﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ (74) ۞وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (75) فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ (76) فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ (77) أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ (78) ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)﴾.
﴿يَحلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلكُفرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوا إِلَّآ أَن أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي ٱلْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾
أقام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم في غزوةِ تبوك نحوَ شهرين، ينزلُ عليه خلالهما القرآنُ الكريم، ويكشفُ أحوالَ المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد، فيسمعُ ذلك من كان في ركاب النبيِّ ﷺ، وكان منهم الجَلَّاسُ بنُ سُوَيدٍ، وكان منافقًا يُظهر الإسلام ويُبطِن خلافه.
فبينما كان النبيُّ ﷺ يعيبُ المنافقين ويُحذِّر من صنيعهم، قال الجلاسُ كلمةً شنيعةً كفرية، إذ قال: «واللهِ لَئِن كان ما يقول محمّدٌ حقًّا في إخوانِنا الذين خَلَّفْناهم، وهم سادتُنا، فَنَحنُ شَرٌّ مِنَ الحَمير». سمعه الصحابيُّ الجليل عامرُ بنُ قيسٍ الأنصاري رضي الله عنه، فالتفت إليه وقال: «أجَلْ، واللهِ إنَّ محمّدًا صادقٌ، وأنتَ شرٌّ مِنَ الحمار».
فلمَّا بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ استحضر الجلاسَ، فأنكر ما قال، وحلَف باللهِ كاذبًا أنّه لم يتلفَّظ بتلك الكلمة. فرفع عامرُ بنُ قيسٍ يديه إلى السماء وقال: «اللَّهُمَّ أَنْزِلْ على عبدِكَ ونبيِّكَ تَصْديقَ الصادقِ، وتَكذيبَ الكاذبِ»، فنزل قولُ الله تعالى مُصدِّقًا عامرًا، وفاضحًا الجلاس:
﴿يَحلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾.
فالكلمةُ التي قالها الجلاسُ كلمةُ كفرٍ صريح، لأنها تتضمّن تكذيبَ رسولِ الله ﷺ، وتكذيبُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام في خبرٍ واحدٍ كفرٌ بإجماع العلماء، ولذلك سمَّى اللهُ قولَه «كلمةَ الكفر».
وهذا دليلٌ بيِّن على أنَّ الكفرَ قد يكون بكلمةٍ واحدة، ولا يُشترط لوقوعه أن يقترن بنيّةٍ أو اعتقادٍ باطنٍ، بل يكفي التلفُّظُ مع العلم بالمعنى، ولو ادّعى صاحبُها أنه لم يعتقد ما قاله. وقد نزل نظيرُ ذلك في المنافقين الذين اعتذروا بقولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، فكان الجواب: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
فلو تلفَّظ أحدٌ بكلمةٍ كفرية، كأن يقول والعياذُ بالله: «للهِ ولدٌ»، ثم ادّعى أنّه لا يعتقد ذلك، وأنه قالها مجاملةً أو مداعبةً، لم يُعذَر، لأن هذا القولَ تكذيبٌ للقرآن الكريم الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وكذلك الجلاسُ قال كلمةَ الكفر، ثم حلف أنه لم يقلها، فكذَّب اللهُ دعواه، وصدقَ الشاهد الحق.
وكذلك في هذه الآية الكريمة قوله تعالى:
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾
أي يحلفون بالله كذبًا أنهم لم يتلفَّظوا بتلك المقالة الشنيعة، والحالُ أنهم قالوها حقًّا، كما قال سبحانه بعدها:
﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾
أي تلفَّظوا بما هو كفرٌ صريح، فأنكره الله عليهم، وكشف زيف دعواهم.
ثم قال عزَّ شأنه:
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾
وفي هذا دلالةٌ ظاهرة على أنَّ العبدَ إذا أجرى كلمةَ الكفر على لسانه، وهو عاقلٌ مدركٌ لمعناها، فقد خرج من الإسلام بمجرد قوله، وإن ادَّعى أنه لم يقصد الكفر، أو لم يعتقد معناه في قلبه. فمن سبَّ الله تعالى، أو سبَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والعياذ بالله، ثم قال: «ما قصدتُ ذلك، إنما كنتُ غاضبًا» أو «كنتُ لاعبًا أو هازِلًا»، لم يُعذَر، ووقع في الردَّة، وهلَكَ بنفسه.
فالذي يزعم أن من نطق بالكفر لا يُحكم بكفره إلا إذا اعتقد ما قاله بقلبه، فقد استدرك على نصوص الشرع، ووضع شروطًا لم يأتِ بها كتابٌ ولا سُنَّة، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، فالحكم معلَّقٌ بنفس القول، لا بالاعتقاد.
ويقول بعضهم: «أليس بين القول والفعل والاعتقاد فروق؟» فنعم، هناك فرق، لكنَّ كلَّ واحدٍ منها بابٌ مستقلّ من أبواب الكفر، فمن كَفَرَ بقولٍ فهو كافرٌ، ومن كفر بفعلٍ فهو كافرٌ، ومن كفر باعتقادٍ فهو كافرٌ، ولا يشترط اجتماع الأقسام الثلاثة.
فالكفرُ قَوْلِيٌّ كمن قال: «القرآن ليس حقًّا»، وفِعْلِيٌّ كمن داس على المصحف الشريف تعمُّدًا وهو يعلم أنه كلام الله، ولو زعم أنه لم يعتقد الاستخفاء به، إذ كيف يعظِّم قلبُه ما تهينه جوارحه؟ وقد نصَّ ابنُ عابدين رحمه الله من فقهاء الحنفية قائلًا: «لأنَّ فعلَه يدلُّ على الاستخفاف». ولو لطَّخ المصحف بالنجاسة ولم يتكلَّم بكلمة، أفيقال: إنَّه لم يكفر لأنه لم ينطق؟! بل هذه ردةٌ صريحة بالفعل.
وكذلك الكفرُ اعْتِقَادِيٌّ، وهو أن يشكَّ في ما يجب الجزم به، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أي لم يدخل قلوبَهم شكٌّ.
فهذه الأقسام الثلاثة للكفر ـ قولًا وفعلًا واعتقادًا ـ جاءت بها نصوصُ القرآن الكريم، ولذلك اجتهد العلماء من المذاهب الأربعة في بيانها، لا رغبةً في الكفر ، بل تحذيرًا للناس لئلَّا يقعوا فيه من حيث لا يشعرون. فالطبيب يحذِّر من الداء، لا حبًّا فيه، وإنما صيانةً للنفوس منه، فكذلك العلماء في باب الردَّة.
وقد يقع الجاهل في شيءٍ من الكفر، وهو لا يعلم خطورتَه، لعدم تعلمه علمَ الدين، فيكون حالُه كما قال الحكيم:
تَعَلَّمْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ***فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ يَقَعْ فِيهِ
ومن الوقائع الدالَّة على خطورة هذا الباب: أن رجلًا من أهل زمانٍ مضى جادل زوجته، فقال لها في غضب: «أتعلمينَ الغيب؟» فقالت: «نَعَمْ»، ومن ادَّعى علمَ الغيب فقد كفر؛ لأنه ادَّعى ما هو من خصائص الله تعالى، فأفتاهما كبارُ فقهاءِ الحنفية بأن المرأة قد ارتدَّت وبطل عقدَ زواجها، لبطلان نكاح المرتدَّة، فالأمر جدُّ خطير.
فالواجبُ على المسلم أن يتعلم ما يحفظ به دينه، فإنَّ الكفر يهلك صاحبه، ويوقعه ـ والعياذ بالله ـ في النار خالِدًا فيها أبد الآبدين، فلا نجاة إلا بالعلم والورع.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾
أي: يزعُمون أنهم ما نطقوا بتلك الكلمة، مع أنَّ الله تعالى أثبت عليهم قولَها بقوله ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾. فالحاصل أنَّ ما وقع منهم كان قولًا باللِّسان، لا فعلًا بالجوارح ولا اعتقادًا بالجَنان، ومع ذلك حُكِمَ عليهم بالكفر بقوله تعالى ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِم﴾. فدلَّ ذلك على أنَّ التلفُّظ بكلمة الكفر وحدَه كافٍ في الحُكم بالرِّدَّة، ولا يُشترَط اجتماع القول والفعل والاعتقاد.
وهذا يُبطِل دعوى من زعم: إنَّ من تكلَّم بالكفر لا يُكَفَّر إلا إذا اعتقده بقلبه. فنقول له: لقد استدركتَ على الشرع ما لم يأتِ به نصٌّ، وجعلتَ شروطًا لا أصل لها. إنَّما النصوص صريحةٌ في أنَّ الكلمة الواحدة من الكفر تُخرج قائلها من الإسلام، ولو قال: كنتُ غاضبًا، أو ما قصدت، أو كنت أمزح، أو أردت استفزاز غيري؛ فلا عذر له في ذلك، ومن قال هذا فقد أهلك نفسَه والعياذ بالله.
والكفر ـ كما قرَّره العلماء ـ ثلاثةُ أنواعٍ: قوليٌّ، وفعليٌّ، واعتقاديٌّ:
فالقوليُّ: أن ينطق بكلمة الكفر، كسبِّ الله تعالى أو سبِّ رسولِه ﷺ، أو إنكارِ ما عُلم من الدين بالضرورة.
والفعليُّ: كالدوس على المصحف، أو إلقائِه في مكان مهين، أو السجودِ لغير الله تعالى.
والاعتقاديُّ: كاعتقاد أنَّ القرآن ليس حقًّا، أو التشكيكِ في رسالة النبيِّ ﷺ ونحو ذلك.
ولا يُشترط اجتماع هذه الأنواع للحُكم بالكفر، بل كلُّ واحدٍ منها مستقلٌّ في إخراج فاعله من الإسلام. قال ابن عابدين الحنفي: «فِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ»؛ فمن وطِئ المصحف بقدمه عالمًا أنه كلامُ الله تعالى، فقد ارتكب رِدَّةً بالفعل، ولو لم ينطق بكلمةٍ، لأن فعله دليلٌ قاطعٌ على استخفافه بما يجب تعظيمه.
وقد ضرب العلماء أمثلةً كثيرةً في هذا الباب؛ منها ما نُقِل عن أحد كبار فقهاء الحنفية أنه أُفتيت امرأةٌ قالت لزوجها في خصومة: «أنا أعلم الغيب»، فحُكم بردَّتها؛ لأن ادِّعاء علم الغيب كفرٌ مخرجٌ من الملَّة، فبانت بذلك من زوجها.
وهكذا جاء القرآن الكريم شاهدًا على أنَّ الكفر يكون بالقول، كما في هذه الآية، وبالفعل كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، وبالاعتقاد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكُّوا.
وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «الْمَدَارُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الظَّوَاهِرِ لَا عَلَى الْقَصُودِ وَالنِّيَّاتِ». فنحن مُكلَّفون بالحكم بما ظهر من الأقوال والأفعال، لا بما أُضمِر في القلوب، إلا أن يَرِد وحيٌ يبيِّنه.
ومن تأمَّل حال الجَلَّاس بن سُوَيْد ـ الذي قال كلمة الكفر في رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ـ عَلِمَ أنَّ الحكم بالكفر إنما وقع لما ظهر منه من القول، لا لِما كان يضمِّره في قلبه. فإنَّه لمَّا قال تلك الكلمة الخبيثة وثَبَتَت عليه بنزول الآية، حُكِمَ بكفره، ثم تاب وحسُنَت توبته، فتاب الله عليه، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
فالواجب على المسلم أن يتعلَّم ما يقِيه هذا الخطر العظيم؛ لأنَّ من جهل حدود الشرع وقعَ فيما حرَّم الله وهو لا يشعر. وقد قال القائل:
تَعَلَّمْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوْقِيهِ***فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعْ فِيهِ
فكيف بمن لا يعرف ما يُخرج من الإسلام؟! قد يزلُّ لسانُه بكلمة تهدم ما بنى في عمره كلِّه، فيخسر دينَه ودنياه.
﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾
أي: أظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام، وفي هذه الآية دلالةٌ بيّنةٌ على تلازُمِ الإيمان والإسلام، وأنهما في الحكم الشرعي شيءٌ واحد؛ إذ لو كان بينهما افتراقٌ معتبر، لقال تعالى: وكفروا بعد إيمانهم فقط، لكنه قال هنا ﴿إِسْلَامِهِمْ﴾، وقال في سورة النحل ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾، فاستعمال اللفظين في سياقٍ واحد يدلُّ على أن الإسلام والإيمان متلازمان لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر.
وقد شبَّه العلماء هذا التلازم بتلازم الظهر والبطن: لا وجود لظهرٍ بلا بطن، ولا بطنٍ بلا ظهر. فهكذا الإسلام والإيمان؛ من وُصف بأحدهما وُصف بالآخر. فلا يُقال: «فلان مسلم لكنه غير مؤمن»، ولا: «فلان مؤمن لكنه غير مسلم». هذا قولٌ باطل مخالفٌ للشرع والعقل.
وقد نُقِل عن الإمام أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه أنَّ الإيمان والإسلام متلازمان من حيث المؤدّى الشرعي، وإن اختلفا في أصل الوضع اللغوي، فالإسلام في اللغة هو الانقياد والاستسلام، والإيمان هو التصديق. غير أن الشرع جعلهما في الحكم سواء؛ لأن الإسلامَ انقيادٌ مخصوصٌ لما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والإيمانَ تصديقٌ مخصوصٌ بما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، فاجتمع المعنيان في مُحصِّلةٍ واحدةٍ لا تنفكُّ.
إذًا: اختلافهما لغويٌّ في العبارة، أمّا في الاصطلاح الشرعي، فالمعنى واحدٌ من حيث أصل الدخول في الدين. فمن نطق بالشهادتين معتقدًا مدلولهما، فقد حصل له مسمّى الإسلام والإيمان، لكن بعد ذلك يتفاضل الناس في الإيمان؛ فيزيد بالطاعات والطاعات، وينقص بالمعاصي والسيئات.
وقد قال ابن رسلان الشافعي رحمه الله:
فَكُنْ مِنَ الإيمَانِ فِي مَزِيدِ***وَفِي صَفَاءِ الْقَلْبِ ذَا تَجْدِيدِ
بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالطَّاعَاتِ***وَتَرْكِ مَا لِلنَّفْسِ مِنْ شَهَوَاتِ
فَشَهْوَةُ النَّفْسِ مَعَ الذُّنُوبِ***مُوجِبَتَانِ قَسْوَةَ الْقُلُوبِ
وَإِنَّ أَبْعَدَ قُلُوبِ النَّاسِ***عَنْ رَبِّنَا الرَّحِيمِ قَلْبٌ قَاسِ
وهذا هو مذهب جمهور العلماء من الأشاعرة والشافعية، أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، لكن لا يخرج العاصي من الإيمان بمجرد الذنب، بل يقال: مؤمنٌ ناقصُ الإيمان.
فحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»، ليس معناه أنه يصير كافرًا، بل معناه أنه ليس كامل الإيمان وقتَ وقوعه في تلك المعصية، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ…»؛ المراد: نقص الإيمان لا ذهابه بالكلية.
ومثله حديث: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، فليس المعنى أن من لم يبلغ هذه المرتبة فهو غير مؤمن، وإنما هو مؤمنٌ غير كامل الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾،
أي: قصدوا ما لم يحصل لهم، ومن ذلك ما همَّ به بعض المنافقين من قتلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو قتلِ عامرِ بن قيس رضي الله عنه لمّا ردَّ على الجَلَّاس بن سُوَيْد حين تفوَّه بكلمة الكفر.
فإن عامرًا لم يُدارِ الجلاسَ، ولم يقل له: أنت معذور لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تكلّم في سادتك، بل قالها صريحة: هذا كُفْرٌ. فانتصَر للرسول عليه الصلاة والسلام، بخلاف من يُبرّر اليوم الكفرَ ويبحث عن أعذارٍ لأهله بحجة الغضب أو الظلم أو العادة! والكفر لا يصير حقًّا أبدًا، بل ما خالف الإسلام فهو باطلٌ قطعًا.
وقيل: إن بعض المنافقين أرادوا مبايعة عبد الله بن أبي بن سلول ملكًا عليهم، مع عدم رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، لكن الله خذلهم ولم يُمكِّنهم مما أرادوا.
قِيلَ: هذا مَعنى قَولِهِ تَعالى ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾
أَيْ: إنَّ الْيَهُودَ كانُوا يُهَيِّئُونَ لِهذَا الأَمْرِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدْ هَيَّؤُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لِيَكُونَ مَلِكَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَظَهَرَ أَمْرُهُ، وَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ وَانْتَشَرَ الإِسْلَامُ، أَظْهَرَ ابْنُ أُبَيٍّ الإِسْلَامَ مُجَارَاةً لِلظَّرْفِ، وَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ.
وَمِنْ شِدَّةِ حَقْدِهِ أَنَّهُ قَالَ تِلْكَ الْكَلِمَةَ الْخَبِيثَةَ: «لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ»؛ يُرِيدُ بِالأَعَزِّ نَفْسَهُ، وَبِالأَذَلِّ ـ والعياذُ بالله ـ رَسُولَ اللهِ ﷺ. فَهُوَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ حَالِهِ ـ كَمَا سَيَأْتِي ـ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، إِذْ لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ يُعَيِّنُ كَفْرَهُ، خِلَافًا لِلْجَلَّاسِ بْنِ سُوَيْدٍ، الَّذِي نَزَلَ فِيهِ الْوَحْيُ ثم أَسْلَمَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ.
وَأَمَّا ابْنُ أُبَيٍّ، فَقَدْ شَاءَ اللهُ تَعالى أَنْ يُخْتَمَ لَهُ عَلَى النِّفَاقِ، مَعَ أَنَّ وَلَدَهُ الصَّالِحَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّ أَمْرَ أَبِيهِ خَفِيَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَمَا نَقَمُواْ﴾
أَيْ: مَا أَنْكَرُوا وَمَا عَابُوا
﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ، لَا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ، وَلَا يَنَالُونَ الْغَنَائِمَ، فَأَصَابَهُمْ الْغِنَى بَعْدَ الإِسْلَامِ وَفُتُوحِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قُتِلَ لِلْجَلَّاسِ مَوْلًى، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَتِهِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَاسْتَغْنَى بِهَا، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ وَثَبَتَتْ تَوْبَتُهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي ضَائِقَةٍ شَدِيدَةٍ.
ثُمَّ قَالَ تَعالى:
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾
أَيْ: إِنْ يَتُوبُوا مِنْ نِفَاقِهِمْ بِالدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ صِدْقًا ـ كَمَا فَعَلَ الْجَلَّاسُ بْنُ سُوَيْدٍ ـ يَكُنْ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ. وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ هِيَ أَنْ يَتَشَهَّدَ بِنِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِ: «أَسْتَغْفِرُ اللهَ».
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾
أَيْ: يُصِرُّوا عَلَى النِّفَاقِ
﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ عَلَى نِفَاقِهِمْ، وَفِي الآخِرَةِ ـ والعياذُ بالله ـ بِنَارِ جَهَنَّمَ.
﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾
أَيْ: لَا وَلِيَّ يَتَوَلَّاهُمْ، وَلَا نَصِيرَ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، فَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَفَرَّ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ تَعالى.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ(٧٥)﴾
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾
أي: المالَ الَّذِي يَسْأَلُونَهُ.
﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾
أي: لَنُخْرِجَنَّ الصَّدَقَةَ الواجبةَ والمستحبَّة.
﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
أي: مِمَّنْ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللهِ بِفِعْلِ الطَّاعَاتِ، ومنها إخراجُ الصَّدَقَةِ.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾
أي: لَمَّا أَعْطَاهُمُ اللهُ تَعالى المَالَ، وَنَالُوا مَا تَمَنَّوْهُ.
﴿بَخِلُوا بِهِ﴾
أي: مَنَعُوا حَقَّ اللهِ، لَمْ يُؤَدُّوا فَرْضَ الزَّكَاةِ، وَلَمْ يَفُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ تَعالى فِي أَمْوَالِهِم.
﴿وَتَوَلَّوْا﴾
أَيْ: أَعْرَضُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ.
﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾
مُصِرُّونَ عَلَى الإِعْرَاضِ وَالتَّرَكِ.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ(٧٧)﴾
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾
أي: جَعَلَ عَاقِبَةَ فِعْلِهِمْ نِفَاقًا رَاسِخًا فِي قُلُوبِهِمْ؛ جَزَاءً لِبُخْلِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُنَافِقِينَ، فَزَادَهُمُ اللهُ تَمَكُّنًا فِي النِّفَاقِ بِسَبَبِ هَذَا الْبُخْلِ.
﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾
أي: إِلَى يَوْمِ يُجَازَوْنَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ﴾
أي: بِسَبَبِ تَرْكِهِمْ وَفَاءَ الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاحِ.
﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾
أي: لِكَثْرَةِ كَذِبِهِمْ، فَإِنَّ الْكَذِبَ مِنْ شِيمِ أَهْلِ النِّفَاقِ.
وقد جاء في الحديث الصحيح: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»؛ فإخلافُ الوعدِ ثُلُثُ النفاق؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَعْلَامِهِ.
فائدة نفيسة في بيان أنواع النفاق
النِّفَاقُ عَلَى نَوْعَيْنِ:
١- نِفَاقٌ فِي الاعْتِقَادِ
وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ الإِنْسَانُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنَ الْكُفْرَ، كَحَالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأْسِ الْمُنَافِقِينَ. وَهَذَا النِّفَاقُ مُخْرِجٌ مِنَ الدِّينِ، وَصَاحِبُهُ كَافِرٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
٢- نِفَاقٌ فِي الْعَمَلِ
وَهُوَ أَنْ تَظْهَرَ عَلَى شَخْصٍ خِصَالُ الْمُنَافِقِينَ، مَعَ كَوْنِهِ فِي بَاطِنِهِ مُسْلِمًا، لَا يُبْطِنُ الكُفْرَ، كَمَنْ يَكْذِبُ، أَوْ يَخُونُ، أَوْ يُخْلِفُ الْوَعْدَ. فَهَذِهِ عَلَامَاتُ النِّفَاقِ، وَلَيْسَتْ كُفْرًا بِذَاتِهَا، وَلَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا اسْتَحَلَّهَا.
وعَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، وَنُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْكَفْرِ. فَمَنْ سَبَّ اللهَ، أَوِ اسْتَهْزَأَ بِشَرْعِهِ، أَوْ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَقَدْ كَفَرَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ فِي ذَنْبٍ وَهُوَ مُقِرٌّ بِتَحْرِيمِهِ، فَهُوَ فَاسِقٌ، لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(٧٨)﴾
أي: أَلَمْ يَتَبَيَّنْ لأولئك المنافقين أنَّ اللهَ تَعالى مُطَّلِعٌ على ما أضمرُوه في قلوبهم من النفاق، وما عَزَمُوا عليه من إخلاف الوعد، ويعلم تعالى ما يتسارُّون به في خلواتهم من الطعن في الدِّين، والاستهزاء بأحكامه، وتسميتهم الصَّدقةَ جِزْيَةً، وتواطئهم على منعها؟! فإنَّ اللهَ تعالى لا تخفى عليه خافية، وهو ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(٧٩)﴾
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾
أي يعيبون ويطعنون.
﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾
أي المتبرِّعين بأموالهم في سبيل الله.
فهؤلاء المنافقون – قَبَّحَهُم الله – لا يُنفقون من أموالهم في الخير، ويثبِّطون غيرهم عن ذلك، فإذا رأوا مؤمنًا يتصدَّق، لم يكتفوا بترك الطاعة، بل عابوا أصحاب الفضل وسَعَوْا في تنفير الناس عن البذل في سبيل الله.
وقد ثبت أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حثَّ على الصَّدقة، فجاء عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم، وقال: «كان لي ثمانيةُ آلاف، فأقرضتُ ربِّي أربعةً، وأمسكتُ أربعةً لعيالي»، فنظر إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وقال: «باركَ اللهُ لَكَ فيما أعطيتَ، وفيما أمسكتَ».
فتضاعف مالُه بعد ذلك أضعافًا كثيرة ببركة هذا الإنفاق، حتى إنَّ زوجته تُموضِر رضي الله عنها صُولِحَت على رُبع الثُّمُن بثمانين ألفًا، وهذا من آثار تلك البركة العظيمة. وقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما نَقَصَ مالٌ مِن صدقةٍ».
وتصدَّق عاصمٌ رضي الله عنه بمائةِ وَسْقٍ من التمر، وجاء أبو عقيل بصاعٍ من تمر، وقد بيَّن سببَه فقال: «بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعين، فجئتُ بصاعٍ وتَرَكْتُ صاعًا لعيالي»، أي عمل ليلةً كاملة يسحب الماء من البئر بأجرة صاعين، فجعل أحدهما صدقةً لوجه الله مع فقره وضيق حاله. وهذه الصدقةُ – وإن كانت قليلة في ظاهرها – فهي عند الله عظيمة، إذ جاء في الحديث: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ».
فلمزَ المنافقون عبدَ الرَّحمنِ بنَ عوفٍ وعاصمًا، وقالوا: ما تصدَّقا إلا رياءً، ولما رأوا صاعَ أبي عقيل قالوا: إنَّ الله غنيٌّ عن صاعه! فجمعوا بين الطعن في كثير الصَّدقة وقليلها، وهي شأن أهل النفاق في كل زمان.
ولهذا قال تعالى:
﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾
أي جازاهم على سخريتهم جزاءً يليق بهم، وليس المراد أنَّ اللهَ يوصفُ بالسخرية كما لا يُوصف سبحانه بالمكر والخداع والنسيان، لكنْ يُذكَرُ ذلك على جهة المقابلة والجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ﴾.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
أي مؤلمٌ موجع في الدنيا والآخرة، جزاءَ جرأتهم على أولياءِ الله، واستهزائهم بأهل الطاعة والإيمان.