﴿إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)﴾
﴿إِذْ يُرِيكُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(43)
أي أن الله تعالى أراه في رؤياه قليلًا فأخبر بذلك أصحابه لتشجيعهم على مواجهة عدوهم، ورؤيا الأنبياء حق وهي وحي من الله تعالى فلا يستطيع الشيطان أن يدخل إلى صدر نبي، ولا أن يتكلم على لسانه، ولا أن يؤثر في فكره فيتلاعب به أو يختل فيتكلم بما لا يريد، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، فالشيطان لا يملك عليهم سلطانًا، وما رآه النبي في المنام حقٌّ من الله عز وجل، فرأى أن عدوَّه القادم بجيش المشركين يكون قليلًا، أي أن الله تعالى سيجعل ذلك الجيش الكثير في عيونهم قليلًا.
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾
أي: لجبن بعض الصحابة وهبت الإقدام، وليس المراد الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أشجع الناس وأعظمهم صبرًا، وإنما المراد بعض الصحابة لو علموا أن العدد كثيرًا قد يكون سببًا لهم للجبن وعدم الإقدام على القتال.
﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
أي: لترددتم بين الثبات والفرار في أمر القتال.
﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾
أي: عصمكم وأنعم عليكم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف، وحفظكم من أن يهلككم الفزع أو التشتت.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
أي: يعلم الله تعالى ما في صدورنا من الجرأة والجبن، وما في القلوب من الصبر أو الجزع، وما في النوايا من صدق أو ضعف، وهو العليم بها علمًا كاملًا، فلا يخفى عليه شيء من أمر عباده.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
أي: وَإِذْ يُبَصِّرُكُمُ اللهُ إِيَّاهُمْ في المنام أو في اليقظة، أي أراكم إياهم قليلًا لتطمئن قلوبكم، ولتثبتوا على ما أمرتم به.
﴿إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾
أي: وقت اللقاء والحرب، أي حين اجتمعتم وجهاً لوجه مع عدوكم.
﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾
أي: جعل الله المشركين القوم الكثيرين في نظر الجيش المسلم قليلًا، ليكون ذلك تأكيدًا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليزداد أصحابه يقينًا وثباتًا وعزيمة على القتال.
وقد روى ابن مسعود رضي الله عنه قائلاً: “لقد قلّلوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة”، مع أن الواقع أن عدد جيش المشركين كان ألفًا، لكن الله عز وجل جعل ذلك الجمع الكثير يبدو في أعين جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلًا، ليكون ذلك سببًا للثبات وعدم الجزع.
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾
وقد يقف البعض هنا ويسأل: لماذا يرى الكفار المؤمنين قليلًا، وقد رأى المؤمنون الكفار قليلًا أيضًا؟ والجواب أن هذا من حكمة الله عز وجل في تهيئة النفوس للمعركة.
أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل الكفار يرون جيش المسلمين قليلًا قبل بدء القتال، فظنّوا أن عددهم قليل، فقال بعضهم: إنهم أكلة جزور، جزور واحد، كم يجتمع؟ عشرة؟ شيء قليل؟ خمسة عشر؟ فظنّوا ذلك على أساس ما رأوه، أي رأوا الجيش قليلًا.
ثم بعد بدء المعركة، تفاجأ المشركون بأن جيش المسلمين كثيرٌ عظيم، فازداد خوفهم وانهالت الهزيمة عليهم. وهذا من فضل الله في القتال؛ إذ جعل من توهم الكفار قلة المسلمين سببًا لجرأتهم على التقدم، ثم إذا بدأ القتال ظهر لهم الجيش كثيرًا، فبهتوا وهابوا وجبنوا.
وقد تساءل البعض: كيف يمكن أن يرى الكفار القليل بينما العدد كثير؟ قال العلماء: يجوز أن الله عز وجل ستر بعضهم عن بعض، فصار بعضهم مخفيًا عن أبصارهم، أو يحدث في أعينهم أمرٌ يجعل الكثير يبدو قليلاً. وهذا لا ينافي قدرة الله عز وجل، فهو العليم الخبير، يقدر أن يجعل في عيون العدو ما يخفف الرهبة ويقوّي المؤمنين ويضعف الكفار.
وهكذا أرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه العدو قليلاً، وأخبر أصحابه بذلك، فلما خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاروا في أرض المعركة، رأوا الألف قليلًا، حتى صار بعضهم كالصحابي الجليل ابن مسعود يرى الألف سبعينًا، وبعضهم يرى الألف مائة، مع أن الواقع أن عدد الجيش ألف.
وكذلك أرى الله تعالى هؤلاء الكفار، جيش المسلمين، قبل بداية القتال قليلًا فتجرأوا، فلما أقبلوا كُشف لهم عن الجيش الكبير، فبهتوا وهابوا وجبنوا، وكان الله عز وجل قد جعل هذا سببًا من أسباب هزيمتهم ونصر المؤمنين.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾
أي: فيحكم الله فيها بما يريد، وهو العليم الخبير بكل شيء، وقد يجعل القليل كثيرًا ويجعل القليل سببًا للنصر، لذلك يجب أن يطمئن المؤمنون إلى تدبير الله سبحانه وتعالى، وأن يعلموا أن النصر قد يكون لعدد قليلٍ من أهل الله من أهل الصبر والثبات، فهذا من فضل الله ونصره لعباده المؤمنين الصادقين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(45)
أي: يا أيها الذين آمنوا، إذا صادفتم جماعةً من الكفار وجاءكم اللقاء، فاثبتوا ولا تفروا، لأن الثبات في وجه العدو من علامات القوة والإيمان، واسم “اللقاء” غالب على وصف القتال
﴿فَاثْبُتُوا﴾
أي: إذا لقيتم الكفار، اثبتوا على قتالهم ولا تفروا.
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾
أي: استعينوا بذكر الله في كل لحظة من لحظات القتال، مستظهرين بذكره ومستعينين به، داعين الله عز وجل على عدوكم، تقولون: اللهم خذلهم، اللهم أقطع دابرهم، فالاستعانة بالله في الثبات والصبر والقتال سببٌ من أسباب النصر. وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في كل أحيانه، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبه، جهرًا وسرًا، وفي كل حال، حتى في المشي ومع الجنائز، فهذا الذكر سبب لاستنصار الله ونصره على الأعداء.
﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
أي: لتظفروا بمرادكم من النصر والمثوبة، وفيه تذكير للمؤمنين بألا يفتروا عن ذكر ربهم، وأن التمسك بالله في القتال وفي كل الأحوال هو سبيل الفلاح والنجاح.
﴿وَأَطِيعُوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْۖ وَٱصْبِرُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾(46)
﴿وَأَطِيعُوا ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
أطيعوا الله تعالى ورسولَهُ صلى الله عليه وسلم في كلِّ ما أمَرَا بِهِ، ولا سيَّما ما كان من الأمر بالجهاد والثبات عند لقاء العدو، فقد أمركم الله تعالى بالجهاد، وأمركم رسولُهُ بالثبات والشجاعة وعدم الفرار، فامتثلوا أمرهما طاعةً تامَّة.
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾
أي: لا تختلفوا ولا تتفرَّقوا، فإنَّ التنازعَ سببُ الفشل، وإذا وقع بينكم التنازعُ جبُنْتُم ووهَنَت قلوبُكم واضطربت أحوالُكم.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
أي: تذهب قوَّتُكم ويضعف سلطانُكم وتفتر دولتُكم؛ لأنَّ الاختلاف سبب لتمزُّق الأمم وضياع هيبتها. وقيل: المراد بالرِّيح: النَّصرُ الذي كان اللهُ يبعثُهُ لعباده المؤمنين، فإنَّه لم يكن نصرٌ قطُّ إلا بريحٍ يبعثها الله تعالى، تحرِّكها الملائكةُ بإذن ربِّها. وقد جاء في الحديث الصَّحيح المتَّفق عليه: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ».
﴿وَٱصْبِرُوا﴾
أي: الزَمُوا الصَّبر في ميادين القتال وفي جميع الشدائد، فإذا لقيتم العدو فاصبروا على لقائه وثباتكم أمامه، ولا تستعجِلوا، فالصَّبرُ من أعظم أسباب النصر.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾
أي: معَهُم بعَوْنِهِ وتأييدِهِ وحفظِهِ ورعايتِهِ، يُثَبِّتُ قلوبَهم، ويُقَوِّي عزائمَهم، وييسِّر لهم أسباب الظَّفر.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾(47)
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾
أي: لا تكونوا مثل الذين خرجوا من ديارهم مستكبرين متكبرين متعجرفين في أعمالهم، متظاهرين أمام الناس، يطلبون مدحهم ورضاهم، ويعملون الأعمال للرياء لا لوجه الله تعالى. وقد كان مثل هذا أهل مكة حين خرجوا لحماية عيرهم، فأرسل إليهم رسول أبي سفيان أن يرجعوا لأن العير قد سلمت، لكنهم رفضوا، وخرجوا متباهين متعجرفين، يتمنون أن يحضروا بدرًا لشرب الخمر ونحر الجزور، وأن تزين لهم القيان ويطعموا بها العرب، فكان ذلك بطراً ورياءً في أعمالهم.
البطر هو: أن تشغلك كثرة النعمة عن شكر الله عز وجل، فتغفل عن طاعته وتستغرق في التظاهر بما عندك من الأموال والجاه. أما الرياء فهو: أن تعمل صالحًا أو تحمي مالًا أو تنفق لأجل أن يراك الناس ويمدحوك، لا لوجه الله وحده.
يأمر الله تعالى أن يكون العمل خالصًا له، وأن يكون المؤمنون متواضعين، متخشعين لله، مخلصين أعمالهم لله، لا مبتغين مدح الناس، بل أن يكونوا من أهل التقوى والخشية والورع، مخلصين في نواياهم وأفعالهم.
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
أي: ويمنعون الناس عن سبيل الله عز وجل بالمعاصي، وبالفتن، أو بالاعتداد بالدنيا، فلا يتبعون الحق، بل يصدون غيرهم عنه.
﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
أي: محيطٌ بعلم الله تعالى بكل ما يفعلون، فهو عليمٌ بما في صدورهم وبأفعالهم، لا يغيب عن الله شيء من أعمالهم ولا نواياهم.