﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ۙ وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤٢)
﴿بِالْعُدْوَةِ﴾:
أي بِشَطِّ الوادي.
﴿الدُّنْيَا﴾:
أي الجهة الأقرب إلى المدينة؛ إذ كانت بدرٌ بين مكّة والمدينة، فهذه الناحية أقربُ إلى المدينة.
﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ﴾
: أي بالجانب الأبعد عن المدينة، و”القُصْوَىٰ” تأنيثُ “الأقصى”.
﴿وَالرَّكْبُ﴾
: أي العِيرُ التي كان فيها أبو سفيان، والعيرُ تُطلَق على القافلة، وهي في المعنى جمعُ راكب.
﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾
: أي في مكانٍ أخفَضَ من مَوْقِعِكم؛ فقد كانت العيرُ في أسفلِ الوادي بنحو ثلاثة أميال.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ﴾:
أي لو تواعدتم ـ أنتم وأهلُ مكّة ـ وتواضعتم على ميعاد تلتقون فيه للقتال
﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾:
لَتَخَلَّفَ بعضُكم عن بعض؛ فَقِلَّتُكم وكثرتُهم كانت تُثَبِّطُكُم، وما في قلوبهم من تَهَيُّبِ رسولِ اللهِ ﷺ كان يَثْنِيهِم، فلم يَتَيَسَّر لَكُمُ الالتقاءُ على موعدٍ، وإنّما جمعكم اللهُ بغير اتفاقٍ سابق.
﴿وَلَٰكِن﴾:
جَمَعَكُم مِن غيرِ ميعاد.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾:
أي ليُجري اللهُ تعالى أمرًا قد تَقَدَّمَ في علمه وقوعُه، من إعزازِ دينه، وإعلاءِ كلمته، ونصرِ أوليائه، وقهرِ أعدائه.
وقد قال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله: القضاءُ يحتمل الحكمَ، أي ليُحكِمَ ما عَلِمَهُ اللهُ أنَّه يكون، إذ كلُّ ما يجري فإنّما يجري بعلمِ اللهِ وتقديرِه وحُكمِه. ويُحتمل أن يكون المعنى: ليُتِمَّ أمرًا قد أراده، وما أراد اللهُ كونَه فهو واقعٌ لا محالة، وهو عِزُّ الإسلامِ وأهله، وذُلُّ الكفرِ وحزبِه.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾:
اسْتُعِيرَ الهلاكُ للكفر، والحياةُ للإسلام؛ فالكفرُ هلاكٌ، والإسلامُ حياة. أي ليصدر كفرُ من كفرَ عن بَيِّنَةٍ ظاهرةٍ لا عن اشتباهٍ وشبهةٍ، فلا تكون له على الله حجّة. وليكون إيمانُ من آمنَ عن علمٍ ويقينٍ بأنّه دينُ الحقّ الذي يجب الدخولُ فيه والتمسّك به.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
يسمعُ أقوالَ عباده، ويعلمُ أحوالَهم، ومنه النصرُ والهداية.
أي إنّ اللهَ تعالى أرسل الأنبياء لِيُبَلِّغوا العبادَ ما فيه صلاحُ دنياهم وأخراهم. وليس إرسالُ الأنبياءِ واجبًا على الله، فليس على الله تعالى شيءٌ يجب عليه، بل ما يُعطينا إيّاه سبحانه فمِن محضِ رَحمتِه ولُطفِه، جلّ وعلا. وكذلك فله تعالى أن يُؤلِمَ الأطفالَ أو غيرَهم، ولا يكون ذلك ظلمًا؛ إذ استحالت نسبةُ الظلمِ إليه سبحانه، لأنّه هو المالكُ الحكيمُ المتصرِّف.
كذا له أن يؤلم الأطفال … ووصفه بالظالم استحالا
ثمّ قال تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾
أي ليكون هلاكُ الهالِكِ ـ وهو الكفرُ ـ عن بَيِّنَةٍ واضحة، ولتكون حياةُ الحيّ ـ وهو الإيمان ـ عن بَيِّنَةٍ ثابتة. فالحياةُ الحقيقيّة الحياةُ بالإيمان، وحياةُ القلب ثباتُه على الإسلام.
ومن أظهر مَن تجلّت فيهم هذه البَيِّنَةُ واليقينُ الثابتُ السيّدُ الجليل خُبيبُ بنُ عَدِيٍّ رضي الله عنه، أحدُ أبطال بدرٍ، وكان من كبار أولياء الصحابة. قاتل يوم بدر قتالَ الشجعان، فقتل من المشركين عددًا، فصار المشركون يطلبون الثأر. ثمّ تواطأت بعضُ القبائل، وهي التي ادّعت أنّها تريدُ تعلُّم القرآن، فنصبت كمينًا لسبعين من القرّاء الذين بعثهم رسولُ الله ﷺ، فقتلوهم، وأخذوا خُبيبًا أسيرًا.
وقادوه إلى مكّة ليُباع لمن له ثأر عنده، فبيع هناك، ثمّ أُخرِجَ خارجَ الحرم، إلى المكان الذي يُعرَف اليوم بـ التنعيم، وهو قرب مسجد سيّدتنا عائشة رضي الله عنها، وقبرُ خُبيبٍ هناك معروفٌ إلى اليوم. قُيِّد بالأغلال، وحُبِس تمهيدًا لقتله.
وتأمّل ما ظهر على يديه من الكرامة؛ فقد كانت تدخل عليه جاريةٌ من المشركين فتقول: ما رأيتُ أسيرًا مثل خُبيب، أرى في يَدَيْه عِذْقَ عِنَبٍ يأكلُ منه، وما في مكّة يومئذٍ من عِنَب! فمن أين جاءه؟
ذلك تصديقٌ لقول الله تعالى:﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
هذا هو معنى قوله: ﴿وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾
قلبٌ حيٌّ بالإيمان، ثابتٌ لا يتزلزل، لا يرجع عن دينه، لأنّه يعبد الله وحده، ويؤمن أن محمّدًا ﷺ نبيّه، وأنّ جميع الأنبياء من عند الله، مصداقًا لقول الله تعالى:﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، وأنّ دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء.
ثمّ إنّ خُبيبًا رضي الله عنه، لمّا أُخرِج ليُقتل، طلب منهم طلبًا: أن يُمكِّنوه من صلاة ركعتين قبل موته. قال أبو هريرة رضي الله عنه كما في “البخاري”: “فكان خُبيبٌ أوّلَ مَن سَنَّ ركعتين عند القتل”. فصارت هذه سُنّةً حسنةً، لمن قُدِّم للقتل وتمكّن من الصلاة.
وقد اطّلع النبيُّ ﷺ على فعله هذا بعد ذلك، فأقرَّه، وإقرارُه كفعله، فيدلّ على مشرُوعيّة ذلك. واستدلّ العلماء بهذه الواقعة على أنّ السُّنّة الحسنة موجودة، كما في الاحتفال بمولد النبي ﷺ، وكالأذان الثاني يوم الجمعة، وكالمحاريب، وكالجهر بالصلاة والسلام على رسول الله بعد الأذان، وهي من السُّنن الحسنة التي أحدثها العلماء والأئمة، وأوّلُ من أحدث الجهر بالصلاة والسلام بعد الأذان السلطانُ الناصر البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله.
ثمّ قام خُبيب فصلّى ركعتين، ولم يُطِل خشيةَ أن يقال إنه يهاب الموت. ثم دعا على قاتليه، وبعدها قال كلمةً عظيمةً قبل أن يُقتَل: “يا محمّداه!” وهو نداءٌ للنبيّ ﷺ محبّةً وتعظيمًا وتوسّلًا واستغاثةً به ﷺ أن يدعو له، وهذا من أعظم الشواهد على ما نحن فيه.
فكان خُبيبٌ رضي الله عنه مثالًا بيِّنًا لـ اليقينِ الثابت الذي لا يتزعزع، وصدق وصفُه بقول الله تعالى:
﴿وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.
هٰذا مثالٌ جليلٌ لِمَن دلَّت عليهم الآيةُ الكريمةُ: ﴿وَيَحْيَىٰ مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾؛ فهؤلاءِ هم أهلُ بَدْرٍ الذين شَهِدَ لهمُ النَّبيُّ ﷺ بأنَّهُم من أهلِ الجنَّة، وأنَّهُ لا يَدْخُلُ النَّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا. وهٰذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَيَحْيَىٰ مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾ أي: على يقينٍ راسخٍ، وعِلمٍ ثابتٍ بأنَّ دينَ الإسلام هو دينُ الحقِّ الذي يجبُ دخولُه والتمسُّكُ به.
ولهٰذا قال اللهُ تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾؛
أي: اثْبُتْ على الإيمانِ إلى الموت. فيجبُ على المسلمِ أن يُبقِي نيَّتَهُ معقودَةً على الإسلام، ثابتًا عليه من غيرِ شكٍّ ولا تردُّد. فمَن عَزَم ـ والعياذُ بالله ـ على أن يَكفُرَ في المستقبل كَفَرَ في الحال، ومَن عَلَّق كُفرَهُ على حصولِ شيءٍ فقال: إن وقعَ كذا فأنا بريءٌ من الدِّين، وكان يَفهَم أنَّه يخرج بذلك من الإسلام؛ فإنه يكفُرُ في الحال، لأنَّه علَّق دينَهُ على أمرٍ دنيويٍّ، وجَعَل الخروجَ من الإسلام خيارًا قائمًا.
فالمسلمُ لا يَشُكُّ في إيمانِه، ولا يَنوي التراجعَ عنه، بل يُرسِّخُ قلبَهُ على البقاء على دينِ الله تعالى؛ إذِ الثَّباتُ أصلٌ من أصولِ النجاةِ. وهٰذا كلُّه داخلٌ في قوله تعالى: ﴿وَيَحْيَىٰ مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
وبعدَ ذِكرِ هٰذه الأمثلةِ، ننتقلُ إلى ما جاء في غزوةِ بدرٍ من الشواهدِ أيضًا؛ فإنَّ وقعةَ بدرٍ من الآياتِ البيِّناتِ، مَن كفرَ بعدَها كان مُكابِرًا لنفسِه، مُغالِطًا لها؛ لأنَّه رأى النَّصرَ الباهرَ الذي أيَّد اللهُ به نبيَّه ﷺ، ورأى نزولَ الملائكة، والآياتِ التي ظهرت قبلَ القتالِ وفي أثنائِه، فمَن أعرض بعدَ ذلك فهو مكابرٌ مُعاند.
وقد ذكر اللهُ تعالى مواقِعَ الطَّرفَيْن في قوله:
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾
وبيَّن مواقعَ الجيوش، وحالَ العير، وكيف عرف النَّبيُّ ﷺ خبرَها، ليظهرَ للخلقِ أنَّ النصرَ لا يكون بالكثرةِ ولا بالعُدَّة، وإنما بالله تعالى وحده.
ولهٰذا كان لا بُدَّ أن تبقى طائفةُ الحقِّ منصورةً إلى قيامِ السَّاعة، كما قال ﷺ:
“لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ ظاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم، حتى يأتيهم أمرُ الله وهم كذلك”.
ومَن هم؟ إنهم أهلُ الحقّ؛ الذين هم على ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابُه الكرام.
يَرْوِي أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ ـ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ـ وَقَدْ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَخَرَّجَ طُرُقَهُ مَعَ الرِّوَايَةِ وَالْبَيَانِ الإِمَامُ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:”افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي”.
فَالَّذِينَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ هُمْ الْفِئَةُ النَّاجِيَةُ؛ سَوَاءٌ كَانُوا شَافِعِيَّةً، أَوْ مَالِكِيَّةً، أَوْ حَنَفِيَّةً، أَوْ حَنَابِلَةَ؛ فَهٰؤُلَاءِ لَيْسُوا فِرَقًا مُخْتَلِفَةً فِي الْعَقِيدَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، أَمَّا أُصُولُ الإِيمَانِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ وَاحِدَةٌ، لَا تَبَايُنَ فِيهَا.
وَالْعَقِيدَةُ لَيْسَتْ مَوَاضِعَ خِلَافٍ؛ بَلْ هِيَ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِنْ تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى وَالإِيمَانِ بِرُسُلِهِ، وَهٰذِهِ لَمْ يَقَعْ فِيهَا اخْتِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا بَيْنَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. لِذٰلِكَ يُقَالُ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مَذَاهِبِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ فِي الْفِقْهِ، وَعَلَى طَرِيقِ الإِمَامَيْنِ أَبِي الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ فِي الْعَقِيدَةِ؛ فَهُمَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، بَيَّنَا عَقِيدَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَصَرَاهَا بِالأَدِلَّةِ، وَاسْتَعْمَلَا أُسْلُوبًا عَقْلِيًّا لِتَأْيِيدِ النُّصُوصِ النَّقْلِيَّةِ، لَا لِكَوْنِهِمَا أَحْدَثَا دِينًا جَدِيدًا.
وَمِنْ ثَمَّ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا فَهُوَ إِمَّا أَشْعَرِيٌّ أَوْ مَاتُرِيدِيٌّ فِي الْعَقِيدَةِ، وَفِي الْفِقْهِ إِمَّا شَافِعِيٌّ، أَوْ مَالِكِيٌّ، أَوْ حَنَفِيٌّ، أَوْ حَنْبَلِيٌّ. وَكُلُّ ذٰلِكَ قَائِمٌ عَلَى الشَّوَاهِدِ وَالأَدِلَّةِ. فَالْفِئَةُ النَّاجِيَةُ هِيَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَا يَخْتَصُّ بِهَا شَيْخٌ مُعَيَّنٌ، وَلَا جَمَاعَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلَا طَائِفَةٌ مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ شَخْصٍ. بَلْ كُلُّ مَنْ وَافَقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَهُوَ مِنَ الْفِئَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ.
﴿وَيَحْيَىٰ مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، فَالْحَقُّ ثَابِتٌ، وَالشَّوَاهِدُ قَائِمَةٌ، وَأَنَا أَذْكُرُ هٰذَا لَكُمْ لِأَرْبِطَ ذٰلِكَ بِمَا جَاءَ فِي بَدْرٍ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبْقَى هٰذِهِ الْبَيِّنَاتُ حَاضِرَةً فِي دُرُوسِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الأَنْفَالِ. فَهٰذِهِ الآيَاتُ وَالشَّوَاهِدُ الَّتِي ظَهَرَتْ يَوْمَ بَدْرٍ هِيَ نُورٌ لِلأُمَّةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
فَلَا تَخَافُوا؛ فَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى. لَيْسَ النَّصْرُ بِالْكَثْرَةِ، وَلَا بِالْعُدَّةِ، بَلْ بِاللهِ وَحْدَهُ. فَالْعُدْوَةُ الْقُصْوَى الَّتِي نَزَلَ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ كَانَ فِيهَا الْمَاءُ وَالأَرْضُ الْجَيِّدَةُ، أَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَنَزَلُوا فِي الْعُدْوَةِ الدُّنْيَا، وَلَا مَاءَ فِيهَا، وَأَرْضُهَا خَبَارٌ تَسُوخُ فِيهَا الأَرْجُلُ، لَا يُمْشَى فِيهَا إِلَّا بِمَشَقَّةٍ. كَمَا أَنَّ الْعِيرَ كَانَتْ وَرَاءَ ظُهُورِ الْعَدُوِّ، وَالْمُشْرِكُونَ ذَوُو كَثْرَةٍ وَقُوَّةٍ، وَالْمُسْلِمُونَ قِلَّةٌ وَضُعْفٌ. ثُمَّ جَاءَ النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكَانَ مَا كَانَ.
وَتَذْكُرُونَ كَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ مَاءً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَدْءِ الْمَعْرَكَةِ، فَثَبَتَتْ بِهِ الأَقْدَامُ، وَتَمَّتْ بِهِ مِنَّةُ اللهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لأَقْوَالِهِمْ
﴿عَلِيمٌ﴾ بِكُفْرِ مَنْ كَفَرَ وَعِقَابِهِ، وَبِإِيمَانِ مَنْ آمَنَ وَثَوَابِهِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَمِعَ بِأَبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةٍ، وَفِيهَا أَمْوَالٌ وَتِجَارَةٌ، فِيهَا ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَوْ سَبْعُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَعَهُمْ أَلْفُ بَعِيرٍ.
فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ لِيَتَتَبَّعَا أَخْبَارَ الْعِيرِ وَيُندِبَا الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: هٰذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ الَّتِي طَالَمَا سَلَبَتْ أَمْوَالَ الصَّحَابَةِ، وَآذَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ الإِذْنُ بِالْقِتَالِ، فَخَرَجُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ لَعَلَّ اللهَ يُنفلكُموهَا وَتَكُونُ غَنِيمَةً لَهُمْ مِنَ الأَنْفَالِ.
وَخَفَّ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ، فَمَنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَظُنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيُقَابِلُ حَرْبًا، بَلْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ سَيَذْهَبُونَ لِيَأْخُذُوا الْعِيرَ وَيَرْجِعُوا.
أَمَّا أَبُو سُفْيَانَ فَكَانَ يَتَفَصَّحُ عَنْ الْأَخْبَارِ وَيُرْسِلُ مَنْ يَتَتَبَّعُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ سَيَنْفِرُ إِلَى عِيرِهِ فَاحْذَرْ، اسْتَأجَرَ فَوْرًا ضمضِمَ بْنَ عَمْرٍو وَبَعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: اذهَبْ إِلَى مَكَّةَ وَاسْتَنْفِرْ قُرَيْشًا لِأَمْوَالِهِمْ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَتَعَرَّضُ لِعِيرِهِمْ.
وَفِي ذٰلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَلِّبِ، عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَذْكُرُ بَعْضُ أَهْلِ السِّيرِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ ضمْضِمٌ إِلَى قُرَيْشَ، رَأَتْ رُؤْيَا، وَقَدْ رَأَتْ عاتكة بنت عبد المطلب، قَبْلَ قُدُومِ ضَمْضَمٍ مَكّةَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، رُؤْيَا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ رَأَيْت اللّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْظَعَتْنِي ، فَاكْتُمْ عَنّي مَا أُحَدّثُك بِهِ؛ فَقَالَ لَهَا: وَمَا رَأَيْتِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، حَتّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ ، ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صوته: ألا انفروا يا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ ، فَأَرَى النّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ: ثم دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنّاسُ يَتْبَعُونَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمّ صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ: ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا. ثُمّ أَخَذَ صَخْرَةً فَأَرْسَلَهَا مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي (تسقط وتنزل) لها حِسٌّ شديدٌ، حَتّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضّتْ (تكسرت وتحطمت)، فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكّةَ، وَلَا دَارٌ إلّا دَخَلَتْهَا مِنْهَا فَلِقَةٌ ؛ قَالَ الْعَبّاسُ: وَاَللهِ إنّ هَذِهِ لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. ثُمّ خَرَجَ الْعَبّاسُ، فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صِدّيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَاسْتَكْتَمَهُ إيّاهَا فَذَكَرَهَا الْوَلِيدُ لِأَبِيهِ عُتْبَةَ، فَفَشَا الْحَدِيثُ بِمَكّةَ، حَتّى تَحَدّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي أنديتها. قَالَ الْعَبّاسُ: فَغَدَوْت لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ: يَا أَبَا الْفَضْلِ إذَا فَرَغْت مِنْ طَوَافِك فَأَقْبِلْ إلَيْنَا، فَلَمّا فَرَغْتُ أَقْبَلْتُ حَتّى جَلَسْتُ مَعَهُمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا رُؤْيَا رَأَتْهَا عَاتِكَةُ؟ فَقَالَ: مَا رَأَتْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ بِكَذِبِ الرِّجَالِ حَتَّى جِئْتُمُونَا بِكَذِبِ النِّسَاءِ، إِنَّا كُنَّا وَإِيَّاكُمْ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ ، فَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ (الشرف) مُنْذُ حِينٍ، فَلَمَّا تَحَاكَّتِ الرُّكَبُ قُلْتُمْ مِنَّا نَبِيٌّ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: مِنَّا نَبِيَّةٌ، فَمَا أَعْلَمُ فِي قُرَيْشٍ أَهْلَ بَيْتٍ أَكْذَبَ امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا مِنْكُمْ، وَآذَاهُ أَشَدَّ الْأَذَى. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: زَعَمَتْ عَاتِكَةُ أَنَّ الرَّاكِبَ قَالَ: اخْرُجُوا فِي لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فَلَوْ قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الثَّلَاثُ تَبَيَّنَتْ قُرَيْشٌ كَذِبَكُمْ، وَكَتَبْنَا سِجِلًّا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ رَجُلًا وَامْرَأَةً. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ، فَإِنَّ الْكَذِبَ فِيكَ وَفِي أَهْلِ بَيْتِكَ،: قال: ثم تفرّفنا. فَلَمّا أَمْسَيْتُ، لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت: أفررتم لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمّ قَدْ تَنَاوَلَ النّسَاءَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، ثُمّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَك غِيَرٌ لِشَيْءِ مِمّا سَمِعْت، قَالَ: قُلْت: قَدْ وَاَللهِ فَعَلْتُ، مَا كَانَ مِنّي إلَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ. وَأَيْمُ اللهِ لَأَتَعَرّضَنّ له،. قال العباس: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ أُرَى أَنّي قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ. قَالَ: فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرّضُهُ، إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدّ (يسرع). قَالَ: فَقُلْت فِي نَفْسِي: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللهُ، أَكُلّ هَذَا فَرَقٌ مِنّي أَنْ أُشَاتِمَهُ! قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ: صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ، وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ، قَدْ جَدعَ بَعِيرَهُ، وَحَوّلَ رَحْلَهُ، وَشَقّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اللّطِيمَةَ اللّطِيمَةَ أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ. قَالَ: فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أَشَدَّ الْفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا (خافوا) مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ. فَشَغَلَنِي عَنْهُ وَشَغَلَهُ عنى ما جاء من الأمر.
وَتَحَقَّقَتْ رُؤْيَا عاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَلِّبِ، فَتَجَهَّزَ أَهْلُ مَكَّةَ سَرِيعًا، وَقَالُوا: “أَيُّ قُرَيْشٍ يَظُنُّ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ عِيرَ ابنِ الحضرمي كَعِيرِنَا؟ لَا يَعْلَمُونَ غَيْرَ ذَلِكَ!”
وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَ أَهْلُ مَكَّةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَخْرُجُوا لِلْقِتَالِ أَمْ يَبْعَثُوا شَخْصًا آخَرَ مَكَانَهُمْ وَيُدْفَعُ لَهُ الْمَالُ.
وأُمَيّة بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُودَ ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ قَوْمِهِ بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا، فِيهَا نَارٌ وَمَجْمَرٌ حَتّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيّ اسْتَجْمِرْ فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ؛ قَالَ: قَبّحَك اللهُ وَقَبّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثم تجهز فخرج مع الناس.
وَانْظُرُوا إِلَى جُبْنِ الْعَدُوِّ، أُمِيَّةُ بْنُ خَلْفٍ الَّذِي كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا فَلَمَّا سَمِعَ بِالْخُرُوجِ، جَبِنَ وَأَجْمَعَ عَلَى الْقعودِ. وسبب عدم خروجه ما رواه البخاري وغيره عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ، نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فقال سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ” إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ “. قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ، أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالُ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ لَا أَدْرِي. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَكْذِبُ فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ فَقَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ. فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي، تَخَلَّفُوا مَعَكَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بِعِيرٍ بِمَكَّةَ. ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ، جَهِّزِينِي. فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: لَا، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا. فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ، أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ بِبَدْرٍ.
فَتَجَهَّزُوا وَخَرَجُوا لِإِنْقَاذِ عِيرِهِمْ، وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسُونَ مُقَاتِلًا، وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ، فَزَادُوا عَنِ الأَلْفِ بِقَلِيلٍ.
وَلَكِنَّهُمْ خَافُوا مِنْ كِنَانَةَ، فَظَهَرَ لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سَرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ: “أَنَا جَارٌ لَكُمْ، لَا تَخَافُوا، إِنْ جَاءَتْ كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ، أَنَا أُجِيرُكُمْ.”
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَرَبَ عَسْكَرَهُ لِبِئْرِ أَبِي عَتْبَةَ، وَكَانَ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَة عشر مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، لكن أغلب أهل السير قالوا ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وَكَانَ اللَّوَاءُ أَبْيَضَ.