بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)﴾
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(103)﴾
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾
أي: إنَّ فيما قَصَّهُ اللهُ تعالى من أخبارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ، وما حلَّ بها من العقوباتِ بسببِ تكذيبِها لرسلِها.
﴿لَآيَةً﴾
أي: لَعِبْرَةً عظيمةً ودلالةً واضحةً.
﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾
أي: لِمَنْ اعتقدَ صِحَّتَهُ، وآمَنَ بوجودِه، وصدَّقَ به تصديقًا جازمًا؛ وهو الذي يؤمنُ باللهِ، ويؤمنُ برسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويؤمنُ بما جاءَ به من عندِ اللهِ تعالى، فيُؤمِنُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِرِ، وبالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، ويُصَدِّقُ كلَّ ما أخبرَ به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فهذا هو المنتفعُ بالعِبَرِ، وإلَّا فالآياتُ كثيرةٌ، ولكنَّ الاعتبارَ إنما يكونُ لأهلِ الخشيةِ والإيمان.
﴿ذَٰلِكَ﴾
إشارةٌ إلى يومِ القيامةِ؛ إذ لما ذُكِرَ عذابُ الأُمَمِ في الدُّنيا أعقبهُ اللهُ تعالى بذكرِ عذابِ الآخِرَةِ، فكان في ذلكَ انتقالٌ من العذابِ العاجلِ إلى العذابِ الآجِلِ.
﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾
أي: يومُ القيامةِ الذي يُجمَعُ فيه الناسُ جميعًا للحسابِ، والجزاءِ، ثوابًا أو عقابًا.
﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
أي: يومٌ تشهدُه الخلائقُ كلُّها، ولا يتخلَّفُ عنه أحدٌ، فيُحشَرُ الناسُ أجمعون، ويقفون في ذلكَ الموقفِ العظيمِ. وهو يومٌ جليلٌ ينبغي الاستعدادُ له؛ فإنَّ مَنْ آمَنَ بالسؤالِ أَعَدَّ للجوابِ. فيسألُ اللهُ تعالى عبادَهُ ويُحاسبُهم، ويُكَلِّمُهم بكلامِهِ الأزليِّ الأبديِّ، الذي ليس حرفًا ولا صوتًا، فيفهمُ كلُّ واحدٍ سؤالَهُ عن نِيَّتِهِ، وقولِهِ، وعملِهِ.
وأمَّا الأنبياءُ عليهم الصلاةُ والسلامُ، فإنما يُسأَلون إظهارًا لشرفِهم، وأمَّا غيرُهم من الخلقِ فإنهم يُحاسَبون حسابَ عدلٍ وجزاءٍ.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ(104)﴾
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾
أي: وما نُؤَخِّرُ ذلكَ اليومَ المذكورَ، وهو يومُ القيامةِ.
والأجَلُ يُطلَقُ في لسانِ العربِ على مُدَّةِ التأجيلِ كلِّها، كما يُطلَقُ على غايتِها ونهايتِها، غيرَ أنَّ العَدَّ إنما يكونُ للمُدَّةِ لا لنهايتِها.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾:
أي: ما نُؤَخِّرُ هذا اليومَ إلَّا إلى انقضاءِ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ معدودةٍ، أو ما نُؤَخِّرُهُ إلَّا إلى أن تنتهيَ المُدَّةُ التي قَدَّرناها لبقاءِ الدُّنيا.
وفي هذا تنبيهٌ إلى أنَّ ما مضى من عُمرِ الدُّنيا أكثرُ بكثيرٍ ممَّا بقي، وما بقي منها إلَّا القليلُ، وما لكلِّ واحدٍ منَّا فيها إلَّا القليلُ، وقليلُنا قليلٌ، وما بقي من هذا القليلِ إلَّا قليل.
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105)﴾
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾
أي: يومَ القيامةِ، ويومُ القيامةِ آتٍ لا محالةَ، والسَّاعةُ قريبةٌ.
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
أي: لا يتكلَّمُ أحدٌ في ذلكَ اليومِ، ولا يشفعُ شافعٌ، إلَّا بإذنِ اللهِ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
والضَّميرُ في قوله:
﴿فَمِنْهُمْ﴾
يعودُ على أهلِ الموقفِ، لدلالةِ قوله:
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾
عليهم، وقد سبقَ ذكرُ الناسِ في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾
﴿شَقِيٌّ﴾ أي: مُعَذَّبٌ.
﴿وَسَعِيدٌ﴾ أي: مُنَعَّمٌ.
فالشَّقِيُّ هو من شاءَ اللهُ تعالى أن يُختَمَ له على غيرِ الإسلامِ، والسَّعيدُ هو من شاءَ اللهُ تعالى أن يُختَمَ له على الإسلامِ. وقد عَلِمَ اللهُ سبحانه بعلمِهِ الأزليِّ الأشقياءَ والسُّعداءَ؛ فالسَّعادةُ بمشيئةِ اللهِ، والشَّقاوةُ بمشيئتِهِ.
وكتابُ الشَّقاوةِ وكتابُ السَّعادةِ لا يدخلهما محوٌ، ولا تغييرٌ، ولا تعليقٌ؛ لأنَّ ذلكَ ثابتٌ في علمِ اللهِ تعالى الأزليِّ.
وأمَّا ما يدخلهُ التعليقُ، فهو ما تكتُبُهُ الملائكةُ في صُحُفِها؛ فإنَّ الملائكةَ في ليلةِ القدرِ من كلِّ عامٍ تستنسخُ من اللَّوحِ المحفوظِ ما يكونُ من أمورِ العبادِ إلى مثلِها من العامِ القابلِ: من حياةٍ، أو موتٍ، أو رزقٍ، أو غيرِ ذلك.
فتكتبُ: فلانٌ إن وصلَ رحمَهُ مُدَّ له في عمرِهِ، وفلانٌ إن تصدَّقَ دُفِعَ عنه البلاءُ، وشفا اللهُ مريضَهُ، وفلانٌ إن قطعَ الرَّحمَ وقعَ عليه كذا وكذا من الابتلاء. فهذا هو التعليقُ الذي يكونُ في صُحُفِ الملائكةِ.
أمَّا في علمِ اللهِ تعالى الأزليِّ ومشيئتِهِ الأزليةِ، فإنَّ اللهَ سبحانه عالمٌ بمن سيصلُ الرَّحمَ، ومن سيتصدَّقُ، وجعلَ ذلكَ سببًا لمدِّ العمرِ وبسطِ الرِّزقِ، وعالمٌ بمن لا يكونُ كذلك.
وأمَّا كتابُ الشَّقاوةِ وكتابُ السَّعادةِ فلا يتبدَّلان.
إِنَّ الشَّقِيَّ لَشَقِيُّ الأَزَلِ،
وَعَكْسُهُ السَّعِيدُ لَمْ يُبَدَّلِ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(106)﴾
أهلُ الشَّقاوةِ مآلُهم إلى النَّارِ، وعذابُ النَّارِ مُؤَبَّدٌ للكافرين. والجَنَّةُ والنَّارُ موجودتان الآن؛ فقد أَعَدَّ اللهُ تعالى الجَنَّةَ، وجعلها دارَ النَّعيمِ المُقيمِ للمؤمنين، وأَعَدَّ النَّارَ، وجعلها دارَ العذابِ للكافرين.
ويدخلُ النَّارَ بعضُ عصاةِ المسلمين من أهلِ الكبائرِ الذين ماتوا من غيرِ توبةٍ، ممَّن شاءَ اللهُ تعالى لهم العذابَ؛ غيرَ أنَّهم لا يُخَلَّدون فيها، ولا يبلغُ عذابُهم ما يبلغُ عذابَ الكافرِ، فإنَّ عذابَ الكافرِ أشدُّ وأعظمُ بكثيرٍ. وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ» رواه البخاري.
وهؤلاء هم أهلُ الكبائرِ من المسلمين، الذين شاءَ اللهُ تعالى أن يُعَذَّبوا؛ إذ ماتوا من غيرِ توبةٍ، فيُعَذَّبون مُدَّةً في النَّارِ، ثم يُخْرَجون منها، ويدخلون الجَنَّةَ. فالمآلُ للمؤمنين الجَنَّةُ، والمآلُ للكافرين النَّارُ.
على أنَّ قِسْمًا من أهلِ الكبائرِ يغفرُ اللهُ تعالى لهم بشفاعةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد قال عليه الصلاةُ والسلام: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».
وجعلَ اللهُ تعالى كذلك من أسبابِ نَيْلِ شفاعةِ الإنقاذِ من العذابِ زيارةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد روى الدارقطنيُّ، وحسَّنه الحافظُ تقيُّ الدينِ السُّبكيُّ في كتابه شفاء السِّقام في زيارةِ خيرِ الأنام، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي».
فجعلَ اللهُ تعالى زيارةَ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سببًا لنيلِ شفاعةِ الإنقاذِ من العذابِ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾
أي: أُدْخِلوا النَّارَ وجُعِلوا من أهلِها، وفي قوله: ﴿فَفِي النَّارِ﴾ تأكيدٌ لثبوتِهم فيها.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾
أي: لهم في النَّارِ أصواتٌ شديدةٌ من شدَّةِ العذابِ.
والزَّفيرُ: أوَّلُ نهيقِ الحمارِ، وقيل: هو إخراجُ النَّفَسِ. والشَّهيقُ: آخرُ نهيقِهِ، وقيل: هو رَدُّ النَّفَسِ إلى الجوفِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)﴾
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أي: مُقَدَّرٌ خُلُودُهم فيها.
﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾
أي: مُدَّةَ دوامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والمرادُ بها الدَّوامُ الذي لا انقطاعَ له.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
أي: إلَّا ما شاءَ ربُّكَ ممَّا لا نهايةَ له. وليس المرادُ بذلكَ انقطاعَ العذابِ، بل إنَّ عذابَهم ليس مقصورًا على غَمْسِهم في النَّارِ فقط؛ فلهم أنواعٌ أُخَرُ من العذابِ، منها: عذابٌ بالنَّارِ، وعذابٌ بالزَّمْهَرِيرِ، وغيرُ ذلكَ من ألوانِ العذابِ.
ومِنْ جملةِ ما وردَ في السُّنَّةِ: أنَّ مَن كان في طَلَبِ النَّارِ كانتِ النَّارُ في طَلَبِه. كما وردَ أنَّ مَن قالَ من المسلمين بعد صلاةِ الصُّبحِ سبعَ مرَّاتٍ: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ»، فإن ماتَ في يومِهِ لم يُعَذَّبْ فيها، وكذلكَ مَن قالَها بعد صلاةِ المغربِ سبعَ مرَّاتٍ، فإن ماتَ في ليلتِهِ لم يُعَذَّبْ في النَّارِ.
وقد جعلَ اللهُ تعالى النَّارَ باقيةً، وهي الآنَ موجودةٌ؛ إذ قالَ سبحانه: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقالَ عن الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فدلَّ ذلكَ على أنَّ الجَنَّةَ موجودةٌ الآنَ، وأنَّ النَّارَ موجودةٌ الآنَ.
والجَنَّةُ هي التي دخلَها آدمُ عليه السلامُ، وليست جَنَّةً في الأرضِ، بل هي الجَنَّةُ التي فوقَ السَّماءِ السَّابعةِ، وهي التي دخلَها نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ؛ إذ قالَ عليه الصلاةُ والسلام: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ عَلَى النَّارِ»، وقالَ: «فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، ولم يدخلْها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فالجَنَّةُ باقيةٌ، والنَّارُ باقيةٌ، لا تَفْنَيَانِ ولا تَبِيدَانِ أبدًا. وليس كما قالتِ الجَهْمِيَّةُ مِن أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ تَفْنَيَانِ؛ فهذا قولٌ باطلٌ.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا يدلُّ على انقطاعِ عذابِ النَّارِ.
وأمَّا ما يُروَى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه من أنَّه يأتي وقتٌ ينبتُ فيه الجَرْجِيرُ في جهنَّم، فهذا غيرُ صحيحٍ، ولا يثبتُ عنه، والجَرْجِيرُ لا ينبتُ في جهنَّم. وإنَّما يُورِدُه بعضُهم استدلالًا على فناءِ النَّارِ، وهو استدلالٌ فاسدٌ.
وقد قالَ بعضُ مَن انتسبَ إلى الإسلامِ بزيِّ المشيخةِ: إنَّ النَّارَ تَفْنَى وينقطعُ عذابُها، وزعمَ أنَّ هذا أليقُ برحمةِ اللهِ. فنقولُ له: إنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
فقوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدُّنيا، يشملُ المؤمنَ وغيرَ المؤمنِ: في الرِّزقِ، والنَّفَسِ، والماءِ، والشرابِ. أمَّا في الآخرةِ، فقد قالَ سبحانه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: الذين يتَّقونَ الكفرَ، وهم المؤمنون.
فثبتَ أنَّ الجَنَّةَ باقيةٌ، والنَّارَ باقيةٌ.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: وما شاءَ ربُّكَ من دوامِها وبقائِها.
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
أي: يفعلُ ما يشاءُ في الشَّقِيِّ والسَّعيدِ؛ فهذا بمشيئتِهِ، وذاكَ بمشيئتِهِ، وهو سبحانه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، ولا يكونُ ظالِمًا.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)﴾
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾
أي: وأمَّا الذين شاءَ اللهُ تعالى لهم السَّعادةَ، فمآلُهم إلى الجَنَّةِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
أي: ماكثين فيها مكثًا دائمًا لا انقطاعَ له.
﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾
أي: مُدَّةَ دوامِ السَّمَاءِ والأرضِ، وكذلكَ دوامَ سماءِ الجَنَّةِ وأرضِها، وهو دوامٌ لا نهايةَ له.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
أي: إلَّا ما شاءَ ربُّكَ من هذا الدَّوامِ، وهو ما شاءَهُ من الخُلُودِ الأبديِّ الذي لا انقطاعَ له.
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
أي: عطاءً غيرَ مقطوعٍ، بل هو دائمٌ ممتدٌّ إلى غيرِ نهايةٍ، كما قالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: غيرُ منقوصٍ ولا مقطوعٍ.
وقد قيلَ لبعضِ أهلِ العلمِ: حدِّثْنا عن نعيمِ الجَنَّةِ، فقالَ: في الجَنَّةِ رسولُ اللهِ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ إشارةً إلى أنَّ من أعظمَ نعيمِها هو رؤيةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومجالستُه، ومجاورتُه، فضلًا عمَّا فيها من سائرِ النِّعَمِ المقيمةِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)﴾
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(103)﴾
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾
أي: إنَّ فيما قَصَّهُ اللهُ تعالى من أخبارِ الأُمَمِ الهالِكَةِ، وما حلَّ بها من العقوباتِ بسببِ تكذيبِها لرسلِها.
﴿لَآيَةً﴾
أي: لَعِبْرَةً عظيمةً ودلالةً واضحةً.
﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾
أي: لِمَنْ اعتقدَ صِحَّتَهُ، وآمَنَ بوجودِه، وصدَّقَ به تصديقًا جازمًا؛ وهو الذي يؤمنُ باللهِ، ويؤمنُ برسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ويؤمنُ بما جاءَ به من عندِ اللهِ تعالى، فيُؤمِنُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِرِ، وبالقَدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ، ويُصَدِّقُ كلَّ ما أخبرَ به رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. فهذا هو المنتفعُ بالعِبَرِ، وإلَّا فالآياتُ كثيرةٌ، ولكنَّ الاعتبارَ إنما يكونُ لأهلِ الخشيةِ والإيمان.
﴿ذَٰلِكَ﴾
إشارةٌ إلى يومِ القيامةِ؛ إذ لما ذُكِرَ عذابُ الأُمَمِ في الدُّنيا أعقبهُ اللهُ تعالى بذكرِ عذابِ الآخِرَةِ، فكان في ذلكَ انتقالٌ من العذابِ العاجلِ إلى العذابِ الآجِلِ.
﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾
أي: يومُ القيامةِ الذي يُجمَعُ فيه الناسُ جميعًا للحسابِ، والجزاءِ، ثوابًا أو عقابًا.
﴿وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾
أي: يومٌ تشهدُه الخلائقُ كلُّها، ولا يتخلَّفُ عنه أحدٌ، فيُحشَرُ الناسُ أجمعون، ويقفون في ذلكَ الموقفِ العظيمِ. وهو يومٌ جليلٌ ينبغي الاستعدادُ له؛ فإنَّ مَنْ آمَنَ بالسؤالِ أَعَدَّ للجوابِ. فيسألُ اللهُ تعالى عبادَهُ ويُحاسبُهم، ويُكَلِّمُهم بكلامِهِ الأزليِّ الأبديِّ، الذي ليس حرفًا ولا صوتًا، فيفهمُ كلُّ واحدٍ سؤالَهُ عن نِيَّتِهِ، وقولِهِ، وعملِهِ.
وأمَّا الأنبياءُ عليهم الصلاةُ والسلامُ، فإنما يُسأَلون إظهارًا لشرفِهم، وأمَّا غيرُهم من الخلقِ فإنهم يُحاسَبون حسابَ عدلٍ وجزاءٍ.
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ(104)﴾
﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾
أي: وما نُؤَخِّرُ ذلكَ اليومَ المذكورَ، وهو يومُ القيامةِ.
والأجَلُ يُطلَقُ في لسانِ العربِ على مُدَّةِ التأجيلِ كلِّها، كما يُطلَقُ على غايتِها ونهايتِها، غيرَ أنَّ العَدَّ إنما يكونُ للمُدَّةِ لا لنهايتِها.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾:
أي: ما نُؤَخِّرُ هذا اليومَ إلَّا إلى انقضاءِ مُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ معدودةٍ، أو ما نُؤَخِّرُهُ إلَّا إلى أن تنتهيَ المُدَّةُ التي قَدَّرناها لبقاءِ الدُّنيا.
وفي هذا تنبيهٌ إلى أنَّ ما مضى من عُمرِ الدُّنيا أكثرُ بكثيرٍ ممَّا بقي، وما بقي منها إلَّا القليلُ، وما لكلِّ واحدٍ منَّا فيها إلَّا القليلُ، وقليلُنا قليلٌ، وما بقي من هذا القليلِ إلَّا قليل.
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105)﴾
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾
أي: يومَ القيامةِ، ويومُ القيامةِ آتٍ لا محالةَ، والسَّاعةُ قريبةٌ.
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
أي: لا يتكلَّمُ أحدٌ في ذلكَ اليومِ، ولا يشفعُ شافعٌ، إلَّا بإذنِ اللهِ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
والضَّميرُ في قوله:
﴿فَمِنْهُمْ﴾
يعودُ على أهلِ الموقفِ، لدلالةِ قوله:
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾
عليهم، وقد سبقَ ذكرُ الناسِ في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾
﴿شَقِيٌّ﴾ أي: مُعَذَّبٌ.
﴿وَسَعِيدٌ﴾ أي: مُنَعَّمٌ.
فالشَّقِيُّ هو من شاءَ اللهُ تعالى أن يُختَمَ له على غيرِ الإسلامِ، والسَّعيدُ هو من شاءَ اللهُ تعالى أن يُختَمَ له على الإسلامِ. وقد عَلِمَ اللهُ سبحانه بعلمِهِ الأزليِّ الأشقياءَ والسُّعداءَ؛ فالسَّعادةُ بمشيئةِ اللهِ، والشَّقاوةُ بمشيئتِهِ.
وكتابُ الشَّقاوةِ وكتابُ السَّعادةِ لا يدخلهما محوٌ، ولا تغييرٌ، ولا تعليقٌ؛ لأنَّ ذلكَ ثابتٌ في علمِ اللهِ تعالى الأزليِّ.
وأمَّا ما يدخلهُ التعليقُ، فهو ما تكتُبُهُ الملائكةُ في صُحُفِها؛ فإنَّ الملائكةَ في ليلةِ القدرِ من كلِّ عامٍ تستنسخُ من اللَّوحِ المحفوظِ ما يكونُ من أمورِ العبادِ إلى مثلِها من العامِ القابلِ: من حياةٍ، أو موتٍ، أو رزقٍ، أو غيرِ ذلك.
فتكتبُ: فلانٌ إن وصلَ رحمَهُ مُدَّ له في عمرِهِ، وفلانٌ إن تصدَّقَ دُفِعَ عنه البلاءُ، وشفا اللهُ مريضَهُ، وفلانٌ إن قطعَ الرَّحمَ وقعَ عليه كذا وكذا من الابتلاء. فهذا هو التعليقُ الذي يكونُ في صُحُفِ الملائكةِ.
أمَّا في علمِ اللهِ تعالى الأزليِّ ومشيئتِهِ الأزليةِ، فإنَّ اللهَ سبحانه عالمٌ بمن سيصلُ الرَّحمَ، ومن سيتصدَّقُ، وجعلَ ذلكَ سببًا لمدِّ العمرِ وبسطِ الرِّزقِ، وعالمٌ بمن لا يكونُ كذلك.
وأمَّا كتابُ الشَّقاوةِ وكتابُ السَّعادةِ فلا يتبدَّلان.
إِنَّ الشَّقِيَّ لَشَقِيُّ الأَزَلِ،
وَعَكْسُهُ السَّعِيدُ لَمْ يُبَدَّلِ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(106)﴾
أهلُ الشَّقاوةِ مآلُهم إلى النَّارِ، وعذابُ النَّارِ مُؤَبَّدٌ للكافرين. والجَنَّةُ والنَّارُ موجودتان الآن؛ فقد أَعَدَّ اللهُ تعالى الجَنَّةَ، وجعلها دارَ النَّعيمِ المُقيمِ للمؤمنين، وأَعَدَّ النَّارَ، وجعلها دارَ العذابِ للكافرين.
ويدخلُ النَّارَ بعضُ عصاةِ المسلمين من أهلِ الكبائرِ الذين ماتوا من غيرِ توبةٍ، ممَّن شاءَ اللهُ تعالى لهم العذابَ؛ غيرَ أنَّهم لا يُخَلَّدون فيها، ولا يبلغُ عذابُهم ما يبلغُ عذابَ الكافرِ، فإنَّ عذابَ الكافرِ أشدُّ وأعظمُ بكثيرٍ. وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ» رواه البخاري.
وهؤلاء هم أهلُ الكبائرِ من المسلمين، الذين شاءَ اللهُ تعالى أن يُعَذَّبوا؛ إذ ماتوا من غيرِ توبةٍ، فيُعَذَّبون مُدَّةً في النَّارِ، ثم يُخْرَجون منها، ويدخلون الجَنَّةَ. فالمآلُ للمؤمنين الجَنَّةُ، والمآلُ للكافرين النَّارُ.
على أنَّ قِسْمًا من أهلِ الكبائرِ يغفرُ اللهُ تعالى لهم بشفاعةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد قال عليه الصلاةُ والسلام: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».
وجعلَ اللهُ تعالى كذلك من أسبابِ نَيْلِ شفاعةِ الإنقاذِ من العذابِ زيارةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فقد روى الدارقطنيُّ، وحسَّنه الحافظُ تقيُّ الدينِ السُّبكيُّ في كتابه شفاء السِّقام في زيارةِ خيرِ الأنام، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي».
فجعلَ اللهُ تعالى زيارةَ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سببًا لنيلِ شفاعةِ الإنقاذِ من العذابِ.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾
أي: أُدْخِلوا النَّارَ وجُعِلوا من أهلِها، وفي قوله: ﴿فَفِي النَّارِ﴾ تأكيدٌ لثبوتِهم فيها.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾
أي: لهم في النَّارِ أصواتٌ شديدةٌ من شدَّةِ العذابِ.
والزَّفيرُ: أوَّلُ نهيقِ الحمارِ، وقيل: هو إخراجُ النَّفَسِ. والشَّهيقُ: آخرُ نهيقِهِ، وقيل: هو رَدُّ النَّفَسِ إلى الجوفِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)﴾
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أي: مُقَدَّرٌ خُلُودُهم فيها.
﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾
أي: مُدَّةَ دوامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، والمرادُ بها الدَّوامُ الذي لا انقطاعَ له.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
أي: إلَّا ما شاءَ ربُّكَ ممَّا لا نهايةَ له. وليس المرادُ بذلكَ انقطاعَ العذابِ، بل إنَّ عذابَهم ليس مقصورًا على غَمْسِهم في النَّارِ فقط؛ فلهم أنواعٌ أُخَرُ من العذابِ، منها: عذابٌ بالنَّارِ، وعذابٌ بالزَّمْهَرِيرِ، وغيرُ ذلكَ من ألوانِ العذابِ.
ومِنْ جملةِ ما وردَ في السُّنَّةِ: أنَّ مَن كان في طَلَبِ النَّارِ كانتِ النَّارُ في طَلَبِه. كما وردَ أنَّ مَن قالَ من المسلمين بعد صلاةِ الصُّبحِ سبعَ مرَّاتٍ: «اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ»، فإن ماتَ في يومِهِ لم يُعَذَّبْ فيها، وكذلكَ مَن قالَها بعد صلاةِ المغربِ سبعَ مرَّاتٍ، فإن ماتَ في ليلتِهِ لم يُعَذَّبْ في النَّارِ.
وقد جعلَ اللهُ تعالى النَّارَ باقيةً، وهي الآنَ موجودةٌ؛ إذ قالَ سبحانه: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، وقالَ عن الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فدلَّ ذلكَ على أنَّ الجَنَّةَ موجودةٌ الآنَ، وأنَّ النَّارَ موجودةٌ الآنَ.
والجَنَّةُ هي التي دخلَها آدمُ عليه السلامُ، وليست جَنَّةً في الأرضِ، بل هي الجَنَّةُ التي فوقَ السَّماءِ السَّابعةِ، وهي التي دخلَها نبيُّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ؛ إذ قالَ عليه الصلاةُ والسلام: «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ عَلَى النَّارِ»، وقالَ: «فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، ولم يدخلْها صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فالجَنَّةُ باقيةٌ، والنَّارُ باقيةٌ، لا تَفْنَيَانِ ولا تَبِيدَانِ أبدًا. وليس كما قالتِ الجَهْمِيَّةُ مِن أنَّ الجَنَّةَ والنَّارَ تَفْنَيَانِ؛ فهذا قولٌ باطلٌ.
وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا يدلُّ على انقطاعِ عذابِ النَّارِ.
وأمَّا ما يُروَى عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رضيَ اللهُ عنه من أنَّه يأتي وقتٌ ينبتُ فيه الجَرْجِيرُ في جهنَّم، فهذا غيرُ صحيحٍ، ولا يثبتُ عنه، والجَرْجِيرُ لا ينبتُ في جهنَّم. وإنَّما يُورِدُه بعضُهم استدلالًا على فناءِ النَّارِ، وهو استدلالٌ فاسدٌ.
وقد قالَ بعضُ مَن انتسبَ إلى الإسلامِ بزيِّ المشيخةِ: إنَّ النَّارَ تَفْنَى وينقطعُ عذابُها، وزعمَ أنَّ هذا أليقُ برحمةِ اللهِ. فنقولُ له: إنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
فقوله: ﴿وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ في الدُّنيا، يشملُ المؤمنَ وغيرَ المؤمنِ: في الرِّزقِ، والنَّفَسِ، والماءِ، والشرابِ. أمَّا في الآخرةِ، فقد قالَ سبحانه: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: الذين يتَّقونَ الكفرَ، وهم المؤمنون.
فثبتَ أنَّ الجَنَّةَ باقيةٌ، والنَّارَ باقيةٌ.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: وما شاءَ ربُّكَ من دوامِها وبقائِها.
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
أي: يفعلُ ما يشاءُ في الشَّقِيِّ والسَّعيدِ؛ فهذا بمشيئتِهِ، وذاكَ بمشيئتِهِ، وهو سبحانه فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، ولا يكونُ ظالِمًا.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)﴾
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾
أي: وأمَّا الذين شاءَ اللهُ تعالى لهم السَّعادةَ، فمآلُهم إلى الجَنَّةِ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾
أي: ماكثين فيها مكثًا دائمًا لا انقطاعَ له.
﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾
أي: مُدَّةَ دوامِ السَّمَاءِ والأرضِ، وكذلكَ دوامَ سماءِ الجَنَّةِ وأرضِها، وهو دوامٌ لا نهايةَ له.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾
أي: إلَّا ما شاءَ ربُّكَ من هذا الدَّوامِ، وهو ما شاءَهُ من الخُلُودِ الأبديِّ الذي لا انقطاعَ له.
﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
أي: عطاءً غيرَ مقطوعٍ، بل هو دائمٌ ممتدٌّ إلى غيرِ نهايةٍ، كما قالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي: غيرُ منقوصٍ ولا مقطوعٍ.
وقد قيلَ لبعضِ أهلِ العلمِ: حدِّثْنا عن نعيمِ الجَنَّةِ، فقالَ: في الجَنَّةِ رسولُ اللهِ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ إشارةً إلى أنَّ من أعظمَ نعيمِها هو رؤيةُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومجالستُه، ومجاورتُه، فضلًا عمَّا فيها من سائرِ النِّعَمِ المقيمةِ.