﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60)﴾
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ(48) ﴾
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾
واستحضِرْ حين حسَّن الشيطان للمشركين أعمالهم الخبيثة في معاداة رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فوسوس إليهم وبثَّ في صدورهم أنَّهم لا يُغلبون، وأنَّ النصر محقَّق لهم، فقد زيَّن لهم الخروجَ لحرب النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم حتى بعد أن سَلِمَت العير، فدفعهم إلى البطر والغرور. وهذا فعلُ الشيطان مع بني آدم، يزيِّن لهم السُّوءَ، ويدفعهم إلى التعدّي، فينبغي للعبد أن يراقبَ خواطرَه، فما كان منها موافقًا للشرع قبله، وما خالف الشرع ردَّه وعلم أنَّه من تزيين الشيطان ووسوسته.
﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾
أي قال لهم: أنا مجيرٌ لكم، أنصركم وأحمي ظهوركم. وكان المشركون يخافون أن يتعرَّض لهم بنو كنانة إذا خرجوا، فتمثَّل لهم إبليسُ في صورةِ سُراقَةَ بنِ مالكٍ بنِ جُعْشُم، وقال: أنا جارٌ لكم لا يُنال أحدٌ منكم بسوء، فاغترُّوا به وظنّوا أن طاعتَه أمانٌ لهم.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ﴾
أي لمّا تواجه الفريقان، ورأى المشركون والمسلمون بعضهم بعضًا.
﴿نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾
أي رجع الشيطانُ القهقرى منهزمًا، مُدبِرًا على أعقابه، كما يفعل يوم القيامة حين يتبرأ من أتباعه. وقد حرَّضَ المشركين على القتال، فلما عاينَ الملائكةَ نازلةً لنصرة المؤمنين هربَ مسرعًا.
﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ﴾
أي تبرّأ منهم بعد أن كان أغراهم بالقتال، وقال: قد رجعتُ عمّا ضمنتُه لكم من الحماية. وقد روِي أنَّ الحارثَ بن هشامٍ ناداه: يا سُراقَةُ! أتخذلنا في هذا المقام؟ فكان الجواب أن الشيطان لم يكن سراقة، بل قال: لستُ كما ظننتم، أنا بريءٌ منكم.
﴿إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ﴾
أي أرى الملائكةَ التي أنزلها الله لنصرة عباده المؤمنين، وأنتم لا ترونها. فلما شاهد إبليسُ الملائكةَ هرب، فتفرَّق المشركون، وظنُّوا أنَّ سراقةَ قد انهزم، فلمّا عادوا إلى مكة قالوا: انهزم الناسُ بسُراقَة، فقال سراقة: والله ما علمتُ بخروجكم حتى بلغني خبرُ هزيمتكم! ولمّا أسلموا علموا أن الذي ظهر يوم بدر لم يكن إلّا إبليس.
﴿إِنِّي أَخَافُ ٱللَّهَ﴾
أي أخاف عقابَه؛ فالشيطانُ يعلم حقيقةَ قدرةِ الله، ويعلم شدّةَ عقابه، ولذلك فرَّ ولم يثبت معهم.
﴿وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
أي أنَّ الله تعالى شديدُ العقوبة لمن عصاه وخالف أمرَه. وهروبُ الشيطان وجنوده في ذلك الموضع عبرةٌ للمؤمن: ألّا يغترَّ بوسوسته، ولا يتَّبع أمره، فإنَّه يورد المهالك، ثم يتبرأ من متابعيه، ويتركهم للخسران والوبال.
﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْۚ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(49) ﴾
﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ﴾
أي اذكر حين قال المنافقون المقيمون في المدينة ما يُوهِنُ عزائم المؤمنين ويُثَبِّطُهم.
﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾
أي الذين في صدورهم ضعفٌ وشكٌّ واضطراب، أو الذين أسلموا على حرف، لا ثبات لهم عند الشدائد، وهؤلاء من صفات المنافقين.
﴿غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾
أي قالوا ساخرين: لقد خدع هؤلاء المؤمنين دينُهم حتى خرجوا وهم ثلاثمائةٍ وبضعة عشر مقاتلًا لمواجهة عددٍ يقارب الألف من المشركين. فكان المنافقون يلمزونَ المؤمنين ويُضعِفون معنوياتهم بقولهم: ما حملهم على هذا الخروج إلّا الغرورُ والاغترارُ بالدين.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾
أي من يفوِّض أمره إلى الله، ويعتمد عليه حقَّ الاعتماد.
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾
أي غالبٌ لا يُغلب، يُمكِّن القليلَ من الكثير، ويمنح الضعيفَ قوةً يُهزم بها الجبابرة. فقد جرت حكمةُ الله أن يجعل النصر بيد من يشاء، فيقهر الجمعَ العظيمَ بأيدي فئةٍ قليلة، إن شاء الله ذلك.
﴿حَكِيمٌ﴾
أي يضع الأمور مواضعها، فلا يُسَوِّي بين وليّه وعدوّه، ولا يستوي عنده أهل الجنة وأهل النار، ولا يستوي المخلصون وأتباع الشيطان. فحكمتُه تعالى تقتضي أن يعزَّ جندَه، وأن يُذِلَّ أعداءه، وأن يُظهِر دينَه وينصر أولياءه.
﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(٥٠)﴾
﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ﴾
أَيْ: لَوْ عَايَنْتَ وَشَاهَدْتَ ذٰلِكَ الْمَنْظَرَ الْمُرِيعَ.
﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ.
﴿الْمَلَائِكَةُ﴾
هُمْ الْفَاعِلُ.
﴿يَضْرِبُونَ﴾
حَالٌ مِنْهُمْ.
﴿وُجُوهَهُمْ﴾
إِذَا أَقْبَلُوا.
﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾
ظُهُورَهُمْ إِذَا أَدْبَرُوا، أَوْ وُجُوهَهُمْ عِنْدَ الْإِقْدَامِ، وَأَدْبَارَهُمْ عِنْدَ الِانْهِزَامِ. فَهٰذَا ضَرْبٌ لِلْكُفَّارِ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تُوقِعُهُ بِهِمْ.
﴿وَذُوقُوا﴾
أَيْ: وَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: ذُوقُوا، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى «يَضْرِبُونَ»
﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾
أَيْ: مُقَدِّمَةَ عَذَابِ النَّارِ. فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ مَا يَلْقَوْنَهُ الْآنَ إِنَّمَا هُوَ طَلِيعَةُ عَذَابِ الْآخِرَةِ، أَوْ هُوَ بُشْرَىٰ لَهُمْ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ، أَوْ يُقَالُ لَهُمْ هٰذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعْجِيلًا لَهُمْ بِمَا نَزَلَ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ ضَرْبِ الْمَلَائِكَةِ وَلَكِنْ يَقَعُ التَّهْدِيدُ الْأَعْظَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَجَوَابُ «لَوْ» مَحْذُوفٌ، أَيْ: لَرَأَيْتَ أَمْرًا فَظِيعًا هَائِلًا.
﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(٥١)﴾
﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾
أَيْ: هٰذَا الَّذِي تَلْقَوْنَهُ هُوَ جَنِيَّةُ أَعْمَالِكُمْ، وَثَمَرَةُ اخْتِيَارِكُمْ، فَأَنْتُمْ الَّذِينَ وَجَّهْتُمْ قَصْدَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَأَقْدَمْتُمْ عَلَيْهَا. وَالْكَلَامُ إِمَّا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ تُبَلِّغُهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾
عَطْفٌ، أَيْ: ذٰلِكَ الْعَذَابُ سَبَبُهُ أَمْرَانِ: كُفْرُكُمْ وَمَعَاصِيكُمْ.
﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾
أَيْ: إِنَّ تَعْذِيبَ الْكَافِرِينَ هُوَ الْعَدْلُ نَفْسُهُ، مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمٌ. وَقِيلَ: جَاءَ «ظَلَّام» لِلتَّكْثِيرِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْعَبِيدِ، أَوْ لِنَفْيِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ كُلِّهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. وَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ الظُّلْمِ الْكَثِيرِ وَإِثْبَاتَ الْقَلِيلِ، بَلِ الْمُرَادُ نَفْيُ الظُّلْمِ كُلِّيًّا، وَإِثْبَاتُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الظُّلْمِ مُطْلَقًا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّفْظُ عَلَى وَزْنِ «فَعَّال» كَانَ الْمَعْنَىٰ: لَيْسَ اللَّهُ ذَا ظُلْمٍ أَصْلًا، إِذِ الظُّلْمُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِـَٔايَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ(٥٢)﴾
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾
أَيْ: عَلَى نَحْوِ عَادَتِهِمْ، فَـ«الدَّأْبُ» هُوَ السَّمْتُ الدَّائِمُ وَالطَّبْعُ الْمُتَوَارِثُ الَّذِي لَازَمُوهُ. وَالْمَعْنَىٰ: دَأْبُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فِيمَا لَزِمُوهُ مِنَ الْعِنَادِ وَالْإِصْرَارِ.
﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾
أَيْ: مِنْ قَبْلِ قُرَيْشٍ، أَوْ مِنْ قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَهُمْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مُقَابَلَةِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ بِالْجُحُودِ وَالِاسْتِكْبَارِ.
﴿كَفَرُوا﴾
تَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، أَيْ: عَادَتُهُمْ الَّتِي لَازَمُوهَا هِيَ الْكُفْرُ وَالْإِعْرَاضُ.
﴿كَفَرُوا بِـَٔايَاتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾
فَلَمَّا دَأَبُوا عَلَى التَّكْذِيبِ جَاءَهُمُ الْأَخْذُ من الله جَزَاءً وَفْقَ مَا اقْتَرَفُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمُ الْعُقُوبَاتِ وَأَحَلَّ بِهِمُ النِّقَمَاتِ.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
أَيْ: قَادِرٌ لَا يُغَالَبُ، شَدِيدُ الْأَخْذِ لِمَنْ تَجَبَّرَ وَعَانَدَ، يُمْضِي عِقَابَهُ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يَرُدُّ بَأْسَهُ رَادٌّ.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(٥٣)﴾
﴿ذَٰلِكَ﴾
أَيْ: ذَلِكَ الْعَذَابُ، أَوْ ذَلِكَ الِانْتِقَامُ الَّذِي نَزَلَ بِالْمُشْرِكِينَ.
﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
أَيْ: سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلُبُ قَوْمًا مَا أَفَاضَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَالسَّعَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ حَتَّىٰ يُبَدِّلُوا هُمْ حَالَهُمْ، فَيَنْتَقِلُوا مِنَ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
وَقَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَانُوا عَلَى شِرْكٍ، ثُمَّ لَمَّا بُعِثَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْآيَاتِ، كَذَّبَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَسَعَوْا فِي دَمِهِ، فَغَيَّرُوا حَالَهُمْ إِلَى أَشَدِّ السُّوءَ، فَغَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ أَنْعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِمْهَالِ وَالرِّفْقِ وَأَتَاهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾
سَمِيعٌ لِأَقْوَالِ الْمُكَذِّبِينَ وَمَا يَتَفَوَّهُونَ بِهِ مِنَ الِافْتِرَاءِ وَالطَّعْنِ فِي رُسُلِهِ.
﴿عَلِيمٌ﴾
عَلِيمٌ بِأَفْعَالِهِمْ وَمَا يَكِنُّونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هُوَ نَفْسُ الْمَعْنَىٰ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: فَمَا دَامَ الْقَوْمُ عَلَىٰ إِيمَانٍ وَطَاعَةٍ لَمْ يَسْلُبِهِمُ اللَّهُ نِعَمَهُ؛ فَإِذَا تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي تَحَوَّلَتْ عَنْهُمُ النِّعْمَةُ إِلَى الْقَحْطِ وَالْخَوْفِ وَالْقَلَقِ وَالْفِتَنِ.
وَهَذَا جَارٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ كُلِّهِ:
فَأَهْلُ الْأَنْدَلُسِ لَمَّا انْغَمَسُوا فِي الْفُسُوقِ وَتَرْكِ طَاعَةِ رَبِّهِمْ، سَلَبَهُمُ اللَّهُ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وَالرَّخَاءِ، فَتَبَدَّلَ حَالُهُمْ وَضَاعَتْ بِلَادُهُمْ.
وَقَبْلَهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ؛ فَبِلَادُ «إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ» الَّتِي قَالَ فِيهَا رَبُّنَا: ﴿ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلَادِ﴾، كَانَتْ مِنْ أَخْصَبِ الْبِلَادِ وَأَوْفَرِهَا مِيَاهًا وَأَشْجَارًا، فَلَمَّا كَفَرُوا بِنَبِيِّهِمْ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ فَأَهْلَكَتْهُمْ، وَتَحَوَّلَتْ أَرْضُهُمْ إِلَى قَفَارٍ مُقْفِرَةٍ لَا يُرَى فِيهَا خَضَارٌ إِلَّا نَادِرًا.
فَهَذَا كُلُّهُ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿كَدَأبِ ءَالِ فِرعَونَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِم فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَغرَقنَآ ءَالَ فِرعَونَ وَكُلّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴿٥٤﴾﴾
﴿كَدَأبِ ءَالِ فِرعَونَ﴾
تَكرارٌ لِلتَّأكيد، أو لِأَنَّه في الآيةِ الأولى ذِكرٌ لِلأَخذِ بِالذُّنوب دون بيانِ ما يَتضمَّنه ذلك، فجيءَ هنا بالتَّكرار لِإيضاحِ أنَّ ذاك الأَخذ هو الإهلاكُ والاستئصال.
﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَّبُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِم﴾ وفي التَّعبيرِ بِقوله ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِم﴾ دلالةٌ أَزْيَدُ على كُفرانِ النِّعَم، وجُحودِ الحقِّ الواضح.
﴿فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَغرَقنَآ ءَالَ فِرعَونَ﴾
فَنَزَلَ بِهم العذابُ مِن ماءِ البَحر حين فُلِق وطُرِق.
﴿وَكُلّ﴾
أي كُلُّ أولئك من غَرْقَى القِبط، ومن قَتلَى قريش.
﴿كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾
أي ظَلَموا أنفسَهم بالكُفر والمعاصي. فسواءٌ أكانوا الذين قُتِلوا يومَ بَدْر من المشركين، أم الذين غَرِقوا من آلِ فِرعَون قبل ذلك؛ فالجميعُ وُصِفوا بالظُّلم لِأنفسِهم بما اقترفوا من جحودٍ وعصيان.
وقد وَقَفَ رسولُ الله ﷺ على قَتْلى المشركين يومَ بدرٍ عند القليب، فقال: «يا أَهلَ القَليبِ، بِئسَ عَشيرَةُ النبيِّ كنتم لنبيِّكم؛ كذَّبتُموني وصَدَّقني الناس، وأخْرَجْتُموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. يا أَهلَ القَليب، هل وجدتم ما وَعَدَ رَبُّكم حقًّا؟ فإني قد وجدتُ ما وَعَدَني ربي حقًّا».
فقال بعضُ الصَّحابة: يا رسولَ الله، أَتُكَلِّمُ قومًا موتى؟ فقال ﷺ: «لقد علموا أنَّ ما وعدهم ربُّهم حقًّا».
وفي روايةٍ: قالوا: يا رسولَ الله، أَتُنادي قومًا قد جُيِّفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا».
وفي هذا دليلٌ بيّنٌ على صِحَّةِ سَماعِ الموتى، إذ يُمكِن أن يُسْمِعَهم اللهُ تعالى ما يشاء، وكيف يشاء، لأنَّه سبحانه على كلِّ شيءٍ قدير.
﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُم لَا يُؤمِنُونَ(٥٥)﴾
شَرُّ الدَّوابِّ مَن هُم؟ هُم الذين لَم يُؤمِنوا، أي الذين أصرُّوا على الكُفر، فلا يُتوقَّع منهم إيمانٌ ولا هُدى. فمعنى الآيةِ أنَّ أخبثَ مَن يَدِبُّ على الأرض عند الله هم الذين كفروا، إذ لا يزدادون إلّا بُعدًا عن الإيمان
﴿ٱلَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنهُم ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهدَهُم فِي كُلِّ مَرَّة وَهُم لَا يَتَّقُونَ(٥٦)﴾
وهذا من أوصافهم الخبيثة؛ فهُم الذين عاهدتَهم من الكافرين، وقد جعلهم الله شرَّ الدواب لأن شرَّ الناس الكُفّار، وشرَّ الكُفّار المصرُّون على كفرهم، وشرَّ المصرِّين الناكثون للعهود. فشرُّ الناس الكافرُ المصرُّ، وشرُّ الكافر المصرِّ الذي يزيد على كفره نقضُ العهد؛ وهؤلاء كذلك، إذ هم أحقر المخلوقات وأخسُّها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُم لَا يُؤمِنُونَ﴾. وفي هذا تأكيدٌ على أنّه لا يجوز التسوية بين المؤمن والكافر، فهُم لا يستوون عند الله.
﴿ٱلَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنهُم﴾
أي الذين عاهدتَهم من الكافرين الذين نقضوا عهودَهم مع الله ومع رسوله.
﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهدَهُم فِي كُلِّ مَرَّة﴾
أي في كلِّ معاهدةٍ وعقدٍ يُبرَم معهم.
﴿وَهُم لَا يَتَّقُونَ﴾
أي لا يخافون عاقبةَ الغدر، ولا يبالون بما يجرُّه ذلك عليهم من العار في الدنيا والنار في الآخرة.
﴿فَإِمَّا تَثقَفَنَّهُم فِي ٱلحَربِ فَشَرِّد بِهِم مَّن خَلفَهُم لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ(٥٧)﴾
﴿فَإِمَّا تَثقَفَنَّهُم فِي ٱلحَربِ﴾
أي إن صادفتَهم وظفرتَ بهم في ساحة الحرب.
﴿فَشَرِّد بِهِم﴾
أي إذا ظفرتَ بهم فاجعلهم نكالًا.
﴿مَّن خَلفَهُم﴾
أي فرِّق وأرهِبْ مَن وراءهم من جموع الكفرِ بقتلهم شرَّ قِتلة، وبالإنزال بهم أشدَّ النكاية، حتى يعلم مَن خلفهم من الكفار كيف كانت عاقبة من عادَوا رسول الله ﷺ وآذَوه، فلا يجرؤ أحدٌ بعدهم على العود لمثل فعلهم. وقال الزجاج: «افعلْ بهم ما تُفرِّقُ به جَمْعَهم، وتطرد به مَن عداهم»
﴿لَعَلَّهُم يَذَّكَّرُونَ﴾
أي لعلَّ الذين يشاهدون ما حلَّ بهم يعتبرون ويتعظون. فالمعنى: شَرِّدْ بهم مَن وراءهم، أي اجعلهم عبرةً للمعتدين، ليكفّ مَن بقي من الكفار عن محاربة رسول الله ﷺ والاعتداء على المؤمنين.
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَومٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَائِنِينَ(٥٨)﴾
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَومٍ﴾
أي مِن قومٍ معاهَدِينَ، كانوا قد أبرموا عهدًا مع المسلمين.
﴿خِيَانَةً﴾
أي إذا خِفتَ منهم خيانةً تظهر أمارتُها وتلوح علاماتها، فتدلُّ على عزمهم على نكث العهد.
﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾
أي اطرَحْ إليهم عهدَهم، وأعْلِمْهم بنقضه، إذ هم الذين هَمُّوا بنقضه.
﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾
أي على استواءٍ بينك وبينهم في العلم بفسخ العهد، وهو حالٌ من النابذ والمنبوذ إليهم، أي ليحصل العلم عند الفريقين معًا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَائِنِينَ﴾
أي لا يحبُّ مَن ينقُضُ العهود ويغدر بالمواثيق.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ(٥٩)﴾
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾
أي لا يظنَّ الذين كفروا أنهم قد سبقوا الإفلاتَ، وخرجوا من متناول العقوبة، وفاتوا المسلمين من غير أن يُظفَر بهم.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾
أي إنهم لا يُفلتون ولا يُعجِزون مَن يطلبهم، ولا يجدون طالبَهم عاجزًا عن إدراكهم. وقيل: نزلت فيمن أفلت من فلول المشركين يوم بدر، فمهما فرُّوا أو تشتَّتوا فإلى أين يذهبون؟ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ أي أفلتوا، ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يُعجِزون الله ولا رسوله ولا المؤمنين عن إدراكهم ونيل جزائهم.
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُم وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(٦٠)﴾
﴿وَأَعِدُّواْ﴾
أيها المؤمنون، حضِّروا وتجهّزوا.
﴿لَهُم﴾
لمن تُعدُّ هذه القوة؟ أي لناقضي العهد، أو لجميع الكفار الذين قد يأتون بمحاربتكم.
﴿مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
أي من كل ما يمكن أن تتقوَّوا به في الحرب، من عُدَدٍ وأسلحة، فقد جاء في الحديث: «ألا إن القوة الرمي» ثلاث مرات على المنبر، وقيل: المراد بها الحصون والتحصينات.
﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾
أي من الخيول المربوطة في سبيل الله، أو جمع “رَبِيط” أي الفِصائل من الخيل، وهي خاصة لما يتقوى به المؤمنون، لتكون سببًا في الرعب في قلوب الأعداء. وفي الحديث: “إن الشيطان لا يَقرُب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق” وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن.
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
أي تُرهبون به أهل مكة ومن يعادونكم.
﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾
أي غيرهم من الأعداء الذين لا تَعلمونهم بالعين، كاليهود والمنافقين، أو غيرهم من أعداء الله على اختلافهم، فقد سَبَق وقد قدمنا أن إبليس كان قد خرج مع المشركين ومعه راية وتحت تلك الراية الشياطين ليقاتلوا مع المشركين ليقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهزموا حين رأوا الملائكة.
﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾
أي لا تعرفونهم بأعيانهم، ولكن الله يعلمهم جميعًا.
﴿ٱللَّهُ يَعْلَمُهُم﴾
فالله مطلع عليم بمن تعرّض لكم، ويحصي جميعهم، فجهِّزوا كل ما تستطيعون من قوة ورباط الخيل، فهو سبب الرعب في قلوب الأعداء.