بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ (121) ۞وَمَا كَانَ ٱلمُؤمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةۚ فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٖ مِّنهُم طَآئِفَة لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَومَهُم إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ (122) يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلكُفَّارِ وَليَجِدُواْ فِيكُم غِلظَةۚ وَٱعلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَآ أُنزِلَت سُورَة فَمِنهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰناۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتهُم إِيمَٰنا وَهُم يَستَبشِرُونَ (124) وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَتهُم رِجسًا إِلَىٰ رِجسِهِم وَمَاتُواْ وَهُم كَٰفِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَونَ أَنَّهُم يُفتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَو مَرَّتَينِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُم يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَآ أُنزِلَت سُورَة نَّظَرَ بَعضُهُم إِلَىٰ بَعضٍ هَل يَرَىٰكُم مِّن أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَفقَهُونَ (127) لَقَد جَآءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم (128) فَإِن تَوَلَّواْ فَقُل حَسبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيهِ تَوَكَّلتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلعَرشِ ٱلعَظِيمِ (129)﴾.
﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحسَنَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾ (121)
أي لا يُخرِجون نفقةً في سبيل الله
﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَة﴾ في الجهاد وطاعة الله
﴿صَغِيرَة﴾ ولو كانت يسيرةً جدًّا كشقِّ تمرة
﴿وَلَا كَبِيرَة﴾ كالنفقة العظيمة التي أنفقها أمير المؤمنين عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه في جيش العُسرة.
فقد قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيبًا يحثُّ أصحابه على البذل لتجهيز الجيش، فقام عثمانُ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، عَلَيَّ مائةُ بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها أي بحُمولتها كاملة، فاستنار وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم ودعا له. ثم لمَّا عاد صلى الله عليه وسلم يطلب المزيد لتكميل العُدَّة قام عثمان مرةً ثانية فقال: وعليَّ مائةُ بعيرٍ أخرى بأحلاسها وأقتابها، فتهلَّل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فرحًا ودعا له. ثم عاد ثالثة يحث أصحابه على تجهيز الجيش، فقام عثمان رضي الله عنه فقال: وعليَّ مائةٌ أخرى بأحلاسها وأقتابها، فازداد فرحُ النبي صلى الله عليه وسلم وترضَّى عن عثمان.
ونزل صلى الله عليه وسلم عن المنبر وهو يقول: «اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ رَضِيتُ عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ» يرددها، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: فرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا من العشاء إلى الفجر رافعًا يديه يدعو: «اللهم إنَّ عثمان قد رضيتُ عنه فارضَ عنه». وقال صلى الله عليه وسلم في فضل عثمان: «مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ».
ثم قال تعالى:
﴿وَلَا يَقطَعُونَ وَادِيًا﴾ أي لا يقطعون أرضًا في مسيرهم للجهاد، والوادي كلُّ مُنفرَجٍ بين جبال يكون مجرى للماء ومسلكًا للسائرين.
﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُم﴾ أي إلا سُطِّر لهم في صحائفهم من الثواب جزاءُ هذا الإنفاق والمسير
﴿لِيَجزِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي كُتِب ذلك لأجل الجزاء.
﴿أَحسَنَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾ أي يجازيهم على كل عملٍ بأفضل ما يستحقه أحسنُ أعمالهم، فيلحَق ما دونه به تفضّلًا من الله، فلا يضيع عنده شيءٌ من أعمالهم، صغيرًا كان أو كبيرًا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذا المعنى: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»
أي أن أدنى صدقة، ولو كانت نصف تمرة، قد تكون سببًا في النجاة يوم القيامة إذا صدرت عن قلبٍ مخلص.
﴿۞ وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(122)﴾
يبيِّن الله تعالى في هذه الآية أصلًا عظيمًا من أصول بناء الأمة، وهو أنه لا يجوز للمؤمنين جميعًا أن يخرجوا دفعةً واحدةً لطلب العلم أو للجهاد، لما في ذلك من ترك الأوطان بلا حراسة، وعدم حفظ الثغور من عدوٍّ متربص. فاللام في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ للتأكيد؛ أي ليس من الصواب خروجهم جميعًا وترك البلاد خاوية بلا مدافع ولا قائم بشؤون الناس.
ثم وجَّه سبحانه الأمة إلى التوازن بين المهمات، فقال:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾
أي هلا خرج.
﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾
أي من كل جماعة كبيرة يُهيَّأ فريق منهم للخروج، ولا يلزم خروج الجميع، فـ”الطائفة” جماعة قليلة تكفي عن غيرها.
وغاية هذا الخروج بيّنها ربنا بقوله:
﴿لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي ليتعلموا أحكام الشريعة تعلمًا راسخًا، ويبذلوا الجهد في تحصيل العلم، ويتحمّلوا مشاق طلبه،
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي ليكون علمهم وسيلةً لتحذير الناس من الغواية والجهل والوقوع في المحرمات
﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي حين يعودون إلى ديارهم وأهليهم، فينشرون ما تعلموه.
والمقصود أن يكون في الأمة دائمًا من يتفرغ للعلم، يتلقاه من أهله ويصونه من التحريف، فيحمل رسالة الأنبياء ويُقوم الناس على منهج أهل السنة والجماعة، ويصبر على الأذى في سبيل تبليغه، لا يطلب رفعةً ولا جاهًا، ولا يركب مطايا المتكبرين، بل نيته نشر العلم وحماية الدين، وإنقاذ الناس من الفتن والبدع والانحراف.
وكان من هدي السلف أنه إذا وُجِد في الأسرة أو العشيرة من يُرجى نبوغه وهيئته لطلب العلم، اجتمع القوم وخصّصوه لهذا الأمر، يتحملون نفقاته ويعينونه، ليكون في كل بيت حاملُ علمٍ يحفظ دين الله تعالى، ويبلغ دعوته إلى سائر البيوت، بل إلى البلاد الأخرى. فإن تعذر وجود صالح من أبنائهم، بحثوا عن أهل النجابة من أبناء المسلمين ليُعدّوهم لهذا الشرف العظيم.
فالأمة محتاجة إلى طائفتين متكاملتين:
- طائفةٌ تجاهد بالسنان تحفظ بلاد المسلمين وحدودهم وأمنهم.
- وطائفةٌ تجاهد بالبيان تحفظ الدين وأحكام الشريعة وتكشف شبه المفسدين.
وقد قال الإمام النسفي رحمه الله: «إذِ الجِهَادُ بِالْحِجَاجِ أَعْظَمُ أَثَرًا مِنَ الجِهَادِ بِالنِّصَالِ»
أي إن الجهاد بالحجة والبرهان والتعليم أبلغ أثرًا من السيوف والقتال؛ فكم من بلادٍ دخلها الإسلام بعالِم واحد يحمل نور البيان، كما دخل اليمن على يد أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، وكان أثرهما أعظم من جيوش كثيرة.
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «فُتِحَتِ الْمَدِينَةُ بِالْقُرْآنِ» أي إن انتشار الإسلام فيها كان بالعلم والبيان قبل السيوف.
فالآية تقرر أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾ يرجع إلى الفِرَق الباقية بعد خروج غيرهم للجهاد، ليتعلموا الدين ويعودوا به إلى الخارجين، أو إلى الطائفة النافرة التي ترجع بما حصلته من العلم إلى قومها، وكلا المعنيين صحيحٌ يُكمل بعضه بعضًا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾
أي ليكونوا على بصيرة، فيتركوا ما لا يرضي الله تعالى، ويحفظوا حدود الشريعة، ويقوموا على صراط مستقيم.
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلكُفَّارِ وَليَجِدُواْ فِيكُم غِلظَةً وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلمُتَّقِينَ(123)﴾
توجّه هذه الآية الكريمة المؤمنين إلى الجهاد ضد الكفار القريبين منهم، أي الذين يجاورون حدودهم، وبيّنوا لهم أن الجهاد ليس مجرد دفاع عن النفس فقط، بل هو وسيلة لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه.
- ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلكُفَّارِ﴾
أي قاتلوا من جاوركم من الكفار، فالواجب على كل جماعة من المسلمين أن تباشر الجهاد في أقرب المناطق أولًا ثم تنتقل إلى الأبعد، كما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقاتل في عرب الحجاز ثم في الشام، بحسب قرب الحاجة ووجوب النصر للإسلام. - ﴿وَلِيَجِدُواْ فِيكُم غِلظَةً﴾
أي لا مداهنة ولا مماطلة ولا تساهل مع أعداء الدين؛ أظهروا قوتكم وشدّتكم في مواجهة من يريد العدوان عليكم أو على دينكم. - ﴿وَٱعلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلمُتَّقِينَ﴾
أي: بالنصر والغلبة والتمكين، فالله مع المتقين الذين يلتزمون أوامره وينهون عن نواهيه، كما أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فمعناه أن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، أما معية المتقين فمقصودها النصرة والغلبة.
﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَت سُورَة فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَانًا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُم إِيمَانًا وَهُم يَستَبْشِرُونَ﴾ (124)
تبيّن هذه الآية موقف المؤمنين من نزول الوحي، وموقف المنافقين في المقابل:
- ﴿مِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُم زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَانًا﴾
يشير إلى المنافقين الذين ينكرون فضل الوحي، أو يُظهرون الاستهزاء بالمؤمنين، متسائلين: أيكم ازداد إيمانًا بهذه الآية؟ وقد يُفهم كذلك على أنه قول المؤمنين بينهم للتحفيز والتنبيه على أثر التفسير والتدبر. - ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُم إِيمَانًا﴾
أي يقينًا وثباتًا، لأن السورة لم تخلق فيهم إيمانًا جديدًا فحسب، بل زادتهم فهمًا وتفقهًا وتثبيتًا على الحق. - ﴿وَهُم يَستَبْشِرُونَ﴾
أي يعتبرون زيادة التكليف في الدين بمثابة بشارة وتشريف لهم، لأن الله قد اختارهم لحمل علمه ودعوة خلقه، وهو شرف عظيم أن يزداد الإنسان فقهًا وعملاً بما أمر الله به، ويكون سببًا في نفع الناس.
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَض فَزَادَتهُم رِجسًا إِلَىٰ رِجسِهِم وَمَاتُواْ وَهُم كَٰفِرُونَ (125)﴾
هذه الآية تتابع بيان أحوال المنافقين والكافرين، وتصف حالتهم بمرض في القلوب:
- ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَض﴾
المراد بالمرض: الشكّ، الريبة، والنفاق، وهو فساد يحتاج إلى علاج كالمرض البدني، إذ يضعف القلب عن الإيمان الصادق. - ﴿فَزَادَتهُم رِجسًا إِلَىٰ رِجسِهِم﴾
أي: الله عزَّ وجل يضاعف مرضهم بما يستحقونه من رجسٍ وكفر، فيتراكم عليهم فساد القلب. - ﴿وَمَاتُواْ وَهُم كَافِرُونَ﴾
إشارة إلى أنهم ماتوا على كفرهم وإصرارهم على النفاق، فلا يُستغفر لهم بعد موتهم، كما ثبت في السنة النبوية.
﴿أَوَلَا يَرَونَ أَنَّهُم يُفتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَّرَّةً أَو مَرَّتَينِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُم يَذَّكَّرُونَ﴾ (126)
الآية بيانٌ لسبب استمرار فساد المنافقين رغم الابتلاءات:
- ﴿أَوَلَا يَرَونَ﴾
أي: ألا يتأملون ما يحدث لهم أي المنافقين. - ﴿أَنَّهُم يُفتَنُونَ﴾
أي يُبتلون بالقحط، المرض، المصائب، والمحن التي تُظهر ضعفهم وحاجتهم إلى الله. - ﴿فِي كُلِّ عَام مَّرَّةً أَو مَرَّتَينِ﴾
أي: هذه الابتلاءات متكررة، ولا يقتصر الأمر على مرة واحدة، بل تتجدد المحن لتكون فرصة للتوبة والتذكر. - ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُم يَذَّكَّرُونَ﴾
أي: رغم ذلك يصرون على نفاقهم وكفرهم، ولا يعتبرون بما وقع عليهم من الابتلاءات، ولا يتعلمون من تجاربهم، فيظلّون في الغفلة والفساد.
الآية تذكّر أن البلاء هو اختبار مستمر لكل العباد، وأن القوة الحقيقية ليست في الغنى أو الصحة، بل في القدرة على التوبة والاعتبار، فالمؤمن الحقّ ينتهز الابتلاء للتقرب من الله، والمنافق يظلّ في عناده وفساده.
﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَت سُورَة نَّظَرَ بَعضُهُم إِلَىٰ بَعضٍ هَل يَرَىٰكُم مِّن أَحَد ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَفقَهُونَ(127)﴾
﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾
أَنَّهُمْ يَتَغَامَزُونَ بِالْعُيُونِ إِنْكَارًا لِلْوَحْيِ وَاسْتِهْزَاءً بِهِ، مُشِيرِينَ بَيْنَهُمْ:
﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾
مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِنَنْصَرِفَ؛ فَإِنَّا لَا نَصْبِرُ عَلَى اسْتِمَاعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ.
فَهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ سَمَاعَ كَلَامِ اللهِ، كَمَا أَنَّ شَيَاطِينَ الْجِنِّ لَا تَطِيقُ مَوَاضِعَ يُتْلَى فِيهَا الْقُرْآنُ؛ فَالْبَيْتُ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ يَنْفِرُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَيَهْرُبُ. وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ سَمَاعَ الْأَذَانِ، بَلْ يَفِرُّ إِلَى نَاحِيَةِ الرَّوْحَاءِ مَسَافَةً بَعِيدَةً.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا تَغَوَّلَتِ الْغِيلَانُ فَعَلَيْكُمْ بِالْأَذَانِ».
والـ«غِيلان» نَوْعٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْجَانِّ. فَمَنْ شَعَرَ بِأَذَاهَا أَوْ بِنَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي بَدَنِهِ فَلْيُبَادِرْ بِالْأَذَانِ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً أَوْ قَبْلَ النَّوْمِ.
وكذلك كَفَرَةُ الْإِنْسِ يَنْزَعِجُونَ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَالْأَذَانِ، كَمَا تَنْزَعِجُ شَيَاطِينُ الْجَانِّ سَوَاءً.
ثُمَّ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾
لِنَنْقَطِعَ عَنِ الْمَجْلِسِ، فَإِنَّا لَا نَتَمَالَكُ أَنْفُسَنَا، وَيَغْلِبُنَا الضَّحِكُ، فَنَخْشَى أَنْ تَنْفَضِحَ حَالُنَا.
وَإِذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ تَذُمُّ الْمُنَافِقِينَ أَوْ تَفْضَحُ سِرَائِرَهُمْ أَشَارُوا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالِاسْتِشَارَةِ فِي الْخُرُوجِ.
﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ، فَانْصَرَفُوا عَنْ أَشْرَفِ الْمَجَالِسِ وَأَطْيَبِهَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
أَيْ أَعْرَضَ بِهَا عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ.
فَاللهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ يَقْرَأُ بَعْضُ النَّاسِ الْقُرْآنَ وَلَا يَهْتَدِي؛ بَلْ يُحَرِّفُ مَعَانِيَهُ فَيُضِلُّ نَفْسَهُ وَيُضِلُّ النَّاسَ.
وقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَوْ أَصَابَ».
وهذا مَثَلُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَفَّرُوا الْمُسْلِمِينَ بِزَعْمِهِمُ الِاسْتِدْلَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ».
وكذلك الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ الَّذِينَ جَعَلُوا اللهَ جِسْمًا، وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَجْلِسُ وَيَنْتَقِلُ، وَاحْتَجُّوا بِآيَاتٍ زَعْمًا مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿ٱلرَّحْمٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾.
وأهلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:«اسْتَوَىٰ كَمَا أَخْبَرَ، لَا كَمَا يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ».
فَالَّذِي يَخْطُرُ لِلْبَشَرِ هُوَ: الْقُعُودُ، وَالْجُلُوسُ، وَالِاسْتِلْقَاءُ، وَالِاسْتِقْرَارُ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللهِ.
وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ فَقَدْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: (سُلْطَانُهُ وَقُدْرَتُهُ)
وكذلك الْمُعْتَزِلَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَسَائِرُ فِرَقِ الضَّلَالِ اسْتَدَلُّوا بِالْقُرْآنِ زَعْمًا مِنْهُمْ.
فَقَوْلُهُ تَعَالَى:
﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ؛ فَيَصْرِفُ قُلُوبًا إِلَى فَهْمِ الْقُرْآنِ، وَيَصْرِفُ أُخْرَى عَنْهُ، فَيَكُونُ الِاهْتِدَاءُ وَالضَّلَالُ كُلُّهُ بِمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾
أَيْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ
﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾
لَا يَتَدَبَّرُونَ آيَاتِ اللهِ، وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، فَحُرِمُوا فَهْمَهَا.
﴿لَقَد جَآءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم(128)﴾
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾:
أي محمّدٌ ﷺ.
﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾:
أي من جنسِكُم، ومن نَسَبِكُم، عربيٌّ قُرَشِيٌّ هاشِمِيٌّ مثلكم، بل هو أَنْفَسُكُم وأفضَلُكُم.
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾:
أي يَشُقُّ عليه ما يَلْقَاكُم من مَشَقَّةٍ وشِدَّةٍ؛ فحُزْنُكُم يُحْزِنُه، وألَمُكُم يُؤْلِمُه. ولو رأيتُم رسولَ الله ﷺ يومَ أُحُدٍ حينما قُتِلَ عمُّه سيّدُ الشهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلِب رضي الله عنه، وقد مُثِّلَ بجسدِه وبُقِرَ بطنُه وأُخْرِجَت كَبِدُه، لرأيتُم حُزنًا لا يُوصَف. فقد وقف ﷺ عليه وقال:
«يَرْحَمُكَ اللهُ يا عَمّ، لَقَدْ كُنْتَ وَاللهِ وَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، يَرْحَمُكَ اللهُ يا عَمّ».
ثم سلَّم على شهداءِ أُحُدٍ وقال: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا شُهَدَاءَ أُحُدٍ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدَدْتُّمْ عَلَيْهِ السَّلَامَ».
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾:
أي يخافُ عليكم الوقوعَ في العذاب. فإذا قلنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، فمعناه: يا ربِّ زِدْ محمّدًا ﷺ تشريفًا وتعظيمًا، وسلِّمْ أُمَّتَه ممّا يخافه عليهم.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾:
أي شديدُ الرغبةِ في هدايتكم ونفعكم، بالمؤمنين منكم ومن غيركم من الذين حَضَروا معه من الصحابة ومن جاء بعدهم.
وقد قال ﷺ: «وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي». فقال الصحابة: أوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يا رسولَ الله؟
قال: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي. إِخْوَانِي الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ».
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
وقد قيل إنّ الله تعالى لم يَجمَعْ هذَيْنِ الاسْمَيْنِ من أسمائه لأحدٍ غيرِ رسولِ الله ﷺ.
وهذا إنّما هو اتِّفاقٌ في اللَّفْظ، أمّا المعنى فمختلفٌ؛ لأنّ الرأفةَ والرحمةَ في حقِّ الله تعالى ليستْ كرأفةِ الرسول ﷺ ولا رحمته، ولا يوجد بينهما تماثُلٌ ولا تشابُهٌ ولا مشاركةٌ بحالٍ.
فهو ﷺ رءوفٌ رحيمٌ بالمؤمنين، يسعَى لخَيْرِهم، ويحْزَنُ لحُزْنِهم، ويسألُ ربَّه سلامَتَهم.
﴿فَإِن تَوَلَّواْ فَقُل حَسبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلعَرشِ ٱلعَظِيم(129)﴾
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾:
أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك، بعد ما أُقِيمَتِ الحججُ، وناصبوك العداء.
﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾:
أي اكتَفِ بالله، واستَعِنْ به، وفوِّضْ إليه أمرك؛ فهو يكفيكَ شرَّهم، ويَدفع عنك مَكْرَهم، وهو ناصِرُك ومُؤَيِّدُك.
﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾:
أي حسبُكَ ـ يا محمّدُ ـ ربُّ العالمين، فهو تعالى كافِيُكَ وناصرُكَ، وقد أبقى سبحانه البركةَ مُتصِلَةً بك وبأُمَّتِكَ.
﴿لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾:
أي فَوَّضْتُ أَمْري إليه، واعتمدتُ عليه وحدَه في جميع شؤوني.
﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾:
أي مالِكُه وخالقُه، والعرشُ أعظمُ مخلوقاتِ اللهِ حجمًا، جَعَلَهُ اللهُ مطافًا لملائكة السماء، وقِبلةً لِدُعاءِ الخلائق.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾:
تكرارُ التوكل توكيدٌ لمعنى الاعتماد الكامل على الله ذي العظمة والجلال.