بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ (14) وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ (15)
قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (16) فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ (17) وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) ﴾
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾
الخطابُ للذين بُعِثَ إليهم محمَّدٌ ﷺ، أي: استخلفناكم في الأرضِ بعدَ القرونِ التي أهلكناها، فجعلناكم خلفاءَ فيها، تَسْكُنُونَها بعدَهم، وتَتَصَرَّفُونَ فيها، كما تَصَرَّفُوا، وذلك ابتلاءٌ واختبار.
﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
أي: لننظرَ أَتَعْمَلُونَ خيرًا أم شرًّا، فنُعامِلَكم على حسبِ أعمالِكم. والمعنى: أنَّكم بمنظرٍ منَّا ومراقبةٍ، فانظروا كيف تعملون؛ أَبِالاعتبارِ بماضي من كان قبلكم، أم بالاغترارِ بما أنتم فيه من تمكينٍ ونِعَم.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أنْ أبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ أنْ اَتَّبِعُ إلَّا مَا يُوحَى إلَيَّ ۖإنِّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾
أي: إذا قُرِئَتْ عليهم آياتُ القرآنِ واضحاتٍ جليَّاتٍ، فلمَّا غاظهم ما في القرآنِ من ذمِّ عبادةِ الأوثانِ، والوعيدِ الشديدِ لأهلِ الطغيان.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾
أي: هاتِ قرآنًا لا يشتملُ على ذمِّ عبادتِنا، ولا على وعيدِنا، نتَّبِعْكَ عليه. وهذا الطلبُ منهم مكرٌ وخُبْثٌ، كأنَّهم يُعَرِّضُونَ بالنبيِّ ﷺ أنَّ القرآنَ من عنده، فيطلبون منه تغييره، إمَّا بالإتيانِ بغيره، أو بتبديلِه.
﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾
أي: بدِّلْ ما فيه من آياتِ الوعيدِ بآياتِ رحمةٍ، واسقُطْ ذِكْرَ آلهتِنا، وذمَّ عبادتِها. فأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يُجِيبَهم؛ لأنَّ طلبَ التبديلِ ممَّا يتوهَّمونه داخلًا تحت قدرةِ البشر.
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي﴾
أي: ما يحلُّ لي، ولا يجوزُ في حقِّي.
﴿أنْ أبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾
أي: ليس هذا القرآنُ من عندي، فأُبَدِّلَه باختياري، بل هو وحيٌ من اللهِ تعالى. وفي هذا ردٌّ قويٌّ عليهم، وبيانٌ أنَّ النبيَّ ﷺ مبلغٌ لا مُنشِئ، ولو وقعَ نسخٌ في بعضِ الأحكامِ فإنَّما هو من عند اللهِ عزَّ وجلَّ.
﴿إنْ اَتَّبِعُ إلَّا مَا يُوحَى اِلَيَّ﴾
أي: لا أَتَّبِعُ إلَّا وحيَ اللهِ، لا أزيدُ فيه، ولا أنقُصُ، ولا أُبَدِّلُ. وفي هذا إشارةٌ لطيفةٌ إلى وجوبِ اتِّباعِ كلِّ ما جاء به رسولُ اللهِ ﷺ؛ لأنَّه وحيٌ من ربِّ العالمين.
﴿اِنِّي أخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾
أي: إن خالفتُ أمرَه، وبدَّلتُ من تلقاءِ نفسي.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
أي: عذابَ يومِ القيامة، وهو يومٌ عظيمُ الهولِ، شديدُ الأمرِ، لا يَسْلَمُ فيه إلَّا من أطاعَ اللهَ واتَّبَعَ وحيَه.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚأَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾
في هذا مزيدُ تسليمٍ من رسولِ اللهِ ﷺ، كما دلَّ عليه قوله تعالى قبلُ: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، أي: إنَّ تلاوتي للقرآنِ ليست إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى. وفي ذلك إظهارٌ لأمرٍ عجيبٍ خارجٍ عن العادات؛ إذ خرج رجلٌ أُمِّيٌّ لا يقرأ مكتوبًا، ولا يكتبُ بالقلم، ولم يتعلَّم على أيدي العلماء، فقرأ على الناس كتابًا في غايةِ الفصاحةِ والبلاغة. وهذا من أعظمِ معجزاتِ رسولِ اللهِ ﷺ، بل أعظمُ معجزاتِه على الإطلاق: القرآنُ الكريم، الذي غلبَ كلَّ كلامٍ فصيح، وعلَا على كلِّ منثورٍ ومنظوم، واشتمل على علومِ الأصولِ والفروع، والإخبارِ عن الغيوبِ التي لا يعلمها إلا اللهُ تعالى. وفي الآيةِ بيانٌ أنَّ كلَّ ما جرى ويجري إنما هو بمشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولو شاء اللهُ أن لا يُتْلَى هذا القرآنُ ما تُلِي، ولكنَّه سبحانه شاء أن يُنَزِّلَه، وأن يخصَّ به نبيَّه محمَّدًا ﷺ دون سائرِ الأنبياءِ.
﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾
أي: ولا أَعْلَمَكُمُ اللهُ تعالى بالقرآنِ على لساني، فالعلمُ به والتعليمُ له كلُّه من اللهِ سبحانه.
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾
أي: أقمتُ بينكم أربعين سنةً قبل نزولِ القرآنِ، ولم تُعْرَفْ عني مزاولةُ شيءٍ من مثلِ هذا، ولا ادِّعاءُ علمٍ ولا بيانٍ، حتى تتَّهموني باختراعِه. فقد عرفتُم حالي، وصدقِي، وأمانتي، ولم أكن شاعرًا، ولا كنتُ أنظمُ الشعر، وإنما كنتُ أتفكَّر في خلقِ اللهِ، وأتحنَّثُ في غارِ حراء. فكيف يُتَصَوَّرُ بعد هذا أن يكونَ ما جئتُ به من عند نفسي؟ إنما هو وحيٌ من اللهِ تعالى، نزل به جبريلُ عليه السلام.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
أي: أفلا تتدبَّرون وتتفكَّرون، فتعلَموا أنَّ هذا القرآنَ ليس من عند بشرٍ مثلي، وإنما هو من عند اللهِ ربِّ العالمين؟ وفي هذا ردٌّ على مكرِهم وكيدِهم فيما طلبوه بقولِهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾
أي: لا أحدَ أظلمُ وأشدُّ جرمًا ممن افترى على اللهِ تعالى الكذبَ، فنسب إليه الشريكَ، أو الولدَ، أو الزوجةَ، أو وصفَه بصفاتِ النقصِ، أو شبَّهَه بخلقِه، أو قال إنَّ له أعضاءً وجوارح، أو نسب إليه الجهةَ والمكانَ، أو الجلوسَ والاستقرارَ، أو التغيُّرَ والافتقار. فكلُّ ذلك افتراءٌ عظيمٌ وكذبٌ على اللهِ الواحدِ القهَّار. ويدخلُ في ذلك أيضًا من كذَّب بآياتِ اللهِ، وردَّ وحيَه، وجحدَ ما جاء به رسلُه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾
أي: لا يفوزُ ولا ينجحُ هؤلاء المجرمون الكافرون باللهِ تعالى. فمَن كذَّب دينَ اللهِ، وجحدَ آياتِه، فهو مجرمٌ غيرُ مفلح، ولم يصفهم اللهُ تعالى بأنهم على حقٍّ، ولا بأن لهم حريةَ الكفرِ به، ولا بأنهم على خيرٍ وبركة، بل حكمَ عليهم بالإجرامِ والخسرانِ؛ لأنَّ الحقَّ واحدٌ، وهو ما جاء به الوحيُ من عند اللهِ ربِّ العالمين.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْاَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾
أي: لا يضرُّهم إن تركوا عبادتَه، فلا يجلبُ لهم ضررًا بحال.
﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾
أي: ولا ينفعُهم إن عبدوه، فلا يملِكُ لهم نفعًا ولا خيرًا.
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾
أي: هذه الأصنامُ التي يعبدونها.
﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
أي: يزعمون أنَّها تشفعُ لهم عند اللهِ في أمرِ الدُّنيا ومعيشتِها؛ لأنَّهم كانوا لا يُقِرُّونَ بالبعثِ، كما قال تعالى: ﴿وَاَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، أو يزعمون شفاعتَها يومَ القيامةِ إن كان ثمَّ بعثٌ ونشور. وهذه الأصنامُ لا تنفعُ ولا تضرُّ؛ لأنَّهم هم الذين صنعوها، ونحتوها، وصوَّروها بأيديهم، ثم عبدوها، واعتقدوا ـ والعياذُ بالله ـ أنَّها تستحقُّ السجودَ والتقرُّبَ والعبادة. وهذا كفرٌ وضلالٌ مبين.
وليس بين هذا وبين توسلِ المسلمين الموحِّدين اتفاق؛ بل الفرقُ ظاهرٌ بيِّن؛ فالمشركون يعتقدون أنَّ الأصنامَ تنفعُ وتضرُّ من دونِ الله، أمَّا المسلمون الموحِّدون فإنَّهم يتوسَّلون إلى اللهِ تعالى بنبيِّه ﷺ، فيقولون: اللهمَّ إنَّا نتوسَّلُ إليك بنبيِّنا محمَّدٍ ﷺ، ولا يعتقدون أنَّ غيرَ اللهِ يضرُّ أو ينفعُ استقلالًا، بل الفاعلُ حقيقةً هو اللهُ وحده.
﴿قُلْ اَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾
أي: أتخبرون اللهَ بكونِ هذه الأصنامِ شفعاءَ عنده، وهذا إخبارٌ بما لا يعلمه الله؟! وإذا لم يكن معلومًا له ـ وهو العالمُ بكلِّ المعلومات ـ لم يكن شيئًا أصلًا.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْاَرْضِ﴾
تأكيدٌ لنفيِ ذلك، أي: لا في السماوات ولا في الارض.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
تنزيهٌ للهِ تعالى عن الشريكِ، وتعالٍ عن كلِّ ما نسبه إليه المشركون من الباطل.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
أي: كانوا على التوحيدِ، حنفاءَ متَّفقين على مِلَّةٍ واحدةٍ، من غيرِ اختلافٍ، وذلك إمَّا من عهدِ آدمَ عليه السلام إلى أن قتلَ قابيلُ هابيلَ، أو بعد الطوفانِ حين لم يذرِ اللهُ من الكافرين ديَّارًا، ثم بعد ذلك وقعَ الاختلافُ وصاروا مللًا شتَّى.
﴿فَاخْتَلَفُوا﴾
أي: اختلفوا في الدِّين، فظهر الشركُ والضلالُ بعد أن كانوا على التوحيد.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾
أي: سبقَ في علمِ اللهِ وقضائِه تأخيرُ الحكمِ بينهم إلى يومِ القيامة، وهو يومُ الجزاءِ والحساب.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
أي: لقُضِيَ بينهم عاجلًا في الدُّنيا.
﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
أي: فيما اختلفوا فيه من الحقِّ والباطل، ولُمُيِّزَ المحقُّ من المبطلِ في الحال. ولكنَّ اللهَ تعالى أخَّر ذلك لحكمةٍ عظيمةٍ؛ لأنَّ هذه الدارَ دارُ تكليفٍ وعملٍ، وليست دارَ جزاء، وأمَّا الآخرةُ فهي دارُ الحسابِ والثوابِ والعقاب.
وقد قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه: «اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عمل». فاللهُ تعالى يعلمُ مَن ينصرُ الدِّينَ اليوم، ويعلمُ المحقَّ من المبطل، ولكنَّه أرجأَ الفصلَ والحسابَ إلى يومِ القيامة؛ لأنَّ هذه الدارَ دارُ ابتلاء، وتلك الدارَ دارُ جزاء.