﴿۞ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلمِ فاجنَح لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُٱلعَلِيمُ﴿٦١﴾﴾
﴿۞ وَإِن جَنَحُواْ﴾
مالوا جنح له وإليه تقول: جَنَحَ له وجَنَحَ إليه جَنَحَ أي مال.
﴿لِلسَّلمِ﴾
للصلح وقد قرئت أيضًا في قراءة لِلسِّلمِ بكسر السين.
﴿فاجنَح لَهَا﴾
فَمِل إليها.
﴿وَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ﴾
ولا تخف من إبطَانِهم المكر في جنوحهم إلى السلم لماذا؟ فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم.
﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾
لأقوالك.
﴿ٱلعَلِيمُ﴾
بأحوالك فالله سبحانه وتعالى سميع عليم فأنت توكل على الله فالله سبحانه وتعالى كافيك وإن أرادوا المكر.
﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخدَعُوكَ فَإِنَّ حَسبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصرِهِ وَبالمُؤمِنِينَ﴿٦٢﴾﴾ ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخدَعُوكَ﴾
يمكروا ويغدروا.
﴿فَإِنَّ حَسبَكَ ٱللَّهُ﴾
كافيك الله، أقول حسبي الله، الله يكفيني حسبي الله ونعم الوكيل الله يكفينا وهو نعم الموكول الأمر إليه.
﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ﴾
قواك.
﴿بِنَصرِهِۦ وَبالمُؤمِنِينَ﴾
جميعًا أو بالأنصارِ.
﴿وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِم لَو أَنفَقتَ مَا فِي ٱلأَرضِ جَمِيعا مَّآ أَلَّفتَ بَينَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴿٦٣﴾﴾
﴿وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِم﴾
قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة وعشرين سنة الأوس والخزرج لمدة مائة وعشرين سنة كانوا في حرب وفي قتال، ببركة الإسلام ببركة النبي محمد عليه الصلاة والسلام الله تعالى هداهم للإيمان ألف بين قلوبهم صاروا أنصارًا فنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقبلوه وآووه والمؤمنين.
﴿لَو أَنفَقتَ مَا فِي ٱلأَرضِ جَمِيعا مَّآ أَلَّفتَ بَينَ قُلُوبِهِم وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم﴾
أي بلغت عداوتهم مبلغًا لو أنفق منفقٌ في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه لو كان تكلف الكثير ما كان ليقدر على أن يجمع بينهم وقد استمرت الحرب فيما بينهم مائة وعشرين سنة.
﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم﴾
بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته فأحدث بينهم التوادَّ والتحابَّ وأماطَ عنهم التباغُضَ والتماقُت.
﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾
يقهر من يخدعونك يقهر من يخدع رسول الله أي يحاول خداع رسول الله.
﴿حَكِيم﴾
بنصر من يتبعونك لأن الله سبحانه وتعالى ينصر من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ﴿٦٤﴾﴾
الواو بمعنى مع وما بعده منصوب والمعنى كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين اللهُ ناصرًا يكفينا أن الله ينصرنا ويجوز أن يكون في محل الرفع أي كفاك الله وكفاك أتباعُك في المعنى الأول كفاك الله وكفا أتباعَك وفي الثانية كفاك الله وكفاك أتباعُك من المؤمنين وفي الواقع أتباعه الذين كفوه إنما ذلك بخلق الله سبحانه وتعالى وتقديره لكنهم يكونون سببًا.
﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلمُؤمِنِينَ عَلَى ٱلقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة يَغلِبُوٓاْ أَلفا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَفقَهُونَ﴿٦٥﴾﴾ ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلمُؤمِنِينَ عَلَى ٱلقِتَالِ﴾
﴿حَرِّضِ﴾ التحريض المبالغة في الحث على الأمر، يوجد حث على الأمر ويوجد مبالغة في ذلك الحث، المبالغة في الحث على الأمر من الحَرَض وهو أن يُنهِكَه المرض حتى يُشرف على الموت.
﴿إِن يَكُن مِّنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة يَغلِبُوٓاْ أَلفا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هذه عِدَةٌ من الله يعني وعد من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا هذا هو السِّرُّ إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده.
﴿بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَفقَهُونَ﴾
لماذا؟ نعم السر بالصبر عشرون يغلبوا مائتين، مائة يغلبون ألفا ذلك لأن هؤلاء الكفار بسبب أن الكفار قومٌ جهلةٌ يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم لا يحتسبون لله ولا ليس لهم ثواب على أي شيء يقاتلون؟ لأجل مال كالبهائم فيقل ثباتهم فلا يكون عندهم هذا الثبات الذي عند المؤمنين ويعدمون أن يفقدون لجهلهم بالله نُصرَته بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله لذلك كان بعض الصحابة لما حرض المؤمنين على القتال في يوم مؤتة قال: والله للذي تكرهون هو الذي تطلبون أنتم ماذا تطلبون؟ أنتم تطلبون النصر أو الشهادة قيل: كان عليهم ألا يفروا ويثبت الواحد للعشرة ثم ثقل عليهم ذلك فنُسِخ صار ثقيلا يعني كان في الأول إيجاب مقاومة وثبات الواحد أمام العشرة ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين.
﴿ٱلـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعفا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة صَابِرَة يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلف يَغلِبُوٓاْ أَلفَينِ بِإِذنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴿٦٦﴾﴾
﴿ٱلـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُم وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعفا﴾
علم الله تعالى بعلمه الأزلي أنه سيكون فيكم ضعف فظهرت عليكم الآن آثار التخفيف فـ ﴿عَلِمَ﴾ ليست مرتبطة بـ ﴿ٱلـَٰٔنَ﴾ يعني ليس المعنى أن الله قد علم الآن أنه سيكون فيكم ضعف بل علم الله عز وجل بعلمه الأزلي أنه سيكون منكم ضعف لأن علم الله تعالى أزلي أبدي، علم الله لا يطرأ عليه زيادة ولا يطرأ عليه نقصان ولا يطرأ عليه تغير والله تعالى عالم بكل ما كان وما يكون وما سيكون وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، الله يعلم بالعباد وبأعمال العباد بل بتفاصيل أعمال العباد حتى قبل أن يعملها العباد، علم الله في الأزل أنه سيكون منكم ضعف فالآن أظهر التخفيف لكم فكانت هذه الآية هي الناسخة والمراد ما هو الضعف؟ الضعف في البدن.
﴿يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلف يَغلِبُوٓاْ أَلفَينِ بِإِذنِ ٱللَّهِ﴾
لأن كل شيء بمشيئة الله واحد قد يغلب ألف بمشيئة الله عز وجل وحتى لا يقول قائل وكيف يكون ذلك واحد قد يغلب ألف؟ نعم واحد قد يغلب ألفًا أحيانًا يأتي داءٌ يكون سببًا لموت عدد كثيرٍ من الناس وقد يكون هذا أحيانًا بشيءٍ صغيرٍ جدًا، الله تعالى على كل شيء قدير وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين يعني هناك عشرون مائتين مائة ألف ثم بعد ذلك يكرر هذا التكرار الذي جاء له علامة له إشارة وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده عشرون ﴿إِن يَكُن مِّنكُم عِشرُونَ صَابِرُونَ يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ﴾ ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة يَغلِبُوٓاْ أَلفا﴾ قبل التخفيف بعد التخفيف ﴿فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَة صَابِرَة يَغلِبُواْ مِاْئَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم أَلف يَغلِبُوٓاْ أَلفَينِ﴾ إذن مرتين ذكر مرتين قبل التخفيف ومرتين بعده لماذا؟ للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت إذ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَىٰ حَتَّىٰ يُثخِنَ فِي ٱلأَرضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأٓخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴿٦٧﴾﴾
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ ما صح له ولا استقام.
﴿أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَىٰ حَتَّىٰ يُثخِنَ فِي ٱلأَرضِ﴾
يثخن في الأرض الإثخان كثرةُ القتل والمبالغة فيه من الثَّخانَة وهي الغِلَظُ والكَثَافَةُ حتى يُذِلَّ الكفر بإشاعة القتل في أهله حتى يُذَلَّ أهل الشرك يُشَاعَ القتل في أهل الشرك ويُعِزَّ الإسلام بالاستيلاء والقهر ثم الأسرِ بعد ذلك رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أُتِيَ بسبعين أسيرًا أسرى بدر أو أُسارَى يقال: أَسرَى وأُسارَى أُتِيَ بهؤلاء الأسرى بسبعين أسيرًا فيهم العباس عمه وعقيل فاستشار النبي عليه الصلاة والسلام أبا بكر فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخُذ منهم فدية تقوي بها أصحابك هكذا أشار أبو بكر فماذا أشار عمر؟ وقال عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء مَكِّن عليًّا من عقيل وحمزة من العباس ومَكِّنِّي من فلان لنسيب له لعمر فلنضرب أعناقهم فقال عليه الصلاة والسلام: مَثَلُكَ يا أبا بكر كمَثَلِ إبراهيم حيث قال: ﴿وَمَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُور رَّحِيم﴾ ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال: {رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: “إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستُشهِدَ منكم بعِدَّتِهم” يعني بعَدَدِهِم فقالوا: بل نأخذ الفداء، فاستشهدوا بأحد يعني بمثل ذلك العدد عدد الأسرى فلما أَخَذُوا الفداء نزلت الآية ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأٓخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسرَىٰ حَتَّىٰ يُثخِنَ فِي ٱلأَرضِ﴾ والإثخان قد حصل.
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنيَا﴾
الذي أنتم تريدون عرض الدنيا متاعها يعني الفداء سمَّاه عرضًا لقلة بقائِهِ وسرعَةِ فنائِهِ لذلك في بعض خطب النبي عليه الصلاة والسلام قال: “الدنيا عرضٌ زائلٌ يأكل منه البرُّ والفاجِرُ”.
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأٓخِرَةَ﴾
معناه ما يحبه الله سبحانه وتعالى لعباده أي ما هو سبب الجنة وإلا فكل شيء بإرادة الله ومشيئة الله عز وجل أي ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل وقد حصل.
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾
يقهر الأعداء ﴿حَكِيم﴾.
﴿لَّولَا كِتَٰب مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَآ أَخَذتُم عَذَابٌ عَظِيم﴿٦٨﴾﴾
﴿لَّولَا كِتَاب مِّنَ ٱللَّهِ﴾
لولا حكم من الله.
﴿سَبَقَ﴾
أي لولا كتاب ثابت من الله أي لولا كتاب بهذه الصفة في الوجود.
﴿لَمَسَّكُم﴾
لنالَكُم وأصابَكُم.
﴿فِيمَآ أَخَذتُم﴾
من فداء الأسرى.
﴿عَذَابٌ عَظِيم﴾.
﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمتُم حَلَالا طَيِّبا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُور رَّحِيم﴿٦٩﴾﴾
﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمتُم حَلَالا﴾
رُوِيَ أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت وقيل: هو إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم ومعناه قد أُحِلَّت لكم الغنائم فكلوا حلالا مطلقا عن العتاب والعقاب من حل العقال وهو نصب على الحال من المَغْنُومِ أو صفة للمصدر أي أكلًا حلالًا معناه كُلوا أكلًا حلالًا.
﴿طيبًا﴾
لذيذًا هنيئًا أو حلالًا بالشرع طيبًا بالطبع.
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾
فلا تقدموا على شيء لم يَعْهَد إليكم فيه.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُور﴾
لما فعلتم من قبل.
﴿رَّحِيم﴾
بإحلال ما غنمتم، النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا فعل ما فعل في المفاداه في أسرى بدر كان ذلك وقد جاءه جبريل عليه السلام فخَيَّرَهُ بين أخذ الفداء وبين القتل يعني يأخذ الفداء ويطلق الأسرى أسرى بدر من الكفار أو أن يقتلوا إما الفداء وإما القتل فشاور النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا أبا بكر وعمر وكان رأي أبي بكر رضي الله عنه الفداء ورأي عمر رضي الله عنه القتل فالنبي عليه الصلاة والسلام اختار الفداء وحديث التخيير أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خُيِّرَ والذي خَيَّرَهُ جبريل عليه السلام بوحي من الله هذا الحديث ورد في صحيح ابن حبان وصححه فإذا ثابت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد خُيِّرَ بين الفداء والقتل وإذا تبين ذلك عُلِمَ أن لا عتاب على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقد خُيِّرَ من جبريل بأمر الله فاختار شيئًا مما خُيِّرَ فيه وهو الفداء فلا يصح ما يرويه بعضٌ من أنَّ الرسول وأبا بكر صارَا يبكيان لمَّا قَبِلَ الفداء وأن النبي يقولون عنه قال: عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة فيما أخذتم من الفداء ثم بعد ذلك نزلت الآية ﴿لَّولَا كِتَاب مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فِيمَآ أَخَذتُم عَذَابٌ عَظِيم﴾ ويقع البعض في هذا الخطأ عندما يأتون إلى هذه الآية وحتى في بعض كتب السيرة تجد مثل ذلك والحق أن النبي عليه الصلاة والسلام ما ارتكب محذورًا وأين المحذور؟ والذي خَيَّرَهُ جبريل عليه السلام وأين المحذور؟ إذا معنى ﴿لَّولَا كِتَاب مِّنَ ٱللَّهِ﴾ لولا حكم من الله سبق ما هو؟ قد أحلت لكم الغنائم وقد اعتبر الفداء من جملة ذلك بعض العلماء هكذا قال أحل الله تعالى لكم هذا أُبيح لكم الفداء لأنه من جملة الغنائم ثم هم كانوا قد أَمسكوا حتى جاءهم الإذن بأن يأخذوا وكما ذكرنا في أول السورة هي سورة الأنفال في أمر الغنائم لذلك الله قال ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمتُم حَلَالا طَيِّبا﴾ فإذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقع في محذور في هذا الذي فعله عليه الصلاة والسلام.
﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيدِيكُم مِّنَ ٱلأَسرَىٰٓ إِن يَعلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُم خَيرا يُؤتِكُم خَيرا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُم وَيَغفِر لَكُم وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم﴿٧٠﴾﴾
﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيدِيكُم﴾
في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم.
﴿مِّنَ ٱلأَسرَىٰٓ﴾
جمع أسير.
﴿إِن يَعلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُم خَيرا﴾
خُلُوصَ إيمانٍ وصحةَ نيةٍ.
﴿يُؤتِكُم خَيرا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُم﴾
من الفداء إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه أو يثيبكم في الآخرة.
﴿وَيَغفِر لَكُم وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم﴾
رُوِيَ أنَّه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين هذا فيما بعد ثمانون ألفًا فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فَرَّقَهُ إمام الزاهدين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول: “ما لي وما للدنيا وما للدنيا ومالي” ما صلى عليه الصلاة والسلام ما انتظر توضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فَرَّقَه فرَّق ثمانين ألفًا وأمر العباس، والعباس هو كان من الأسرى يوم بدر أسلم بعد ذلك وأخلفه الله خيرًا أولًا بإسلامه وعجَّل الله تعالى له أيضًا بالرزق وأمر العباس أن يأخذ منه هو كان دفع فديه فأخذ منه من مال البحرين فأخذ منه ما قدر على حمله هذه ثمرات الصبر بعد الأذى والحصار في مكة والشدة الله تعالى فتح بالمدينة المنورة بلاد الدنيا لأنه من المدينة انطلقت قوافل الصحابة والدعاة إلى الله. أخذ العباس ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة يقول: هذا خير مما أخذ مني أخذوا مني يوم بدر الفداء الذي أخذه في هذا اليوم قال: خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة أليس جاءت الآية ويغفر لكم ﴿إِن يَعلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُم خَيرا يُؤتِكُم خَيرا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُم﴾ أخذوا الفداء ﴿وَيَغفِر لَكُم﴾ فيقول العباس: الفداء أنا أخذت ما هو خير منه بقي يأخذ حتى أخذ ما قدر على حمله وأرجو المغفرة وكان له عشرون عبدًا وإن أدناهُم أقل عبد عنده لَيَتَّجِرُ في عشرين ألفا الله يرزق من يشاء بغير حساب وكان يقول: (أنجز الله أحد الوعدين أخذ خيرا من الذي دفع وأنا على ثقة من الآخر ويغفر لكم)
﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَد خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبلُ فَأَمكَنَ مِنهُم وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴿٧١﴾﴾
﴿وَإِن يُرِيدُواْ﴾
أي الأسرى.
﴿خِيَانَتَكَ﴾
نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء.
﴿فَقَد خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبلُ﴾
في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه.
﴿فَأَمكَنَ مِنهُم﴾
فأمكنك منهم أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر فسَيُمَكِّنُ منهم إن عادوا إلى الخيانة كما تمكنتم منهم في يوم بدر فمن رجع منهم إلى الخيانة الله سيمكنكم منهم.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾
بالمآل.
﴿حَكِيمٌ﴾
فيما أمر في الحال.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَئِكَ بَعضُهُم أَولِيَآءُ بَعض وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَم يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱستَنصَرُوكُم فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيكُمُ ٱلنَّصرُ إِلَّا عَلَىٰ قَومِ بَينَكُم وَبَينَهُم مِّيثَاق وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير﴿٧٢﴾﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾
من مكة حُبًّا لله ورسوله.
﴿وَجَاهَدُواْ بِأَموَالِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾
هم المهاجرون.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ﴾
أي آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار.
﴿أُوْلئِكَ بَعضُهُم أَولِيَآءُ بَعض﴾
أي يتولى بعضهم بعضا في الميراث وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالنصرة دون ذو القرابة حتى نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ ٱلأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَىٰ بِبَعض﴾ فكان التوارث كان بالهجرة كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالنصرة حتى نسخ ذلك وقيل: أراد به النصرة والمعاونة.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَم يُهَاجِرُواْ﴾
من مكة.
﴿مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم﴾
من توليهم في الميراث.
﴿مِّن شَيءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ﴾
فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر يعني ولو كان قريبًا اذا كان لم يهاجر لا يرث من المؤمن الذي هاجر ولما أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان وكانت الهجرة فريضة فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة دل على أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان فُرضت الهجرة إلى المدينة والذي كان قادرًا على الهجرة ولم يكن له عذر كان يأثم اثمًا كبيرًا في التخلف عن الهجرة معصيته كبيرة والله قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَم يُهَاجِرُواْ﴾ فاستدل العلماء بذلك على أن الذي يقع في المعصية الكبيرة لا يكون كافرًا ما دام لم يستحيلها لأنه قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ سمَّاهم مؤمنين مع كونهم لم يهاجروا وقال: ﴿مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم﴾ ما لكم من توليهم في الميراث ﴿مِّن شَيءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ﴾ يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في العقيدة الطحاوية: “ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله” وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو عدم تكفير مرتكب الكبيرة من المسلمين.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَم يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱستَنصَرُوكُم﴾
أي من أسلم ولم يهاجر كان يوجد بعض من المستضعفين بعض من المستضعفين اللي ما استطاعوا حتى من الهجرة بسبب أنه ما معه مال أو بضعف البدن أو غيره.
﴿وَإِنِ ٱستَنصَرُوكُم﴾
أي من أسلم ولم يهاجر.
﴿فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيكُمُ ٱلنَّصرُ﴾
عليكم أن تنصروهم أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا معونتكم فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين.
﴿إِلَّا عَلَىٰ قَومِ بَينَكُم وَبَينَهُم مِّيثَاق﴾
فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يُبتَدأون بالقتال إذ الميثاق مانع من ذلك. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِير﴾
تحذير عن تعدي حد الشرع.
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعضُهُم أَولِيَآءُ بَعضٍ إِلَّا تَفعَلُوهُ تَكُن فِتنَة فِي ٱلأَرضِ وَفَسَاد كَبِير﴿٧٣﴾﴾
﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعضُهُم أَولِيَآءُ بَعضٍ﴾
ظاهره إثبات الموالاة بينهم الكفار بعضهم أولياء بعض ومعناه نهيُ المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم المصارمة: يعني المقاطعة كما في لسان العرب ومصارَمَتِهم مقاطَعَتِهم وإن كانوا أقارب حتى لو كانوا أقارب لكن لأجل أنهم كفار وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضًا.
﴿إِلَّا تَفعَلُوهُ﴾
أي إلا تفعلوا ما أمرتُكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضا حتى في التوارث تفضيلًا لنسبةِ الإسلام على نسبة القرابة ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة.
﴿تَكُن فِتنَة فِي ٱلأَرضِ وَفَسَاد كَبِير﴾
تحصل فتنةٌ في الأرض ومفسدةٌ عظيمةٌ تحصل فتنةٌ في الأرض ومفسدةٌ عظيمةٌ.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَئِكَ هُمُ ٱلمُؤمِنُونَ حَقّا لَّهُم مَّغفِرَة وَرِزق كَرِيم﴿٧٤﴾﴾
لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مُقتضَياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى.
﴿لَّهُم مَّغفِرَة وَرِزق﴾
هؤلاء منهم من ترك كل ماله لما جاءه المشركون قالوا: أنت لا تخرج وأنت معك المال قالوا لصهيب: لا تخرج أنت جئتنا صعلوك تخرج ومعك المال لا نتركك تخرج وتهاجر إلى المدينة حتى تترك كل المال، تَرَكَ المال وخرج فقال عليه الصلاة والسلام: “ربح البيع أبا يحيى” ﴿لَّهُم مَّغفِرَة وَرِزق كَرِيم﴾ الصحابة بذلوا الكثير لذلك هم خير القرون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام الذين هم كالنجوم والذين هم أمنة أي أمان لمن بعدهم تركوا دارهم في مكة تركوا بيوتهم وأموالهم وأقاربهم وهاجروا لله ولرسول الله وقد كانت هجرته عليه الصلاة والسلام ليست جبنًا بل كانت تنفيذًا لأمر الله عز وجل ﴿لَّهُم مَّغفِرَة وَرِزق كَرِيم﴾ لا مِنة فيه ولا تنغيصة ولا تكرار فيما جاء.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنكُم وَأُوْلُواْ ٱلأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَىٰ بِبَعض فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمُ﴿٧٥﴾﴾
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعدُ﴾
يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة.
﴿وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُم فَأُوْلَئِكَ مِنكُم﴾
﴿إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَة﴾ جعلهم منهم تفضلًا وترغيبًا اللاحق مع السابق.
﴿وَأُوْلُواْ ٱلأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَىٰ بِبَعض﴾
وأولوا القرابات أولى بالتوارث وهو نسخٌ للتوارث بالهجرة والنصرة إذًا كان قبل ذلك التوارث بالهجرة هذا يدل على أن الإيمان حبلٌ قويٌّ متينٌ رابطَةُ الإيمان أقوى رابطة حتى لدرجة وصل أن التوارث كان بالهجرة ثم نُسخ بعد ذلك.
﴿فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾
في حُكمه وقِسمَتِه أو في اللوح معنى ﴿فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ قيل: معناه في حكمه وقسمته وقيل: معنى في كتاب الله في اللوح المحفوظ أو في القرآن أو قيل: معنى في كتاب الله في القرآن وما هو الذي في القرآن؟ وهو آية المواريث إذًا ما عاد التوارث بالهجرة وهو دليل لنا على توريث ذوي الأرحام.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمُ﴾ فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه قسم الناس أربعة أقسام: قسم آمنوا وهاجروا وقسم آمنوا ونصروا وقسم آمنوا ولم يهاجروا وقسم كفروا ولم يؤمنوا.