بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسجِدا ضِرَارا وَكُفرا وَتَفرِيقَۢا بَينَ ٱلمُؤمِنِينَ وَإِرصَادا لِّمَن حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبلُۚ وَلَيَحلِفُنَّ إِن أَرَدنَآ إِلَّا ٱلحُسنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشهَدُ إِنَّهُم لَكَٰذِبُونَ (107) لَا تَقُم فِيهِ أَبَداۚ لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقوَىٰ مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنٍ خَيرٌ أَم مَّن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَواْ رِيبَة فِي قُلُوبِهِم إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) ۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشتَرَىٰ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَۖ وَعدًا عَلَيهِ حَقّا فِي ٱلتَّورَىٰةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلقُرءَانِۚ وَمَن أَوفَىٰ بِعَهدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱستَبشِرُواْ بِبَيعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ (111) ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلعَٰبِدُونَ ٱلحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلأٓمِرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَٱلحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلمُؤمِنِينَ (112) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَستَغفِرُواْ لِلمُشرِكِينَ وَلَو كَانُوٓاْ أُوْلِي قُربَىٰ مِنۢ بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُم أَصحَٰبُ ٱلجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ ٱستِغفَارُ إِبرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنهُۚ إِنَّ إِبرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ (114) وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَومَۢا بَعدَ إِذ هَدَىٰهُم حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِۖ يُحيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ (116) لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلمُهَٰجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلعُسرَةِ مِنۢ بَعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنهُم ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمۚ إِنَّهُۥ بِهِم رَءُوفٞ رَّحِيمٞ (117) وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَت عَلَيهِمُ ٱلأَرضُ بِمَا رَحُبَت وَضَاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (118) يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهلِ ٱلمَدِينَةِ وَمَن حَولَهُم مِّنَ ٱلأَعرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرغَبُواْ بِأَنفُسِهِم عَن نَّفسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم لَا يُصِيبُهُم ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوطِئا يَغِيظُ ٱلكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِن عَدُوّٖ نَّيلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ (120)﴾.
﴿وَالَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١٠٧﴾﴾
بلغت الحالُ بالمنافقين أن شيَّدوا مسجدًا لا يريدون به وجهَ الله، بل اتَّخذوه فِتنةً وإضرارًا بأهل الإيمان، فأظهروا الصلاحَ، وأبطنوا الفسادَ. فقد رُوِيَ أنّ بَني عَمرو بن عوف لمّا بنَوا مسجدَ قُباء، بعثوا إلى رسولِ الله ﷺ يطلبون منه أن يأتيَهم، يتبرَّكون بصلاته فيه، فاستجاب لهم، فصلَّى في مسجدهم.
فحسدهم قومٌ من بني غَنم بن عوف، وقالوا: نبني مسجدًا مثلهم، ونرسل إلى رسول الله ﷺ ليصليَ عندنا أيضًا، فإذا قدِم أبو عامرٍ الراهب من الشام صلّى فيه وكان هذا الراهبُ عدوًّا لله ولرسوله ﷺ، قد قال له يوم أُحُد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلّا قاتلتُك معهم، فلم يزل محاربًا له ﷺ إلى يوم حنين، ثم هرب إلى الشام ومات هناك على الكفر.
فبنَوا مسجدًا قريبًا من مسجد قُباء، وقالوا للنبيّ ﷺ: إنه مسجدٌ لِذِي العِلَّةِ والحاجة، نحب أن تُصلِّيَ لنا فيه. فقال ﷺ: «إنِّي على جَناحِ سَفَرٍ، فإذا رجعنا من تبوك صلّينا فيه إن شاء الله».
فلمّا قفَل النبيُّ ﷺ راجعًا من غزوة تبوك، جاءوه يطلبون منه القدوم إلى مسجدهم، فأنزل الله هذه الآية، ففضح سريرتهم، وأبطل عملهم. فأمر النبيُّ ﷺ وَحْشِيًّا قاتلَ حمزة، ومَعْنَ بنَ عَدِيٍّ وغيرهما، فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجدِ الظالمِ أهلُه فاهدموه وأحرقوه». ففعلوا، ثم أمر ﷺ أن يُجعل مكانه كُناسةً تُلقى فيها الجِيَفُ والقَمامةُ، عقوبةً لهم وفضيحةً لمسعاهم الخبيث. وقد ذكر هذا ابنُ مَرْدُوَيْهِ.
﴿ضِرَارًا﴾:
أي مُضارَّةً لمسجد قُباء، لا طلبًا للخير.
﴿وَكُفْرًا﴾:
لأنهم أرادوا تقويةَ نفاقهم، ولهذا لم يقبل الله منهم بناءه.
﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾:
إذ كان المؤمنون يجتمعون في مسجد قباء، فأرادوا تفريق كلمتهم وشق صفوفهم.
﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾:
إعدادًا ليكون مقرًّا لأبي عامر الراهب، يجتمع فيه المنافقون ويكيدون للدعوة.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا ٱلْحُسْنَىٰ﴾:
أقسموا كذبًا أنّهم ما أرادوا إلّا الخير والصلاة وذكر الله.
﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
شهادةٌ من الله على إفكهم، وأنّ دعواهم باطلة.
وقد قال بعض أهل العلم: كلُّ مسجدٍ بُني رياءً أو سُمْعةً، أو مُباهاةً، أو لغرضٍ دنيويٍّ لا خالصًا لوجه الله، أو بمالٍ خبيث—فهو داخلٌ في معنى مسجد الضِّرار.
﴿لَا تَقُم فِيهِ أَبَداۖ لَّمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقوَىٰ مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلمُطَّهِّرِينَ(١٠٨)﴾
﴿لَمَسجِدٌ﴾ اللامُ لامُ الابتداء، و﴿أُسِّسَ﴾ صفةٌ له، والمقصودُ به مسجدُ قُباء، وهو أوّلُ مسجدٍ أسَّسَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وصلَّى فيه طوالَ الأيّام التي أقامها في قباء. وقد دخلها عليه الصلاةُ والسلام يومَ الاثنين، ومكث فيها: الاثنينَ، والثلاثاءَ، والأربعاءَ، والخميسَ، ثم خرج منها يومَ الجمعة، فأدركته صلاةُ الجمعة في وادي رانوناء، قريبًا من مسجدِ عُتبةَ بنِ مالك، الذي صار بعد ذلك مسجدًا، فصلى فيه الجمعة. وقيل: إنّ المراد بالمسجد هنا مسجدُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمدينة.
﴿أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقوَىٰ مِن أَوَّلِ يَومٍ﴾
أي: مُنذُ وضعِ أساسِه، وذلك دليلٌ على بركتِه وفضلِه.
﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾
أي: أحقُّ بأن تُصلِّيَ فيه. ثم بيّن صفةَ أهلِه فقال:
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلمُطَّهِّرِينَ﴾.
ورُوي أنّه لمّا نزلت هذه الآية، أقبل رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ومعه المهاجرون حتى بلغوا باب مسجد قباء، فإذا الأنصارُ جلوسٌ، فقال لهم: «أَمُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ؟» فسكتوا، فردَّها ثانيةً، فقال عمرُ رضي اللهُ عنه: نحن مؤمنونُ يا رسولَ الله وأنا معهم. فقال عليه الصلاةُ والسلام:
«أَتَرْضَوْنَ بِالقَضَاءِ؟» قالوا: نعم. قال: «أَتَصْبِرُونَ عَلَى البَلَاءِ؟» قالوا: نعم. قال: «أَتَشْكُرُونَ فِي الرَّخَاءِ؟» قالوا: نعم. فقال: «مُؤْمِنُونَ أَنْتُمْ وَرَبِّ الكَعْبَةِ».
ثم جلس بينهم وقال: «يا معشرَ الأنصارِ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون عند الوُضوء وعند الغائط؟»
فقالوا: يا رسولَ الله، نُتبِعُ الغائطَ الأحجارَ الثلاثة، ثم نُتبِعُ الأحجارَ الماءَ. فهم يجمعون بين الاستجمارِ والاستنجاءِ، مع أنَّ الاقتصارَ على أحدهما مجزئٌ، لكنّهم اختاروا الأكمل والأفضل. فحينئذٍ تلا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾.
وقيل: الآيةُ عامّةٌ في كلِّ تطهُّرٍ من النجاسات، وقيل: هي في التطهُّرِ من الذنوبِ بالتوبة. وأمّا محبتُهم للتطهُّرِ فمعناها: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرصَ المُحبِّ على محبوبِه. وفي صحيح مسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ». وأمّا محبةُ اللهِ لهم فهي رضاه عنهم وإحسانُه إليهم كما يفعل المحبُّ بمحبوبه.
﴿أَفَمَن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنٍ خَيرٌ أَم مَّن أَسَّسَ بُنيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَار فَانهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ(١٠٩)﴾
هذه الآية استفهامٌ للتقريرِ والتقريع. ومعناها: أفمَن أسَّس بنيانَ دينه على قاعدةٍ محكمةٍ، وهي تقوى الله وطلبُ رضوانِه، خيرٌ أم من أسَّس بنيانه على قاعدةٍ واهيةٍ؟ وهي النفاقُ والباطلُ، الذي شبَّه اللهُ حالَه بشفا جُرُفٍ هارٍ؛ والجُرُفُ جانبُ الوادي الذي تَحْفِره السيول، فيبقى مُتصدّعًا ووشيكَ الانهيار، والهارُ: الهائرُ المتداعي للسقوط. ما أبلغَ هذا التشبيه، وما أدلَّه على فسادِ الباطل وضعفِه!
﴿فَانهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾
أي: سقطَ به ذلك البنيانُ الباطلُ في نار جهنم؛ لأنّ الأساسَ الفاسدَ لا يُنتج إلا الهلاك. وروي عن جابرٍ رضي الله عنه أنه قال: رأيتُ الدخانَ يخرج من مسجد الضرار حين انهار.
﴿وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾
أي: لا يوفّقهم إلى الخير، عقوبةً لهم على ظلمهم ونفاقهم.
فتأمّل ـ رعاك الله ـ هذه الآيات البيّنات، وانظر كيف يكشف القرآنُ سترَ الباطل، ويُظهرُ حقيقةَ الأساس الذي يُبنى على غير تقوى الله.
﴿لَا يَزَالُ بُنيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَواْ رِيبَة فِي قُلُوبِهِم إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(١١٠)﴾
لا يزال هدمُ ذلك المسجد سببًا لزيادة الشكِّ والنفاق في قلوبهم، إذ غاظهم فعلُ النبيِّ ﷺ حين أمر بإزالته، فعَظُم عليهم ذلك، فاستقرَّت الريبةُ في نفوسهم رسوخًا.
﴿إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُم﴾:
أي لا يزول شكُّهم إلا حين تتقطَّع قلوبهم وتنفصم، فيتركوا ما هم فيه من نفاقٍ وحقد. وقيل: هو تصويرٌ لزوال الريبة بزوال الحياة، أو حقيقةُ ما يجري عليهم من قتْلٍ وعذابٍ في الدنيا والآخرة، وقيل: معناه لا يبرؤون من النفاق إلا بتوبةٍ صادقةٍ تُقطِّع قلوبهم ندمًا على ما كانوا عليه.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾
بأحوالهم،
﴿حَكِيمٌ﴾
في مجازاتهم على جرائمهم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشتَرَىٰ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقتُلُونَ وَيُقتَلُونَۖ وَعدًا عَلَيهِ حَقّا فِي ٱلتَّورَىٰةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلقُرءَانِۚ وَمَن أَوفَىٰ بِعَهدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَاستَبشِرُواْ بِبَيعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ(١١١)﴾
مثَّل الله تعالى إثابتَه المؤمنين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في الجهاد بالبيع والشراء، فهو سبحانه أخبر أن بذلِهم أنفسَهم وأموالَهم في سبيله بالشراء، والمؤمنون البائعون، وثمنُ البيع الجنة. أي ضحّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى، كما لو أنهم باعوا كل ما لديهم لله عز وجل، وواجبهم وأموالهم مبذولة لله في سبيله. وقد جاء التعبير هنا بالشراء ليصور قيمة هذا العمل وعظيم ثمنه عند الله، كما روي عن الحسن: “أنفسًا أي خلقها، وأموالًا أي رزقها”، فكان سبحانه المالك، ثم اشترى ما يملك بثمنٍ كريم. أي أن كل ما يمتلك الإنسان جسده وماله كله مبذول لله في سبيله.
روي عن أعرابي مرّ بالرسول ﷺ وهو يقرأ هذه الآية فقال: “بيعٌ والله مُربِح، لا نُقيه ولا نستقيلُه”، ثم خرج إلى الغزو واستشهد، ففهم أن البذل في سبيل الله كبيع العبد والمال لله مقابل الجنة، فهي أغلى وأثمن تجارة.
﴿بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾:
هذا الثمن العظيم الذي أعطاه الله للمؤمنين هو الجنة، فالله سبحانه وتعالى أقام المقابل لكل مجاهدٍ ومضحٍّ بنفسه وماله في سبيله بالجنة. قال النبي ﷺ: “ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة”.
﴿يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾:
بيان محلّ التسليم، أي أن بذل النفس والمال يكون في طريق الجهاد في سبيل الله، فالمراد أن المؤمنين جاهدوا أنفسهم وأموالهم لتحقيق أمر الله وإعلاء كلمته.
﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾:
أي أن المؤمنين يقتل بعضهم العدو، ويُقتل بعضهم على يد العدو.
﴿وَعَدًا عَلَيْهِ﴾:
أي وعد الله لهم بذلك، وهو وعد مضمون وثابت لا يتبدل.
﴿حَقًّا﴾:
تأكيد أن الوعد ثابت ومستمر، فلا محالة فيه، فالله سبحانه لا يخلف وعده.
﴿فِي ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ﴾:
أي أن هذا الوعد بالجزاء والمكافأة موجود في كل الكتب السماوية السابقة، فالقتال في سبيل الله والوفاء بالتضحيات مأمور به منذ عهد التوراة والإنجيل، وليس مقتصرًا على القرآن فقط.
﴿وَمَن أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِ﴾:
أي أن من يفي بوعده في سبيل الله من عباده المؤمنين فإن الله لن يخلف له وعده أبدًا، فالوفاء مضمون وثابت، والله أكرم من أن يخلف وعده. أي لا أحدَ يَزيدُ على الله تعالى في الوفاءِ بالعهد، فهو سبحانه أصدقُ القائلين، وأوفى الواعدين. وإخلافُ الوعدِ من صفاتِ النقائص، فلا يليقُ بالكريم من البشر، فكيف بأكرمِ الأكرمين جلَّ وعلا؟!
وهذا الوعدُ من الله ليس واجبًا على الله تعالى من جهة العقل، إذ لا يجب على الله شيءٌ أصلًا، لا ثوابُ الطائعين ولا عقابُ العاصين، لكنه سبحانه إذا وعد، صار الخلفُ في وعده محالًا من جهة الصدق والكمال، إذ لا يتصورُ أن يخلف الله ما وعد به، لأنه تعالى منزَّهٌ عن النقائص والعيوب.
وفي هذا دليلٌ على كمالِ رحمةِ الله تعالى بعباده، وأنه إذا ندبهم إلى الجهاد، وضمن لهم الجنةَ، فإن وعده حقٌّ لا يتخلف. ولا ترى في كتاب الله ترغيبًا في الجهاد أعظمَ وأبلغَ من هذا الموضع؛ إذ جعل اللهُ دماءَ المؤمنين وأموالهم ثمَنًا لجنته، فكان البيعُ رابحًا، والعِوَضُ كريمًا.
﴿فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُم بِهِۦ﴾:
أي: افرحوا بهذا البيع العظيم، فهذا البيع الذي بايعتم فيه أنفسكم وأموالكم بالجنة هو الفوز الأعظم. فالمجاهد في سبيل الله يبيع الزائل (جسده وماله) بالثابت (الجنة) فلا شيء أعظم من ذلك.
﴿وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾:
الفوز الأعظم الذي يحصل عليه المؤمن في هذه التجارة هو الفوز بالجنة، كما قال الصادق ﷺ: “ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها”. أي أن كل ما يبذله الإنسان في سبيل الله من مال وجسد يكون مقابل الأجر الأعظم، وهو الجنة، فلا يُقارن بما سواها.
﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدُونَ ٱلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾
ذكرَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة:
﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾
أنَّ في الشرائع ثلاثين سهمًا — أي ثلاثين خصلةً من خصال الدين — عشرٌ منها ذُكرت هنا في سورة التوبة في هذه الآية العظيمة.
وقد تقدَّم معنا أن قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُۥ﴾ معناه أن الله سبحانه اختبر إبراهيم عليه السلام بأوامر ونواهٍ، فقام بها على التمام، ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي أدّى جميعَ ما أمره الله به واجتنب ما نهاه عنه، فاستحق الإمامة في الدين.
وقيل في قوله: ثلاثون سهمًا في الشرائع، أي ثلاثون أمرًا مما يتقرب به إلى الله تعالى، وهذه التي في سورة التوبة من جملتها، وقد جمعها الله في هذه الآية الجامعة لأوصاف أهل الإيمان الكامل، من:
- التوبة الصادقة،
- العبادة الدائمة،
- الحمد لله على نعمه،
- السياحة أي الصوم على أحد التفسيرات،
- الركوع والسجود،
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
- حفظ حدود الله بعدم تعديها ولا التقصير فيها.
فهذه الصفاتُ دلائلُ الإيمان الحق، ومن تحقَّق بها كان من أهل البشارة التي ختمت بها الآية الكريمة، إذ قال ربنا جلَّ وعلا: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي بشِّرهم بما أعده الله لهم من الكرامة والنوال والفوز في الدنيا والآخرة.
﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾
أيُ المؤمنون المذكورون آنفًا، فهم التائبون حقيقةً من الذنوب، الراجعون عمَّا يسخط الله تعالى، المنقطعون إليه بكليّتهم.
﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾
أي الذين أفردوا الله تعالى بالعبادة، وأخلصوا له الطاعة، لا يشركون به شيئًا. وما بعد هذا اللفظ من الأوصاف خبرٌ بعد خبر، كأنه يقول: هم التائبون الجامعون لهذه الخصال الكريمة. وقال الحسن: هم الذين تابوا من الشرك، وتبرّؤوا من النفاق بالإسلام.
﴿ٱلْحَامِدُونَ﴾
على نعمة الإسلام خاصةً، فإنها أجلُّ النعم وأعظمها، فمن رُزق الإسلام ثم مات عليه، فقد فاز فوزًا لا يدانيه فوز؛ لذا قيل: مُتْ مُسلمًا ولا تُبالِ.
﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾
فُسِّروا بالصائمين، لقوله عليه الصلاة والسلام: «سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصِّيَامُ». هكذا رواه الإمام النسفي. ثم قال شيخنا رحمه الله: إنَّ الطبري رواه عن عائشة موقوفًا: سياحةُ أُمَّة محمد الصيام أو طلبة العلم. فالسائحون على التفسير الأول: الصائمون، وقد دخلنا فيهم إن شاء الله. فليس المقصود بالسياحة هنا ما يتعارفه الناس من السفر للنزهة، بل الصيام الذي يورث السكينة والطمأنينة، ويجلب لذة العبادة، إذ للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه.
وعلى التفسير الثاني: السائحون طلبةُ العلم، لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه في مظانِّه. فإن كان هذا شأن الطالب، فكيف بمن يسيح في الأرض ليعلِّم؟ فهو أولى بهذا الوصف.
والتفسير الثالث: السائرون في الأرض للاعتبار والاتعاظ بآيات الله.
﴿ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدُونَ﴾
أي المحافظون على الصلاة بأركانها وخشوعها، الجامعون بين الركوع والسجود، إذ هما أعظم أركان الصلاة البدنية.
﴿ٱلْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾
وهو الإيمان والطاعة والخير كله.
﴿وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾
وهو الشرك والمعاصي وما نهى الله عنه. ودخول الواو هنا في ﴿وَٱلنَّاهُونَ﴾ لإفادة تمام عقد الصفات قبلها، أو لما بين الأمر والنهي من تضاد، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾
أي أوامره ونواهيه وشرائعه ومعالم دينه، لا يضيّعون منها شيئًا ولا يتجاوزون حدوده.
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
أي بشِّر المتصفين بهذه الصفات الجليلة بالفلاح والفوز العظيم في الدنيا والآخرة، فهؤلاء هم المؤمنون حقًّا، الذين كمّلوا أنفسهم بالتوبة والعبادة والحمد، وعمّروا مجتمعهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحفظوا حدود الله فلم يفرّطوا فيها.
فهذه الصفات عقدٌ كريم اجتمعت فيه أركان الإيمان والسلوك والعمل، فمن تحقق بها نال البشارة التي لا بشارة بعدها.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾
أي: لا يَصِحُّ لِلنَّبِيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم ولا لِلمُؤمِنينَ أن يطلُبوا المَغفِرَةَ لِمَن ماتَ على الشِّرك، ولو كان هذا الميتُ قَريبًا لهم في النَّسَب، وذلك بعد أن تبيَّن لهم يقينًا أنَّه خُتِمَ له بالكفر، وصارَ من أهل النار.
نبيُّنا محمّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم، قد اسْتَغفَرَ لعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ – رأسِ المُنافِقين – عند موته، ظانًّا أنَّه قد تابَ ودخل في الإسلام وصَدَقَ في إظهارِه، فصَلَّى عليه واستغفَرَ له، إذ لم يكن قد عُلِمَ له نفاقٌ مُحَقَّقٌ. ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ تعالى بوَحْيٍ نازِلٍ أنَّه مات مُنافِقًا لا إيمانَ له، فامتنع النبيُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم بعد ذلك عمَّا كان قد فعله.
ومِن هذا الدليل القاطع، تُفْهَمُ قاعِدَةٌ عظيمة: لا يَجوزُ أن يُترحَّمَ أو يُستغفَرَ لِمَن عُلِمَ أنَّه مات على الكفر. فإن قال قائل: أنا لا أعلم ما في قلوب الناس، قيل له: الأحكام الشرعيّةُ مبنيَّةٌ على الظواهر، وأما السَّرائر فإلى اللهِ وحدَه، كما قال أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطَّاب رضي اللهُ عنه كلمةً جامعةً مانعةً:
“إنَّ أُناسًا كانوا يُؤخَذون بالوحي في زمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنَّ الوحيَ قد انقطع، فمَن أظهَرَ لنا خيرًا أمَّنَّاه وصدَّقناه وقَرَّبناه، ومَن أظهَرَ غيرَ ذلك لم نُؤمِنْه ولم نُصَدِّقْه ولم نُقَرِّبْه، وإن قالَ إنَّ سريرَتَه حسنة” رواه البخاري.
فإذا مات إنسانٌ وقد ثَبَتَ ظاهرُه على الكُفر، كأن يكون قد أعلَنَ عداءَهُ للدِّين، أو مات على مِلَّةٍ غير الإسلام، فليس للمسلم أن يترحَّمَ عليه، ولا أن يطلُبَ له المغفرة، ولا أن يُصلِّي عليه، امتثالًا لأمر الله تعالى الواضح في قوله الكريم:﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ…﴾. فهذه الآية أصلٌ فِقهيٌّ مُحْكَم، وقاعدةٌ إيمانيّةٌ واضحةٌ لا تقبل التردّد.
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾:
أي: لم يكن استغفارُ خليلِ الرحمن إبراهيمَ عليهِ السَّلام لوالده آزر استغفارًا مطلقًا لمن مات على الكفر، ولا طلبًا لِمَغْفِرَةِ كافرٍ باقٍ على شركه، وإنما كان استغفاره مبنيًّا على «موعِدَةٍ» سابقةٍ وعدَهَا أباهُ أو وعدَهُ هو أباهُ بها، وهي أن يؤمن بالله ويترك عبادة الأوثان، أو فُسِّرت بأن إبراهيمَ وعدَ أباه أن يسألَ الله تعالى أن يهديه للإسلام، فيكون معنى الاستغفار: سؤالُ الهداية للإيمان، لا طلبُ غفرانٍ لشركٍ مقيمٍ عليه.
فإبراهيمُ عليهِ السَّلام كان يرجو أن يهتدي أبوه، وكان ذلك قبل أن يُعلِمَه الله تعالى بمآل أبيه، فلَمَّا أوحى اللهُ إليه أن أباه سيموت على الكفر، وأنه «عَدُوٌّ لِلَّهِ» انقطع الرجاء، فترك الاستغفار وتبرَّأ منه، إذ لا ولاء بين موحِّدٍ ومشركٍ مات على الشرك، ولا دعاءَ بالرحمة لمن ختمت له السوء.
وهذا نظير ما وقع لنبينا محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم، إذ كان يستغفرُ للمنافقين في أول الأمر امتثالًا لقوله تعالى:
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
ثم نزل الحظر النهائي:
﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾،
فعندها امتنع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الاستغفار لمن تبيَّن بالنصّ أنه منافقٌ يُباطِنُ الكفر ويموت عليه.
فكذلك إبراهيمُ عليهِ السَّلام: لم يكن قد عَلِمَ أوَّلًا بحال أبيه، فلما جاءه الوحي وقُطِعَ أمله في إسلامه، تبرَّأ منه وترك الاستغفار، وهذا من كمال امتثال الأنبياء لأمر الله وانقيادهم للشرع لا للعاطفة.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾
الأوَّاهُ: الكثير التأوُّهِ والتضرُّع، الرقيقُ القلب، كثيرُ الرحمة والدعاء، شديدُ الرِّقَّة على الخلق، يتألمُ لِضلالهم ويتمنّى لهم الهُدى.
حليمٌ: أي صبورٌ على الأذى، واسعُ الصدر، لا يعجل بالعقوبة مع قدرته عليها، ومن ذلك أنه كان يلينُ القول لأبيه رغم قوله له: ﴿لَئِن لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، فكان إبراهيمُ يشفق عليه ويستغفر له رجاءَ إسلامه، حتى نهاه الله.
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾:
أي أنّ الله سبحانه وتعالى لا يضلّ قومًا بعد أن هدّاهم بالحق، بمعنى أنّه إذا أراد لهم الهداية سيبين لهم أسبابها، ولن يضلّهم إلا بعد أن يعلموا الحق ويفهموه ولم يلتزموا به.
﴿حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾:
أي يُوضح لهم ما يجب عليهم من الواجبات وما ينبغي اجتنابه، فتقوم الحجة عليهم بعد التبليغ والبيان.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾:
أي الله عليم بخفايا الأمور وما في قلوب الخلق، يعلم من سيهتدي ومن سيضلّ، وعلمه مسبق لا يمنع من إرسال الرسل لتبيين الحق، كما حدث مع فرعون رغم علم الله بأنه سيموت كافرًا، ليقوم بيان الحجة على الخلق.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِير (١١٦)﴾
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾:
الله تعالى مالك السماوات والأرض، خلقهما وأدار أمرهما، وهو المالك الحقيقي لكل ما فيهما، ومن أيده ومولاه فعلاً هو الله وحده.
﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾:
أي أنّه سبحانه وتعالى هو الموجد للحياة والمميت، ويصرف الخلق كما يشاء بمشيئته الحكيمة.
﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِير﴾:
أي أنّ من لا يؤمن بالله، أو يتخذ من دون الله وليًّا أو نصيرًا، فلا سند له ولا نصير، فالله وحده هو المولى الناصر لكل مؤمن، وهو من يُهيئ أسباب النصر والفرج، ويجب على المؤمن التوكل عليه وحده.
﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلْأَنْصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُۥ بِهِم رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١١٧)﴾
﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلْأَنْصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾:
في هذه الآيةِ الكريمةِ تنبيهٌ عظيمٌ على حاجة المؤمن إلى التوبة مهما علا قدره وارتفع شأنه، حتى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، إذ أخبر الله تعالى أنه تاب عليه وعلى أصحابه المهاجرين والأنصار الذين ثبتوا معه في أشدّ المواقف وأضيق الأحوال.
﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾
أي في غزوة تبوك، وسُمِّيَت ساعةَ العُسرة لشدة ما لاقوه فيها من ضيق الحال وقسوة الظروف، فقد خرجوا في قيظ الصيف بلا استعدادٍ كافٍ، والزمانُ زمنُ جدبٍ وقحط.
ومن مظاهر تلك العُسرة:
- قلّةُ الدواب حتى كان العشرة يعتقبون بعيرًا واحدًا في الطريق الطويل.
- قلّةُ الطعام حتى أكلوا التمرَ المُدَوَّدَ، وهو ما يرى الناس اليوم الامتناع عنه، وكذلك الشعير المسوَّس والإهالةَ الزَّنِخَة، أي الدهن المتغيّر الرائحة.
- واشتدَّ الجوع بهم حتى كان الرجلان يقتسمان التمرة، أو يمصّها عدة رجال ثم يشربون عليها الماء اكتفاءً بنكهتها.
- وبلغ بهم العطش حدًّا جعلهم ينحرون الإبل ليستخرجوا ما في كروشها من ماء فيشربونه.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾
أي كاد بعضُهم تميلُ قلوبُه عن الثبات، لا عن الدين أصلًا، وإنما عن متابعة الرسول في تلك الشدة، لِما نزل بهم من مكارهٍ تُضْعِفُ العزائم.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾
إعادةُ ذكر التوبة توكيدٌ لرحمة الله بهم، وتقويةٌ لِقُلوب المؤمنين بأن باب الإنابة مفتوح، وأن الله يقبل عباده مهما وقع منهم من فتورٍ أو ضعفٍ ما داموا يرجعون إليه.
﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
جمع الله لهم بين الرأفة والرحمة، والرأفةُ أبلغُ من الرحمة؛ لأنها رحمةٌ مع رقةٍ وعنايةٍ خاصة، فكان في الآية بيانُ فضلِ هؤلاء الصحابة وجلالُ مكانتهم، إذ نزل فيهم ثناءٌ يتلى إلى يوم الدين.
فسبحان من شرَّفهم بالصُّحبة، واختبرهم بالعسرة، ثم أظهر فضلهم بالتوبة والثناء، وجعل ذكرهم نورًا في كتابه الكريم.
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (١١٨)﴾
﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾:
بعد أن ذكر اللهُ تعالى توبتَه على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وعلى المهاجرين والأنصار، عطف عليها ذكرَ ثلاثةٍ من خيرة الصحابة الذين تأخرت التوبةُ في حقهم إظهارًا لرفعة شأنهم، وليُعلَم أن تأخير القبول لا يعني الحرمان، بل قد يكون في ذلك رفعةٌ وابتلاءٌ وتمحيص.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾
ليس المراد أنهم خُلِّفوا عن غزوة تبوك ابتداءً، بل إنهم أُرجئ أمرهم ولم يُقضَ في شأنهم حتى نزل القرآن بقبول توبتهم، وهم:
كعبُ بنُ مالكٍ، ومرارةُ بنُ الرَّبيع، وهلالُ بنُ أميَّة رضي الله عنهم.
﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
أي مع سَعَة الأرض، إلا أنّها ضاقت في أعينهم، مثَلًا لشدة الحيرة والقلق، حتى خُيِّل إليهم أنهم لا يجدون موضعًا يطمئنون فيه.
وذلك أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر الناس أن يهجروهم، فلا يُكلِّمهم أحد، ولا يخالطون زوجاتهم، فأصابهم من الوحشة ما لا يُطاق، واستمرت هذه المحنة خمسين ليلة.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾
أي ضاقت صدورُهم، وتعاظمت كآبتهم، حتى لم يجدوا ما يشرح صدورهم أو يدخل عليهم سرورًا، فصاروا في ضيقٍ شديدٍ لا يفارقهم ليلًا ولا نهارًا.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾
تيقَّنوا أن لا مهرب لهم من سخط الله إلا بالرجوع إليه، فاستسلموا لمراد الله، وأظهروا من الصدق والندم ما لا مزيد عليه، وامتلأت قلوبهم خوفًا وخشية.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾
أي قبل توبتهم بعد خمسين يومًا من البلاء العظيم، ليزدادوا يقينًا، ويظهر فضلهم على رؤوس الأشهاد.
﴿لِيَتُوبُوا﴾
أي وفَّقهم للتوبة أو رجعوا إلى حال التائبين الصادقين، فصاروا من أهل الاصطفاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
رُوي عن أبي بكر الورّاق رحمه الله قوله: التوبةُ النَّصوحُ أن تضيق على التائب الأرضُ بما رحبت، وتضيق عليه نفسُه، كما ضاقت على هؤلاء الثلاثة، ندمًا على ما كان منه حتى لا يعود إلى الذنب بعد ذلك.
وهذا من أدقّ ما قيل في علامات التوبة الصادقة؛ إذ لا تزال النفس قلقةً خَجِلةً خائفةً حتى يطمئنَّ العبد إلى قبول الله تعالى له، فيتحوّل الخوفُ إلى أُنس، والوحشةُ إلى سكينة، والضيقُ إلى رحمة.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ (١١٩)﴾
أي الزموا التقوى، واثبتوا مع أهل الصدق في إيمانهم دون المنافقين. والمعنى كونوا مع الصادقين في إيمانهم لا مع المنافقين، أو مع الذين لم يتخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو مع الذين صدقوا في دين الله نِيَّةً وقولًا وعملًا؛ فهؤلاء هم الصادقون حقًّا.
والآية تدلُّ على أنَّ الإجماعَ حجَّةٌ؛ لأنه سبحانه أمر بالكون مع الصادقين، فَلَزِمَ قبولُ قولهم، وإذا كان أمرُه بالكون معهم حقًّا، كان اجتماعهم حُجَّةً قاطعة. ومن هنا كان إجماعُ الأمة ـ أي إجماعُ المجتهدين من أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم ـ حجَّةً شرعيَّةً قطعية؛ لأن الله لا يجمع أمَّته على ضلالة. فعندما نقول: أجمعتِ الأمةُ على جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعلى جواز التبرك به، وعلى استحباب زيارة قبره الشريف، وعلى استحباب قراءة القرآن على الميت، فهي أمورٌ مقطوعٌ بثبوتها بالإجماع، وهو حجَّةٌ في دين الله عز وجل.
﴿مَا كَانَ لِأَهلِ ٱلمَدِينَةِ وَمَن حَولَهُم مِّنَ ٱلأَعرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرغَبُواْ بِأَنفُسِهِم عَن نَّفسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم لَا يُصِيبُهُم ظَمَأ وَلَا نَصَب وَلَا مَخمَصَة فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوطِئًا يَغِيظُ ٱلكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِن عَدُوّ نَّيلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَٰلِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ(120)﴾
أي ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخرج للجهاد، والمراد بالنفي هنا النهيُ والوعيد. وذِكرُهم لشرف منزلتهم وقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لا يخفى عليهم خروجه.
﴿وَلَا يَرغَبُواْ بِأَنفُسِهِم عَن نَّفسِهِۦ﴾
أي لا يختاروا لأنفسهم البقاء في الراحة، ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده في الشدة؛ فهو أولى بهم من أنفسهم، كما قال بعض رؤوس الأنصار يوم أُحُد: «إن كان رسول الله قد مات فماذا تصنعون بالحياة بعده؟». فالمؤمنون مأمورون بأن يحملوا أنفسهم على ما يحمل عليه رسولُ الله نفسَه، فلا يُفدى بالنفس إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم بيَّن سبحانه أن كل ما يصيبهم في سبيل الله مكتوب لهم به أجرٌ عظيم:
﴿لَا يُصِيبُهُم ظَمَأ﴾
أي عطش
﴿وَلَا نَصَب﴾
أي تعب
﴿وَلَا مَخمَصَة﴾
أي مجاعة
﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾
أي في الجهاد
﴿وَلَا يَطَـُٔونَ مَوطِئًا يَغِيظُ ٱلكُفَّارَ ﴾
ولا يطأون أرضًا من أرض العدو، ولا يوقعون بالكفار ما يغيظهم من قتلٍ أو جرحٍ أو أسرٍ أو هزيمةٍ
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌ صَٰلِحٌ﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لكلِّ رَوعَةٍ سبعون ألف حسنة، أي لكل خوفٍ يعتري المجاهد في سبيل الله سبعون ألف حسنة.
وفي هذا دليلٌ على أن كل قصد خير في سبيل الله يُكتب للعبد أجرُه، قيامًا كان أو مشيًا أو كلامًا أو جهادًا أو سفرًا، وأن المدد الذي يلتحق بالجيش بعد انتهاء القتال يكون له سهمٌ من الغنائم؛ لأن وطأهم ديارَ العدو ممّا يغيظهم، وقد أَسهَمَ النبي صلى الله عليه وسلم لابنَي عامر، وقدما بعد انقضاء الحرب.
ثم ختم الآية بقوله جلَّ جلاله:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ ٱلمُحسِنِينَ﴾
أي لا يضيع ثوابَ من أحسن عملًا، ولا يبخسهم شيئًا من أجرهم.