﴿ٱستَغفِر لَهُم أَو لَا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهدِي ٱلقَومَ ٱلفَٰسِقِينَ (80) فَرِحَ ٱلمُخَلَّفُونَ بِمَقعَدِهِم خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَموَٰلِهِم وَأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلحَرِّۗ قُل نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّو كَانُواْ يَفقَهُونَ (81) فَليَضحَكُواْ قَلِيلٗا وَليَبكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكسِبُونَ (82) فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنهُم فَٱستَـٔذَنُوكَ لِلخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُم رَضِيتُم بِٱلقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقعُدُواْ مَعَ ٱلخَٰلِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُم عَلَىٰ قَبرِهِۦٓۖ إِنَّهُم كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُم فَٰسِقُونَ (84) وَلَا تُعجِبكَ أَموَٰلُهُم وَأَولَٰدُهُمۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنيَا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كَٰفِرُونَ (85) وَإِذَآ أُنزِلَت سُورَةٌ أَن ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱستَـٔذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّولِ مِنهُم وَقَالُواْ ذَرنَا نَكُن مَّعَ ٱلقَٰعِدِينَ (86) رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم فَهُم لَا يَفقَهُونَ (87) لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَموَٰلِهِم وَأَنفُسِهِمۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلخَيرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ (88) أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم جَنَّٰتٖ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ (89) وَجَآءَ ٱلمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعرَابِ لِيُؤذَنَ لَهُم وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنهُم عَذَابٌ أَلِيمٞ (90) لَّيسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلمَرضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلمُحسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (91) وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّواْ وَّأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92) ۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَستَـٔذِنُونَكَ وَهُم أَغنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِم فَهُم لَا يَعلَمُونَ (93)﴾.
﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْۚذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾
كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلَّم في المدينة وقد كَثُرَ المنافقون فيها، حتى قيل: إنَّ عددهم بلغ نحوَ أربعمائة من الرجال والنساء على مَرِّ الأيام. وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم يُعامِلُهم على ما يُظهرون من الإسلام، ولا يحكم عليهم بالنِّفاق إلا إذا نزل عليه الوحيُ المُعْلِمُ بحقيقتهم، أمَّا إذا لم ينزل الوحيُ في شأن أحدٍ منهم، فالحكم يكون على الظاهر.
وكان رأسُ المنافقين عبدَ اللهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سلول، فقد أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وأخذ يُشيع بين الناس الأكاذيبَ والدَّسائس، ويطعن في مقام النبوَّة، فإذا عُوتِبَ ادَّعى البراءة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، مُظهِراً ما يُوهِم صدقَه، وهو في حقيقة أمره رأسُ الفتنة.
أمَّا ابنُه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيّ، فقد أسلم وحَسُن إسلامُه، وصار من خيار المؤمنين، بخلاف أبيه الذي كان يُخفي النفاق ويُذيع الشرَّ في المجتمع. وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يرجو هدايةَ المنافقين، ويدعو لهم بأن يُصلِح الله حالَهم ويهديَهم إلى الإيمان الصحيح، فكان استغفاره لهم على معنى طلبِ توبتهم ودخولهم في الإسلام حقيقةً.
فلمَّا قال الله تعالى: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ كان ذلك قبل نزول الجزء التالي من الآية: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾، ولذلك قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَهُمْ سَبْعِينَ وَسَبْعِينَ»، وليس المراد بالسبعين هنا العددَ المحصور، بل المراد به الإكثارُ في لسان العرب.
ثم نزلت تتمَّةُ الآية، تُبيِّن أنَّ استغفار النبيّ صلى الله عليه وسلم لأولئك المنافقين لا ينفعهم؛ لأنَّهم قد ماتوا على الكفر، وأنَّ الله تعالى قد حكم عليهم بذلك بقوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾.
فلا يجوز لأحدٍ أن يظنَّ أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يستغفر لهم بعد نزول هذا الحكم القرآني، لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُخالِف الوحيَ الذي أُنْزِلَ عليه، وكيف يستغفر لِمَن عَلِمَ بوحيٍ من الله أنَّه مات كافراً أو لن يؤمن؟! هذا محالٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالاستغفارُ كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾، أمَّا بعد نزولها فقد امتنع ذلك، وصار الحكمُ حاسماً في حقِّ أُولئك المنافقين المعيَّنين الذين أخبر اللهُ نبيَّه بحالهم.
﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾
هذا الجزء من الآية لم يكن قد نزل حين كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يستغفر للمنافقين، فلمَّا نزل بعد ذلك امتنع صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لِمَن عَلِمَ بنزول الوحي أنهم ماتوا على النفاق. أمَّا قبل نزول هذا الحكم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعامِلهم على ظاهر الإسلام، إذ لم يكن يعلم حقيقة بواطنهم، ولم يعلم سريرتُهم إلا بوحيٍ من الله تعالى.
كان عبدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سلول رأسُ المنافقين، وقد مات وهو يُظهِر الإسلام، فظنَّ ولدُه عبدُ الله – وكان مؤمنًا صالحًا – أنَّ أباه على الإسلام، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موت أبيه وقال: يا رسولَ الله، إنَّ أبي يُقِرُّ بدِينك، وهو يُشْرِفُ على الموت، ويرجوك أن تزوره، وأن تجعل في كفنه شيئًا من ثيابك، وأن تُصلِّي عليه. فاستجاب النبيُّ صلى الله عليه وسلم لذلك، وزاره وصلَّى عليه، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾، وقبل قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦٓ﴾.
فلم يكن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعلم حالَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ على الحقيقة، ولم يكن قد أوحي إليه أنه مات منافقًا. ولو كان عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك، لما صلَّى عليه قطّ، إذ يستحيل في حقِّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يصلِّي على كافرٍ يعلم أنه كافر، أو أن يستغفرَ لمن أخبره الله تعالى بعدم قبول استغفاره. ومَن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم نفاقه ثم صلَّى عليه فقد نسب إلى النبيّ – والعياذ بالله – مخالفةَ أمرِ الله وتكذيبَه، وهذا كفرٌ محضٌ لا يقوله إلا جاهلٌ أو زنديق.
إذًا فاستغفارُ النبيّ صلى الله عليه وسلم للمنافقين إنما كان في حدود قوله تعالى قبل نزول الحكم القاطع: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فكان مُخَيَّرًا في ذلك، يُعامِلُهم على الظاهر، ويرجو لهم الهداية والدخول في الإسلام حقيقةً.
وقد جاء ما يُؤيِّد هذا المعنى في قصَّة عمِّه أبي طالب؛ إذ قال له صلى الله عليه وسلم:
«لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، أي سأطلب من الله أن يُدخِلَكَ في الإسلام ما لم يأتِ نهيٌ من الله تعالى. فلمَّا مات أبو طالب على الكفر، ونزل الوحي بأنَّه مات كافرًا، امتنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه، وقال لعليٍّ رضي الله عنه: «اذْهَبْ فَوَارِهِ»، أي ادفنه، ولا صلاةَ عليه؛ لأنه لم يدخل في الإسلام.
فالفرقُ بيِّنٌ بين مَن أظهر الإسلام كعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ، وبين مَن مات مصرًّا على الكفر كأبي طالب. الأول عامله النبيّ صلى الله عليه وسلم على الظاهر قبل نزول الحكم، والثاني لم يُدفن على أحكام المسلمين لأنه لم يُسْلِم.
وأمَّا طلبُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ – وهو المنافق – لزيارة النبيّ صلى الله عليه وسلم وصلاته عليه، وحرصُه على أن يُكَفَّن بشيءٍ من ثياب رسول الله، فلم يكن إيمانًا بالله ورسوله، بل كان خشيةَ العار في قومه، وخوفَ الفضيحة على ولده بعد موته؛ إذ اختار العارَ على قومه ولم يخشَ نارَ الآخرة والعياذ بالله.
وخلاصةُ الأمر: إنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يخطئ، ولم يزلّ، وإنما عاملَ المنافقين بما أظهروا، ولم يستغفر لمن عَلِمَ بوحيٍ من الله أنه مات كافرًا، ولا يُتصوَّر في حقِّه صلى الله عليه وسلم مخالفةُ أمر الله تعالى، فهو المعصومُ المؤيَّد بالوحي.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
أي بسببِ كفرِهم باللهِ تعالى وبرسولِه صلى الله عليه وسلم، فحالُهم أنّه لا مَغفرةَ لهم. ومعنى ذلك: إذا أُوحِيَ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنَّ شخصًا ما سيموتُ على الكفر، فلا يَستغفِرُ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. فـأبو لهب لَمّا نزل فيه قولُه تعالى: ﴿سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَب * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، عَلِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه سيموت كافرًا، فلم يَستغفِر له.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
المرادُ بالفاسقين هنا: الكُفّارُ الخارجون عن دائرةِ الإيمان. فاللهُ تعالى لا يَهديهم، أي لا يوفِّقهم للإسلام. فالهدايةُ خلقٌ من الله، وكذلك الإضلالُ خلقٌ من الله عزَّ وجلّ، فمَن خَلَقَ اللهُ في قلبِه الاهتداءَ اهتدى، ومَن خَلَقَ فيه الضلالَ ضلّ.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ(٨١)﴾
﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾
هم المنافقون الذين استأذنوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في التخلّف عن غزوةِ تبوك، فأذِنَ لهم بناءً على ما أظهروه من أعذار، إذ كان صلى الله عليه وسلم يعاملهم على الظاهر، ولم يكن في ذلك زلَّةٌ منه، لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كما تقدَّم في السورة.
هؤلاء المنافقون تخلَّفوا في الحقيقة بسبب كسلهم ونفاقهم ووسوسة الشيطان، ثم فرحوا بتخلّفهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾
أي بقعودهم عن الجهاد.
﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾
أي مُخالَفَةً له، أمرهم بالخروج فتخلّفوا، فقعدوا على خلاف ما أمرهم به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
أي لم يُؤثِروا ما آثَره المؤمنون من بذلِ النفوس والأموال في سبيل الله، بل كرهوا ذلك؛ إذ ليس في قلوبهم من الإيمان والإيقان ما يدفعهم إلى هذا البذل العظيم.
﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾
قال بعضُهم لبعض، أو قالوا للمؤمنين تثبيطًا لهم عن الجهاد: إن الخروج في هذا الحرّ الشديد مشقّةٌ عظيمة.
﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾
أي قل لهم: نارُ جهنّم التي أُعِدَّت للكافرين أشدُّ حرًّا ممّا تتصوَّنُون منه.
﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾
استجهالٌ لهم، لأن مَن تجنَّبَ مشقّةَ ساعةٍ في الدنيا فوقع بسبب ذلك في عذابِ الأبد في الآخرة، فهو أجهلُ الناس. هؤلاء خافوا حرَّ يومٍ يسير، فاستحقّوا نارًا لا تنطفئ.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(٨٢)﴾
أي سيضحكون في الدنيا قليلًا لفَرَحِهم بتخلُّفهم عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ففرحوا بأنهم لم يخرجوا في ذلك السفر البعيد في شدَّة الحرِّ مع جيش العُسرة، فضحكوا واستبشروا، ووُصِفَ ضحكُهم بالقليل؛ لأن متاعَ الدنيا كلَّه قليل. أمّا بكاؤهم فسيكون في الآخرة كثيرًا، بكاءً لا ينقطع، جزاءً على ما اكتسبوه من النفاق والمعاصي.
وقد أُخرِج الكلامُ بصيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ ولم يقل: “ضحكوا”، للدلالة على تحقّق وقوعه لا محالة، وأنه أمرٌ مُحتَّم؛ ليكون تهديدًا ووعيدًا. فهؤلاء ضَحِكوا قليلًا، وسيُقابَل ذلك ببكاءٍ دائم طويل.
وقد سُئِل عن بكاءِ أهل النار: هل في النار بكاء؟ فقال أهل التفسير: يُروى أنَّ أهلَ النفاق يبكون في النار عُمُرَ الدنيا، لا يرقأُ لهم دمعٌ، ولا يَذوقون طعمَ النوم، دموعٌ متواصلة تنسال بلا انقطاع. وروي أيضًا أنَّ كثرة دموع الكفار تبلغ مبلغًا عظيمًا، حتى قيل: لو كانت السفنُ تجري في تلك الدموع لجرت، لكثرتها وامتدادها ـ نسأل الله العافية ـ.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
أي بسبب ما كانوا يفعلونه من النفاق، فكان جزاؤهم هذا البكاء الطويل المؤلم.
﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ(٨٣)﴾
﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾
أي إذا ردَّك الله من غزوة تبوك إلى المدينة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾
ولم يقل: “إلى المنافقين”؛ لأن منهم من تاب قبل رجوع النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من هلك، فكان الخطاب لطائفة باقيةٍ منهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو أن يخلُصَ المنافقون من النفاق، كما كان يدعو لبعضِ الكفار بالهداية كما ثبت في السيرة.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾
أي إن طلبوا بعد ذلك مشاركتك في غزوةٍ أخرى بعد تبوك.
﴿فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾
لأن خروجَهم لا يزيد المسلمين إلا خبالًا، ووجودَهم بينهم خطرٌ عظيم؛ فهم يطّلعون على أسرارِ الجيش، ويثبّطون الهمم، وينشرون الفتنة، فالعدوُّ في الداخل أشدُّ خطرًا من العدوّ في الخارج.
فكثرةُ العدد لا تُغني مع فساد القلوب، بل يكون ضررُ المنافقين أعظمَ من نفعهم، ولذلك جاء المنع القطعي.
﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
أي حين دُعيتم لغزوة تبوك، فاختُبرتم فآثرتم القعود.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾
أي مع مَن تخلف بعد اليوم.
ومن تأمَّل هذه الآيات عَلِمَ أن سلوك المنافقين واحد في كل زمان، وإن اختلفت الألفاظ والشعارات. فهم يثبّطون، ويشكّكون، ويطعنون في الدعوة، سواء أأظهروا ذلك أم أخفوه، ومقصدهم واحد: إضعافُ المسلمين وإطفاء نور الحق.
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦۤ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ(٨٤)﴾
كنتُ قد أشرتُ سابقًا إلى بعض المعاني المتعلِّقة بهذه الآية قبل الوصول إليها، وها أنا أُعيدُ ما يحسن إعادته تثبيتًا للفهم وتوضيحًا للمقصود.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾
أي من المنافقين، والمقصودُ بالصلاة هنا صلاةُ الجنازة.
وقوله: ﴿مَاتَ﴾ صفةٌ لـ﴿أَحَدٍ﴾، ثم قال سبحانه: ﴿أَبَدًا﴾ تأكيدًا للمنع.
وكان من عادة النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا دُفن المسلمُ أن يقف على قبره ويدعو له، فجاء النهي للنبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يفعل ذلك مع المنافقين، فقال: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِۦۤ﴾ أي لا تقف للدعاء لهم بعد دفنهم.
وقد صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية على عبدِ الله بنِ أُبَيّ بنِ سلول، رأسِ المنافقين، ودعا له، ووقف على قبره، ولم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أنه مات منافقًا؛ لأنه كان يُظهِر الإسلام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم إنما يحكم بالظاهر، ولا يحكم على بواطن الناس، فليس لأحدٍ علمٌ بالغيب.
ومن الخطأ الفاحش ـ بل من الإفك العظيم ـ ما ادّعاه بعض المعاصرين من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم نفاقه، ولكنه صلى عليه تطييبًا لخاطر ابنه!
هذا القولُ فيه افتراءٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يتضمّن نسبةَ الرضا بالكفر إليه، بل ونسبةَ فعلِ ما يخالف أمرَ الله عز وجل! وهذا مستحيلٌ في حقه صلى الله عليه وسلم، إذ الأنبياء معصومون من الوقوع في مخالفة نصٍّ قطعي، فكيف يُظَنُّ به أنه يفعل ما يُسخط الله تعالى؟!
إنما صلى عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبل نزول النهي، لاعتقاده أنه تاب وزال نفاقه، ولما نزل قوله تعالى:
﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
ثم جاء بعدها:
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾
علم النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء موتاهم على الكفر والنفاق، وأن الاستغفار لهم لا يُجدي ولا ينفع.
فبيَّن الله تعالى عِلّة هذا النهي بقوله:
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
أي كفروا في حياتهم، وماتوا مصرِّين على ذلك، فليسوا أهلًا لأن يُصلَّى عليهم، ولا أن يُدعى لهم عند قبورهم.
فإن كان الله تعالى يقول: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فهل يفعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خلافَ ذلك؟! حاشاه، بل يستحيل هذا عليه، ويستحيل تكذيبُ ما أخبر الله به.
لقد نزل الحكم، فالتزمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُصلِّ بعد ذلك على أحدٍ منهم، فدلَّ هذا على عصمته، وصدق اتِّباعه للوحي، وحُسن قيامه بأمر ربّه.
وبهذا يظهر أن الآية ليست مجرد حكم فرعي، بل هي إعلانٌ من الله تعالى بفضح المنافقين، فهم لا يستحقون دعوةَ المؤمنين ولا شفاعتهم، إذ ماتوا على الكفر.
﴿وَلَا تُعجِبكَ أَموَٰلُهُم وَأَولَٰدُهُمۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنيَا وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كَٰفِرُونَ(٨٥)﴾
هذه الآية الكريمة جاءت تأكيدًا لما سبق ذكره قبلها من النهي عن الاغترار بمظاهر المنافقين وزينة حياتهم الدنيا، وقد أعيد النهي هنا تكريرًا للمبالغة في التحذير، ولترسيخ المعنى في قلب المخاطَب، حتى يبقى حاضرًا في ذهنه لا ينساه، وليعلم أن هذا الأمر عظيم الشأن، جديرٌ بالانتباه، بعيدٌ عن الهزل والغفلة.
﴿وَلَا تُعجِبكَ أَموَٰلُهُم وَأَولَٰدُهُم﴾
أي: لا تنظر إلى كثرتهم في المال والولد نظرَ إعجابٍ أو غبطةٍ؛ فإن الظاهر الجذاب قد يكون ستارًا لعقوبةٍ عظيمة. فهذه الأموال التي يظنّها الناس نعمةً عليهم، هي في حقيقتها بلاءٌ شاقٌّ وعناءٌ متواصل. إنهم مُعذَّبون بها:
يخافون ضياعها، ويتعبون في جمعها، ويذلون أنفسهم لتحصيلها، ويرقبونها بقلوب مرتعبة، لا يستريحون ليلًا ولا نهارًا، فهي عليهم غُمَّةٌ لا نِعمة.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنيَا﴾
أي: جعلها الله سببًا لعذابهم عاجلًا؛ فهم يتيهون بها في الدنيا، ويتقلَّبون في الأكدار لأجلها، يُحاسَبون عليها، ويُسألون عن حقوقها، وهم أبعد الناس عن شكرها.
﴿وَتَزهَقَ أَنفُسُهُم وَهُم كَٰفِرُونَ﴾
أي: يموتون على كفرهم، فتخرج أرواحهم خروجًا شديدًا، من غير بُشرى ولا رضا، بل على حالٍ من أعظم حالات الحسرة، فكانت الأموال والأولاد — الذين أعجبوا بهم — حسرةً يوم القيامة، كما كانوا مُعذَّبين بهم في الدنيا.
ثم إن هذه الآية لم تُكرَّر عبثًا، بل نزلت — كما قال أهل العلم — في فِرقةٍ غير الفِرقة الواردة قبلها، فكلُّ موضع جاء لتحذيرٍ مخصوص، ومقامٍ مغاير، وأن النهي عن الإعجاب بزينة الدنيا ليس حادثًا عابرًا، بل قاعدة إيمانية ثابتة.
﴿وَإِذَآ أُنزِلَت سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنهُم وَقَالُواْ ذَرنَا نَكُن مَّعَ ٱلقَاعِدِينَ(٨٦)﴾
قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَت سُورَةٌ﴾
يجوز أن يكون المرادُ السُّورةَ بكمالِها، كما يجوز أن يُرادَ بعضُها؛ إذ يُطلَقُ اسمُ القرآنِ أو السُّورةِ على كلِّه أو على بعضِه، فكلُّ آياتِ الله نورٌ يُقالُ له قرآن، وجزؤه سورة، وكذلك هنا.
﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾
أي: إذا جاءهم أمرٌ قاطعٌ بالإيمانِ الصادقِ والجهادِ في سبيل الله مع رسولِه ﷺ.
﴿ٱسْتَـْٔذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنهُم﴾
الطَّوْلُ: السَّعَةُ والقدرة، أي أهلُ الغِنَى والفضل والقوَّة.
﴿وَقَالُواْ ذَرنَا نَكُن مَّعَ ٱلقَاعِدِينَ﴾
طلبوا التَّخلُّفَ، مع أنهم قادرون، فأحبُّوا أن يكونوا مع أصحاب الأعذارِ كالمرضى والزَّمنى، وليس لهم عذرٌ يُبيح ذلك.
﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ ٱلخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ(٨٧)﴾
﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ ٱلخَوَالِفِ﴾
الخوالفُ: النساءُ اللازِماتُ البيوت، جمعُ خالِفَةٍ، والمعنى: رضوا بالدَّناءةِ والضَّعَة، وتركوا مواضعَ الرجولةِ والفضل.
﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾
أي خُتِمَ عليها، فلا يدخلها إيمانٌ ولا يخرج منها نفاقٌ؛ لأنَّ الله تعالى عَلِمَ في الأزل أنَّهم لا يموتون إلَّا على الكفر، فشاء لهم ذلك، فخَتَم على قلوبِهم، كما قال في أوَّل البقرة: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾
لا يدركون ما في الجهادِ من الفضلِ والسعادةِ، ولا ما في التَّخلُّفِ من الخزيِ والهلاك.
﴿لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَموَٰلِهِم وَأَنفُسِهِمۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلخَيرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ(٨٨)﴾
أي: إن تخلَّف المنافقون وتقاعَسوا عن الجهاد، فقد نهض إلى الغزو قومٌ خيرٌ منهم، وهم رسولُ الله ﷺ والمؤمنون الصادقون الذين بذلوا أموالَهم وأنفُسَهم في سبيل الله، فاستغنى المؤمنون عن أولئك المتخلِّفين.
﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلخَيرَٰتُ﴾
أي: أولئك المجاهدون لهم نعمُ اللهِ الدنيويَّةُ والأخرويَّةُ جميعًا؛ فلفظُ “الخيرات” يتناولُ منافعَ الدَّارَيْن لإطلاقه، وقيل: المرادُ بالخيرات الحورُ العِين، لقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾.
﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ﴾
أي: الفائزون بكلِّ مطلوب، الظَّافرون بما أمَّلوا، الناجون ممَّا هربوا منه، فقد جمعوا بين السلامة من النقائص وتحقيق الغاية العظمى.
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلفَوزُٱلعَظِيمُ(٨٩)﴾
قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ﴾ دليلٌ بيِّنٌ على أنَّ الجنَّةَ مخلوقةٌ موجودةٌ الآن؛ إذ الإعدادُ لا يكون إلَّا لشيءٍ حاصلٍ مُهيَّأ، وقد جاء في الحديث الصحيح:«إذا جاء رمضان فُتِّحَت أبوابُ الجِنان وغُلِّقَت أبوابُ النيران»؛ وهذا نصٌّ واضحٌ على وجودهما في الحال.
وقد خالفت المعتزلةُ هذا الأصل، فزعموا أنَّ الجنَّةَ والنارَ لم تُخلقا بعد، وزاد بعضُهم فقال ـ والعياذ بالله ـ: إنَّ آدمَ عليه السلام لم يكن في الجنةِ التي يدخلها المؤمنون في الآخرة، وإنما كان في بستانٍ من بساتين الأرض. وهذا باطلٌ؛ إذ لو كانت تلك الجنةُ بستانًا أرضيًّا لَما صحَّ أن يقال لآدم وزوجه: ﴿ٱهبِطُواْ مِنهَا﴾، ولما استقام قولُه تعالى: ﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسكُن أَنتَ وَزَوجُكَ ٱلجَنَّةَ﴾.
ثمَّ إنَّ النبيَّ ﷺ قال في الحديث الصَّحيح: «لَمَّا أهبَطَ اللهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِن ثِمَارِهَا، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ تِلْكَ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَتَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ»؛ فدلَّ ذلك يقينًا على أنَّ الجنة التي أسكن اللهُ فيها آدم هي نفسُ الجنةِ التي أعدَّها لعباده المتقين، وهي فوقَ السَّماءِ السابعة، وتُفتَّح أبوابُها في رمضان.
﴿ذَٰلِكَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ﴾
أي: ذلك النعيمُ المقيم، وتلك البشارةُ العظمى، هو الفوزُ الذي لا يُدانيه فوزٌ، ولا يُقاس به نعيمٌ.
﴿وَجَآءَ ٱلمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعرَابِ لِيُؤذَنَ لَهُم وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنهُم عَذَابٌ أَلِيم(٩٠)﴾
قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ ٱلمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعرَابِ لِيُؤذَنَ لَهُم﴾:
الـمُعَذِّرون هم الذين يُوهِمون أنَّ لهم عذرًا في التخلُّف، وليس لهم في الحقيقة عذرٌ، وأصلُه من الفعل عَذَّرَ إذا قصَّر وتوانى. وهؤلاء جماعات من الأعراب سيأتي ذكرهم، وقد ورد في القراءة الأخرى: ﴿وَالْمُعْتَذِرُونَ﴾ بإدغام التاءِ في الذال ونقل حركتها إلى العين، وهم الذين يأتون بالأعذار الباطلة. وقيل: هم من قبائل أَسَدٍ وغَطَفان، قالوا: إنَّ لنا عيالًا، وإنَّ بنا جُهدًا، فأْذَنْ لنا في التخلُّف. فاعتذروا بغير حقّ.
وما أعظم هذه السورة — سورةُ التوبة — فقد كشفت عن خفايا المنافقين، حتى سُمِّيَتْ الفاضحة، وفيها البراءة من الشرك وأهله، فلا يجترئ بعد ذلك قائلٌ فيزعم أن لا فرق بين المؤمنين وهؤلاء الذين لم يدخل الإيمان قلوبهم؛ فسورةٌ اسمها براءة دليلٌ قاطع على المفاصلة بين أهل الإيمان وأهل النفاق والشرك.
ثم قال تعالى:
﴿وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ﴾
وهم منافقو الأعراب الذين لم يحضروا ولم يعتذروا أصلًا، فتخلُّفهم دون عذرٍ بيَّن كذبهم في دعوى الإيمان.
﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنهُم﴾
أي: من هؤلاء الأعراب.
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار؛ فليتذكَّر ذلك من كفر بالله، فإنَّ عذاب الدنيا إلى زوال، وأما عذاب الآخرة فشديدٌ لا ينقطع.
﴿لَّيسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍۚ وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم(٩١)﴾
﴿لَّيسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ﴾
كالهرمى والزمنى، أي أصحاب العجز.
﴿وَلَا عَلَى ٱلمَرْضَىٰ﴾
الذين يمنعهم المرض من الغزو.
﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾
أي: الفقراء الذين لم يجدوا ما يُجهِّزون به أنفسهم. وأكثر الصحابة — رضوان الله عليهم — كانوا فقراء، ومنهم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وبنو عُذْرَة، وكان بعضهم لا يملك إلا قطعةً من صوفٍ خشن، يلبسها على جسده من شدّة الفقر، فتخلّفوا عن الغزو لعذرٍ صحيح.
﴿حَرَجٌ﴾
أي: إثمٌ وضيقٌ في التخلُّف عن الجهاد — ليس عليهم منه شيء — لأن الله عذرهم.
﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾
أي: صدقوا في إيمانهم سرًّا وعلنًا، وامتثلوا أمر الله ورسوله.
وقد قال النبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ». ولم يقل عليه الصلاة والسلام: الدين المعاملة — فهذه كلمة موضوعة لا أصل لها — إذ لفظ المعاملة يشمل الفاسدة والصحيحة، فكيف يجعلها أصل الدين؟! وَقَبلَ ذلكَ، فَإِنَّهُ إذا قِيلَ: «الدِّينُ المُعامَلَةُ» ـ والعِياذُ بِاللهِ ـ فَمَعناهُ على لَوازِمِهِ الفاسِدَةِ أَنَّهُ لو كانَ أحدٌ على غَيرِ الإِسلامِ، ولكنَّ مُعامَلَتَهُ حَسَنَةٌ، لَصارَ كامِلَ الإيمانِ! أما النصيحة فهي كلمة جامعة تشمل الإيمان بالله، وكتابه، ورسوله، وأئمة المسلمين، وعامّتهم. فالنصيحة لله: الإيمان به. ولرسوله: اتِّباعه وطاعته. ولأئمة المسلمين وعامّتهم: توجيههم للخير والتمسُّك بالحق.
ولهذا قال تعالى:
﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾
أي: أخلصوا الإيمان والطاعة.
﴿مَا عَلَى ٱلمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾
أي: لا عتابَ ولا مؤاخذة على هؤلاء المعذورين إذا صدقت نياتهم.
﴿وَٱللَّهُ غَفُور﴾
يغفر لهم ترك الخروج.
﴿رَّحِيم﴾
بهم، إذ رحم ضعفهم ورفع عنهم التكليف بما لا يطيقون.
﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (٩٢)﴾
قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم﴾
أي: ليس على من جاء إليك — يا رسول الله ﷺ — من أهل الإيمان يطلبون منك ما يحملهم عليه من الدوابِّ والزاد ليخرجوا للجهاد في سبيل الله حرجٌ ولا لوم؛ لأنهم قصدوا الخروج صادقين، راغبين في نصرة الدين، لا راغبين في القعود.
﴿قُلتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحمِلُكُم عَلَيهِ﴾
أي: قلت لهم: لا أملك ما أزوِّدكم به ولا ما تركبونه. فكان النبيُّ ﷺ في حالة عُسرة شديدة، لا مال عنده ولا متاع، ومع ذلك لم يرض هؤلاء المؤمنون بالتخلُّف، بل جاؤوا يسألون رجاء المشاركة في الجهاد.
﴿تَوَلَّوْا وَأَعيُنُهُم تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ﴾
أي: انصرفوا من بين يدي رسول الله ﷺ وهم يبكون بكاءً شديدًا، تسيل أعينهم بالدموع، لا لجبنٍ ولا لتخاذل، ولكن لحرمانهم من الخروج مع رسول الله ﷺ، حزَنًا لعدم قدرتهم على تحصيل ما ينفقون في سبيل الله. فجُعلت العين نفسها كأنها كلُّها دمعٌ فائض، وهذا أبلغ في الوصف من قولك: يَفيضُ دمعُها.
وهؤلاء هم البكَّاؤون، قيل: هم أبو موسى الأشعري وأصحابُه، وقيل: ستَّةٌ من الأنصار. فشتّان ما بينهم وبين من يملك المال والخير ولا يبذله في وجوه البر ونصرة الدين، فيرى فاقة المسلمين وضروراتهم ولا يحرِّك ساكنًا! فأين هؤلاء من أولئك الذين تفيض عيونهم شوقًا للجهاد وإن لم يجدوا شيئًا؟!
﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(٩٣)﴾
﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ﴾
أي: إنما اللوم والعقوبة على صنفٍ آخر،
﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾
يطلبون منك الإذن في التخلُّف عن الجهاد، مع قدرتهم على الخروج، وصحَّة أبدانهم، وتوفُّر المال بأيديهم.
ثم قال سبحانه مستأنفًا لبيان سبب قعودهم:
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾
أي: اختاروا القعود مع النساء والعاجزين، ورضوا لأنفسهم منزلةً دنيَّة لا تليق بالمؤمنين.
﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
أي: خُتِم عليها جزاءً لتقصيرهم ونفاقهم،
﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
الحقَّ ولا يهتدون إليه؛ لأن القلوب إذا طُبِع عليها عميت عن الهدى.