بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (94) سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ (95) يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ (96) ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (97) وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ (98) وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (99) وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (100) وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ (101) وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ (102) خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ (104) وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (105) وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (106)﴾.
﴿يَعتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(٩٤)﴾
﴿يَعتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾:
يُقِيمونَ لِأَنفُسِهِم أَعذارًا باطِلَةً.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِم﴾:
أي إذا عاد المؤمنون مِن تِلكَ الغَزوة، فإنَّ المنافِقين الذين تخلَّفوا عن رسولِ الله ﷺ كانوا يُهَيِّئون الأباطيلَ يَتَذرَّعونَ بها.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾:
لا تُقيموا أعذارًا باطلة.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾:
أي لَنْ نُصَدِّقَكم، وهو تعليلٌ لِلنهيِّ عن الاعتذار؛ لأنَّ غايةَ المعتذِرِ أن يُقبَل عُذره.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾:
بيانٌ لِسَبَبِ عَدَمِ تَصديقِهم؛ فقد أَوحى اللهُ تعالى إلى رسولِه ﷺ بحقيقةِ أمورِهم وما يُخفونه في ضمائرهم، فكيف يُصدَّقون بعد ذلك؟!
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾:
أي هل تُنيبون وتَتوبون وتَرجعون عن نِفاقِكم إلى الإسلام؟ فاللهُ عالِمٌ بخَفِيِّ ما تُكنُّه الصدور، عليمٌ بما في قلوب المنافقين من الكفر والنفاق، يعلم ما قدَّموا من أذًى لرسولِ الله ﷺ، هل سيرجعون أم سيبقون على كفرهم؟
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾:
تَرجِعون إلى مَن لا يخفى عليه شيء، يعلم السِّرَّ والعلانية، ما أخطأتم وما تعمَّدتم، ما أظهرتم وما أخفيتم، عَلَّامُ الغُيوب يعلم ما قدَّم العباد في أيامهم ولياليهم، يعلم أحوالهم في رمضان وغيره.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
أي يُجازيكم على حسب أعمالكم.
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(٩٥)﴾
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾:
أي يقسمون بالله كي تَدَعُوهم وشأنهم، فلا تُعاتِبوهم ولا تُؤاخِذوهم.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾:
أَجيبوهم إلى ما يَبغون، ودَعُوا مُعاتَبَتَهم؛ لأنَّ معاتبتَهم لا تنفع.
﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾:
بيانُ علَّةِ الإعراضِ عنهم؛ لأنهم أصحابُ قلوبٍ خبيثة، لا يُنتَفَعُ معهم بالتذكير ولا يُؤثِّر فيهم الأمرُ بالمعروف، وقد أرشد النبي ﷺ إلى ترك مخاطبةِ مَن لا ينفع معه الكلام، فقال: «فعليك نفسَك ودَعْ أمرَ العوامّ».
وقد قال معروفٌ الكَرخيُّ رحمه الله: «إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا فَتَحَ عليه بابَ العملِ وأغلقَ عليه بابَ الجَدَلِ، وإذا أراد به شرًّا فَتَحَ عليه بابَ الجَدَلِ وأغلقَ عليه بابَ العمل»؛ فالعَلامةُ ظاهرة: مَن وُفِّق لِلعملِ الصالحِ ولم يُكثِر مِن المراءِ فهو الموفَّق، وأمَّا مَن قلَّ عملُه وكثُر جِدالُه فذاك مَخذول.
لاحظوا ـ رحمكم الله ـ أنّ القرآنَ قال في المشركين: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وقال هنا في المنافقين: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾. هذا حُكمُ الله تعالى، فكيف يُقال عن هؤلاء وأمثالهم: خيرٌ وبركة؟ ويدخل في ذلك عابدُ الشمس أو البقرة أو العجل فهذه أفعالٌ جاهليةٌ، والقرآنُ وصف أهلَها بما وصف، فلا يُجمَّلون بعباراتٍ لا أصلَ لها.
﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾:
أي مصيرُهم إلى النار، وهي كافيةٌ في توبيخهم؛ فلا حاجةَ بعدَ ذلك لمعاتبتهم، فعذابُ الدنيا مهما اشتدّ لا يُقارنُ بعذاب جهنم، فالمحبوسُ في بيته في الدنيا يأكل ويشرب وينام مع أهله، أما المحبوس في النار ـ والعياذ بالله ـ فهو مع الشياطين وأئمة الكفر كأبي جهل وأبي لهب، لا راحةَ ولا قرار.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
أي يُجزَون جزاءَ أعمالهم.
﴿يَحلِفُونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم فَإِن تَرضَوا عَنهُم فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرضَىٰ عَنِ ٱلقَومِ ٱلفَٰسِقِينَ(٩٦)﴾
أي إنَّ غايَتَهُم من الحلفِ بالله أن يَستجلِبُوا رِضاكم؛ لِيَنتفِعوا بذلك في مصالحِ دنياهم.
﴿فَإِن تَرضَوا عَنهُم فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرضَىٰ عَنِ ٱلقَومِ ٱلفَٰسِقِينَ﴾
أي إنَّ رِضاكم عنهم ـ لو وقع ـ لا ينفعهم شيئًا؛ لأنَّ رضا الله تعالى لا يكون للكافرين، وإنما يرضى سبحانه عن عباده الصالحين، كما قال جلَّ شأنه: ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ﴾. فمجرّدُ رضا بعضِ المؤمنين بهم ـ لخفاءِ حالِهم عليهم ـ لا يقتضي رضا الله، إذ إنَّ الله تعالى قد اطَّلع على بواطنهم، وعلم كُفرَهم ونفاقَهم، فلا ينفعهم رضا أحدٍ إذا كان الله عليهم ساخطًا، وهم متعرِّضون لعاجل عقوبته وآجلها.
﴿ٱلأَعرَابُ أَشَدُّ كُفرًا وَنِفَاقًا وَأَجدَرُ أَلَّا يَعلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾
﴿ٱلأَعرَابُ﴾
هم أهلُ البَوادي.
﴿أَشَدُّ كُفرًا وَنِفَاقًا﴾
من أهل الحَضَر، لما يغلب عليهم من الجفاءِ والقسوةِ، ولِبُعدهم عن مواطن العلم وأهلِه؛ إذ كانوا بعيدين عن مدينةِ النبيّ ﷺ، فَخَلَت بِيئاتُهم من العلماء. فالأرضُ التي لا يُذكَر فيها العلم كالقبر، والبيوتُ التي لا تُقام فيها مجالسُ العلم الشرعي مجالسُ السُّنَّة والجماعة كأنها قبور، فلا تجعلوا بيوتكم قبورًا.
﴿وَأَجدَرُ أَلَّا يَعلَمُوا﴾
أي أَولى وأحقُّ بأن يجهلوا
﴿حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾
من الشرائع والأحكام.
وهذا تعليلٌ بديعٌ يُظهِر خطرَ الإعراض عن تعلُّم علمِ الدِّين؛ فمَن لم يتفقَّه في دينه لم يكن حالُه محمودًا. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إنَّ الجفاءَ والقسوةَ في الفَدَّادين»، أي في أهل الصياح في المزارع والماشية. وليس الذمُّ لمطلق العمل في الزراعة والرعي، فالأمّة تحتاجهما، بل الذمُّ لمن جعل همَّه منحصرًا في الدنيا، وأعرض عن علم الدين.
كان الناس ـ في بعض العصور الماضية ـ يعملون في مزارعهم من الفجر إلى العصر، ثم يرجعون بعد المغرب إلى المساجد يتلقّون العلم، فيصير أحدهم فقيهًا في اثنتي عشرة سنة، لم تمنعهم أعمالُهم الدنيوية من طلب العلم. فالمذموم هو الانصراف إلى الدنيا مع ترك علم الآخرة.
ولذلك قال ﷺ: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين». فعلى من لم يتعلّم ما افترضه الله عليه أن يبادر الآن، يطلب العلم، ويبحث عمّن يعلمه لوجه الله، ومن كان قد تعلّم فليُراجِع وليُتقِن؛ فحياةُ قلوبِنا بعلم الدين، وعلم الدين هو حياة الإسلام.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾
بأحوالهم
﴿حَكِيمٌ﴾
في إمهالهم وعدم تعجيل العقوبة لهم.
﴿وَمِنَ ٱلأَعرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَۚ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾
مِنَ الأعرابِ طائفةٌ تجعلُ ما تُخرِجُه من النفقةِ ــ زكاةً أو صدقةً ــ غُرْمًا وخُسرانًا، لا يرجون بما يُنفِقون ثوابًا، ولا يبتغون به وجهَ الله تعالى، وإنّما يُؤدُّونَه مُجاملةً للمسلمين واتقاءً لِمُؤاخَذَتِهم. وهذه مِن علاماتِ الساعة؛ إذ يصبحُ بعضُ الناس يرى الزكاةَ نقصًا في المال، مع أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما نَقَصَ مالٌ مِن صدقةٍ»، وقال: «أَنْفِقْ يا ابنَ آدمَ يُنْفَقْ عليكَ».
ثمّ إنَّ هؤلاء لا يكتفون بسوءِ النيّة، بل ينتظرون تقلُّبَ الدهر، مترقّبين زوالَ شوكةِ المسلمين، راغبين في أن تدور الدوائرُ على أهل الإيمان.
فردَّ اللهُ عليهم بقوله:
﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾
أي أنّ المصائبَ والحوادثَ والرزايا سترجعُ عليهم أنفسِهم، وكلُّ فتنةٍ يُوقِدون نارَها ستلتهمُهم، وما يظنّونه هلاكًا للمؤمنين سيكون هلاكًا لهم.
﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾
لأقوالهم،
﴿عَلِيمٌ﴾
بنيّاتهم الخبيثة.
﴿وَمِنَ ٱلأَعرَابِ مَن يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَٱليَوْمِ ٱلْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْۚ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٩٩)﴾
وعلى الضدِّ من تلك الطائفة، يوجد قومٌ من الأعرابِ آمنوا بالله واليومِ الآخر حقًّا، وجعلوا ما يُنفِقون في سبيل الله قُرُباتٍ يتوسّلون بها إلى نيلِ رضاه عزّ وجلّ، ويطيبون نفوسًا بدعاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لهم، فإنّه كان يدعو للمتصدّقين بالبركةِ والإحسان، كما قال: «اللَّهُمَّ صَلِّ على آلِ أبي أَوْفَى».
فقوله تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾
إثباتٌ من الله جازمٌ بأنَّ نفقتَهم مقبولةٌ عند الله، وأنّ ما يرجونه من الثوابِ حقٌّ لا مريةَ فيه. ومن الآدابِ المستحبّة عند إخراج الزكاة أو الصدقة أو النذر أو الكفارة أن يقول المُتصدِّق:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ اقتداءً إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام.
أمّا الآخِذُ للزكاة، سواء كان فقيرًا أو وكيلاً موثوقًا، فيُستحبّ له أن يقول للدافع: «أَجَرَكَ اللهُ فيما أَعطَيْتَ، وجعله لك طَهورًا، وباركَ لك فيما أَبقيتَ» كما نصَّ على ذلك الإمام الشافعيّ والنوويّ رحمهما الله.
وخُتمت الآيةُ بقوله تعالى:
﴿سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦٓ﴾
أي في جنّته وواسعِ لطفه، وتلك السينُ تدلُّ على تحقيق الوعد وتمامِه.
ثم قال:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
يغفرُ زلَّةَ المُقِلِّ، ويرحمُ ضعفَه، ويُثيبُه على جهدِه؛ إذ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خيرُ الصدقةِ جُهدُ المقلّ».
﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلْأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَارُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (١٠٠)﴾
﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ﴾:
تبيينٌ لأول فئةٍ من أهل الفضل، وهم الذين تقدَّموا إلى الإسلام قبل غيرهم، فتركوا أوطانهم لله ورسوله. وقيل: هم الذين صلَّوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدرًا، أو بايَعوا تحت الشجرة في بيعة الرضوان، وكلُّ ذلك داخلٌ في معنى السَّبق.
﴿وَٱلْأَنْصَارِ﴾:
عطفٌ على المهاجرين. والمرادُ بهم أهلُ المدينة الذين آوَوا رسولَ الله ﷺ ونصروه، وهم أصحاب العقبة الأولى وكانوا سبعةً، ثم أصحاب العقبة الثانية وكانوا سبعين، فصاروا عضدَ الدين وركنَه المتين.
﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾:
في هذا وجهان من التفسير:
الأول: أنهم من المهاجرين والأنصار الذين تأخروا عن شهود بدرٍ أو بيعةِ الرضوان، لكنهم تبعوا السَّابقين في الإيمان والعمل.
الثاني – وهو الأعم والأكمل – أنهم كلُّ من سار على نهجهم إلى يوم القيامة بالإيمان والطاعة والاقتداء، فنسأل الله أن يجعلنا منهم؛ إذ لا فخرَ أعظم من أن يُلحَق العبدُ بركب الصحابة الأخيار.
﴿رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ﴾:
أي أثنى عليهم وقَبِل أعمالهم الصالحة.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾:
لقناعَتهم بما ساقه إليهم من نعمةٍ دينيةٍ ودنيوية، فرضاؤهم عن ربهم ثمرةُ عِرفانٍ ويقين.
ثم أخبر سبحانه بقوله:
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَارُ خالدين فيها أبدًا ﴾
لا يعتريهم موتٌ ولا نصبٌ ولا بأس.
﴿ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾
وأيُّ فوزٍ أعظم من جنانٍ تجري الأنهار من تحتها، ومقامٍ لا همَّ فيه ولا غمَّ، لا بلاءَ ولا وباءَ، لا فقرَ ولا جوعَ، لا حسرةَ ولا ندامةَ، دارُ السلام التي لا يخرج أهلُها منها ولا يتحوَّلون عنها أبدًا.
﴿مِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾
﴿مِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾:
أي حول مدينة سيد المرسلين ﷺ، بلدةِ الهجرة ومهبطِ الوحي. ما أشرفها من دارٍ، طيبَت ربوعُها بذكر المصطفى، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه وسلم.
﴿مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾:
كانوا من قبائل جُهَيْنَة وأَسْلَم وأَشْجَع وغِفَار وغيرها، يسكنون أطراف المدينة، يُظهِرون الإسلام ويُبطنون الكفر.
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾:
أي تمرَّسوا به وتعمَّقوا فيه، حتى صار لهم خُلقًا وطباعًا، كما قيل: تضلَّعوا منه.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾:
أي لا تعلم ذواتَهم بأعيانهم، مع فطنتك وكمال بصيرتك، لأنهم أتقنوا إخفاء نفاقهم. ومِن شواهد ذلك عبدُ الله بن أُبَيّ، فقد صلَّى عليه النبي ﷺ واستغفر له قبل أن يُنزل اللهُ البراءة منه، قال تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾، فعلم ﷺ حينئذٍ حقيقة حاله. وفي هذا أعظمُ دليلٍ على أن النبيَّ ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يعلم ما عَلَّمه الله تعالى.
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾:
لأن سرائرَ القلوب لا يطَّلع عليها إلا علامُ الغيوب.
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾
للعلماء فيها ثلاثةُ أوجهٍ مشهورة:
القتلُ في الدنيا، ثم عذابُ القبر، وهو دليلٌ قرآنيٌّ على ثبوت عذاب القبر.
أو الفضيحةُ في الدنيا بما يكشف الله من أسرارهم، كما سمّى النبيُّ ﷺ بعضَ المنافقين بأسمائهم، ثم عذابُ القبر.
أو أخذُ الصدقات منهم قهرًا مع إتلاف أبدانهم بالاستضعاف والمشقَّة، ثم عذاب القبر.
وقد تواترت النصوص في إثبات عذاب القبر، قال تعالى: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. وأثبت الأئمّةُ ذلك، منهم الزبيدي في اللآلئ المتناثرة، والسيوطي، والكتّاني، بل نقل عبد القاهر البغدادي الإجماع على ثبوته، وأن من أنكرَهُ عنادًا عُذب في قبره.
﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾:
أي إلى عذاب النار يوم القيامة، بعد عذاب الدنيا والقبر، عاقبةً لكفرهم ونفاقهم.
﴿وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(١٠٢)﴾.
﴿وَءَاخَرُونَ﴾:
أي قومٌ غيرُ المذكورين قبلُ
﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾
أي: لَم يَلْتَمِسوا لأنفُسِهم أعذارًا كاذبة كما فعَلَ غيرُهم، بل أقرّوا على أنفسهم بأنّهم أساؤوا وفَرَّطوا، نادمين على ما صدر منهم. وكان هؤلاء عشرةً من المتخلِّفين عن غزوة تبوك، فتميّزوا عن المنافقين باعترافهم وصدقهم.
فلمّا بلغ السبعةَ منهم ما نزل في شأن المتخلِّفين، أوثقوا أنفسَهم، وربطوها بسواري المسجد، ينتظرون حكمَ الله فيهم. فلمّا قدِم رسولُ الله ﷺ من سفره، ودخل المسجد وصلّى ركعتين ـ وكان هذا دَأبَه كلما عاد من سفر ـ رأى هؤلاء الرجال موثَقين، فسأل عن خبرهم، فَقِيل له: إنهم أقسموا ألّا يَحُلّوا أنفسَهم حتى تكونَ أنت الذي تَحُلّهم.
فقال النبيُّ ﷺ: «وأنا أُقْسِمُ ألّا أُحِلَّهُم حتى أُومَرَ فيهم»، فأنزل الله تعالى هذه الآية التي نذكرها، فأُذِن للنبي ﷺ فحلَّ وثاقهم، فَأُطْلِقوا.
فجاؤوا يقولون: يا رسولَ الله، هذه أموالُنا التي شغلتْنا، وتخلّفْنا من أجلها، فتصدّق بها عنّا، وطهّرنا وخُذها نُقدِّمها لك صدقةً. فقال ﷺ: «ما أُمِرْتُ أن آخذَ من أموالكم شيئًا». فلم يلبث أن نزل قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾.
ثم قال تعالى في بيان حالهم:
﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾
وهو خروجهم مع رسول الله ﷺ للجهاد ونَدَمُهم واعترافُهم،
﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾
وهو تخلُّفهم عنه، أو يُراد به التوبةُ والإثم، أي خلط كلُّ واحدٍ منهم عملًا صالحًا بسيِّئ، فصار كلٌّ منهما ممتزجًا بالآخر.
ثم قال سبحانه:
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ولم يُصرِّح بتوبتهم صراحةً؛ لأنّ اعترافَهم بذنوبهم دليلٌ بيِّن على صدق توبتهم وندمهم، ومن أقرَّ بذنبه ورجع إلى ربّه صادقًا، فإنّ الله تعالى أرحمُ الراحمين.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْۖ إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(١٠٣)﴾.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾:
أي خذ منهم ما يكون كفَّارةً لذنوبهم، وقيل: هي الزكاة المفروضة، ويدخل فيها التصدُّق التطوُّعي أيضًا؛ لأن الحسنة بعد التوبة تزيد العبد قربًا.
وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «إذا عمِلَ أحَدُكُم سَيِّئَةً فَلْيُتْبِعْهَا حَسَنَةً». فقال أبو ذرٍّ رضي الله عنه: أمِنَ الحسناتِ لا إلهَ إلَّا الله؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هي أحسنُ الحسنات».
فمَن تاب توبةً صادقةً بأركانها: النَّدم، والإقلاع، والعزم على عدم العَود، وردِّ الحقوق، ثم أتبع ذلك صدقةً أو عملًا صالحًا، كان ذلك من تمام توبته.
﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾:
إزالةً لذنوبهم
﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾:
أي تنمِّي نفوسَهم وتُباركُ لهم في أموالهم. فالزكاة طهارةٌ للقلب، وبركةٌ في المال، ونماءٌ في الحسنات.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾:
أي ادعُ لهم بالرِّضا والرحمة، وفيه سنَّةٌ أن يدعو المُصَدِّقُ ـ أي مَن يأخذ الصدقة ـ لصاحبها عند قبضها.
﴿إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾:
أي دعاؤك طمأنينةٌ لقلوبهم، ودليلُ قبول توبتهم، فيسكنون إليه ويطمئنُّون برحمة الله.
﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
يسمعُ اعترافهم وتوبتَهم، ويعلم ما انطوت عليه قلوبهم من ندمٍ صادقٍ وإخلاصٍ تامٍّ.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِۦ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ(١٠٤)﴾
أي: أَفَلَمْ يتيقَّن هؤلاء قبل أن يُتَابَ عليهم، وقبل قبول صدقاتهم، أنّ الله هو المنفردُ بقبول التوبةِ الصادقة إذا استوفت شروطها، وهو الذي يتقبَّل الصدقات إذا خرجت عن إخلاصٍ ونِيَّةٍ صحيحة، فليس ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بل الأمرُ مردودٌ إلى الله تعالى وحده؛ فاقصدوه بتوبتكم، ووجِّهوا الأعمال إليه؛ فهو سبحانه غافرُ الذنب، قابلُ التوب.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ﴾:
أي كثيرُ القبول لتوبة عباده، مهما عَظُمَت زلَّاتهم إذا رجعوا إليه صادقين.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾:
أي يرحم عباده، فيعفو عن الحوبة ويستر الزلَّة.
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(١٠٥)﴾
﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا﴾:
أمرٌ للتائبين بالثبات على الطاعة، والإكثار من الصالحات.
﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾:
أي إن أعمالكم لا تخفى على أحد؛ يُطَّلع عليها في الدنيا، ويُجازى عليها في الآخرة. وقيل: نزلت ترغيبًا لمن لم يتب، لمَّا رأوا قبول التوبة عن الذين ربطوا أنفسهم، فقال بعضهم: كيف صاروا بالأمس مجفَّين لا يُجالَسون، ثم صاروا اليوم مقبولين؟ فنزل التنبيه على أن العبرة بالأعمال الظاهرة والباطنة، وأن الله مطَّلع عليها.
﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ﴾
فيه وعيدٌ وتحذيرٌ من العودة إلى التقصير
﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾:
أي إلى مَن يعلم المستور والمشهود، الخفيَّ والجليّ،
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
إخبارًا مقرونًا بالمجازاة، ثوابًا أو عقابًا.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(١٠٦)﴾
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ ٱللَّهِ﴾:
أي مؤخرون منتظرٌ فيهم حكمُ الله تعالى، من أرجَأته أي أخَّرته. ومن هذه المادَّة تسميةُ فرقة المرجئة الذين قالوا مقالتهم الباطلة: إنه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ، كما لا تنفع مع الكفر حسنةٌ، فشطرُ كلامهم الأخير صحيح، لكن باطل قولهم بعدم ضرر الذنوب مع الإيمان؛ إذ دلَّ القرآن والسنَّة على عقوبة العُصاة، كقوله تعالى في آكل الربا، وآكل مال اليتيم، ووعيد مرتكب الفواحش. وفي صحيح البخاري قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يخرج قومٌ من النار من أمّة محمد بشفاعة محمد»، دليلٌ على دخول العصاة النار مع إيمانهم.
﴿وَآخَرُونَ﴾
من المتخلِّفين عن غزوة تبوك لم يكونوا منافقين، بل صدَّقوا وندموا، ولكن لم ينزل فيهم حكمٌ قاطعٌ حينئذ، فكانوا موقوفين إلى أن يظهر أمر الله تعالى فيهم.
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾
إن بقوا مصرِّين
﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾
إن رجعوا وصدقوا التوبة. وهؤلاء هم الثلاثة المشهورون: كعبُ بن مالك، وهلالُ بن أميَّة، ومرارةُ بنُ الرَّبيع، الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَاثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
يعلم ما انطوت عليه سرائرهم، ويجري عليهم حكمه بحكمةٍ تامة.
﴿حَكِيمٌ﴾
في إرجائِهم، أو هو للشكِّ العائد إلى العباد؛ أي إنَّ الناسَ كانوا يخافون عليهم العذاب ويرجون لهم الرحمة. وقد رُوي أن النبيَّ ﷺ أمر أصحابه ألّا يُسلِّموا على هؤلاء الثلاثة: هِلالَ بنَ أُمَيَّة، ومُرارَةَ بنَ الرَّبيع، وكعبَ بنَ مالكٍ رضي اللهُ تعالى عنهم؛ فهؤلاء أُخِّرَ أمرُهم، ولم يُخالطهم الناس كما فعل فريق آخر شدُّوا أنفسَهم إلى السَّواري، إظهارًا للجزع والندم.
فلما رأى هؤلاء الثلاثة أن القوم قد هجروهم، وأنه لا يلتفت إليهم أحد، فوَّضوا أمرهم إلى الله تعالى، وأخلصوا نواياهم في التوبة إخلاصًا صادقًا، فكان صدقُهم سببًا لقبول توبتهم ورحمته تعالى بهم.
فَعَن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ﴾ ـ وكان قائدَ كعبٍ رضي الله عنه من بَنيه حين عَمِيَ ـ قال: سَمِعْتُ كعبَ بنَ مالكٍ رضي الله عنه يُحَدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسولِ الله ﷺ في غزوةِ تَبُوك. قال كعبٌ مُظهِرًا صِدْقَه: “ما تخلَّفتُ عن رسولِ الله ﷺ في غزوةٍ غزاها قَطُّ، إلَّا في غزوةِ تَبُوك، غيرَ أنِّي قد تخلَّفتُ في غزوةِ بَدْرٍ، ولم يُعاتِبْ أحدًا تخلَّف عنها؛ إنما خرج رسولُ الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قريشٍ، حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعادٍ. ولقد شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ ليلةَ العقبة حين تواثقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهَدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناسِ منها.”
ثم قال كعبٌ ـ يحكي قصتَه ـ: “ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوة، واللهِ ما جمعتُ قبلها راحلتينِ قطُّ، حتى جمعتهما في تلك الغزوة. ولم يكن رسولُ الله ﷺ يريد غزوةً إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة؛ فغزاها رسولُ الله ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، ومَفازًا، وعدوًّا كثيرًا. فجلّى للمسلمين أمرَهم ليتأهّبوا أُهبةَ غزوِهم، وأخبرهم بوجهِهم الذي يريد.”
وكان المسلمون كثيرين، ولا يجمعهم كتابٌ حافظٌ (أي: ديوانٌ). قال كعبٌ: “فقلَّ رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلَّا ظنَّ أن ذلك سيَخفى ما لم ينزلْ فيه وحيٌ من الله تعالى. وغزا رسولُ الله ﷺ حين طابت الثمارُ والظلالُ، فأنا إليها أصعَرُ (أي: أَمِيل). فتجهَّز رسولُ الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقتُ أغدو لكي أتجهَّز، فأرجع ولم أقضِ شيئًا، أتقدَّمُ مرَّةً وأتأخَّر أخرى، وأقول في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك.”
فتمادى به الأمرُ حتى خرج رسولُ الله ﷺ والمسلمون معه، ولم يقضِ من جهازِه شيئًا، ففاتته الصحبةُ، واشتدَّ ندمُه. قال كعبٌ: “فهممتُ أن أرتحلَ فأُدرِكَهم، فليتني فعلتُ، فلم يُقدَّر لي ذلك.”
وكان كعبٌ إذا خرج بعد سفر النبي ﷺ، لا يرى له أُسوَةً إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا من الضعفاء الذين عذرهم الله. ولم يذكر النبيُّ ﷺ كعبًا حتى بلغ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ بين أصحابه: “ما فعل كعبُ بنُ مالك؟” فقال رجلٌ من بني سَلِمَة: يا رسولَ الله، حبسه بُرداه والنظرُ في عِطفَيه. فقال معاذُ بنُ جبلٍ رضي الله عنه: بِئس ما قلتَ! والله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسولُ الله ﷺ.
ثم رأى رسولُ الله ﷺ رجلًا مُبيَّضًا يزولُ به السرابُ، فقال: “كن أبا خيثمة”، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاعِ التمر حين لمزَه المنافقون.
قال كعبٌ: “فلما بلغني أن رسولَ الله ﷺ قد توجَّه قافلًا من تَبُوك، حضرني بثِّي (أي: حزني الشديد)، وطفقتُ أتذكّر الكذبَ، وأقول: بِمَ أخرجُ من سخطه غدًا؟” فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد قَدِم، زاح عني الباطل، وأيقنتُ أنِّي لا أنجو إلا بالصدق، فأجمعتُ أمري عليه.
فجاء المخلفون يحلفون ويعتذرون، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسولُ الله ﷺ علانيَتَهم، ووكل سرائرهم إلى الله. قال كعبٌ: “حتى جئتُه، فلما سلَّمتُ، تبسَّم تبسُّمَ المُغضَب، ثم قال: تعال. فجئتُ حتى جلستُ بين يديه، فقال: ما خلّفكَ؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟ فقلتُ: يا رسولَ الله، واللهِ لو جلستُ عند غيرِك من أهل الدنيا لخرجتُ بعذرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكني علمتُ أنّي إن كذبتُك اليومَ ليرضينَّ عني، ثم يُسخِطُ اللهُ عليك، وإن صدقتُكَ تجدُ عليَّ، وإني لأرجو فيه عُقبى الله. والله ما كان لي من عذرٍ، وما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفت.”
فقال ﷺ: “أمّا هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضيَ اللهُ فيك.”
فأُمر المسلمون بمقاطعة الثلاثة: كعب بن مالكٍ، وهلال بن أميةَ، ومرارة بن الربيع، فاشتدَّ عليهم الأمرُ، وضاقت عليهم الأرضُ بما رحُبت، حتى إذا مضت خمسون ليلةً، قال كعبٌ:
“صلَّيتُ الفجر على ظهرِ بيتٍ من بيوتِنا، فسمعتُ صارخًا يقول بأعلى صوتِه: يا كعبَ بن مالكٍ، أبشِر! فخررتُ ساجدًا، وعلمتُ أن الفرج قد جاء.”**
وبشّر النبيُّ ﷺ الناسَ بتوبةِ الله عليهم، فجاءه كعبٌ، فقام إليه طلحةُ بنُ عبيدِ الله رضي الله عنه يهرول فصافحه وهنّأه، فكان كعبٌ لا ينسى ذلك له.
ودخل على رسول الله ﷺ، فقال له وهو مُبرقُ الوجه من السرور:
“أبشِر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أُمُّك.”
فقال كعبٌ: أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: “لا، بل من عند الله عز وجل.”
فقال كعبٌ: “يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى الله ورسوله.” فقال ﷺ: “أمسِك عليك بعضَ مالِك، فهو خيرٌ لك.” فأمسكَ سهمَه من خيبر.
ثم قال كعبٌ: “إن الله تعالى أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بقيت.” قال: “فوالله ما تعمّدتُ كذبةً منذ قلتُ ذلك للنبي ﷺ إلى يومي هذا.”
فأنزل الله تعالى فيهم:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ…﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿١١٧﴾
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا…﴾ إلى قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿١١٩﴾.
ثم قال كعبٌ خاتمًا: “واللهِ ما أنعم الله عليَّ نعمةً بعد إذ هداني للإسلام أعظمَ من صدقي رسولَ الله ﷺ، ألا أكون كذبتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا.”
وقد ورد هذا الحديث الطويل في الصحيحين. وقد حذر الله تعالى الكاذبين حين أنزل الوحي:
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِم لِتُعرِضُواْ عَنهُمْ فَأعرِضُواْ عَنهُمْ إِنَّهُم رِجْسٌ وَمَأوَاهُمُ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ ٱلقَوْمِ ٱلفَاسِقِينَ(96)﴾
وقد خُلِّف هؤلاء الثلاثة عن أمر الذين بايعوا رسول الله ﷺ واستُغفر لهم، فأرجئ أمرهم حتى قضى الله تعالى فيهم، وهو ما ورد في الصحيحين.