بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (9) دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ (10) ۞وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (12) وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ (13)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْاَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
يُوَفِّقُهُمُ اللهُ تعالى ويُسَدِّدُهُم بسببِ إيمانِهِم، فيرشدُهُم إلى الاستقامةِ على الصِّراطِ المستقيم، وسلوكِ الطريقِ السَّديدِ المؤدِّي إلى رضوانِ اللهِ والثَّوابِ العظيم. فالهدايةُ هنا ثمرةُ الإيمان، وبها يثبُتُ المؤمنُ على الحقِّ في الدُّنيا، ويُهْدَى في الآخرةِ إلى دارِ الكرامة.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْاَنْهَارُ﴾
بيانٌ لمآلِ هذه الهدايةِ ونتيجتِها؛ إذ إنَّ التمسُّكَ بسببِ السعادةِ كالوصولِ إليها. ويُحْتَمَلُ أن يكون المعنى: أنَّ اللهَ تعالى يهديهم في الآخرةِ بنورِ إيمانِهِم إلى طريقِ الجنَّة، فتجري من تحتِهم أنهارُها. وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الإيمانَ في أصلِه مُنْجٍ؛ إذ قال: ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ولم يَضُمَّ إليه العملَ الصالحَ في هذا الموضع.
فكلُّ مَن مات على الإيمانِ فهو من أهلِ النَّجاةِ، غيرَ أنَّ الذي جمع بين الإيمانِ والعملِ الصالحِ يدخلُ الجنَّةَ من غيرِ سابقِ عذابٍ. أمَّا المؤمنُ العاصي، فإنَّه أيضًا من أهلِ النَّجاةِ، لكن إن مات متلبِّسًا ببعضِ الكبائرِ من غيرِ توبةٍ، فهو تحتَ مشيئةِ اللهِ تعالى: إن شاءَ عذَّبه مدَّةً في النار، ثم يُدْخِلُه الجنَّة، وإن شاءَ عفا عنه ابتداءً، أو أنقذه بشفاعةِ النبيِّ ﷺ، فيدخلُ الجنَّةَ من غيرِ عذاب.
وليس معنى ذلك أنَّ الذنوبَ لا تضرُّ مع الإيمان، كما قالتِ المرجئةُ، بل الحقُّ أنَّ اللهَ تعالى قد يُعَذِّبُ بعضَ عصاةِ أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ من أهلِ الكبائرِ إذا ماتوا بلا توبةٍ، لكنَّهم لا يُخَلَّدون في النار. وقد قال ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي بِشَفَاعَتِي»، فدلَّ ذلك على أنَّ قد يُعَذِّبُ بعضَ عصاةِ أُمَّةِ محمَّدٍ من المؤمنين
فالإيمانُ نورٌ جعله اللهُ تعالى في قلبِ المؤمنِ في الدُّنيا، ويجعلُ له به نورًا في الآخرةِ، يهديه ويُوصِلُه إلى طريقِ الجنَّة. أمَّا الكفَّارُ ـ والعياذُ بالله ـ فهم من أهلِ الخلودِ الأبديِّ في نارِ جهنَّم، كما قال تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾
أي: في نعيمِ الجنَّةِ الكاملِ، وهو نعيمٌ خالصٌ لا كدرَ فيه، ولا نقصَ، ولا انقطاعَ، نعيمٌ دائمٌ باقٍ أعدَّه اللهُ تعالى لعبادِهِ المؤمنين.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۖ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾
أي: دُعَاؤُهُم في الجنَّةِ، والمرادُ بالدُّعاءِ هنا الذِّكرُ؛ لأنَّ قولَهم: «اللَّهُمَّ» نداءٌ للهِ تعالى، ومعناه: يا الله. فهم يَدْعُونَ اللهَ سبحانه بقولِهم: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ» تلذُّذًا بذكرِه، ومن تمامِ نعيمِ أهلِ الجنَّةِ أنَّهم يتنعَّمون بذكرِ اللهِ بلا تكلُّفٍ ولا مَشَقَّة، كما يُلْهَمُ الإنسانُ النَّفَسَ في الدُّنيا بلا عناء، فكذلك يُلْهَمُونَ الذِّكرَ في الجنَّةِ، فيتلذَّذون به أعظمَ التلذُّذ.
﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾
أي: نُنَزِّهُكَ يا اللهُ تنزيهًا كاملًا. والتسبيحُ هو التَّنزيهُ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، فقولُ: «سُبْحَانَ اللهِ» معناه: أُنَزِّهُ اللهَ تعالى عن الزوجةِ، والولدِ، والشريكِ، والمثيلِ، والمكانِ، والزَّمانِ. ومن عظيمِ فضلِ التسبيحِ ما جاء في الأذكارِ المأثورةِ، كقولِ: «سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ»، ولا سيَّما إذا قيلت فيما بينَ صلاةِ الصبحِ وصلاةِ الضحى. فهم في الجنَّةِ يُنَزِّهُونَ اللهَ تعالى تلذُّذًا، وكلُّ ما في الجنَّةِ نعيمٌ عظيم، ومن أعظمِ نعيمِها أن يكونَ فيها أنبياءُ اللهِ، وفيها سيِّدُنا محمَّدٌ رسولُ اللهِ ﷺ، فيرى المؤمنُ نبيَّه إذا اشتاقَ إليه، ولا يرى في الجنَّةِ كدرًا ولا مُكَدِّرًا، ولا يرى إلا ما يُحِبُّ، ولا يلقى إلا من يُحِبُّ.
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾
أي: يُحَيِّي بعضُهم بعضًا بالسلامِ، وقيل: هي تحيَّةُ الملائكةِ لهم، وقيل: هي تحيَّةُ اللهِ تعالى لعبادِه المؤمنين، وكلُّها معانٍ صحيحةٌ متلازمةٌ، تدلُّ على تمامِ الأمنِ والطمأنينةِ في دارِ النعيم.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾
أي: خاتمةُ دُعَائِهم وذكرِهم في الجنَّةِ.
﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
أي: يقولون في ختامِ كلامِهم: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. فقيل: أوَّلُ كلامِهم التسبيحُ، وآخرُه التحميدُ؛ فيبتدئون بتعظيمِ اللهِ وتنزيهِه، ويختمون بحمدِه وشكرِه، ويتكلَّمون بين ذلك بما شاءوا. وذلك لأنَّهم قد عاينوا النعيمَ العظيمَ المقيمَ، فسبَّحوا اللهَ ونزَّهُوه، ثم حمِدُوه وشكروه على ما أنعمَ به عليهم من فضلِه وإحسانِه، إذ وفَّقهم في الدُّنيا للإيمانِ والعملِ الصالحِ، ويسَّر لهم سُبُلَ الخيرِ والرَّشاد.
فالدخولُ إلى الجنَّةِ يكونُ بتوفيقِ اللهِ، والعملُ لها محفوفٌ بالمكاره؛ كما صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». فالمكارهُ تشملُ الاجتهادَ في العباداتِ، والمواظبةَ عليها، والصبرَ على مشاقِّها، وكظمَ الغيظِ، والعفوَ، والحِلمَ، والصدقةَ، والإحسانَ إلى المسيءِ، والصبرَ عن الشهواتِ المحرَّمة. أمَّا الشهواتُ التي حُفَّت بها النارُ فهي الشهواتُ المحرَّمة.
فإذا كان هذا جزاءَ من قامَ وصامَ وجاهدَ نفسَه في الدُّنيا، فكيف بعِظَمِ تلك الجائزةِ في الجنَّة؟ يثيبُهم اللهُ تعالى فضلًا منه لا وجوبَ عليه، فيحمدونه سبحانه وتعالى. وقد ورد أنَّ من سألَ اللهَ الجنَّةَ ثلاثَ مرَّاتٍ في اليومِ، قالتِ الجنَّةُ: اللهمَّ أدخِلْه فيَّ، ومن استعاذَ باللهِ من جهنَّم ثلاثَ مرَّاتٍ، قالتِ النارُ: اللهمَّ أَجِرْه منِّي.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾
أصلُ المعنى: ولو يُعَجِّلُ اللهُ تعالى للناسِ الشَّرَّ تعجيلَه لهمُ الخيرَ. فوُضِعَ قولُه: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ موضعَ تعجيلِه لهمُ الخيرَ؛ إشعارًا بسرعةِ إجابتِه سبحانه لهم فيما يطلبون من النِّعَم. والمرادُ بالناسِ هنا أهلُ مكَّة، ومن جملةِ استعجالِهم للشرِّ قولُهم استهزاءً وتحدِّيًا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: لو عَجَّلَ اللهُ لهم الشرَّ الذي دعوا به كما يُعَجِّلُ لهم الخيرَ ويُجيبُهم إليه.
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾
أي: لأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا عاجلًا، وانتهت آجالُهم بالهلاكِ العامِّ.
﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ﴾
أي: نتركُ الذين لا يؤمنون بالبعثِ ولا يرجون لقاءَ اللهِ تعالى في شركِهم وضلالِهم، والطغيانُ هنا هو الشركُ ومجاوزةُ الحدِّ في الكفر.
﴿يَعْمَهُونَ﴾
أي: يَتَرَدَّدُونَ متحيِّرين متخبِّطين. ووجهُ اتصالِ الآيةِ بما قبلَها أنَّ قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾متضمِّنٌ معنى نفيِ التعجيل، كأنَّه قيل: لا نُعَجِّلُ لهم الشرَّ، ولا نَقْضِي إليهم آجالَهم، بل نُمهِلُهم، ونُفيضُ عليهم النِّعَمَ مع طغيانِهم؛ لإقامةِ الحجَّةِ عليهم. فقد كان المشركون بمكَّة يستعجلون العذابَ استهزاءً، ولو عَجَّلَ اللهُ تعالى لهم ذلك كما عَجَّلَ لهم أنواعَ الرخاءِ والبسطِ والنعمةِ، لهلكوا، ولكنَّه سبحانه أمهلهم مع قيامِ الحجَّةِ عليهم.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾
أي: إذا أصابه. والمرادُ بالإنسانِ هنا الكافرُ في هذا الموضع.
﴿الضُّرُّ دَعَانَا﴾
أي: إذا نزل به الضرُّ دعا اللهَ تعالى لإزالته وكشفِه عنه.
﴿لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾
أي: دعانا وهو مضطجعٌ على جنبِه، أو قاعدٌ، أو قائمٌ. وفائدةُ ذكرِ هذه الأحوالِ أنَّ المضرورَ لا يزالُ مُلِحًّا في الدعاءِ، لا يَفْتُرُ عنه في حالٍ من أحوالِه، سواءٌ كان عاجزًا مضطجعًا، أو قاعدًا لا يقدرُ على القيام، أو قائمًا لا يطيقُ المشي.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾
أي: أزلنا عنه ما أصابه من البلاءِ والشِّدَّة.
﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾
أي: مضى ورجع إلى حالِه الأولى قبل نزولِ الضرِّ، ونسي ما كان فيه من الجهدِ والشدَّة، وانصرف عن مقامِ التضرُّعِ والابتهالِ، كأنَّه لم يَدْعُ اللهَ قطُّ، ولا عهدَ له بما أصابه.
﴿كَذَلِكَ﴾
أي: مثلَ ذلك التزيينِ.
﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾
أي: للمجاوزين الحدَّ في الكفر، زيَّنَ لهم الشيطانُ بوسوستِه.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
من الإعراضِ عن ذكرِ اللهِ، واتباعِ الكفرِ والضلالِ. فهذه الآيةُ تُبيِّنُ حالَ الإنسانِ الكافرِ: إذا نزل به البلاءُ لجأ إلى اللهِ في جميعِ أحوالِه، فإذا كشفَ اللهُ عنه ما به، نسي ما كان فيه، ورجع إلى كفرِه وغفلتِه، وذلك من تزيينِ الشيطانِ للمسرفين أعمالَهم.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾
أي: لَمَّا أَشْرَكُوا باللهِ تعالى، وظَلَمُوا أنفسَهم بالكفرِ والتكذيبِ والعصيان. وفي الآيةِ تذكيرٌ بحالِ الأُممِ الخاليةِ البائدةِ التي أَهْلَكَهَا اللهُ تعالى بسببِ ظلمِها، وتحذيرٌ للعبادِ من أنَّ انتشارَ الظلمِ، والضلالِ، والفسادِ، والكفرِ ـ والعياذُ بالله ـ سببٌ لقُرْبِ العذاب.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾
أي: ظلموا بالتكذيبِ، مع أنَّ رُسُلَهم قد جاءوهم، ودعوهم إلى توحيدِ اللهِ تعالى، وأقاموا عليهم الحُجَّةَ، فلم يكن ظلمُهم عن جهلٍ، بل عن عنادٍ واستكبار.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾
أي: بالمعجزاتِ الظاهرةِ والدلائلِ الواضحةِ، ومع ذلك لم يُؤْمِنُوا، بل أصرُّوا على كفرِهم وظلمِهم.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾
أي: ما كانوا ليؤمنوا لو أُمِهِلُوا ولم يُهْلَكُوا؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ منهم أنَّهم يُصِرُّونَ على كفرِهم ولا يرجعون عنه. واللامُ لتأكيدِ النفي. فكان سببُ إهلاكِهم تكذيبَهم للرسلِ، وعِلْمَ اللهِ تعالى بأنَّه لا فائدةَ في إمهالِهم بعد قيامِ الحُجَّةِ عليهم ببعثةِ الرسل. فلم يعتبِروا بحالِ مَن قبلَهم، ولم ينتفعوا بالمواعظِ والآيات.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾
أي: مثلَ ذلك الجزاءِ الشديدِ يُجَازِي اللهُ تعالى القومَ المجرمين، الذين كفروا باللهِ، وتمادَوْا في الظلمِ والإجرامِ بعد قيامِ الحُجَّةِ عليهم.