بسم الله الرحمن الرحيم
﴿فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)﴾
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾
أي: لا تَشُكَّ ــ يا مُحَمَّدُ ــ في بُطلانِ ما يعبدُهُ هؤلاءِ المشركونَ، مع أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مُنَزَّهٌ عن الشكِّ؛ غيرَ أنَّ الخطابَ جاءَ على سبيلِ التثبيتِ والتسليةِ، بعدَ ما أُنزلَ إليكَ من أخبارِ الأممِ السالفةِ، وما حلَّ بهم من سوءِ العاقبةِ بسببِ شركِهم. ففي ذلك تسليةٌ لرسولِ الله ﷺ، وتثبيتٌ لقلبِه، ووَعْدٌ بانتقامِ اللهِ من أعدائِه، ووعيدٌ صريحٌ للذينَ يؤذونَهُ.
﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾
أي: إنَّ حالَ هؤلاءِ في الشركِ هو عينُ حالِ آبائِهم من قبلُ، وقد بلغكَ ــ يا رسولَ الله ــ ما نزلَ بآبائِهم من العذابِ، فسينزلُ بهؤلاءِ مثلُه. وهذا استئنافٌ تعليليٌّ، يُبَيِّنُ سببَ النهيِ عن المِرْيَةِ، أي: فلا تشكَّ في وقوعِ ذلك.
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾
أي: لَنُعْطِيَنَّهُمْ حظَّهُمُ المقدرَ من العذابِ، كما وَفَّيْنَا آباءَهُم نَصيبَهُم.
﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾
حالٌ من «نصيبِهم»، أي: نصيبًا كاملًا غيرَ منقوصٍ؛ فحِصَّتُهُم من العذابِ تامَّةٌ لا نقصَ فيها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)﴾
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾
أي: التوراةَ. وقد ثبتَ أنَّ عددَ الكتبِ السماويّةِ مائةٌ وأربعةُ كتبٍ، كما رُوِيَ عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ رحمهُ اللهُ، حيث قال: قرأتُ سبعينَ كتابًا ممَّا أنزلَ اللهُ. أمَّا تفصيلُها:
خمسونَ صحيفةً على شِيثَ، وثلاثونَ على إدريسَ، وعشرُ صحفٍ على إبراهيمَ، وعشرُ صحفٍ على موسى عليهمُ السلامُ، فالمجموعُ مائةٌ، ويُضافُ إليها: القرآنُ، والتوراةُ، والإنجيلُ، والزبورُ؛ فيكونُ المجموعُ مائةً وأربعةً.
وجميعُ هذهِ الكتبِ أساسُها توحيدُ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وقد يُرادُ بالكتابِ في القرآنِ: جنسُ الكتبِ السماويّةِ، وقد يُرادُ به القرآنُ الكريمُ، وقد يُرادُ به الإنجيلُ، أو التوراةُ، كما في هذا الموضعِ. وموسى عليه السلام لم يكن يهوديًّا، وكذلك إبراهيمُ عليه السلام، قال تعالى:﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾
أي: آمنَ به قومٌ، وكفرَ به آخرونَ، كما اختُلِفَ في القرآنِ؛ فآمنَ به قومٌ، وكفرَ به قومٌ. وفي ذلك تسليةٌ لرسولِ الله ﷺ، وتخفيفٌ عنه، إذ كان يلقى أذًى شديدًا من قومِه، فكانت تُقَصُّ عليه أخبارُ الأنبياءِ قبله، ليعلمَ أنَّ ما يلقاه قد لقيَهُ من قبلُ غيرُه من رسلِ الله.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
أي: لولا أنَّ اللهَ قضى في علمِه ألَّا يُعَاجِلَهُم بالعذابِ، لَقُضِيَ بينهم بالعذابِ المستأصِلِ، سواءٌ في قومِ موسى أو في قومِك. غيرَ أنَّ أُمَّةَ محمدٍ ﷺ لا يُصيبُها عذابُ استئصالٍ، كما قال ﷺ: «وسألتُ ربِّي ألَّا يُهلكَ أُمَّتي بما أهلكَ به الأُممَ قبلَهم، فأعطانيها».
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾
أي: هم في شكٍّ شديدٍ مُقلِقٍ؛ قيل: من القرآنِ، وقيل: من العذابِ. و«مُريبٍ» من «أرابَ الرجلُ» إذا صارَ ذا ريبةٍ، وذلك على سبيلِ الإسنادِ المجازيّ.
﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)﴾
﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾
أي: وإنَّ الجميعَ، أي: كلَّ المختلفين في الكتاب، مؤمنِهم وكافرِهم.
﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾
أي: ليُعطِيَنَّهُم جزاءَ أعمالِهم كاملةً، من إيمانٍ أو جحودٍ، وحَسَنٍ أو قبيحٍ، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
فتُرَدُّ أعمالُ العبادِ إليهم تامَّةً غيرَ منقوصةٍ.
﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
أي: هو سبحانه وتعالى عليمٌ بأحوالِهم وأعمالِهم، لا يخفى عليه شيءٌ منها.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
أي: الزَمِ الاستقامةَ التامَّةَ التي أُمِرتَ بها، من غيرِ ميلٍ ولا انحرافٍ، فاستقم ــ يا محمّدُ ــ استقامةً موافقةً لأمرِ الله، لا تُجاوِزُها ولا تُقَصِّرُ عنها.
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾
أي: واستقم أنتَ، وليستقم معك كلُّ من تابَ عن الكفرِ، ورجعَ إلى اللهِ تعالى مُخلِصًا مؤمنًا.
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾
أي: لا تتجاوزوا حدودَ الله، ولا تخرجوا عن أوامرِه ونواهيه.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
أي: هو مطَّلِعٌ على أعمالِكم، وسيجازيكم عليها، فخافوه واتَّقوه.
وقد قيل: ما نزلت على رسولِ الله ﷺ آيةٌ كانت أشدَّ عليه من هذه الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾،
ولذلك قال ﷺ: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ»، وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عند الترمذي، وفي إسنادِه ضعفٌ، غيرَ أنَّه يُذكَر.
فإذا كان رسولُ الله ﷺ، وهو المعصومُ، يقولُ ذلك، فكيفَ بنا نحن؟
وهو ﷺ الذي كان يقومُ الليلَ، فلا تكادُ تمضي ليلةٌ من لياليه المباركةِ مع أمِّ المؤمنينَ عائشةَ الصِّدِّيقةِ رضيَ اللهُ تعالى عنها وعن أبيها، إلَّا ويخرجُ إلى جَبَانَةِ البقيعِ، فيستغفرُ لأمواتِ المسلمينَ. ثم يعودُ، فيتوضَّأ، ويقومُ للصلاةِ، فيبكي؛ فيركعُ فيبكي، ويرفعُ فيبكي، ويسجدُ فيبكي، حتى يبتلَّ الموضعُ الذي بين يديه من كثرةِ دمعِه الشريفِ ﷺ.
فتنتبهُ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها، فتقولُ: يا رسولَ الله، أليس قد غفرَ اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر؟ فيقولُ ﷺ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا».
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)﴾
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
أي: لا تَمِيلُوا، ولا تَنْحازوا، ولا تَسْكُنوا إلى الظَّلَمَةِ.
قال الشيخُ أبو منصورٍ الماتُرِيدِيُّ رحمهُ اللهُ: هذا الخطابُ موجَّهٌ لأتباعِ الكَفَرَةِ، أي: لا تركنوا إلى القادةِ والكُبَرَاءِ في ظلمِهم، ولا تُوافِقوهم على ما يدعونَكم إليه من الباطلِ.
فالمرادُ بالذينَ ظلموا: كلُّ من اتَّصَفَ بالظلمِ، من الرؤساءِ والمُقَدَّمينَ والكُبَرَاءِ، فلا تَتَّبِعوهم في ظلمِهم، ولا تَرْضَوا بما هم عليه.
وقيل: إنَّ الرُّكونَ إليهم هو الرِّضا بكفرِهم، والكلامُ إذًا في الظَّلَمَةِ الكفّارِ، سواءٌ كانوا قادةً أو كبراءَ، فلا تتبعوهم، ولا تميلوا إليهم، ولا ترضوا بكفرِهم.
وقال قتادةُ رحمهُ اللهُ: أي لا تلحقوا بالمشركينَ.
﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾
أي: إن فَعَلْتُم ذلك، أَصابَكم عذابُ النارِ، ومَسَّتْكُم بسُوءِها.
وقد رُوِيَ عن المُوَفَّقِ رحمهُ اللهُ أنَّه صلَّى خلفَ إمامٍ، فلمَّا قرأ الإمامُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
غُشِيَ عليه، فلمَّا أفاقَ قيل له: فيمَ كان ما أصابَك؟ فقال: «هذا فيمَنْ رَكَنَ إلى مَنْ ظَلَمَ، فكيفَ بالظَّالِمِ نَفْسِهِ؟!» أي: إذا كان هذا الوعيدُ في حقِّ من مالَ إلى الظالمِ، فكيفَ حالُ الظالمِ نفسِه؟!
وعن الحسنِ البصريِّ رحمهُ اللهُ قال: «جَعَلَ اللهُ الدِّينَ بَيْنَ لَاءَيْنِ: لَا تَطْغَوْا، وَلَا تَرْكَنُوا».
فـ﴿لَا تَطْغَوْا﴾ في الآيةِ السابقةِ، و﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ في هذه الآيةِ، فجعلَ اللهُ الدِّينَ وسطًا بين تجاوزِ الحدِّ والميلِ إلى الظالمينَ.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾
وهي حالٌ من قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، أي: فتمسَّكم النارُ في حالٍ لا تجدونَ فيها من دونِ اللهِ أولياءَ يملكونَ دَفْعَ العذابِ عنكم.
فلا أحدَ يقدرُ على منعِكم من عذابِه سبحانه، ولا ناصرَ لكم سواه.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
أي: ثمَّ لا ينصُرُكم اللهُ بعد ذلك؛ لأنَّه سبحانه حكيمٌ في عقوبتِه.
و«ثُمَّ» هنا للاستبعادِ، أي: النُّصرةُ من اللهِ بعيدةٌ مستحيلةٌ إذا ركنتم إلى الظالمينَ ورضيتم بفعلِهم.
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾
أي: أَقِمِ الصَّلاةَ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِه. فالطَّرَفُ الأوَّلُ هو الغُدْوَةُ، وهي صلاةُ الفجرِ، والطَّرَفُ الآخِرُ هو العَشِيُّ، وهو ما بعدَ الزَّوالِ، فتدخُلُ فيه صلاتا الظُّهرِ والعصرِ.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾
أي: ساعاتٍ من اللَّيلِ قريبةً من آخرِ النَّهارِ. و«زُلَف» جمعُ «زُلْفَةٍ»، وهي السَّاعةُ القريبةُ، مأخوذةٌ من «أَزْلَفَهُ» إذا قرَّبَه.
والمرادُ بها صلاتا المغربِ والعشاءِ. فدلَّت الآيةُ على الصَّلواتِ الخمسِ: الفجرِ، والظُّهرِ، والعصرِ، والمغربِ، والعشاءِ.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾
في هذه الآيةِ أوجهٌ متعدِّدةٌ من التفسير:
الأوَّل: أنَّ المرادَ بالحسناتِ الصَّلواتُ الخمسُ، فهي تُذهِبُ الذنوبَ الصغائرَ، كما في الحديثِ: «إِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ تُكَفِّرُ مَا بَيْنَهُنَّ مِنَ الذُّنُوبِ»، وفي لفظٍ: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ».
الثاني: أنَّ الحسناتِ هي الطاعاتُ على وجهِ العمومِ، وأنَّ الطاعاتِ تُذهِبُ السيئاتِ، أي: تمحو المعاصيَ الصغائرَ، فكلُّ طاعةٍ سببٌ لمحوِ الذنوبِ الصغارِ.
الثالث: أنَّ المرادَ بالحسناتِ التوبةُ، وعلى هذا الوجهِ تكونُ السيئاتُ شاملةً للصغائرِ والكبائرِ جميعًا؛ لأنَّ التوبةَ الصادقةَ تمحو الذنوبَ كلَّها، كما قال ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».
ويؤيِّده قولُه ﷺ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا». والمرادُ بالحسنةِ هنا الأذكارُ العظيمةُ، كقولِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ».
وقد قال ﷺ: «إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ سَيِّئَةً، فَلْيُتْبِعْهَا بِحَسَنَةٍ». فقال أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنه ــ وهو يعلمُ فضلَها، لكنَّه أرادَ التعليمَ ــ:أَمِنَ الحسناتِ «لا إلهَ إلَّا اللهُ» يا رسولَ الله؟ فقال ﷺ: «هِيَ أَحْسَنُ الْحَسَنَاتِ».
وقد يُكَفِّرُ اللهُ تعالى بحسنةٍ عظيمةٍ واحدةٍ الذنوبَ كلَّها، صغائرَ كانت أو كبائرَ، كما في الحديثِ:
«غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ»، والفِرارُ من الزَّحفِ من كبائرِ الذنوبِ.
ومن ذلك أن يقولَ العبدُ بنيَّةٍ صادقةٍ: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ»،
فيغفرَ اللهُ له بها ذنوبَه كلَّها.
﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾
أي: عِظَةٌ وانتفاعٌ لأهلِ الذِّكرِ والاتِّعاظِ.
وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزلت في عمرو بن غَزِيَّةَ الأنصاريِّ رضيَ اللهُ عنه، وكان بائعَ تمرٍ، قال لامرأةٍ: في البيتِ تمرٌ أجودُ، فدخلت، فكان منه معها ما كان، فندمَ ندمًا شديدًا، فجاء إلى رسولِ الله ﷺ شاكِيًا باكيًا، فنزلت الآيةُ.
فقال له النبيُّ ﷺ: «هَلْ شَهِدْتَ مَعَنَا الْعَصْرَ؟» قال: نعم. قال: «هِيَ كَفَّارَةٌ لَكَ». فقيل: أَلَهُ خاصَّةً؟ قال ﷺ: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً».
وكان ذنبُه ممَّا لا يبلغُ الكبائرَ، فكانت صلاةُ العصرِ التي شهِدَها مع رسولِ الله ﷺ كفَّارةً له.