَرْضِيَّةٌ يَجْعَلُهَا اللهُ فِي الأَرْضِ، وَمِنْ ذٰلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَلَّطَ عَلَى ذٰلِكَ النَّمْرُودِ الَّذِي جَمَعَ الجَيْشَ الكَبِيرَ وَخَرَجَ لِمُحَارَبَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ لَهُ مُتَحَدِّيًا: يَا إِبْرَاهِيمُ ائْتِنِي بِجَيْشِكَ وَأَأْتِي أَنَا بِجَيْشِي.
فَخَرَجَ النَّمْرُودُ وَمَعَهُ جَيْشُهُ العَرْمَرَمُ، وَجَاءَ خَلِيلُ اللهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، فَنَظَرَ النَّمْرُودُ مُسْتَهْزِئًا ثُمَّ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ جَيْشُكَ؟ وَهُوَ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى جَيْشًا.
فَسَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذٰلِكَ البَعُوضَ، حَشَرَةً صَغِيرَةً دَخَلَتْ فِي مَنْخَرِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ جَيْشِ النَّمْرُودِ، فَصَارُوا صَرْعَى مَقْتُولِينَ. أَمَّا النَّمْرُودُ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي الأُلُوهِيَّةَ فَدَخَلَتِ الحَشَرَةُ فِي مَنْخَرِهِ، وَيُقَالُ بَقِيَتْ فِيهِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، يُضْرَبُ بِالنَّعْلِ بِطَلَبِهِ لِتَسْكِينِ الأَلَمِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ إِلَهٌ!
وَيُوجَدُ أَيْضًا أَسْبابٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَمِنْهَا قِصَّةُ صَلَاحِ الدِّينِ الأَيُّوبِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، ذٰلِكَ السُّلْطَانُ الفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الأَشْعَرِيُّ، الَّذِي صَبَرَ صَبْرًا طَوِيلًا حَتَّى فَتَحَ بَيْتَ المَقْدِسِ. فَرِحَ المُسْلِمُونَ وَاسْتَبْشَرُوا بِنَصْرِ اللهِ تَعَالَى، وَكَسَرَ اللهُ الفِرَنْجَ، وَعَمَّتِ البَهْجَةُ البِلادَ الإِسْلَامِيَّةَ بَعْدَ أَنْ رُدَّتْ إِلَيْهِمُ القُدْسُ.
ثُمَّ انْتَهَتِ المَعْرَكَةُ، وَمَكَثَ الجُنْدُ زَمَانًا فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ بَدَأُوا يَعُودُونَ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى بِلَادِهِم، بَعْضُهُمْ قَضَى سَنَوَاتٍ فِي الجِهَادِ، فَضَعُفَ العَدَدُ الَّذِي بَقِيَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ.
وَوَصَلَ الخَبَرُ إِلَى العَدُوِّ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَغْفُلُونَ عَنْ مُرَاقَبَةِ أَحْوَالِ المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: هٰذِهِ فُرْصَتُنَا لِنَسْتَرِدَّ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَإِنَّ الحَامِيَةَ الَّتِي مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ قَلِيلَةٌ ضَعِيفَةٌ. فَاجْتَمَعُوا، وَاقْتَرَبُوا.
فَلَمَّا وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ اغْتَمَّ قَلْبُهُ، لِأَنَّ العَدُوَّ قَدِ اقْتَرَبَ، وَأَمَّا جُنْدُهُ فَقَدْ تَبَاعَدُوا. فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدُ المُسْتَشَارِينَ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَقَالَ: أَرَاكَ فِي غَمٍّ، فَمَا الخَبَرُ؟
فَأَسَرَّ لَهُ صَلَاحُ الدِّينِ قَائِلًا: لَا تُخْبِرْ أَحَدًا، فَالعَدُوُّ عَلَى وَشَكِ الهُجُومِ، وَعَدَدُهُمْ كَبِيرٌ جِدًّا، وَمَا مَعِي إِلَّا قَلِيلٌ.
فَقَالَ لَهُ ذٰلِكَ الشَّيْخُ: إِذَا تَقَطَّعَتْ بِكَ الأَسْبابُ الأَرْضِيَّةُ، فَعَلَيْكَ بِالأَسْبابِ السَّمَاوِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ، وَيَأْتِيكَ المَدَدُ مِنَ السَّمَاءِ.ثُمَّ قَالَ لَهُ: صَلِّ، ثُمَّ تَصَدَّقْ.
وَكَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَصَلَّى صَلَاحُ الدِّينِ، وَيَقُولُ الشَّيْخُ: كُنْتُ أُرَاقِبُهُ، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى جَعَلَ يَبْكِي وَتَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا لِلتَّصَدُّقِ بِهِ.
وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ حَتَّى جَاءَ الخَبَرُ: دَبَّتِ الفُرْقَةُ فِي جَيْشِ العَدُوِّ، وَهَبَّتْ عَلَيْهِمْ رِيَاحٌ عَاتِيَةٌ، وَدَبَّ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَتَفَرَّقُوا وَرَجَعُوا، وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ. هٰذِهِ هِيَ الأَسْبابُ السَّمَاوِيَّةُ.
وهكذا كان في بدر؛ فلمّا سلّم الصحابة أمرهم لله، تحت راية رسول الله ﷺ، واستغاثوه، أغاثهم سبحانه، وأنزل مَدَدَه من السماء:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾
أي: بأنّي مُمِدُّكُم بألفٍ من الملائكة مُرْدِفِينَ.
﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾
(مُرْدَفِينَ) بفتح الدال قراءةٌ، وفي قراءةٍ أخرى (مُرْدِفِينَ) بكسرها؛ فالكسرُ على أنّ الملائكة أُرْدِفُوا غيرَهم، والفتحُ على أنّ كلَّ مَلَكٍ أردف اللهُ به مَلَكًا آخَر.
ويُقال: رَدَفَهُ إذا تبِعَه، وأَرْدَفْتُهُ إيّاه إذا أَتْبَعْتُه إيّاه.
وقد أمدَّهم اللهُ تعالى بالملائكة، فجاء جبريلُ عليه السلام ومعه جُندٌ من السماء، إجابةً لاستغاثةِ المؤمنين، ونصرًا وَعْدَهُمُ اللهُ تعالى.
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(10)﴾
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾
أي: ما جعل اللهُ هذا الإمدادَ الذي دلّ عليه قوله: مُمِدُّكُم.
﴿إِلَّا بُشْرَىٰ﴾
أي: إلا بشارةً لكم حين ترون الملائكةَ قد نزلوا، وهم جُندُ الله عزّ وجلّ:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. فينزل في قلوبكم السكونُ والطمأنينة، وتعلمون أنّ النصرَ قريب.
﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾
لأنّكم استغثتم وتضرّعتم لقلّتكم، فجاء الإمدادُ الإلهيّ تثبيتًا لقلوبكم، وبشارةً بالنصر، وربطًا على أفئدتكم.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
أي: لا تظنّوا أنّ النصر من الملائكة أنفسهم؛ فالملائكةُ سببٌ، لكن الخالقَ للنصر هو الله
خذوا بالأسباب، ولكن لا تنسبوا الخلقَ إليها؛ فالأسباب لا تخلق شيئًا، ولا تُحدِث أثرًا بذاتها، إنما الخالق هو الله سبحانه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
وكان أهلُ بدرٍ ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشر رجلاً، وجيشُ مكة يقارب الألفَ، فالثلاثمائة والثلاثةَ عشر مع كونهم أقل جعل اللهُ لهم نصرًا عظيمًا، لأنهم: أخذوا بالأسباب وصدقوا في التوكّل على الله وكانوا يقاتلون تحت راية رسول الله ﷺ.
فاستحقّوا قولَه تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
وَاخْتُلِفَ في قِتالِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَقِيلَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ في خَمْسِمِائَةِ مَلَكٍ عَلَى المَيْمَنَةِ، وَفِيهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَمِيكَائِيلُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى المَيْسَرَةِ، وَفِيهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فِي صُوَرِ الرِّجَالِ. اُنْظُرُوا: المَلائِكَةُ كَانُوا عَلَى هَيْئَةِ الرِّجَالِ، عَلَيْهِم ثِيابٌ بِيضٌ وَعَمَائِمُ بِيضٌ، قَدْ أَرْخَوْا أَذْنَابَهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِم، فَقَاتَلُوا، أَيْ: قَاتَلَتِ المَلائِكَةُ.
وَحَتَّى أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: «مِنْ أَيْنَ كَانَ يَأْتِينَا الضَّرْبُ وَلَا نَرَى الشَّخْصَ؟» فَقَالَ: «مِنْ قِبَلِ المَلائِكَةِ». فَقَالَ: «هُمْ غَلَبُونَا لَا أَنْتُمْ». وَحَتَّى كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، وَاسْمُهُ حَيْزُومُ، يَقُولُ: «أَقْدِمْ حَيْزُومُ»، فَيَسْمَعُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ صَوْتَ المَلائِكَةِ وَتَكْبِيرَهُمْ، وَيَلْتَفِتُ المُسْلِمُ فَيَرَى رَأْسَ الكَافِرِ قَدْ طَارَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ ضَرْبِ المَلائِكَةِ.
وَقِيلَ —وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِهِم—: إِنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا، وَإِنَّمَا كَانُوا يُكَثِّرُونَ السَّوَادَ وَيُثَبِّتُونَ المُؤْمِنِينَ؛ وَإِلَّا فَمَلَكٌ وَاحِدٌ كَافٍ فِي إِهْلَاكِ أَهْلِ الدُّنْيَا، لِأَنَّ المَلائِكَةَ أَقْوَى خَلْقِ اللهِ.
﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾
بِنَصْرِ أَوْلِيائِهِ.
﴿حَكِيمٌ﴾
بِقَهْرِ أَعْدائِهِ.