﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾
وَحَّدَ الضَّمِيرَ أيضًا كما وَحَّدَهُ فيما قَبْلَهُ؛ لأنَّ اسْتِجَابَةَ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَاسْتِجَابَةِ اللهِ تعالى، والمرادُ بِالاسْتِجَابَةِ: الطَّاعَةُ والامتثالُ، وبِالدَّعْوَةِ: البَعْثُ والتحريضُ.
فالاستجابةُ للهِ عزَّ وجلَّ تكونُ بِامْتِثالِ ما أمَرَ اللهُ تعالى به، أمَّا الاستجابةُ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فهِيَ أنْ نُلَبِّيَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنْ نُطِيعَهُ، وأنْ نُجِيبَهُ فيما أمَرَ به. وأَمْرُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ليس كأمرِ غيرِه مِنَ الخَلْقِ؛ فقد يكونُ أمرُهُ على الوجوبِ، وقد يكونُ على الندبِ، ولكنْ إذا جاءَ أمرُهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُطْلَقًا حُمِلَ على الوجوبِ، إلَّا إذا وُجِدَتْ قرينةٌ تَصْرِفُهُ إلى النَّدبِ.
فإجابةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هي في الحقيقةِ إجابةٌ للهِ سبحانه وتعالى، ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، وليس في الآيةِ أيُّ تسويةٍ بين اللهِ تعالى ورسولِه؛ فاللهُ تعالى هو الخالقُ وحده، جلَّ وعلا، وهو وحدَهُ المُستَحِقُّ للعِبادة.
﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
أي: استجيبوا لما يُحييكم إمَّا بِعِلْمِ الشرائعِ، وإمَّا بِمُجَاهَدَةِ الكُفَّارِ. وقد قُلْنَا إنَّ الجهادَ نوعان: جهادُ بَيَانٍ وجهادُ سِنَانٍ. فمن جملةِ الاستجابةِ للهِ تعالى ولرسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جهادُنا بالبيانِ: في إحقاقِ الحقِّ، وإبطالِ الباطل، وتعليمِ الدِّين، وتعليمِ عقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، ولا تُبالي بعد ذلك بلومِ اللائمين.
وقُلْ:
إنْ كانَ مِنْكَ الرِّضا، يا مَن هُوَ الطَّلَبُ، فَلا أُبالِي بِكُلِّ النَّاسِ إنْ غَضِبُوا.
وقد قيلَ: إنَّ الآيةَ تُفَسَّرُ أيضًا بالشَّهادَة؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
أي: إنَّهُ يُمِيتُهُ، فتفوته الفرصةُ التي كان يجدُها في حالِ حياته، وهي فرصةُ تَخْلِيصِ القلبِ وإخلاصِه لِطاعةِ اللهِ ورسولِه. فاغتنِموا هذه الفرصةَ، وأخلِصوا قلوبَكم للهِ تعالى، ولا تُضَيِّعوا زمنًا هو رأسُ مالِكم. ويُقالُ أيضًا: إنَّ معنى الآيةِ أنَّ اللهَ تعالى يحولُ بين المرءِ وبين ما تَمَنَّاهُ في قلبِه من طولِ الحياة، فيُفَسِّقُ ذلك عزائمَهُ ويُبَدِّدُ آمالَه.
وممَّا قيل: إنَّ العبدَ يكونُ في هذه الدنيا وقد فُتِحَتْ له أبوابُ التوبةِ والإيمانِ، فيُمْهِلُهُ اللهُ تعالى، فإنْ لم يُبادِرْ إلى التوبةِ، ولم يُخلِصْ للهِ تعالى، ولم يؤدِّ ما افترضَ عليه، بل بقي مُعْرِضًا مُهْمِلًا، فإنَّه يكونُ قد فوَّتَ الفرصةَ على نفسه، فإذا جاءَهُ الموتُ حِيلَ بينه وبين ما أراد من توبةٍ وإصلاحٍ وردٍّ إلى الحقِّ.
فاللهُ تعالى مُقَلِّبُ القلوبِ، يُصَرِّفُها كيف يشاء، فاغتنِمِ الفرصةَ ما دُمْتَ حيًّا.
لا تَفُتْكَ الفُرْصَةُ؛ الدُّنيا ساعةٌ فاجْعَلْها طاعةً، والنَّفْسُ طَمَّاعَةٌ فَعَوِّدْها القَناعَةَ،
واشْتَرِ خَيْرَ بِضاعَةٍ تَقْوَى اللهِ، واقْتَدِ بِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فإنَّكَ إذا مِتَّ قَدْ حِيلَ بينكَ وبين ما تُريد، وصدقَ اللهُ العظيم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.
وقد قالَ ترجمانُ القرآنِ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في تفسيرِ هذه الآيةِ:
“يَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وبَيْنَ المُؤمِنِ والكُفْرِ“. رواهُ البيهقيُّ في كتاب القدر، والحاكمُ في المستدرك.
ومعناهُ: أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو الذي يخلقُ الهدايةَ في قلوبِ مَنْ شاء، وهو الذي يخلقُ الضَّلالةَ في قلوبِ مَنْ شاء؛ فيَهْدي مَنْ يَشَاءُ، ويُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ. فمَنْ اهتدى فبهدايةِ اللهِ له، ومَنْ ضلَّ فبإضلالِ اللهِ تعالى له؛ فكلُّ ما يجري في هذا الكون إنَّما هو بتقديرِ اللهِ عزَّ وجلَّ ومشيئتِه.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
أي: واعلموا أنَّكم إليه تُحشَرون، فيُثيبُكم على قَدْرِ سلامةِ القلوبِ وإخلاصِ الطاعةِ. وأنتم ستموتون ثمَّ تُبعثون، وتُجمعون يومَ القيامةِ على الأرضِ المبدَّلة؛ فهذه الأرضُ تُبدَّلُ صفاتُها، وتكونُ أرضُ المَحْشَرِ في أرضِ الشامِ، كما ورد. فالناسُ عند خروجِهم مِن قبورِهم، عند نفخةِ البعثِ، يقومون ويساقون إلى أرضِ المحشر، وهي أرضُ الشام، ويبدِّلُ اللهُ تعالى أوصافَ تلك الأرضِ كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾.
ويُحشرُ الناسُ يومئذٍ على ثلاثةِ أصنافٍ:
- قومٌ يُحشرون طاعمينَ كاسينَ راكبينَ على نُوقٍ رَحالُها من الذهب، وهم الأنبياءُ والشهداءُ والأولياءُ والصالحون ـ جعلنا اللهُ تعالى منهم.
- قومٌ يُحشرون حُفاةً عُراةً، وهم العصاةُ مِن المسلمين.
- قومٌ يُحشرون حفاةً عراةً يُجَرُّون على وجوهِهم، وهم الكفارُ ـ أعاذنا اللهُ تعالى من حالهم.
فهذه الأصنافُ الثلاثة قد جاء ذكرُها، وما وَرَدَ من الروايةِ أنَّ الناسَ يُحشرون حفاةً عراةً يُجمع بينه وبين روايات التَّقسيم ـ كما عند الترمذي ـ بأنَّ صنفًا منهم يُحشر على تلك الصفة، أمَّا الأنبياءُ والشهداءُ والأولياءُ والصالحون فلا يُحشرون عراةً، بل يُكرمهم اللهُ تعالى بتلك الحالِ مِن الركوبِ والكسوةِ.
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
أي: يُجمعُ الخلقُ في أرضِ المحشرِ، وفي ذلك الموقفِ العظيمِ يُسْأَلون جميعًا.
وقد قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:«ما منكم من أحدٍ إلَّا سيُكَلِّمُهُ ربُّه يومَ القيامةِ، ليس بينه وبينه ترجمانٌ ولا حاجبٌ يحجبه».
فاللهُ تعالى يُكَلِّمُ العبادَ بكلامِه الأزليِّ الأبديِّ الذي ليس حرفًا ولا صوتًا، لا نُحيط به ولا نُدرِكُ حقيقتَه ولا نتصوَّره، ويَفْهَم كلٌّ منهم سؤالَه عن نيَّتِه وقولِه وعملِه، كما قال سبحانه:
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
واللهُ تعالى سريعُ الحسابِ؛ فلو كان كلامُ اللهِ حرفًا وصوتًا لَمَا انقضى سؤالُ الخلائقِ إلا في زمانٍ طويلٍ، ولكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَسْأَلُ العبادَ في ساعةٍ؛ أي: في زمنٍ قصيرٍ يجري على العباد، لأنَّ اللهَ تعالى مُنَزَّهٌ عن الزمان. فيكشفُ اللهُ عن أسماعِهم فيسمعون كلامَه الأزليَّ الأبديَّ وقد رُفع الحجابُ عنهم.
وحتى الكفارُ يسمعون كلامَ اللهِ تعالى يومَ القيامةِ ويُسألون، ولكنَّهم يتألمون أشدَّ الألم، حتى إنَّ الواحدَ منهم يكاد يغشاه الموت لو كان في الآخرةِ موتٌ. أمَّا التقيُّ، فيفرح عند سماع كلامِ اللهِ تعالى، لا يُصيبُه همٌّ ولا غمٌّ؛ لأنَّه اتَّقى اللهَ في الدنيا.
أمَّا الرؤية فلا تكونُ إلَّا للمؤمنين، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
فالكفارُ يُحجَبون عن الرؤية جزاءً لكفرهم وسخطِهم، وأمَّا المؤمنون فيكرمُهم اللهُ تعالى في الجنَّةِ فيرونَهُ بالأعينِ الباقيةِ بلا كيفٍ ولا جهةٍ ولا مكان.
وأمَّا الكلامُ فإنَّ اللهَ تعالى يُكَلِّمُ المؤمنَ والكافرَ، ويَسْأَلُ العبادَ جميعًا في ذلك الموقف العظيم.