بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ (20) وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ (21) هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓا أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُا ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ(٢٢)﴾
﴿وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ۖ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ (٢٠)﴾
﴿وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾
أي: يقول المشركون استكبارًا وتعنتًا: هلا أُنزِلَ على محمدٍ ﷺ آيةٌ من الآياتِ التي اقترحوها هم، لا طلبَ هدايةٍ، بل طلبَ تحدٍّ وعناد.
﴿فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ﴾
أي: الغيبُ مختصٌّ باللهِ تعالى، فهو وحده العالمُ به، وهو العالمُ بحِكمَتِه في إنزالِ الآياتِ أو عدمِ إنزالِها. فلا أحدَ يعلم الغيبَ كلَّه إلا اللهُ، حتى رسولُ اللهِ ﷺ لا يعلم من الغيبِ إلا ما علَّمه اللهُ بوحيٍ منه. وفي الآيةِ ردٌّ صريحٌ على من غلا فقال: إنَّ الرسولَ ﷺ يعلم كلَّ ما يعلمه اللهُ، فإنَّ اللهَ تعالى أخبر عنه بقوله: ﴿فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ لِلَّهِ﴾.
﴿فَانتَظِرُوا﴾
أي: انتظروا ما اقترحتموه من الآياتِ أو ما تستعجلونه من العذابِ.
﴿إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ﴾
أي: منتظرٌ لما يقضي اللهُ تعالى به فيكم بسببِ عنادِكم وجحودِكم. وهذا تهديدٌ لهم؛ إذ كانوا يتحدَّون ويقولون: أين العذابُ الذي تتوعَّدنا به يا محمد؟ فبيَّن لهم أنَّ الأمرَ كلَّه بيدِ اللهِ تعالى.
﴿وَإِذَا أَذَقنَا النَّاسَ رَحمَةً مِن بَعدِ ضَرَّاءَ مَسَّتهُم إِذَا لَهُم مَكرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسرَعُ مَكرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تَمكُرُونَ (٢١)﴾
﴿وَإِذَا أَذَقنَا النَّاسَ﴾
أي: أهلَ مكَّة.
﴿رَحمَةً﴾
أي: خصبًا وسَعَةً ورَخاءً.
﴿مِن بَعدِ ضَرَّاءَ مَسَّتهُم﴾
أي: من بعد قحطٍ وجوعٍ وجدبٍ خالطهم حتى أحسُّوا بسوءِ أثرِه فيهم. وقد رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى سلَّط القحطَ على أهلِ مكَّة سبعَ سنين حتى كادوا يهلكون، ثم رحمهم بالمطرِ والحياة.
﴿إِذَا لَهُم مَكرٌ فِي آيَاتِنَا﴾
أي: فاجأهم المكرُ بآياتِ اللهِ، فطفقوا يَدفَعُونَها ويُنكِرُونَها ويكيدون لرسولِ اللهِ ﷺ. و«إذا» هنا للمفاجأة، تدلُّ على سرعةِ وقوعِ مكرِهم، كأنَّه لم يمضِ زمنٌ بين كشفِ الضرِّ عنهم وبين شروعِهم في الكيد.
﴿قُلِ اللَّهُ أَسرَعُ مَكرًا﴾
أي: أسرعُ مجازاةً للماكرين على مكرِهم. فمكرُ العبادِ خُبثٌ وكيدٌ، أمَّا مكرُ اللهِ تعالى فهو مجازاةٌ عادلةٌ لهم على مكرِهم، كما قال سبحانه: ﴿وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ المَاكِرِينَ﴾، أي: أقدرُهم على ردِّ المكرِ وإبطاله. وليس «الماكر» من أسماءِ اللهِ تعالى، بل يوصف سبحانه بالمكرِ على جهةِ المقابلةِ والجزاءِ فقط.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكتُبُونَ مَا تَمكُرُونَ﴾
أي: إنَّ ملائكتَنا الحفظةَ يكتبون ما تمكرونه من كيدٍ وخُبثٍ، فلا يخفى ذلك على اللهِ تعالى. وفي هذا إعلامٌ وتهديدٌ بأنَّ ما يظنُّه الكافرون خافيًا فهو محفوظٌ مكتوبٌ، وسيجازيهم اللهُ تعالى عليه، وتنبيهٌ للعبادِ أنَّ عليهم رقباءَ من الملائكةِ يكتبون أعمالَهم كلَّها.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُم أُحِيطَ بِهِم ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِن أَنجَيتَنَا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ﴾
أي: هو اللهُ تعالى الذي يجعلُكم قادرين على قطعِ المسافاتِ في البرِّ مشاةً وركبانًا، وعلى ركوبِ الفلكِ الجاريةِ في البحار. وقيل: المعنى أنَّه يخلقُ فيكم نفسَ السيرِ والحركةِ، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ كلَّ شيءٍ بخلقِ اللهِ تعالى ومشيئتِه؛ فالسيرُ في البرِّ والبحرِ لا يكونُ إلا بإذنِه، ولو تعطَّلت الأسبابُ الظاهرةُ لم يتحقَّق السيرُ إلا بما شاءه اللهُ عزَّ وجلَّ.
﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم﴾
﴿فِي الفُلكِ﴾
أي: في السفن.
﴿وَجَرَينَ﴾
أي: جَرَتِ السفن.
﴿بِهِم﴾
أي: بمن فيها.
وفي الآيةِ التفاتٌ من الخطابِ إلى الغيبةِ؛ إذ قال: ﴿كُنتُم﴾ ثم قال: ﴿وَجَرَينَ بِهِم﴾، وهذا من بديعِ أساليبِ القرآنِ، وفيه تنشيطٌ للسامعِ، وإيقاظٌ للقلبِ للتدبُّر.
﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾
أي: جَرَتِ السفنُ بريحٍ لَيِّنَةٍ، لا شديدةٍ عاصفةٍ ولا ضعيفةٍ مُعطِلَةٍ، فكانت الأمورُ مستقرَّةً، والأمواجُ هادئةً، والرياحُ مناسبةً للسير، ففرحوا بتلك الحالِ المواتيةِ.
﴿جَاءَتهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾
أي: بينما هم في تلك الطمأنينةِ والفرحِ، جاءت السفنَ أو جاءت تلك الريحَ الطيِّبةَ ريحٌ أخرى عاصفةٌ شديدةُ الهبوب، ذاتُ عَصفٍ وقوَّةٍ.
﴿وَجَاءَهُمُ المَوجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾
أي: ارتفعت الأمواجُ من كلِّ جهةٍ، فأحاطت بهم من جميعِ نواحي البحرِ.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم أُحِيطَ بِهِم﴾
أي: أيقنوا الهلاكَ، وظنُّوا أنَّه لا مَخرَجَ لهم ولا نجاةَ، كما يقعُ عند اشتدادِ الأعاصيرِ والرياحِ العاتيةِ.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
أي: دَعَوُهُ مِن غَيرِ إِشرَاكٍ بِهِ، يَعنِي أَنَّهُم فِي تِلكَ اللَّحظَةِ العَصِيبَةِ دَعَوُا اللهَ دُونَ إِظهَارِ الشِّركِ فِي دُعَائِهِم، فَلَم يَلجَؤُوا إِلَى الأَصنَامِ، وَلَم يَقُولُوا: يَا هُبَلُ، أَو يَا لَاتُ، أَو يَا عُزَّى، بَل صَارُوا يَقُولُونَ: يَا اللهُ خَلِّصنَا، وَاعتَرَفُوا فِي تِلكَ اللَّحظَةِ أَنَّهُ لَا مُنجِيَ لَهُم إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَلَا مَلجَأَ وَلَا مَنجًى مِنهُ إِلَّا إِلَيهِ.
وَهَؤُلَاءِ قَبلَ ذَلِكَ كَانُوا يَعبُدُونَ الأَصنَامَ، وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيهَا، وَيَذبَحُونَ لَهَا، فَإِذَا رَكِبُوا الفُلكَ، وَجَاءَتهُمُ الرِّيَاحُ العَاصِفَةُ، وَأُحِيطَ بِهِم مِن كُلِّ جَانِبٍ، وَأَيقَنُوا بِالهَلَاكِ، قَالُوا: يَا رَبُّ.
وَلَكِنَّهُم، وَإِن قَالُوا بِأَلسِنَتِهِم: «يَا رَبُّ»، لَم يَكُونُوا مُوَحِّدِينَ، وَيَنبَغِي التَّنَبُّهُ لِذَلِكَ؛ فَالكَافِرُ بِاللهِ لَو قَالَ: «يَا رَبُّ»، لَا نَقُولُ إِنَّهُ وَحَّدَ تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، وَلَا تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا تَوحِيدَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مَا دَامَ لَا يَزَالُ مُشرِكًا، يَعبُدُ غَيرَ اللهِ، وَيُشرِكُ بِهِ شَيئًا.
فَلَيسَ مُجَرَّدُ قَولِ الإِنسَانِ: «يَا رَبُّ»، أَو قَولِهِ: «اللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَنَا»، مَعَ كَونِهِ يَعبُدُ شَيئًا مَعَ اللهِ، يُعَدُّ تَوحِيدًا، بَل هَذَا لَا يُسَمَّى تَوحِيدَ رُبُوبِيَّةٍ، وَلَا تَوحِيدَ أُلُوهِيَّةٍ، وَلَا تَوحِيدَ أَسمَاءٍ وَصِفَاتٍ.
وَمِنَ العَجَائِبِ أَنَّهُ فِي القَرنِ الثَّامِنِ الهِجرِيِّ ظَهَرَ بَعضُ شُيُوخِ المُجَسِّمَةِ، فَقَسَّمُوا التَّوحِيدَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: تَوحِيدِ أُلُوهِيَّةٍ، وَتَوحِيدِ رُبُوبِيَّةٍ، وَتَوحِيدِ أَسمَاءٍ وَصِفَاتٍ. وَنَقُولُ: إِنَّ هَذَا التَّقسِيمَ تَقسِيمٌ مُبتَدَعٌ، وَنَتَحَدَّاهُم أَن يُثبِتُوا أَنَّ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ قَالَ: إِنَّ التَّوحِيدَ يَنقَسِمُ إِلَى هَذِهِ الأَقسَامِ الثَّلَاثَةِ.
الَّذِي جَاءَ بِهِ الإِسلَامُ هُوَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ». فَإِذَا قُلتَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، فَهَذَا نَفسُ المَعنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيهِ قَولُكَ: «لَا رَبَّ إِلَّا اللهُ»، لِأَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ هِيَ بِمَعنَى لَا رَبَّ إِلَّا اللهُ.
وَلِذَلِكَ لَو قَالَ إِنسَانٌ لِلدُّخُولِ فِي الإِسلَامِ: «لَا رَبَّ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، كَفَى ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَهُوَ مُعتَقِدٌ مَعنَاهَا، فَقَد وَحَّدَ تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، وَتَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوحِيدَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعًا.
وَحَقِيقَةُ الأَمرِ أَنَّ هَذَا التَّقسِيمَ المُبتَدَعَ استُخدِمَ لِغَايَةٍ خَطِيرَةٍ، مَعَ أَنَّ أَكثَرَ مَن يُحَذِّرُ النَّاسَ مِنَ البِدَعِ هُم أَنفُسُهُم أَكثَرُ مَن ابتَدَعَ فِي العَقِيدَةِ؛ فَإِذَا رَأَوا شَيئًا عِندَ النَّاسِ، كَالاِحتِفَالِ بِمَولِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: هَذِهِ بِدعَةٌ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا بِدعَةٌ ضَلَالَةٌ.
ثُمَّ هُم أَنفُسُهُم ابتَدَعُوا فِي العَقِيدَةِ هَذَا التَّقسِيمَ، فَنَسأَلُهُم: مِن أَينَ جَاءَ هَذَا التَّقسِيمُ؟ وَمَا دَلِيلُهُ؟ هَل يَسأَلُ مَلَكَانِ القَبرِ الإِنسَانَ فَيَقُولَانِ: هَل وَحَّدتَ تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ؟ هَل وَحَّدتَ تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ؟ هَل وَحَّدتَ تَوحِيدَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ؟
لَا، إِنَّمَا يَسأَلَانِ: مَن رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَن نَبِيُّكَ؟
وَإِنَّمَا ابتَدَعُوا هَذَا التَّقسِيمَ لِيُكَفِّرُوا مَن يَقُولُ: «يَا رَبِّ، بِجَاهِ مُحَمَّدٍ اقضِ لِي حَاجَتِي»، أَو: «اشفِ لِي مَرِيضِي». فَيَقُولُونَ بِزَعمِهِم: إِنَّ المُشرِكِينَ وَحَّدُوا تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَيَستَدِلُّونَ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فَيَزعُمُونَ أَنَّ المُشرِكِينَ قَد وَحَّدُوا تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا بَاطِلٌ.
فَالمُشرِكُ لَو قَالَ: «يَا رَبُّ»، وَهُوَ يَعبُدُ الأَصنَامَ وَيُشرِكُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَم يُوَحِّد تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا غَيرَهُ.
وَأَرَادُوا بِهَذَا التَّقسِيمِ أَن يُسَوُّوا بَينَ المُشرِكِ الَّذِي يَعبُدُ الأَصنَامَ، وَبَينَ المُسلِمِ الَّذِي يَتَوَسَّلُ إِلَى اللهِ بِالأَنبِيَاءِ وَالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَيَقُولُونَ: هَذَا وَحَّدَ تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذَاكَ أَيضًا وَحَّدَ تَوحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذَا المُسلِمُ لَم يُوَحِّد تَوحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، فَيَستَوِي عِندَهُم مَعَ المُشرِكِ، وَغَايَتُهُم مِن ذَلِكَ تَكفِيرُ المُسلِمِينَ، أَعَاذَنَا اللهُ مِن سُوءِ الفَهمِ وَالزَّلَلِ.
وَأَمَّا قَولُهُم: تَوحِيدُ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، فَلِيَقُولُوا: إِنَّ مَن أَوَّلَ آيَاتِ القُرآنِ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ﴾، فَقَالَ: مَعنَاهُ أَنَّ العَرشَ مَقهُورٌ بِقُدرَةِ اللهِ، يَقُولُونَ: هَذَا أَوَّلَ، وَبِمَا أَنَّهُ أَوَّلَ فَهُوَ لَم يُوَحِّد تَوحِيدَ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، لِأَنَّهُم اعتَبَرُوا التَّأوِيلَ تَعطِيلًا، وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
فَهَؤُلَاءِ المُشرِكُونَ، إِذَا صَارُوا فِي البَحرِ، وَجَاءَتهُمُ الرِّيَاحُ العَاصِفَةُ، دَعَوُا اللهَ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ، وَلَكِن دُعَاءُ الضَّرُورَةِ لَا يَجعَلُهُم مُوَحِّدِينَ.
﴿لَئِن أَنجَيتَنَا مِن هَذِهِ﴾
أي: من هذه الشدَّةِ والعاصفةِ.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
أي: لَنَشكُرَنَّ نعمتَك، ونؤمننَّ بك، ونلتزمنَّ طاعتَك، وهذا وعدٌ يقولونه في حالِ الخوفِ والاضطرار، ثم إذا نُجُّوا عاد أكثرُهم إلى كفرِهم وغفلتِهم.
وفي الآيةِ تصويرٌ بليغٌ لحالِ الإنسانِ عند الشدائدِ، حيثُ تنكشفُ حقيقةُ افتقارِه، ويظهرُ عجزُه، ويعلمُ أنَّه لا ملجأَ له ولا منجى إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، غيرَ أنَّ السعيدَ من ثبتَ على الشكرِ والإيمانِ بعد النجاة، ولم يَرجِع إلى الغفلةِ والطغيان.