بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)﴾
﴿وَاصْبِرْ﴾
أي: اصبر ــ يا محمّدُ ــ على امتثالِ ما أُمِرْتَ به، والانتهاءِ عمَّا نُهِيتَ عنه؛ فإنَّ القيامَ بجميعِ ذلك لا يتمُّ ولا يَثبُتُ إلَّا بالصبرِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
جاء هذا الوعدُ جامعًا لكلِّ ما تقدَّم من الأوامرِ والنواهي، ابتداءً من قوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، ومرورًا بقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، وانتهاءً بهذا الأمر الجامع: ﴿وَاصْبِرْ﴾.
فهي أوامرُ ونواهٍ كلُّها داخلةٌ في إحسانِ العبدِ، وقد ضمِنَ اللهُ تعالى لأهلِ الإحسانِ أن لا يُضيِّعَ أجرَهم.
والصبرُ إذا جعله اللهُ تعالى في قلبِ المؤمنِ، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وعطاءً واسعًا من اللهِ عزَّ وجلَّ.
وحقيقةُ الصبرِ: حبسُ النفسِ، وقهرُها على ما تكرهُ تحمُّلَه، أو منعُها عمَّا تشتهي مفارقتَه.
ومن أعظمِ الواجباتِ القلبيّةِ: الصبرُ على أداءِ ما أوجبَ اللهُ تعالى، والصبرُ على اجتنابِ ما حرَّمَ، والصبرُ على ما يبتلي به اللهُ عبدَه؛ فلا يعترضُ، ولا يتسخَّطُ، بل يرضى بقضاءِ اللهِ وقدرِه.
والصبرُ ضياءٌ للقلوبِ، ومن حُرِمَ الصبرَ كان على شفا هلاكٍ. ولذلك سُمِّيَ شهرُ رمضانَ المباركُ شهرَ الصبرِ؛ لأنَّ الصيامَ يحتاجُ إلى صبرٍ، والصلاةَ تحتاجُ إلى صبرٍ.
فالذي لا صبرَ له: كيف يُؤدِّي الصلواتِ الخمسَ المكتوبةَ؟ وكيف يصومُ شهرَ رمضانَ؟ وكيف يقومُ بما افترضَ اللهُ تعالى عليه؟
وكيف يجتنبُ المعاصي؟ وكيف يحبسُ نفسَه عن الشهواتِ المحرَّمةِ؟
وكيف يُمسِكُ لسانَه عن الغيبةِ والنميمةِ، والكذبِ، والسَّبِّ، والشتمِ بغيرِ حقٍّ، وشهادةِ الزورِ؟
وكيف يكفُّ جوارحَه عن المعاصي، وعن أكلِ الرِّبا، وأكلِ مالِ اليتيمِ، وأكلِ المالِ الحرامِ، والتصرُّفِ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ؟
ثمَّ يأتي الصبرُ على ما يبتلي اللهُ تعالى به عبدَه؛ فيرضى بقضائِه وقدرِه، حلوِه ومرِّه، يُسرِه وعُسرِه، من غيرِ سخطٍ ولا اعتراضٍ.
فجاء الأمرُ بالصبرِ مقرونًا بالبشارةِ العظيمةِ: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾،
أي: إنَّ أجرَ الصابرينَ المحسنينَ محفوظٌ عند اللهِ، لا يذهبُ، ولا يضيعُ أبدًا.
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)﴾
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
أي: فهَلَّا كان، و«لولا» هنا للتحضيضِ والحثِّ، وهي متعلِّقةٌ بالفعل، تُفيدُ التوبيخَ على التَّرْك.
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾
أي: أصحابُ فضلٍ وخيرٍ وعقلٍ ودينٍ. وسُمِّيَ الفاضلُ «بَقِيَّةً»؛ لأنَّ الإنسانَ إذا أخرجَ شيئًا استبقى أجودَهُ وأفضلَهُ، فصارَت «البقيةُ» مثلًا في الجودةِ والفضلِ.
ويُقال: فلانٌ من بَقِيَّةِ القومِ، ويُقال: فلانٌ بَقِيَّةُ السَّلَفِ الصالحِ، وكانوا يقولون في بعض المشايخِ الأجلاءِ: هذا بَقِيَّةُ السلفِ الصالحِ.
ومن ذلك قولُهم: «فِي الزَّوَايَا خَبَايَا، وَفِي الرِّجَالِ بَقَايَا»؛ أي: إنَّ اللهَ يُحِبُّ الأتقياءَ الأخفياءَ، الذينَ إذا غابوا لم يُذْكَروا، وإذا حضروا لم يُعْرَفوا، يخرجون من كلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ، وكم من تقيٍّ خفيٍّ هو من أُولِي البَقِيَّةِ.
﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾
في الآيةِ تعجيبٌ للنبيِّ ﷺ ولأمَّتِه: كيف لم يكن في الأممِ التي ذكرَ اللهُ إهلاكَها في هذه السورةِ جماعةٌ من أهلِ العقلِ والدينِ ينهون غيرَهم عن الكفرِ والمعاصي؟!
وفي ذلك حثٌّ ظاهرٌ على الاشتغالِ بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، ودعوةٌ مؤكَّدةٌ إلى لزومِ هذا البابِ العظيمِ، ولا سيَّما في هذه الأوقاتِ.
ورأسُ الأمرِ بالمعروفِ: الأمرُ بالإيمانِ، ورأسُ النهيِ عن المنكرِ: النهيُ عن الكفرِ. وأعظمُ ما يكونُ عندَ اللهِ ثوابًا في هذا البابِ: الدعوةُ إلى الإيمانِ باللهِ عزَّ وجلَّ، والنهيُ عن الكفرِ.
والإيمانُ باللهِ تعالى هو الاعتقادُ الجازمُ بوجودِ اللهِ، وبوحدانيَّتِه: واحدٌ في ذاتِه، واحدٌ في صفاتِه، واحدٌ في أفعالِه.
ذاتُه سبحانه لا تُشْبِهُ الذواتِ، وصفاتُه أزليَّةٌ أبديَّةٌ لا تُشْبِهُ صفاتِ المخلوقين، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فلا شريكَ له، ولا شبيهَ، ولا مثيلَ، ولا زوجةَ، ولا ولدَ، ولا كيفيَّةَ، ولا كميَّةَ، ولا جسمَ، ولا حجمَ، ولا أعضاءَ، ولا جوارحَ له.وهو سبحانه منزَّهٌ عن الزمانِ والمكانِ، قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. وهذا التعليمُ من أحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ تعالى.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾
هذا استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنْ كان هناك قليلٌ ممَّن أنجينا من تلك القرونِ، نهَوا عن الفسادِ.
ولا يزالُ هذا القليلُ ــ بحمدِ الله ــ موجودًا في أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ، غيرَ أنَّ الأكثرينَ يتركون الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ.
وكثيرٌ من المصائبِ والبلايا التي تنزلُ بالأمَّةِ سببُها كثرةُ المنكراتِ، وتركُ إنكارِها؛ فإذا أردنا رفعَ البلاءِ، فعلينا أداءُ هذا الواجبِ الدينيِّ.
و«مِنْ» في قوله: ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنَا﴾ للبيانِ لا للتبعيضِ؛ لأنَّ النجاةَ كانت للناهين وحدَهم، بدليلِ قوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
أي: أمَّا الذينَ تركوا النهيَ عن المنكرِ، فقد اتَّبعوا شهواتِهم، وانقادوا لأهوائِهم.
﴿مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾
أي: اتَّبعوا ما أُغْرِقوا فيه من التنعُّمِ والتَّرَفِ، وحبِّ الرياسةِ، وجمعِ الثروةِ، وطلبِ أسبابِ العيشِ الهنيءِ، فرفضوا الأمرَ بالمعروفِ، وتركوا النهيَ عن المنكرِ، ونبذوه وراءَ ظهورِهم.
وقوله: ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ جملةٌ اعتراضيَّةٌ، فيها حكمٌ قاطعٌ عليهم بأنَّهم قومٌ مجرمونَ.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ﴾
اللامُ في قوله: ﴿لِيُهْلِكَ﴾ لامُ تأكيدِ النفي، وفي الآيةِ تقريرُ أصلٍ عظيمٍ من أصولِ العقيدة، وهو تنزيهُ اللهِ تعالى عن الظلمِ؛ فالظلمُ مستحيلٌ في حقِّه سبحانه.
ويَسألُ بعضُ الناسِ عن سببِ هلاكِ القرى في الأممِ البائدةِ، وعن البلايا التي تنزلُ بالقرى في هذه الأزمنة: كيف تُرفَعُ؟ وكيف يزولُ الكربُ؟ ومتى يكونُ الفرجُ؟ وما سبيلُ دفعِ الداءِ؟
﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾
أي: إذا كان أهلُ القرى على الإصلاحِ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُهلكُهم. وبالصلاحِ يصلحُ الحالُ، وبالتقوى يُرفعُ البلاءُ.
فإن كانوا متَّقينَ للهِ تعالى، عاملينَ بالإصلاحِ، جعلَ اللهُ لهم الخلاصَ. وبالتقوى والإخلاصِ معًا يُنزِلُ اللهُ الفرجَ، ويكشفُ الغمَّ، ويدفعُ الكربَ، ويُذهِبُ البلاءَ.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)﴾
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
أي: لو شاءَ اللهُ تعالى لآمنَ مَن في الأرضِ كلُّهم جميعًا. وهذه الآيةُ صريحةٌ في أنَّ كلَّ ما يجري إنما هو بمشيئةِ اللهِ تعالى، ولا تناقضَ بين المشيئةِ وبين وقوعِ الاختلاف؛ غيرَ أنَّ اللهَ سبحانه لم يشأ ذلك.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
أي: مختلفينَ في الكفرِ والإيمانِ، وفي الاعتقادِ والضلالِ، فقد شاءَ اللهُ تعالى أن يقعَ الاختلافُ؛ لِما علِمَ منهم من اختيارِهم.
وقد روى أبو داود في «السنن»، وأخرجه الإمامُ الأشعريُّ عبدُ القاهر بن طاهر البغداديُّ رحمه الله في كتابه «الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ»، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» ــ أي: أُمَّةُ الدعوةِ ــ «إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، قِيلَ: مَنْ هِيَ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي».
فهذه الفِرَقُ كلُّها تنتسبُ إلى الإسلام، وعددُها ثلاثٌ وسبعون، غيرَ أنَّ النبيَّ ﷺ بيَّن أنَّ الفرقةَ الناجيةَ واحدةٌ فقط، وهي: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، الذين هم على ما كان عليه رسولُ الله ﷺ وأصحابُه.
وليس المقصودُ شيخًا بعينه، بل جميعُ شيوخِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، من الشافعيَّةِ، والمالكيَّةِ، والحنفيَّةِ، والحنابلةِ، وكلُّ من كان على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، سواءٌ انتسبَ إلى هؤلاء الأربعةِ أو إلى غيرهم من المجتهدينَ.
وقد ذكرَ الإمامُ البغداديُّ رحمه الله هذا الحديثَ، ففصَّل الفِرَقَ فرقةً فرقةً، وبيَّن مخالفةَ كلِّ فرقةٍ في العقيدةِ، ثم أفرد بابًا خاصًّا بـ الفرقةِ الناجيةِ، فكان يقول: وأجمعوا على كذا، وأجمعوا على كذا.
وبيَّن أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ في الدِّين، إلى أن قال: وأجمعوا على أنَّ اللهَ لا يَحويه مكانٌ، ولا يجري عليه زمانٌ.
وقال الإمامُ عليٌّ رضي اللهُ عنه وكرَّم اللهُ وجهَه: «كَانَ اللهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الْآنَ عَلَىٰ مَا عَلَيْهِ كَانَ»،
وقال أيضًا: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ».
وهذا هو إجماعُ الأمَّةِ، وهو عقيدةُ السلفِ الصالحِ، وعقيدةُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ إلى يومِنا هذا، وإلى ما شاءَ اللهُ تعالى.
فالفرقةُ الناجيةُ واحدةٌ، وهي أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ.
وأمَّا قوله ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»، فذلك على حسبِ أحوالِ تلك الفِرَق؛ فمنهم من بلغت به بدعتُه الاعتقاديَّةُ ــ والعياذُ بالله ــ حدَّ الخروجِ من الملَّةِ، ومنهم من فسقَ وضلَّ، ولم تبلغ بدعتُه حدَّ الكفرِ.
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
لِما علِمَ اللهُ تعالى منهم، ولِما شاءَه سبحانه؛ فهؤلاء أشقياءُ، وهؤلاء سعداءُ، وكلٌّ جارٍ على علمِ اللهِ، وحكمتِه البالغةِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾
أي: إلَّا أُناسًا عصمهم اللهُ تعالى من الاختلافِ في الدِّينِ، فوفَّقهم للاجتماعِ على الحقِّ، فاتَّفقوا على دينِ اللهِ من غيرِ تفرُّقٍ فيه.
فالأئمَّةُ الأربعةُ: الشافعيُّ، ومالكٌ، وأحمدُ، وأبو حنيفةَ رحمهم الله جميعًا، متَّفقون في العقيدةِ، لا اختلافَ بينهم فيها، إذ عقيدتُهم واحدةٌ.
وإنما وقعَ الخلافُ بينهم في فروعِ الفقهِ، وهذا الخلافُ لا يقتضي تبديعًا ولا تفسيقًا؛ لأنَّ الدِّينَ واحدٌ، والعقيدةَ واحدةٌ.
وكذلك الأنبياءُ عليهم الصلاةُ والسلام، قال اللهُ تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ لأنَّهم جميعًا جاؤوا مبلِّغينَ عن اللهِ عزَّ وجلَّ.
﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
أي: ولِما هم عليه من اختلافٍ أو اتفاقٍ خلقهم اللهُ تعالى.
وعند أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: أنَّ اللهَ سبحانه خلقَ الخلقَ على ما عَلِمَ أنهم سيصيرون إليه؛ فمنهم مَن يختلف، ومنهم مَن يتَّفق، وكلٌّ جارٍ على علمِ اللهِ الأزليِّ، ومشيئتِه الحكيمةِ.
فعلمَ اللهُ تعالى ما يؤولُ إليه أمرُهم، فصاروا إلى ما أراده اللهُ سبحانه وتعالى بعلمِه وحكمتِه البالغةِ.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾
أي: تحقَّقتْ ونفذتْ كلمةُ اللهِ تعالى، وهي قولُه سبحانه للملائكةِ:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾،
وذلك لِما علِمَه اللهُ تعالى من كثرةِ مَن يختارونَ الباطلَ، ويُعرِضونَ عن الحقِّ باختيارِهم.
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (120)﴾
﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾
أي: نقصُّ عليك، يا محمَّدُ ﷺ، من أخبارِ الرسلِ السابقينَ.
﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
أي: ما يكون فيه تثبيتٌ لقلبِ النبيِّ ﷺ، وتسليةٌ له، وتخفيفٌ لما يلقاه من أذى قومِه، عليه الصلاةُ والسلام.
﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾
أي: جاءك في هذه السورةِ، أو في هذه الأنباءِ المقصوصةِ، ما هو حقٌّ ثابتٌ لا شكَّ فيه.
﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
أي: وفيها موعظةٌ بليغةٌ، وتذكرةٌ نافعةٌ للمؤمنينَ.
ومعنى تثبيتِ فؤادِه ﷺ: زيادةُ يقينِه؛ لأنَّ تكاثُرَ الأدلَّةِ وتنوُّعَ البراهينِ أرسخُ للقلبِ، وأثبتُ للإيمان.
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121)﴾
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾
أي: قُلْ، يا محمَّدُ ﷺ، للذين لا يُصدِّقونَ باللهِ ولا برسالتِك: اعملوا على حالِكم التي أنتم عليها، وعلى الجِهةِ والطريقةِ التي اخترتموها لأنفسِكم.
﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾
أي: ونحنُ عاملونَ على مكانتِنا، ثابتونَ على ما أمرنا اللهُ تعالى به من الإيمانِ والطاعةِ والاستقامةِ.
﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122)﴾
﴿وَانْتَظِرُوا﴾
أي: انتظروا حلولَ الدوائرِ بِنَا، وتربَّصوا ما تظنُّونَ أنَّه سينزلُ بالمؤمنينَ.
﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾
أي: ونحنُ أيضًا ننتظرُ أن ينزلَ بكم مثلُ ما قصَّه اللهُ تعالى من أنواعِ النِّقَمِ والعقوباتِ التي حلَّتْ بأمثالِكم من الأممِ المكذِّبةِ قبلَكم.
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
أي: للهِ وحدَه علمُ الغيبِ في السماواتِ والأرضِ، فلا تخفى عليه خافيةٌ ممَّا يجري فيهما، ولا تغيبُ عنه أعمالُ العبادِ، سرًّا كانت أو علنًا.
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
أي: إليه سبحانه وتعالى مآلُ جميعِ الأمورِ، فيرجعُ إليه أمرُهم وأمرُك، فيحكمُ بينكم بالعدلِ، وينتقمُ لك منهم إن شاء.
﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
أي: أخلصْ له العبادةَ وحدَه، وفوِّضْ أمركَ إليه، فإنَّه كافيك، وكافلُك، وناصرُك.
﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
أي: ليس ربُّك غافلًا عن أعمالِك ولا عن أعمالِهم، وهذا على تغليبِ جانبِ المخاطَب.
وقيل: إنَّ هذه الآيةَ كانت خاتمةَ التوراةِ.