﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7)﴾
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُۚ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾
أَيْ: إِنَّهُمْ يَمِيلُونَ عَنِ الحَقِّ وَيَنْحَرِفُونَ عَنْهُ، فَإِذَا دَعَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالإِيمَانِ بِالقُرْآنِ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَثَنَوْا صُدُورَهُمْ عَنْ دَعْوَتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى شَيْءٍ اسْتَقْبَلَهُ بِصَدْرِهِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ لَوَى عَنْهُ صَدْرَهُ.
﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾
أَيْ: يَطْلُبُونَ الِاسْتِخْفَاءَ مِنَ اللَّهِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتُرُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ عِلْمِهِ، وَأَنْ لَا يَطَّلِعَ رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى صَدِّهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ.
﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾
أَيْ: يَتَغَطَّوْنَ بِهَا، طَلَبًا لِلْخَفَاءِ، وَكَرَاهَةً لِاسْتِمَاعِ آيَاتِ اللَّهِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾؛ لِشِدَّةِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
أَيْ: لَا يَخْتَلِفُ عِنْدَهُ السِّرُّ وَالْعَلَنُ؛ فَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ حُدُوثٌ وَلَا تَجَدُّدٌ.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا فِي القُلُوبِ مِنْ نِيَّاتٍ وَخَوَاطِرَ وَمَقَاصِدَ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَسْرَارِ النُّفُوسِ؛ وَمِنْ ثَمَّ كَانَتِ النِّيَّةُ أَصْلًا فِي قَبُولِ الأَعْمَالِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَاۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾
أَيْ: إِنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِالتَّكَفُّلِ بِأَرْزَاقِ جَمِيعِ الدَّوَابِّ، عَلَى سَبِيلِ الإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؛ فَالرِّزْقُ هُوَ كُلُّ مَا يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ النِّعَمِ إِلَى خَلْقِهِ مِمَّا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةِ وَالإِقْدَارِ، مَعَ فَرْقِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى العَبْدِ.
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾
أَيْ: يَعْلَمُ مَوْضِعَ إِقَامَةِ كُلِّ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَمَسْكَنَهَا، وَيَعْلَمُ حَالَهَا قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا، فَالْمُسْتَقَرُّ: مَوْضِعُ السُّكْنَى فِي الأَرْضِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ: مَا كَانَتْ فِيهِ مِنْ صُلْبٍ أَوْ رَحِمٍ أَوْ بَيْضَةٍ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَى مُسْتَقَرِّهَا.
﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
أَيْ: كُلُّ ذَلِكَ مُثْبَتٌ مَسْطُورٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ثَبْتًا بَيِّنًا لَا خَفَاءَ فِيهِ.
وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْإِيمَانِ بِتَقْدِيرِ الرِّزْقِ مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ الرِّفَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «عَلِمْتُ أَنَّ رِزْقِي لَنْ يَأْخُذَهُ غَيْرِي فَاطْمَأَنَّ قَلْبِي»، فَهُوَ إِيمَانٌ يُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ وَالتَّوَكُّلَ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَعُودُ بِطَانًا».
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلْعِبَادِ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ يَجْعَلُوا تَوَكُّلَهُمْ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ كُلِّ شَيْءٍ، فَهُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ(7)﴾
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾:
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، مِنَ الْأَحَدِ إِلَى الْجُمُعَةِ؛ فَخُلِقَتِ الْأَرْضُ فِي يَوْمَيِ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخُلِقَتِ السَّمَاءُ فِي يَوْمَيِ الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ، وَهُيِّئَتِ الْأَرْضُ بِمَنَافِعِهَا فِي يَوْمَيِ الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ. وَقَدْ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
وَقَدْ يَرِدُ السُّؤَالُ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إِيجَادِهَا فِي لَحْظَةٍ؟ فَيُقَالُ: فِي ذٰلِكَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ بِفَضِيلَةِ التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْمُسَارَعَةِ فِي أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى الْمَاءِ﴾:
أَيْ: كَانَ الْمَاءُ وَالْعَرْشُ مَوْجُودَيْنِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ الْمَاءُ وَالْعَرْشُ بَدْءَ الْخَلْقِ». وَفِي ذٰلِكَ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى سَبْقِ خَلْقِ الْمَاءِ وَالْعَرْشِ.
وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَاءِ»، فَكَانَ الْمَاءُ أَوَّلَ الْمَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ خُلِقَ الْعَرْشُ، ثُمَّ الْقَلَمُ، ثُمَّ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَأُمِرَ الْقَلَمُ أَنْ يَكْتُبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ كَانَ خَلْقُ هٰذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.
فَهُوَ سُبْحَانَهُ «كَانَ وَلَا مَكَانَ، فَخَلَقَ الْمَكَانَ وَهُوَ عَلَىٰ صِفَةِ الْأَزَلِ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَكَانَ»، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا التَّبْدِيلُ فِي صِفَاتِهِ.
وَسُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ؟ فَقَالَ: «إِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ»، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذٰلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلًاۗ﴾
وَهَذِهِ مِنْ حِكَمِ الخَلْقِ؛ أَيْ لِيَخْتَبِرَكُمْ وَيَمْتَحِنَكُمْ: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، أَيْ أَكْثَرُكُمْ شُكْرًا، وَأَتَمُّكُمْ عَقْلًا، وَأَوْرَعُكُمْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَأَسْرَعُكُمْ فِي طَاعَتِهِ؛ كَمَا جَاءَ فِي المَعْنَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْسَنُكُمْ عَقْلًا، وَأَوْرَعُكُمْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَأَسْرَعُكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؛ فَمَنْ شَكَرَ وَأَطَاعَ أَثَابَهُ، وَمَنْ كَفَرَ وَعَصَى عَاقَبَهُ».
﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلًاۗ﴾
أَيْ لِيُظْهِرَ مِنْ أَحْوَالِكُمْ مَا يَقَعُ بِهِ الِابْتِلَاءُ، فَيَعْلَمُ ـ عِلْمَ إِظْهَارٍ لِلْخَلْقِ ـ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ تَكُونُونَ فِي الطَّاعَةِ وَالْمُخَالَفَةِ.
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
أَيْ: إِذَا أَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَذَّبُوا وَجَحَدُوا، وَنَسَبُوا ذَلِكَ إِلَى السِّحْرِ، وَالْمُرَادُ بِذٰلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ لِأَنَّهُ النَّاطِقُ بِخَبَرِ الْبَعْثِ، فَإِذَا زَعَمُوا أَنَّهُ سِحْرٌ، انْدَرَجَ فِي زَعْمِهِمْ إِنْكَارُ الْبَعْثِ وَسَائِرِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ.