﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)﴾
﴿وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعۡدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ (8)﴾
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾:
أي عذابَ الآخرة، أو عذابَ يومِ بدرٍ.
﴿إِلَى أُمَّةٍ﴾:
أي إلى مدَّةٍ من الزمان، أو إلى جماعةٍ من الأوقاتِ المعلومة، لا إلى أمَّةٍ من الناس، فالأمَّةُ هنا بمعنى: الحينِ المحدودِ والزمنِ المُعَيَّن.
﴿مَعْدُودَةٍ﴾:
أي محصورةٍ قليلةٍ، والمقصودُ تأخيرُ العذابِ إلى وقتٍ معلومٍ عندَ اللهِ تعالى.
فإذا أُخِّرَ عنهم العذابُ، سواءٌ كان عذابَ الآخرةِ أو ما نزلَ بهم يومَ بدرٍ، قالوا على سبيلِ الاستهزاءِ والتكذيبِ:
﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾
أي: ما الذي يمنعُ نزولَ هذا العذابِ؟ وأين ما توعِّدُنا به؟
﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾:
أي حينَ يجيءُ العذابُ واقعًا لا يُرَدُّ ولا يُدْفَعُ عنهم، ولا يجدونَ عنه مفرًّا ولا مهربًا.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾:
أي أحاطَ بهم العذابُ من كلِّ جهةٍ.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾:
أي العذابُ الذي كانوا يستعجلونه استهزاءً وسخريةً، فوُضِعَ لفظُ الاستهزاءِ موضعَ الاستعجالِ؛ لأنَّ استعجالَهم لم يكن طلبًا للحقيقة، بل كان طعنًا وسخريةً وتكذيبًا.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَئُوسٌ كَفُورٌ (9)﴾
الإنسان هنا هو للجنس.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾
نعمة من صحةٍ وأمنٍ وجِدّةٍ، الجِدّة تعني الغنى.
﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾
ثم سلبناه تلك النعمة وجواب القسم ماذا يكون حاله.
﴿إِنَّهُ لَئُوسٌ كَفُورٌ﴾
شديد اليأس كان في نعمة ثم سُلِبَت منه تلك النعمة، شديد اليأس من أن يعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطعٌ رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه، هذا حال الإنسان في أكثر الأحيان، إذا كان في نعمة متقلبًا فيها في صحة أو في سعة أو في رغد أو في هناء، فإذا نُزِعت منه تلك النعمة يصير يؤوسًا، عنده شدة يأس من أن ترجع له تلك النعمة، وعظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله يستاء له.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نِعْمَاءً بَعْدَ ضَرٍّ مَسَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)﴾
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نِعْمَاءً بَعْدَ ضَرٍّ مَسَّهُ﴾
وسعنا عليه النعمة بعد الفقر أو الضر الذي ناله.
﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾
أي المصائب التي ساءتني قد زالت.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾
فرح أي أشر وبطر، على الناس بما أذاقه الله من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر، وهنا وصف حال الفرح الفخور المغرور المتكبر الذي أذاقه الله تعالى النعمة بعد الضر، فماذا يكون من حاله؟ فبدل أن يقابل نعمة الله ورحمة الله بالشكر لله تعالى يقابل ذلك بالتكبر بالبطر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)﴾
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾
صبروا في المحنة والبلاء.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات وشكروا في النعمة والرخاء، إذًا ما بين الصبر والشكر.
﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾
لذنوبهم.
﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
أولئك لهم المغفرة لذنوبهم والأجر الكبير يعني الجنة.
ثم ماذا كان من حال المشركين؟ كانوا يقترحون عليه صلى الله عليه وسلم آيات معجزات يطلبوا معجزات تعنتًا لا استرشادًا، لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية إلى رشادهم. ومن اقتراحاتهم: لولا أُنزِل عليه كنز أو جاء معه ملك، وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به. ما أشد هذا الأذى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يضيق صدره أن يُلقي إليهم ما لا يقبلونه، ويضحكون منه، فهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة، أي لا تبالي بهم، وطرح المبالاة بردهم أيًّا كان ردهم واستهزاؤهم واقتراحهم.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَاقَ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)﴾
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ﴾
أي أنك لا تترك ما بلغه الله، لكن معنى “لعلك تترك” أن تلقيه إليهم مخافة ردهم له وتهاونهم به، فليس المعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام يكتم ما أنزل الله، لكن ضاق صدره بهؤلاء الذين عندما كان يلقي عليهم آيات القرآن يقابلونه بالاستهزاء.
﴿وَضَاقَ بِهِ صَدْرُكَ﴾
أي بأن تتلوه عليهم، ولم يقل “ضيَّق به صدرك”، فدل على أن هذا ضيق عارض، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان أفتح الناس صدرًا.
﴿أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾
أي مخافة أن يقولوا ما لم يأتِ، كقولهم: هلا أنزل عليه كنز لننفقه أو جاء معه ملك لنصدقه؟ تركوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب الكريم المعجزة العظيمة، وذهبوا إلى اقتراح آيات أخرى، ثم قابلوه بالإنكار.
﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾
أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت، وما عليهم أن يهدوا، فالخلق للاهتداء في قلوب العباد لله عز وجل، والدعاة إلى الله لا يخلقون الهداية.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾
أي يحفظ ما تقول، وهو فاعل بهم ما شاء أن يفعل، فتوكّل عليه وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح، غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)﴾
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾
أي هل يقولون هذا مفترى؟
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾
الضمير يعود على ما يوحى إليك، أي يقولون إن هذا القرآن الكريم مفترًى، هكذا زعموا. جاء التحدي لهم وهم العرب الفصحاء السليقيون، أهل البلاغة.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ﴾
تحداهم أولًا بعشر سور ثم بسورة واحدة، إذ عجزوا عن العشر. ومن وقت نزول القرآن الكريم إلى يومنا هذا، لم يستطع أعداء الدين أن يأتوا بعشر سور مثل القرآن، ولا حتى بسورة واحدة، وهذا دليل على إعجاز القرآن الكريم.
﴿مِّثْلِهِۦ﴾
أي في حسن الأسلوب وبلاغته ومعناه كل واحدة مماثلة لها.
﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾
صفة لعشر السور، أي سور مختلقة من عند أنفسكم كما زعمتم، فأتوا بما ادعيتم أنكم قادرون عليه.
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾
أي ادعوا من تشاءون من دون الله للمعاونة على المعارضة والتحدي.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
أي إذا كنتم صادقين في قولكم إن القرآن مفترًى.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)﴾
أي أنزل ملتبسًا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق وإخبار في آيات الله بغيوب أشياء غيبية لا سبيل لهم إليها. واعلموا عند ذلك ما علمتم بعد أن لا إله إلا الله وحده، وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم. وجمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله ﴿لَكُمْ﴾﴿فَاعْلَمُوا﴾ بعد قوله ﴿قُلْ﴾ لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾
لم يستجيبوا للرسول، وقيل الجمع لتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، أو لأن الخطاب للمشركين والضمير في ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ لمن استطعتم، أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾
أي أنزل بإذنه وأمره.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
فهل أنتم متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة؟ ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه: فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينًا على أن هذا منزل من عند الله وعلى التوحيد، فهل أنتم مسلمون مخلصون؟
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)﴾
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾
أي نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا. وما رواه مسلم في الصحيح أن عليه الصلاة والسلام قال: “إن الكافر ليُطعَم بحسناته في الدنيا فإذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له فيها نصيب”، معناه حسنات الكافر لا تسجل له ولا حسنة واحدة. لماذا؟ لأن الإيمان شرط لقبول العمل الصالح، فلا يقبل الله عز وجل أي عمل من الأعمال الصالحة إن لم يكن العبد مؤمنًا. هذه نعمة الإيمان، شرط لقبول العمل الصالح، ولو كان عملًا قليلًا، فعمله المسلم يكون عملًا صالحًا بنية خالصة لله تعالى، فيقبله الله منه، أما غير المؤمن، فلن تُقبل أعماله ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، فلا يبقى له شيء من أعماله. هذه بركة الإيمان بالله عز وجل، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: “أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله”.
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾
أي أن هذا الذي يعمل لأجل الدنيا، من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، يأخذ في الدنيا من غير نقص، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، والمراد هنا الكفار أو المنافقون.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)﴾
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾
الله يقول: ليس لهم في الآخرة إلا النار، أي ليس لهم رحمة. فمن مات على غير الإيمان لا يُترحم عليه ولا تُطلب له المغفرة.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
حبط في الآخرة ما صنعوه، أي لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم يُرِدوا به الآخرة، وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفَّى إليهم ما أرادوا. أي كان عملهم في نفسه باطلاً، لأنه لم يُعمل لغرض صحيح، والعمل الباطل لا ثواب له.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةًۚ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالْنَّارُ مَوْعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)﴾
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّهِۦ﴾
أي من كان على برهان من الله، هل يستوي هذا مع من لم يؤمن؟ الله يقول: لا يستوون عنده، وبين الفريقين تباين بين.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾
ويتلوه شاهد يشهد بصحته، وهو القرآن.
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾
أي التوراة، وهو يشهد أيضًا على البرهان السابق.
﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾
كتاب مؤتَمَ به في الدين وقدوة، ونعمة عظيمة على من اتبعوه.
﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ﴾
أي هؤلاء المؤمنون بالقرآن.
﴿وَمَنْ يَكْفُر بِهِۦ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾
يعني أهل مكة والمتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿فَالْنَّارُ مَوْعِدُهُۥ﴾
مصيره ومأواه النار.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾
لا شك في هذا الأمر، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس عنده شك في ذلك.
﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾
هذا الحق من الله عز وجل.
﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
وهذا حال كثير من الناس، أما من شرح الله صدره للإيمان، فحبّب إليه الإيمان وزيّنه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.