اِحْذَرُوا الِاسْتِهْزَاءَ بِالدِّينِ
مِنَ المَهَالِكِ العُظْمَى: أَنْ يَتَّخِذَ الإِنْسَانُ دِينَهُ هُزُوًا وَلَعِبًا؛ فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ حَرِيصًا عَلَى إِضْحَاكِ مَنْ حَوْلَهُ، فَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ قِصَصًا يَتَضَمَّنُ بَعْضُهَا اسْتِخْفَافًا بِاللهِ تَعَالَى، أَوْ بِرَسُولِهِ ﷺ، أَوْ بِالجَنَّةِ، أَوْ بِوَعِيدِ اللهِ وَعَذَابِهِ. وَهَذَا المِسْكِينُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ بِهَذَا الفِعْلِ قَدْ خَرَجَ مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ.
وَلَا عُذْرَ لَهُ بِقَوْلِهِ: «فَقَطْ كُنْتُ أَمْزَحُ، أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَأَحْتَرِمُ دِينَهُ!»؛ فَنَقُولُ لَهُ: تَشَهَّدْ لِلْخَلَاصِ مِنَ الكُفْرِ، فَإِنَّ دِينَ اللهِ لَيْسَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى لِتَتَلَاعَبَ بِهِ، وَتَسْتَهْزِئَ، ثُمَّ تَلْتَمِسَ لِنَفْسِكَ الأَعْذَارَ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ • لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥-٦٦).
وَاليَوْمَ صِرْنَا نَسْمَعُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ – وَالعِيَاذُ بِاللهِ – فِي الأَشْرِطَةِ وَالشَّاشَاتِ وَالأَفْلَامِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: «هُوَ لِلْمَزْحِ فَقَطْ! لِلتَّسْلِيَةِ فَقَطْ!»
وَالعَجَبُ مِنْ بَعْضِ الجُهَّالِ أَنَّهُ إِذَا نَبَّهْنَاهُ إِلَى مَا وَقَعَ فِيهِ، قَالَ: «أَلَيْسَتِ الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؟» ثُمَّ يَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
وَالَّذِي بَعَثَ نَبِيَّنَا ﷺ بِالحَقِّ، إِنَّ هَذَا الجَاهِلَ قَدْ أَضَرَّ نَفْسَهُ أَكْثَرَ وَأَكْثَرَ؛ لِوَضْعِهِ هَذَا الحَدِيثَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، زَاعِمًا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ بِأَنْ يَسُبَّ اللهَ، أَوْ يَسْتَهْزِئَ بِدِينِ اللهِ، ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّ نِيَّتَهُ صَافِيَةٌ!
وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الحَدِيثَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» – كَمَا فَسَّرَهُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ – إِنَّمَا المُرَادُ بِهِ: الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ؛ أَيْ إِنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلهِ وَحْدَهُ.
وَنَقُولُ لِهَذَا المُرْتَدِّ تَنْبِيهًا وَتَقْرِيبًا: لَوْ أَنَّ شَخْصًا شَتَمَ أُخْتَكَ، ثُمَّ قَالَ لَكَ: «أَنَا أَحْتَرِمُكَ وَأَحْتَرِمُ أُخْتَكَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَمْزَحُ، وَنِيَّتِي حَسَنَةٌ»، فَهَلْ تَقْبَلُ مِنْهُ؟!
إِلَى مَنْ اسْتَهْزَأَ بِدِينِ اللهِ: عُدْ إِلَى الإِسْلَامِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، مُتَبَرِّئًا مِنَ الكُفْرِ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ؛ فَإِنَّ الجَهْلَ لَيْسَ عُذْرًا.
خَطَرُ الكَلِمَةِ وَأَنَّهَا قَدْ تُهْلِكُ صَاحِبَهَا
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ». وَهُوَ مَرْوِيٌّ فِي البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». أَيْ سَبْعِينَ سَنَةً.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ عَلَى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وَقِلَّةِ المُبَالَاةِ، فَتَكُونُ فِيهَا مَسَبَّةٌ لِمَلَائِكَةِ اللهِ، أَوْ تَحْرِيفٌ لِدِينِهِ، أَوْ اسْتِهْزَاءٌ بِشَرِيعَتِهِ، وَهُوَ لَا يَظُنُّ أَنَّهُ بِهَا يَعْصِي رَبَّهُ، فَيَهْوِي يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ – وَلَا يَهْوِي إِلَى قَعْرِهَا إِلَّا كَافِرٌ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ كَلِمَةُ الكُفْرِ لَا غَيْرُهَا.
وَدَلِيلُ أَنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ عُمْقُهُ سَبْعُونَ خَرِيفًا: مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟» قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وُجُوبُ التَّحْذِيرِ مِنْ تَهْوِينِ الكُفْرِ
فَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ أَمْرَ الكُفْرِ خَفِيفًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ؛ فَمِنْ أَكْبَرِ الخِيَانَاتِ: غِشُّ النَّاسِ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَإِيهَامُ مَنْ وَقَعَ فِي الكُفْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ؛ فَيَفُوتُهُ الِاسْتِدْرَاكُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الإِسْلَامِ، فَيَهْلِكُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ (التوبة: ٧٤).
فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ مِنَ الكُفْرِ مَا يَكُونُ قَوْلًا.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ – أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ!»؛ فَإِنَّ حَصَائِدَ الأَلْسِنَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الهَلَاكِ.
تَصْنِيفُ العُلَمَاءِ فِي الأَلْفَاظِ المُكفِّرَةِ
وَلَوْ كَانَ مَنْ يُهَوِّنُ هَذَا البَابَ عَلَى حَقٍّ، لَمَا دَرَجَ عُلَمَاءُ الإِسْلَامِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَلْفَاظِ الكُفْرِيَّةِ الَّتِي شَاعَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ العَامَّةِ؛ فَقَدْ صَنَّفَ البَدْرُ الرَّشِيدُ – وَهُوَ فَقِيهٌ حَنَفِيٌّ مِنَ القَرْنِ الثَّامِنِ – رِسَالَةَ: «الأَلْفَاظُ المُكفِّرَاتُ»، وَشَرَحَهَا مُلَّا عَلِيٌّ القَارِي الحَنَفِيُّ، وَوَضَعَ غَيْرُهُ مِنَ الفُقَهَاءِ تَصَانِيفَ أُخْرَى.
وَإِنَّ بَعْضَ الجُهَّالِ يَزْعُمُ أَنَّ المُتَكَلِّمَ بِاللَّفْظِ الكُفْرِيِّ لَا يَكْفُرُ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِمَعْنَاهُ؛ مَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ وَمَا لَمْ يَنْشَرِحْ لَهُ صَدْرُهُ! وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ بَاطِلٌ، لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا فِي حَالِ المُكْرَهِ إِكْرَاهًا حَقِيقِيًّا مُلْجِئًا. وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ فِي حُكْمِ المُكْرَهِ.
أَقْسَامُ الكُفْرِ ثَلَاثَةٌ
وَاعْلَمْ – يَا أَخِي المُسْلِمَ – أَنَّ هُنَاكَ اعْتِقَادَاتٍ وَأَفْعَالًا وَأَقْوَالًا تَنْقُضُ الشَّهَادَتَيْنِ، وَتُوقِعُ فِي الكُفْرِ؛ لِأَنَّ الكُفْرَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
1. كُفْرٌ اعْتِقَادِيٌّ (قَلْبِيٌّ).
2. كُفْرٌ فِعْلِيٌّ (عَمَلِيٌّ).
3. كُفْرٌ لَفْظِيٌّ (قَوْلِيٌّ).
وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ أَقْسَامِ الكُفْرِ
* فَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ مِنْهُ قَوْلِيٌّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾(التوبة: ٧٤).
* وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ مِنْهُ اعْتِقَادِيٌّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: ١٥). فَالرَّيْبُ – أَيْ الشَّكُّ – مَحَلُّهُ القَلْبُ.
* وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ مِنْهُ فِعْلِيٌّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ (فصلت: ٣٧).
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ: مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلَامِ بِمُفْرَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ.
سُهُولَةُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ وَخَطَرُ الخُرُوجِ مِنْهُ
ثُمَّ إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّخُولَ فِي الإِسْلَامِ – وَهُوَ أَفْضَلُ نِعَمِ اللهِ – سَهْلًا؛ فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ وَنَزَّهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الخَلْقِ، وَآمَنَ بِرَسُولِهِ ﷺ، ثُمَّ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، صَارَ مُسْلِمًا.
وَفِي المُقَابِلِ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ يَدُلُّ مَعْنَاهَا عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِاللهِ أَوْ بِشَرِيعَتِهِ، تُخْرِجُ قَائِلَهَا مِنَ الإِيمَانِ، وَتُوقِعُهُ فِي أَسْوَإِ الأَحْوَالِ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ اللهِ أَحْقَرَ مِنَ الحَشَرَاتِ وَالوُحُوشِ.
وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنفال: ٥٥).
نُقُولٌ عَنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي كُفْرِ الهَزْلِ وَكَلِمَةِ الكُفْرِ
وَقَدْ قَالَ القَاضِي ابْنُ العَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ القُرْآنِ»: «لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا قَالُوهُ جِدًّا أَوْ هَزْلًا، وَهُوَ كَيْفَمَا كَانَ كُفْرٌ؛ فَإِنَّ الهَزْلَ بِالكُفْرِ كُفْرٌ، لَا خُلْفَ فِيهِ بَيْنَ الأُمَّةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ الوَاحِدِيُّ: إِنَّ «الخَوْضَ» أَصْلُهُ الدُّخُولُ فِي مَائِعٍ مِنَ المَاءِ وَالطِّينِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ كَلَامٍ يَتَلَوَّثُ بِالبَاطِلِ وَالأَذًى.
أَمْثِلَةٌ عَلَى الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي المُوجِبَةِ لِلكُفْرِ
فَمَنْ صَدَرَ مِنْهُ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا مَا يَتَضَمَّنُ مُصَادَمَةَ الشَّرْعِ وَتَكْذِيبَهُ، كَمَسَبَّةِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ مَسَبَّةِ دِينِ الإِسْلَامِ، أَوْ مَسَبَّةِ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَسَبَّةِ مَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، أَوِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى شَرْعِ اللهِ، أَوْ تَشْبِيهِ اللهِ بِخَلْقِهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: «اللهُ جِسْمٌ»، أَوْ «اللهُ قَاعِدٌ»، أَوْ «مُسْتَقِرٌّ»، أَوْ «جَالِسٌ»، أَوْ «يَسْكُنُ فِي السَّمَاءِ»، أَوْ «فِي كُلِّ مَكَانٍ» فَكُلُّ ذَلِكَ كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، إِذَا صَدَرَ مِنَ العَاقِلِ المُخْتَارِ الَّذِي لَيْسَ مُكْرَهًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ نَسَبَ إِلَى اللهِ العَجْزَ أَوِ الجَهْلَ-كَمَا يَتَفَوَّهُ بِهِ بَعْضُ جُهَّالِ العَامَّةِ – فَإِنَّهُ مِنْ أَفْحَشِ الكُفْرِ وَالعِيَاذُ بِاللهِ.
وَلَا يَنْفَعُ مَنْ وَقَعَ فِي الكُفْرِ أَنْ يَقُولَ: «كُنْتُ غَضْبَانَ»، أَوْ «كُنْتُ أَمْزَحُ»، أَوْ «مَا قَصَدْتُ الكُفْرَ»، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إِلَى الإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَنْ يَنْدَمَ وَيَعْزِمَ أَلَّا يَعُودَ.
خَاتِمَةٌ وَوَصِيَّةٌ
فَاحْفَظْ – يَا أَخِي المُسْلِمَ – لِسَانَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَصَائِدِ الشَّيْطَانِ فِي حَصَائِدِ الأَلْسِنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَرْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى أَعَالِي الجِنَانِ، وَقَدْ تَهْوِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الدَّرَكَاتِ، فَلَا تَتَسَاهَلْ فِي شَيْءٍ يُغْضِبُ اللهَ، وَلَا تَنْطِقْ إِلَّا بِمَا يَرْضَاهُ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنَ الكُفْرِ وَشُعَبِهِ، وَمِنَ الزَّلَلِ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَلْسِنَتَنَا ذَاكِرَةً، وَقُلُوبَنَا مُنِيبَةً، وَأَعْمَالَنَا صَالِحَةً خَالِصَةً.