مُقَدِّمَةٌ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، المُتَفَرِّدِ بِالقِدَمِ وَالأَزَلِيَّةِ، المُتَنَزِّهِ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحُدُودِ وَالكَيفِيَّةِ، لَا تُدرِكُهُ الأَوهَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الأَفهَامُ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الأَجسَامِ مِن حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ، وَانتِقَالٍ وَتَغَيُّرٍ؛ إِذ كَانَ سُبحَانَهُ قَبلَ المَكَانِ بِلَا مَكَانٍ، وَقَبلَ الزَّمَانِ بِلَا زَمَانٍ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ، لَا يَحُدُّهُ حَدٌّ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ قُطرٌ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيهِ شَيءٌ مِن صِفَاتِ الخَلقِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ المُوَحِّدِينَ، وَسَيِّدِ المُرسَلِينَ، الَّذِي بَلَّغَ عَن رَبِّهِ دِينَ التَّوحِيدِ وَالتَّنزِيهِ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مَسَالِكَ الزَّيغِ وَالتَّشبِيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ أَشرَفَ العُلُومِ عِلمُ التَّوحِيدِ، وَأَوجَبَ الوَاجِبَاتِ صِيَانَةُ العَقِيدَةِ عَن دَخَنِ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ؛ لِأَنَّ مَعرِفَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ أَصلُ الدِّينِ وَأَسَاسُ النَّجَاةِ، فَمَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ فَقَد جَهِلَ رَبَّهُ، وَمَن نَسَبَ إِلَيهِ صِفَاتِ الأَجسَامِ فَقَد نَقَضَ أَصلَ التَّنزِيهِ، وَمَن تَعَلَّقَ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ عَلَى وَجهٍ يُوهِمُ الحَدَّ وَالجِهَةَ وَالحَرَكَةَ وَالاِنتِقَالَ، فَقَد عَرَّضَ دِينَهُ لِخَطَرٍ عَظِيمٍ، وَخَالَفَ صَرِيحَ القُرآنِ وَمَسلكَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ.
وَمِن أَخطَرِ مَا تَشَبَّثَ بِهِ أَهلُ الزَّيغِ حَدِيثُ النُّزُولِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى نُزُولٍ حِسِّيٍّ، وَانتِقَالٍ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَذهَبُ السَّلَفِ، وَالسَّلَفُ مِن هَذَا بَرَآءُ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الهُدَى مَا زَالُوا يُنَزِّهُونَ اللهَ تَعَالَى عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، وَعَنِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ، وَيَحمِلُونَ المُتَشَابِهَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ، إِمَّا بِتَفوِيضِ المَعنى المُرَادِ مَعَ الجَزمِ بِالتَّنزِيهِ، وَإِمَّا بِتَأوِيلٍ صَحِيحٍ تَشهَدُ لَهُ لُغَةُ العَرَبِ وَالنُّصُوصُ الوَارِدَةُ.
وَقَدِ ازدَادَ الأَمرُ خَطَرًا أَنَّ بَعضَ المُشَبِّهَةِ يَستَغِلُّونَ هَذِهِ الأَيَّامَ المُبَارَكَةَ، أَيَّامَ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ، فَيَنشُرُونَ حَدِيثَ النُّزُولِ بَينَ النَّاسِ، لَا عَلَى وَجهِ التَّعظِيمِ لِلسُّنَّةِ وَالتَّسلِيمِ لِمَا جَاءَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ التَّنزِيهِ، بَل لِيُمَوِّهُوا عَلَى العَوَامِّ عَقِيدَتَهُمُ البَاطِلَةَ، وَلِيُدخِلُوا فِي قُلُوبِهِم وَهمَ الجِهَةِ وَالحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، تَحتَ شِعَارِ اتِّبَاعِ الظَّاهِرِ وَالدَّعوَةِ إِلَى السُّنَّةِ. فَكَانَ لِزَامًا عَلَينَا أَن نُبَيِّنَ الحَقَّ، وَنَكشِفَ وَجهَ التَّلبِيسِ، وَنَرُدَّ شُبَهَهُم بِكَلَامِ أَئِمَّةِ أَهلِ العِلمِ، فَاحذَرُوا شُبَهَهُم، وَلَا تَغتَرُّوا بِزُخرُفِ قَولِهِم، فَإِنَّ العِبرَةَ بِمَا وَافَقَ عَقِيدَةَ التَّنزِيهِ الَّتِي دَلَّ عَلَيهَا قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، لَا بِمَا أَوهَمَ التَّشبِيهَ وَنَسَبَ إِلَى اللهِ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ.
وَلِهَذَا كَانَ لَازِمًا بَيَانُ الحَقِّ فِي هَذِهِ المَسأَلَةِ، وَكَشفُ تَلبِيسِ مَن جَعَلَ حَدِيثَ النُّزُولِ ذَرِيعَةً إِلَى إِثبَاتِ الجِهَةِ وَالحَرَكَةِ لِلهِ تَعَالَى، وَنَقلُ كَلَامِ أَئِمَّةِ أَهلِ العِلمِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمُفَسِّرِينَ وَالمُتَكَلِّمِينَ، مِمَّن نَصُّوا عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن نُزُولِ الأَجسَامِ وَانتِقَالِهَا، وَأَنَّ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ لَا يُفهَمُ عَلَى ظَاهِرٍ يُنَاقِضُ المُحكَمَ القَاطِعَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
فَهَذِهِ رِسَالَةٌ فِي تَقرِيرِ عَقِيدَةِ التَّنزِيهِ، وَرَدِّ شُبهَةِ النُّزُولِ الحِسِّيِّ، وَبَيَانِ أَنَّ مَذهَبَ أَهلِ السُّنَّةِ حَقًّا هُوَ تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ وَالحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ، مَعَ الإِيمَانِ بِمَا صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى الوَجهِ اللَّائِقِ بِاللهِ، بِلَا تَشبِيهٍ وَلَا تَعطِيلٍ، وَلَا تَحرِيفٍ وَلَا تَمثِيلٍ.
خَطَرُ نِسبَةِ التَّشبِيهِ إِلَى أَئِمَّةِ السَّلَفِ
وَقَد دَأَبَ بَعضُ أَهلِ البِدَعِ عَلَى رَفعِ شِعَارِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، أَو أَهلِ الحَدِيثِ، أَو الانتِسَابِ إِلَى الإِمَامِ المُبَجَّلِ أَبِي عَبدِ اللهِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذِهِ عَقِيدَتُنَا، نَحنُ الحَنَابِلَةُ، وَيُورِدُونَ تَحتَ هَذَا الاِسمِ عَقَائِدَ التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، كَذِبًا عَلَى هَذَا الإِمَامِ، وَافتِرَاءً وَزُورًا وَبُهتَانًا. وَقَد فَضَحَهُم إِمَامُ الحَنَابِلَةِ فِي عَصرِهِ، شَيخُ العِرَاقِ، وَوَاعِظُ الآفَاقِ، الحَافِظُ العَلَّامَةُ المُفَسِّرُ المُتَكَلِّمُ، الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ القُرَشِيُّ الحَنبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّفِيسِ [دَفعُ شُبَهِ التَّشبِيهِ بِأَكُفِّ التَّنزِيهِ]، فَقَالَ يَصِفُ حَالَهُم وَكَذِبَهُم:
«وَجَاءَكَ قَومٌ يَدَّعُونَ تَمَذهُبًا ~ بِمَذهَبِهِ، مَا كُلُّ فَرعٍ لَهُ أَصلُ
وَمَالُوا إِلَى التَّشبِيهِ أَخذًا بِصُورَةِ الَّذِي نَقَلُوهُ فِي الصِّفَاتِ وَهُم غُفلُ
وَقَالُوا الَّذِي قُلنَاهُ مَذهَبُ أَحمَدٍ ~ فَمَالَ إِلَى تَصدِيقِهِم مَن بِهِ جَهلُ
فَقَد فَضَحُوا ذَاكَ الإِمَامَ بِجَهلِهِم ~ وَمَذهَبُهُ التَّنزِيهُ لَكِنَّهُمُ اختَلُّوا
لَعَمرِي لَقَد أَدرَكتُ مِنهُم مَشَايِخًا ~ وَأَكثَرُ مَن أَدرَكتُهُ مَا لَهُ عَقلُ!».
وَيَكفِي هَذِهِ النِّحلَةَ خِزيًا أَنَّهَا رَمَت بِالكُفرِ وَالجَهلِ وَالضَّلَالِ عَدَدًا مِن أَعلَامِ الأُمَّةِ وَنُجُومِ الأَئِمَّةِ، فَكَفَاهُم خِزيًا تَكفِيرُهُمُ السُّلطَانَ صَلَاحَ الدِّينِ الأَيُّوبِيَّ، وَالحَافِظَ مُحيِيَ الدِّينِ النَّوَوِيَّ، وَفَاتِحَ القُسطَنطِينِيَّةِ، السُّلطَانَ المُبَشَّرَ بِالفَتحِ، المَخصُوصَ بِالمَدحِ، الخَلِيفَةَ مُحَمَّدًا الفَاتِحَ، وَغَيرَهُم مِنَ السَّادَةِ الأَكَابِرِ.
حَدِيثُ النُّزُولِ وَمَوضِعُ الإِشكَالِ
لَمَّا كَانَ بَابُ الصِّفَاتِ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ العَقِيدَةِ، وَكَانَتِ النُّصُوصُ المُتَشَابِهَةُ لَا تُفهَمُ إِلَّا عَلَى ضَوءِ المُحكَمِ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَجَبَ التَّنبِيهُ عَلَى مَوضِعِ الإِشكَالِ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ.
فَلَيسَ النِّزَاعُ فِي ثُبُوتِ الحَدِيثِ، وَلَا فِي الإِيمَانِ بِمَا صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي حَملِهِ عَلَى ظَاهِرٍ يُوهِمُ الحَرَكَةَ وَالاِنتِقَالَ، وَذَلِكَ مَا أَبطَلَهُ أَئِمَّةُ التَّنزِيهِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ.
وَمِمَّا هُوَ دَأبُ هَؤُلَاءِ المُشَوِّشِينَ الخَوضُ بَينَ النَّاسِ وَالعَوَامِّ، بِاستِنزَالِهِم إِلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ مِنَ القُرآنِ وَالحَدِيثِ، لِإِقنَاعِهِم بِنِسبَةِ الجِهَةِ وَالحَرَكَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَعُمدَتُهُم فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ وَارِدَانِ فِي الصَّحِيحِ: حَدِيثُ الجَارِيَةِ، وَحَدِيثُ النُّزُولِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ النُّزُولِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ وَغَيرُهُمَا، فَلَفظُ البُخَارِيِّ فِيهِ: حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ مَسلَمَةَ، عَن مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَنزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا حِينَ يَبقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟»، فَلَا يَجُوزُ أَن يُحمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِإِثبَاتِ النُّزُولِ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى.
بُطلَانُ فَهمِ المُشَبِّهَةِ لِحَدِيثِ النُّزُولِ
وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الإِشكَالَ لَيسَ فِي ثُبُوتِ حَدِيثِ النُّزُولِ، بَل فِي فَهمِهِ عَلَى وَجهٍ يَنسِبُ إِلَى اللهِ صِفَاتِ الأَجسَامِ، ظَهَرَ بُطلَانُ مَسلَكِ المُشَبِّهَةِ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلَى الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ.
فَالحَقُّ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي هَذَا البَابِ يُحمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى، مَعَ الجَزمِ بِتَنزِيهِهِ عَنِ الجِهَةِ وَالحَدِّ وَالمَكَانِ، وَرَدِّ كُلِّ فَهمٍ يُفضِي إِلَى التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ.
وَمِنَ النَّاسِ، كَالمُشَبِّهَةِ مُدَّعِي السَّلَفِيَّةِ، مَن يُفَسِّرُ هَذَا الحَدِيثَ بِأَنَّ اللهَ يَنزِلُ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا الكَلَامِ، وَإِنَّ فَهمَهُم هَذَا لَيَدُلُّ عَلَى سَخَافَةِ عُقُولِهِم؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيلَ يَختَلِفُ بِاختِلَافِ البِلَادِ، فَعَلَى قَولِهِم يَلزَمُ أَن يَكُونَ اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا طَالِعًا إِلَى العَرشِ كُلَّ لَحظَةٍ مِن لَحَظَاتِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَهَذَا سَخَافَةُ عَقلٍ. أَمَّا عِندَ أَهلِ الحَقِّ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ اللهَ عَنِ الجِهَةِ وَالحَدِّ، فَإِنَّ هَذَا النُّزُولَ لَيسَ نُزُولًا حِسِّيًّا، بَل هُوَ عِبَارَةٌ عَن نُزُولِ مَلَائِكَةِ الرَّحمَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا بِأَمرِ اللهِ عَلَى حَسَبِ لَيلِ كُلِّ أَرضٍ، فَهَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ يَنزِلُونَ ثُمَّ يُبَلِّغُونَ عَنِ اللهِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ رَبَّكُم يَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ لَهُ؟ هَل مِن سَائِلٍ فَأُعطِيَهُ؟ فَهُم يُبَلِّغُونَ عَنِ اللهِ بِأَمرِهِ ذَلِكَ إِلَى أَن يَنفَجِرَ الفَجرُ. وَهَذَا شَيءٌ يَقبَلُهُ العَقلُ، أَمَّا مَا يَقُولُهُ المُشَبِّهَةُ فَشَيءٌ لَا يَقبَلُهُ الشَّرعُ وَلَا العَقلُ.
رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ تُفَسِّرُ رِوَايَةَ البُخَارِيِّ
لَمَّا كَانَ خَيرُ مَا يُفَسِّرُ الحَدِيثَ الحَدِيثُ، وَكَانَتِ الرِّوَايَاتُ يَشُدُّ بَعضُهَا بَعضًا وَيُبَيِّنُ مُجمَلُهَا مُفَصَّلَهَا، كَانَت رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَصلًا فِي رَفعِ الإِشكَالِ عَن رِوَايَةِ البُخَارِيِّ.
فَبِهَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ المُرَادَ لَيسَ نُزُولَ الذَّاتِ بِحَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ، بَل نُزُولُ مَلَكٍ بِأَمرِ اللهِ يُنَادِي عَنِ اللهِ، وَهَذَا مَسلكٌ تَشهَدُ لَهُ لُغَةُ العَرَبِ وَنُقُولُ الحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ التَّنزِيهِ.
وَهَذَا التَّأوِيلُ أَخَذَهُ أَهلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ مِن رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «إِنَّ اللهَ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟ وَهَل مِن مُستَغفِرٍ فَيُغفَرَ لَهُ؟ وَهَل مِن سَائِلٍ فَيُعطَى؟». فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ تُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الأُخرَى؛ لِأَنَّ نُزُولَ المَلَائِكَةِ لَمَّا كَانَ بِأَمرِ اللهِ تَعَالَى لِيُبَلِّغُوا عَنهُ، عَبَّرَ الرَّسُولُ ﷺ عَن ذَلِكَ، بِوَحيٍ مِنَ اللهِ، بِعِبَارَةِ: «يَنزِلُ رَبُّنَا» إِلَى آخِرِهِ؛ فَكِلتَا العِبَارَتَينِ أُوحِيَ بِهِمَا إِلَيهِ.
وَلِذَلِكَ نَظِيرٌ فِي القُرآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي حَقِّ آدَمَ وَحَوَّاءَ: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَم أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، فَإِنَّ المَعنَى: أَنَّ المَلَكَ بَلَّغَهُمَا ذَلِكَ عَنِ اللهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِدَاءَ المَلَكِ لِبَعضِ خَلقِ اللهِ بِأَمرِ اللهِ يُسنَدُ إِلَى اللهِ مِن غَيرِ أَن يَكُونَ هُنَاكَ صَوتٌ يَخرُجُ مِنَ اللهِ. فَمِن هُنَا يُؤخَذُ رَدُّ اعتِرَاضِ بَعضِ المُجَسِّمَةِ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ الصَّحِيحَةِ لِحَدِيثِ النُّزُولِ.
وَقَالَ الإِمَامُ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِهِ عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَالمُستَغفِرِينَ بِالأَسحَارِ﴾: «وَخَصَّ السَّحَرَ بِالذِّكرِ؛ لِأَنَّهُ مَظَانُّ القَبُولِ وَوَقتُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ»، إِلَى أَن قَالَ: «قُلتُ: أَصَحُّ مِن هَذَا مَا رَوَى الأَئِمَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَنزِلُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةٍ حِينَ يَمضِي ثُلُثُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا المَلِكُ، مَن ذَا الَّذِي يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن ذَا الَّذِي يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن ذَا الَّذِي يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطلُعَ الفَجرُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى يَنفَجِرَ الفَجرُ»، وَهَذَا لَفظُ مُسلِمٍ. وَقَدِ اختُلِفَ فِي تَأوِيلِهِ، وَأَولَى مَا قِيلَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّسَائِيِّ مُفَسَّرًا عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا فَيَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ يُستَجَابُ لَهُ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ يُغفَرُ لَهُ؟ هَل مِن سَائِلٍ يُعطَى؟». صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ الحَقِّ، وَهُوَ يَرفَعُ الإِشكَالَ، وَيُوضِّحُ كُلَّ احتِمَالٍ، وَأَنَّ الأَوَّلَ مِن بَابِ حَذفِ المُضَافِ، أَي: يَنزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا فَيَقُولُ. وَقَد رُوِيَ: «يُنزِلُ» بِضَمِّ اليَاءِ، وَهُوَ يُبَيِّنُ مَا ذَكَرنَا، وَبِاللهِ تَوفِيقُنَا، وَقَد أَتَينَا عَلَى ذِكرِهِ فِي [الكِتَابِ الأَسنَى فِي شَرحِ أَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلى]» انتَهَى.
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي [فَتحِ البَارِي شَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ] مَا نَصُّهُ: «استَدَلَّ بِهِ مَن أَثبَتَ الجِهَةَ، وَقَالَ: هِيَ جِهَةُ العُلُوِّ، وَأَنكَرَ ذَلِكَ الجُمهُورُ؛ لِأَنَّ القَولَ بِذَلِكَ يُفضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ». ثُمَّ أَفَاضَ فِي ذِكرِ الأَقوَالِ فِي مَعنَى النُّزُولِ، ثُمَّ قَالَ: «وَقَد حَكَى أَبُو بَكرِ بنُ فُورَكٍ أَنَّ بَعضَ المَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذفِ المَفعُولِ، أَي: يُنزِلُ مَلَكًا، وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِن طَرِيقِ الأَغَرِّ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، بِلَفظِ: «إِنَّ اللهَ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟» الحَدِيثَ. وَفِي حَدِيثِ عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ: «يُنَادِي مُنَادٍ: هَل مِن دَاعٍ يُستَجَابُ لَهُ؟» الحَدِيثَ. قَالَ القُرطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرتَفِعُ الإِشكَالُ» انتَهَى.
وَحَدِيثُ عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ أَخرَجَهُ أَحمَدُ فِي [مُسنَدِهِ] بِلَفظِ: «يُنَادِي مُنَادٍ كُلَّ لَيلَةٍ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟ هَل مِن سَائِلٍ فَيُعطَى؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَيُغفَرَ لَهُ؟ حَتَّى يَنفَجِرَ الفَجرُ». وَأَخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنهُ بِلَفظِ: «تُفتَحُ أَبوَابُ السَّمَاءِ نِصفَ اللَّيلِ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟ هَل مِن سَائِلٍ فَيُعطَى؟ هَل مِن مَكرُوبٍ فَيُفَرَّجَ عَنهُ؟» الحَدِيثَ. قَالَ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ عَقِبَهُ: «رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ» انتَهَى.
إِسنَادُ نِدَاءِ المَلَكِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَرَدُّ اعتِرَاضِ المُجَسِّمَةِ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ
وَإِذَا كَانَت رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ قَد رَفَعَتِ الإِشكَالَ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ، فَإِنَّ القُرآنَ وَاللُّغَةَ يَدُلَّانِ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ الفِعلَ قَد يُسنَدُ إِلَى اللهِ بِمَعنَى الأَمرِ وَالتَّسبِيبِ، لَا بِمَعنَى المُبَاشَرَةِ الحِسِّيَّةِ.
فَهَذَا البَابُ مِن أَوضَحِ أَبوَابِ رَدِّ تَموِيهِ المُجَسِّمَةِ؛ إِذ بِهِ يَظهَرُ أَنَّ قَولَ «يَنزِلُ رَبُّنَا» لَا يَستلزِمُ نُزُولَ الذَّاتِ، كَمَا أَنَّ إِسنَادَ النِّدَاءِ وَالقِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ إِلَى اللهِ لَا يَستلزِمُ صَوتًا وَلَا حَرفًا وَلَا مُبَاشَرَةَ فِعلٍ مِن أَفعَالِ المَخلُوقِينَ.
وَمن ذلك قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَم أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا…»؛ فَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَسَبَ نِدَاءَ المَلَكِ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ إِلَى نَفسِهِ لِكَونِهِ بِأَمرِهِ، وأَنَّهُ لَيسَ مَعنَى الآيَةِ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ سَمِعَا ذَاكَ مِنَ اللهِ؛ لِأَنَّ آدَمَ لَم يَكُن نَبِيًّا فِي ذَلِكَ الوَقتِ، وَحَوَّاءَ لَيسَت نَبِيَّةً، فَكَذَلِكَ صَحَّ إِسنَادُ نُزُولِ المَلَكِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا لِيُبَلِّغَ عَنِ اللهِ: «هَل مِن دَاعٍ فَيَستَجِيبَ اللهُ لَهُ؟ وَهَل مِن سَائِلٍ فَيُعطَى؟ وَهَل مِن مُستَغفِرٍ فَيَغفِرَ اللهُ لَهُ؟» إِلَى اللهِ تَعَالَى.
وَفِي الآيَةِ أَيضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِدَاءَ المَلَكِ لِبَعضِ خَلقِ اللهِ بِأَمرِ اللهِ يُسنَدُ إِلَى اللهِ، مِن غَيرِ أَن يَكُونَ هُنَاكَ صَوتٌ يَخرُجُ مِنَ اللهِ. فَمِن هُنَا يُؤخَذُ رَدُّ اعتِرَاضِ بَعضِ المُجَسِّمَةِ عَلَى رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ لِحَدِيثِ النُّزُولِ، حَيثُ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَستلزِمُ حُصُولَ قَولٍ مِنَ المَلَكِ: هَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ لَهُ؟ وَهَل مِن دَاعٍ فَأَستَجِيبَ لَهُ؟
فَنَقُولُ: كَمَا أَنَّ اللهَ جَعَلَ نِدَاءَ المَلَكِ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ بِأَنَّ اللهَ يَقُولُ لَكُمَا: ﴿أَلَم أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ مُضَافًا إِلَيهِ، فَكَذَلِكَ يُحمَلُ حَدِيثُ النُّزُولِ فِي الرِّوَايَةِ المَشهُورَةِ عَلَى أَنَّ اللهَ يَأمُرُ المَلَكَ بِالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، وَيُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بِأَن يَقُولَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِعِبَادِهِ الدَّاعِينَ وَالسَّائِلِينَ: «مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟» إِلَى آخِرِ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ المَلَكَ يَقُولُ عَن نَفسِهِ: «مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟ وَمَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟».
وَنَظِيرُ هَذَا مَا جَاءَ فِي القُرآنِ مِن قَولِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿لَا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ﴾، فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ﴾ مَعنَاهُ: فَإِذَا قَرَأَهُ جِبرِيلُ عَلَيكَ بِأَمرِنَا. وَمَعلُومٌ أَنَّهُ لَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يَقرَأُ القُرآنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا يَقرَأُ المُعَلِّمُ عَلَى التِّلمِيذِ، فَبِهَذَا يَنحَلُّ الإِشكَالُ الَّذِي يَخطُرُ لِبَعضِ النَّاسِ.
وَمِن هَذَا البَابِ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿لَقَد سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ سَنَكتُبُ مَا قَالُوا وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾، فَإِنَّ اللهَ أَضَافَ الكِتَابَةَ إِلَى نَفسِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الآمِرُ بِهَا، أَمَرَ بِهَا الكَتَبَةَ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَلَيسَ مِن صِفَاتِ اللهِ الكِتَابَةُ أَوِ القِرَاءَةُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِندَ تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ﴾.
وَيَلزَمُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِظَاهِرِ رِوَايَةِ البُخَارِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيرِهِمَا لِحَدِيثِ النُّزُولِ المَشهُورِ أَن يَكُونَ اللهُ، عَلَى زَعمِهِم، فِيمَا بَينَ النِّصفِ الثَّانِي مِنَ اللَّيلِ وَالفَجرِ مُستَمِرًّا فِي النُّزُولِ وَالصُّعُودِ، إِن حَمَلُوا النُّزُولَ بِالنِّسبَةِ لِكُلِّ أَرضٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّيلَ يَختَلِفُ بِاختِلَافِ البِلَادِ، فَنِصفُ اللَّيلِ فِي بَلَدٍ هُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَقَد يَكُونُ فِي أَرضٍ أَوَّلُ اللَّيلِ أَو أَقَلُّ أَو أَكثَرُ. وَإِن حَمَلُوا النُّزُولَ عَلَى أَرضٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا بَينَ انتِصَافِ لَيلِهَا وَفَجرِهَا، فَبِأَيِّ حُجَّةٍ خَصَّصُوا النُّزُولَ بِأَرضٍ وَاحِدَةٍ، وَالحَدِيثُ لَيسَ فِيهِ ذِكرُ أَرضِ كَذَا؟
وَقَد قَالَ رَئِيسُ القُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي مِصرَ فِي زَمَانِهِ، بَدرُ الدِّينِ بنُ جَمَاعَةَ، فِي كِتَابِهِ [إِيضَاحُ الدَّلِيلِ فِي قَطعِ حُجَجِ أَهلِ التَّعطِيلِ] عَن حَدِيثِ النُّزُولِ: «اعلَم أَنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ الاِنتِقَالُ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ لَا يَجُوزُ حَملُ الحَدِيثِ عَلَيهِ لِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: النُّزُولُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ، وَيَحتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجسَامٍ: مُنتَقِلٍ، وَمُنتَقَلٍ عَنهُ، وَمُنتَقَلٍ إِلَيهِ، وَذَلِكَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مُحَالٌ. الثَّانِي: لَو كَانَ النُّزُولُ لِذَاتِهِ حَقِيقَةً لَتَجَدَّدَت لَهُ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ حَرَكَاتٌ عَدِيدَةٌ تَستَوعِبُ اللَّيلَ كُلَّهُ، وَتَنَقُّلَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ اللَّيلِ يَتَجَدَّدُ عَلَى أَهلِ الأَرضِ مَعَ اللَّحَظَاتِ شَيئًا فَشَيئًا، فَيَلزَمُ انتِقَالُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا لَيلًا وَنَهَارًا مِن قَومٍ إِلَى قَومٍ، وَعَودُهُ إِلَى العَرشِ فِي كُلِّ لَحظَةٍ عَلَى قَولِهِم، وَنُزُولُهُ فِيهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا، وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ ذُو لُبٍّ وَتَحصِيلٍ. الثَّالِثُ: إِنَّ القَائِلَ بِأَنَّهُ فَوقَ العَرشِ، وَأَنَّهُ مَلَأَهُ، كَيفَ تَسَعُهُ سَمَاءُ الدُّنيَا، وَهِيَ بِالنِّسبَةِ إِلَى العَرشِ كَحَلقَةٍ فِي فَلَاةٍ؟ فَيَلزَمُ عَلَيهِ أَحَدُ أَمرَينِ: إِمَّا اتِّسَاعُ سَمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ سَاعَةٍ حَتَّى تَسَعَهُ، أَو تَضَاؤُلُ الذَّاتِ المُقَدَّسِ عَن ذَلِكَ حَتَّى تَسَعَهُ-بزعمه-، وَنَحنُ نَقطَعُ بِانتِفَاءِ الأَمرَينِ، إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَد ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى السُّكُوتِ عَنِ المُرَادِ بِذَلِكَ النُّزُولِ، مَعَ قَطعِهِم بِأَنَّ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى غَيرُ مُرَادٍ، وَتَنزِيهِهِ عَنِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ. وَقِسمٌ مِنَ العُلَمَاءِ قَالُوا: المُرَادُ بِالنُّزُولِ نُزُولُ المَلَكِ بِأَمرِ اللهِ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ: قَطَعَ الأَمِيرُ يَدَ اللِّصِّ، وَلَا يَكُونُ الأَمِيرُ بِنَفسِهِ قَد أَمسَكَ السِّكِّينَ وَجَزَّ المَكَانَ، إِنَّمَا المَعنَى أَنَّ يَدَ اللِّصِّ قُطِعَت بِأَمرِ الأَمِيرِ، فَتَقُولُ: قَطَعَ الأَمِيرُ يَدَ اللِّصِّ، وَبَنَى الأَمِيرُ بَيتًا، وَقَد لَا يَكُونُ حَمَلَ حَجَرًا وَاحِدًا فِيهِ، إِنَّمَا مَعنَاهُ بُنِيَ بِأَمرِهِ. كَذَلِكَ: يَنزِلُ رَبُّنَا، أَي: يَنزِلُ المَلَكُ بِأَمرِ رَبِّنَا» انتَهَى.
فإِسنَادُ الأَفعَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمَعنَى الأَمرِ وَبُطلَانُ التَّمَسُّكِ بِالظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ وَمِن هَذَا البَابِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى التِّرمِذِيِّ [عَارِضَةُ الأَحوَذِيِّ بِشَرحِ سُنَنِ التِّرمِذِيِّ] مَا نَصُّهُ: «ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَتَشَبَّثُ بِظَاهِرِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ فِي الرِّوَايَةِ المَشهُورَةِ، أَنَّ اللهَ يَنزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا فَيَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مِنَ الثُّلُثِ الأَخِيرِ إِلَى الفَجرِ، هُوَ جَاهِلٌ بِأَسَالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَلَيسَ لَهُ مَهرَبٌ مِنَ المُحَالِ الشَّنِيعِ كَمَا نَصَّ عَلَيهِ الخَطَّابِيُّ، وَيَلزَمُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيهِ مِنَ التَّشَبُّثِ بِالظَّاهِرِ أَن يَكُونَ مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَم أَنهَكُمَا عَن تِلكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ الَّتِي لَم تَكُن نَبِيَّةً قَطُّ سَمِعَا كَلَامَ اللهِ الذَّاتِيَّ الَّذِي لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ، مُسَاوِيَينِ لِمُوسَى عَلَى زَعمِ المُشَبِّهَةِ المُتَمَسِّكِينَ بِالظَّوَاهِرِ، فَلَو كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ لَم تَبقَ لِنَبِيِّ اللهِ مُوسَى مَزِيَّةٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكلِيمًا﴾، فَخَصَّ مُوسَى بِوَصفِ كَلِيمِ اللهِ» انتَهَى.
وَمِن هَذَا البَابِ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿لَقَد سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحنُ أَغنِيَاءُ سَنَكتُبُ مَا قَالُوا وَقَتلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾، فَإِنَّ اللهَ أَضَافَ الكِتَابَةَ إِلَى نَفسِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الآمِرُ بِهَا، أَمَرَ بِهَا الكَتَبَةَ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَلَيسَ مِن صِفَاتِ اللهِ الكِتَابَةُ أَوِ القِرَاءَةُ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِندَ تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ (18)﴾. ثُمَّ إِنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ مِنَ المَلَائِكَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لِلكُفَّارِ: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ﴾، وَلَيسَ المُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى يُسمِعُ الكُفَّارَ كَلَامَهُ الذَّاتِيَّ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَيسَ بِحَرفٍ وَلَا صَوتٍ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ هَذَا القَولُ إِلَى اللهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ كَالنَّسَفِيِّ وَغَيرِهِ.
وَلَو أَرَدنَا تَتَبُّعَ هَذَا البَابِ لَكَانَ شَيئًا كَثِيرًا، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد عَلِمتُمُ الَّذِينَ اعتَدَوا مِنكُم فِي السَّبتِ فَقُلنَا لَهُم كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، فَهَل يَفهَمُونَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلنَا لَهُم﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللهَ أَسمَعَ اليَهُودَ الَّذِينَ مَسَخَهُم قِرَدَةً كَلَامَهُ الذَّاتِيَّ الأَزَلِيَّ، كَمَا أَسمَعَهُ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ؟ أَم أَنَّهُم يُؤَوِّلُونَهَا، وَيُخرِجُونَهَا عَن ظَاهِرِهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ المُرَادَ «جَعَلنَاهُم قِرَدَةً خَاسِئِينَ»، وَأَنَّ هَذَا مَجَازٌ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الشِّهَابِ عَلَى البَيضَاوِيِّ وَغَيرِهَا مِن كُتُبِ التَّفسِيرِ؟
وَقَالَ الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبدُ اللهِ بنُ أَبِي جَمرَةَ الأَزدِيُّ الأَندَلُسِيُّ فِي كِتَابِهِ [بَهجَةِ النُّفُوسِ]، رَدًّا عَلَى المُجَسِّمَةِ، مَا نَصُّهُ: «وَأَمَّا مَا زَعَمُوا مِنَ الجِسمَانِيَّةِ، وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ قَولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: «يَنزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا»، إِلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ وَالأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَت فِي هَذَا المَعنَى، فَلَيسَ لَهُم فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ أَيضًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ مُحتَمِلٌ لِأَوجُهٍ عَدِيدَةٍ، كَقَولِهِم: جَاءَ زَيدٌ، يُرِيدُونَ ذَاتَهُ، وَيُرِيدُونَ غُلَامَهُ، وَيُرِيدُونَ كِتَابَهُ، وَيُرِيدُونَ خَبَرَهُ، وَالنُّزُولُ مِثلُهُ، كَقَولِهِم: نَزَلَ المَلِكُ، يُرِيدُونَ ذَاتَهُ، وَيُرِيدُونَ أَمرَهُ، وَيُرِيدُونَ كِتَابَهُ، وَيُرِيدُونَ نَائِبَهُ. فَإِذَا أَرَادُوا أَن يُخَصِّصُوا الذَّاتَ قَالُوا: نَفسَهُ، فَيُؤَكِّدُونَهُ بِالمَصدَرِ، وَحِينَئِذٍ تَرتَفِعُ تِلكَ الاِحتِمَالَاتُ. وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكلِيمًا﴾، فَأَكَّدَهُ بِالمَصدَرِ رَفعًا لِلمَجَازِ. فَلَو قَالَ الشَّارِعُ عَلَيهِ السَّلَامُ هُنَا: يَنزِلُ رَبُّنَا نَفسُهُ أَو ذَاتُهُ، أَو أَكَّدَهُ بِالمَصدَرِ، لَكَانَ الأَمرُ مَا ذَهَبُوا إِلَيهِ، وَلَكِن لَمَّا تَرَكَ اللَّفظَ عَلَى عُمُومِهِ وَلَم يُؤَكِّدهُ بِالمَصدَرِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَم يُرِدِ الذَّاتَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نُزُولَ رَحمَةٍ وَمَنٍّ وَفَضلٍ وَطَولٍ عَلَى عِبَادِهِ. وَشِبهُ هَذَا مَعرُوفٌ عِندَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُم يَقُولُونَ: تَنَازَلَ المَلِكُ لِفُلَانٍ، وَهُم يُرِيدُونَ كَثرَةَ إِحسَانِهِ إِلَيهِ وَفَضلَهُ عَلَيهِ، لَا أَنَّهُ نَزَلَ إِلَيهِ بِذَاتِهِ وَتَقَرَّبَ إِلَيهِ بِجَسَدِهِ، فَهَذَا مُشَاهَدٌ فِي البَشَرِ، فَكَيفَ بِمَن لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ؟! لَقَد أَعظَمُوا الفِريَةَ» انتَهَى.
وَكَذَلِكَ يُحمَلُ حَدِيثُ النُّزُولِ فِي الرِّوَايَةِ المَشهُورَةِ عَلَى أَنَّ اللهَ يَأمُرُ المَلَكَ بِالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، وَيُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بِأَن يَقُولَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِعِبَادِهِ الدَّاعِينَ وَالسَّائِلِينَ: «مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟» إِلَى آخِرِ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَلَيسَ المَعنَى أَنَّ المَلَكَ يَقُولُ عَن نَفسِهِ: «مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟ وَمَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ وَمَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟».
وَنَظِيرُ هَذَا مَا جَاءَ فِي القُرآنِ مِن قَولِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ﴾، وَمَعنَاهُ: فَإِذَا قَرَأَهُ جِبرِيلُ عَلَيكَ بِأَمرِنَا. وَمَعلُومٌ أَنَّهُ لَيسَ المَعنَى أَنَّ اللهَ يَقرَأُ القُرآنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا يَقرَأُ المُعَلِّمُ عَلَى التِّلمِيذِ. فَبِهَذَا يَنحَلُّ الإِشكَالُ الَّذِي يَخطُرُ لِبَعضِ النَّاسِ، وَالَّذِي يُورِدُهُ ابنُ تَيمِيَّةَ وَمَن نَهَجَ مَنهَجَهُ فِي التَّشبِيهِ مِنَ الوَهَّابِيَّةِ وَغَيرِهِم.
ضَبطُ «يُنزِلُ» وَرِوَايَةُ النَّسَائِيِّ فِي حَملِ النُّزُولِ عَلَى نُزُولِ المَلَكِ بِأَمرِ اللهِ
وَمِن أَقوَى مَا يَكشِفُ بُطلَانَ حَملِ حَدِيثِ النُّزُولِ عَلَى نُزُولِ الذَّاتِ أَنَّ بَعضَ أَهلِ النَّقلِ ضَبَطُوا اللَّفظَ بِصِيغَةِ الإِنزَالِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ جَاءَت مُصَرِّحَةً بِأَمرِ المَلَكِ بِالنُّزُولِ وَالنِّدَاءِ.
فَهَذِهِ النُّقُولُ عَنِ الحُفَّاظِ تُبَيِّنُ أَنَّ الحَدِيثَ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِلمُشَبِّهَةِ، بَل هُوَ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى مِن نُزُولِ رَحمَةٍ أَو مَلَكٍ بِأَمرِهِ، لَا نُزُولِ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ.
وَيُبطِلُ مَا ذَهَبَت إِلَيهِ المُشَبِّهَةُ مِنِ اعتِقَادِ نُزُولِ اللهِ بِذَاتِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا أَنَّ بَعضَ رُوَاةِ البُخَارِيِّ ضَبَطُوا كَلِمَةَ «يُنزِلُ» بِضَمِّ اليَاءِ وَكَسرِ الزَّايِ، فَيَكُونُ المَعنَى: نُزُولُ المَلَكِ بِأَمرِ اللهِ، وَهُوَ الَّذِي صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، مِن أَنَّ اللهَ يَأمُرُ مَلَكًا بِأَن يَنزِلَ فَيُنَادِي. فَتَبَيَّنَ أَنَّ المُشَبِّهَةَ لَيسَ لَهُم حُجَّةٌ فِي هَذَا الحَدِيثِ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيّ [فَتحُ البَارِي شَرحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ]ِ: «وَقَالَ ابنُ العَرَبِيِّ: النُّزُولُ رَاجِعٌ إِلَى أَفعَالِهِ لَا إِلَى ذَاتِهِ، بَل ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَن مَلَكِهِ الَّذِي يَنزِلُ بِأَمرِهِ وَنَهيِهِ». ثُمَّ قَالَ: «وَالحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَوَّلَهُ بِوَجهَينِ: إِمَّا بِأَنَّ المَعنَى يَنزِلُ أَمرُهُ أَوِ المَلَكُ بِأَمرِهِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ استِعَارَةٌ بِمَعنَى التَّلَطُّفِ بِالدَّاعِينَ وَالإِجَابَةِ لَهُم وَنَحوِهِ. وَحَكَى ابنُ فُورَكٍ أَنَّ بَعضَ المَشَايِخِ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذفِ المَفعُولِ، أَي: يُنزِلُ مَلَكًا. قَالَ الحَافِظُ: وَيُقَوِّيهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِن طَرِيقِ الأَغَرِّ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ اللهَ يُمهِلُ حَتَّى يَمضِيَ شَطرُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟» الحَدِيثَ، وَحَدِيثُ عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ عِندَ أَحمَدَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: هَل مِن دَاعٍ يُستَجَابُ لَهُ؟» الحَدِيثَ». قَالَ القُرطُبِيُّ: وَبِهَذَا يَرتَفِعُ الإِشكَالُ. وَقَالَ البَيضَاوِيُّ: وَلَمَّا ثَبَتَ بِالقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ، امتَنَعَ عَلَيهِ النُّزُولُ عَلَى مَعنَى الاِنتِقَالِ مِن مَوضِعٍ إِلَى مَوضِعٍ أَخفَضَ مِنهُ، فَالمُرَادُ نُورُ رَحمَتِهِ». انتَهَى كَلَامُ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ الإِمَامُ العَينِيُّ فِي [عُمدَةِ القَارِي شَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ] أَثنَاءَ كَلَامِهِ عَن حَدِيثِ النُّزُولِ: «وَقَالَ ابنُ فُورَكٍ: ضَبَطَ لَنَا بَعضُ أَهلِ النَّقلِ هَذَا الخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِضَمِّ اليَاءِ مِن «يَنزِلُ»، يَعنِي مِنَ الإِنزَالِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ عَمَّن سَمِعَ مِنهُ مِنَ الثِّقَاتِ الضَّابِطِينَ. وَكَذَا قَالَ القُرطُبِيُّ: قَد قَيَّدَهُ بَعضُ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَيَكُونُ مُعَدًّى إِلَى مَفعُولٍ مَحذُوفٍ، أَي: يُنزِلُ اللهُ مَلَكًا. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِن حَدِيثِ الأَغَرِّ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمهِلُ حَتَّى يَأتِيَ شَطرُ اللَّيلِ الأَوَّلُ، ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يَقُولُ: هَل مِن دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَهُ؟»، وَصَحَّحَهُ عَبدُ الحَقِّ. وَحَمَلَ صَاحِبُ [المُفهِمِ] عَلَى النُّزُولِ المَعنَوِيِّ عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنهُ عِندَ مُسلِمٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا»، بِزِيَادَةِ تَاءٍ بَعدَ يَاءِ المُضَارَعَةِ، فَقَالَ: كَذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ هُنَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي النُّزُولِ المَعنَوِيِّ، وَإِلَيهَا يُرَدُّ «يَنزِلُ» عَلَى أَحَدِ التَّأوِيلَاتِ. وَمَعنَى ذَلِكَ أَنَّ مُقتَضَى عَظَمَةِ اللهِ وَجَلَالِهِ وَاستِغنَائِهِ عَن خَلقِهِ أَن لَا يَعبَأَ بِحَقِيرٍ ذَلِيلٍ، لَكِن يَنزِلُ بِمُقتَضَى كَرَمِهِ وَلُطفِهِ، لِأَن يَقُولَ: مَن يُقرِضُ غَيرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ، وَيَكُونُ قَولُهُ: «إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا» عِبَارَةً عَنِ الحَالَةِ القَرِيبَةِ إِلَينَا وَالدُّنيَا، وَاللهُ أَعلَمُ» انتَهَى.
وَقَالَ القَسطَلَّانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ عِندَ ذِكرِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ: «هُوَ نُزُولُ رَحمَةٍ، وَمَزِيدُ لُطفٍ، وَإِجَابَةُ دَعوَةٍ، وَقَبُولُ مَعذِرَةٍ، لَا نُزُولُ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ؛ لِاستِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللهِ، فَهُوَ نُزُولٌ مَعنَوِيٌّ». ثُمَّ قَالَ: «نَعَم، يَجُوزُ حَملُهُ عَلَى الحِسِّيِّ، وَيَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مَلَكِهِ الَّذِي يَنزِلُ بِأَمرِهِ وَنَهيِهِ» انتَهَى.
وَقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي أَثنَاءِ كَلَامِهِ فِي شَرحِ حَدِيثِ النُّزُولِ فِي [تَنوِيرِ الحَوَالِكِ]: «فَالمُرَادُ إِذًا نُزُولُ أَمرِهِ أَوِ المَلَكِ بِأَمرِهِ، وَذَكَرَ ابنُ فُورَكٍ أَنَّ بَعضَ المَشَايِخِ ضَبَطَهُ «يُنزِلُ» بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى حَذفِ المَفعُولِ، أَي: يُنزِلُ مَلَكًا» انتَهَى.
وَنَقَلَ الإِمَامُ الزُّرقَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى مُوَطَّإِ الإِمَامِ مَالِكٍ مَا نَقَلَهُ ابنُ حَجَرٍ عَنِ ابنِ العَرَبِيِّ وَابنِ فُورَكٍ، وَزَادَ مَا نَصُّهُ: «وَكَذَا حُكِيَ عَن مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلَهُ بِنُزُولِ رَحمَتِهِ وَأَمرِهِ أَو مَلَائِكَتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فَعَلَ المَلِكُ كَذَا، أَي أَتبَاعُهُ بِأَمرِهِ» انتَهَى كَلَامُ الزُّرقَانِيِّ.
حَدِيثُ الدُّنُوِّ يَومَ عَرَفَةَ وَبَيَانُ أَنَّ المُرَادَ دُنُوُّ الرَّحمَةِ وَالكَرَامَةِ
وَبَعدَ أَن تَبَيَّنَ مِن كَلَامِ الحُفَّاظِ أَنَّ رِوَايَةَ «يُنزِلُ» وَرِوَايَةَ النَّسَائِيِّ تَدُلَّانِ عَلَى نُزُولِ المَلَكِ بِأَمرِ اللهِ، يَظهَرُ أَنَّ حَدِيثَ الدُّنُوِّ يَومَ عَرَفَةَ يَجرِي عَلَى هَذَا الأَصلِ نَفسِهِ.
فَالمُرَادُ بِالدُّنُوِّ وَالنُّزُولِ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ دُنُوُّ الرَّحمَةِ وَالكَرَامَةِ وَتَنَزُّلُ الأَلطَافِ، لَا دُنُوُّ مَسَافَةٍ وَلَا نُزُولُ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ؛ إِذِ اللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمَخلُوقَاتِ.
فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي [صَحِيحِهِ] عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أَن يُعتِقَ اللهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟». وَمَعنَى قَولِهِ ﷺ: «وَإِنَّهُ لَيَدنُو»، أَي: تَدنُو رَحمَةُ اللهِ تَعَالَى وَكَرَامَتُهُ، لَا دُنُوَّ مَسَافَةٍ وَمُمَاسَّةٍ، تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ أَن يَكُونَ جِسمًا لَهُ شَكلٌ وَهَيئَةٌ، أَو أَن يَكُونَ مُشَابِهًا لِلمَخلُوقَاتِ. وَمَعنَى قَولِهِ ﷺ: «ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلَائِكَةَ»، أَي: يُظهِرُ اللهُ تَعَالَى لِلمَلَائِكَةِ فَضلَ هَؤُلَاءِ المُعتَقِينَ بِأَن يَغفِرَ لَهُم. وَمَعنَى قَولِهِ ﷺ: «مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟»، أَي: أَيُّ شَيءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ حِينَ تَرَكُوا أَهلَهُم وَأَوطَانَهُم، وَصَرَفُوا أَموَالَهُم، وَأَتعَبُوا أَبدَانَهُم؟ أَي: مَا أَرَادُوا إِلَّا المَغفِرَةَ وَالرِّضَا.
وَحَذَارِ أَخِي المُسلِمَ أَن تَظُنَّ أَنَّ مَعنَى قَولِهِ ﷺ: «وَإِنَّهُ لَيَدنُو» أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَدنُو بِمَسَافَةٍ وَمُمَاسَّةٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُدُودِ وَالجِهَاتِ، وَعَنِ الاِنتِقَالِ وَالمَسَافَاتِ، وَعَن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمَخلُوقَاتِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ وَيُوضِّحُ هَذَا المَعنَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي [المُوَطَّإِ] أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيطَانُ يَومًا هُوَ فِيهِ أَصغَرُ، وَلَا أَدحَرُ، وَلَا أَحقَرُ، وَلَا أَغيَظُ مِنهُ فِي يَومِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِن تَنَزُّلِ الرَّحمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ العِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَومَ بَدرٍ. قِيلَ: وَمَا رَأَى يَومَ بَدرٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَد رَأَى جِبرِيلَ يَزَعُ المَلَائِكَةَ». وَمَعنَى «أَدحَرُ»: أَبعَدُ عَنِ الخَيرِ، وَمَعنَى «يَزَعُ المَلَائِكَةَ»: يَصُفُّهُم لِلقِتَالِ.
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانٌ لِأَنَّ المُرَادَ بِالدُّنُوِّ وَالنُّزُولِ هُوَ دُنُوُّ الرَّحمَةِ وَتَنَزُّلُهَا، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الخَبَرُ الآخَرُ، وَالخَبَرُ يُبَيِّنُهُ الخَبَرُ، كَمَا قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ فِي [أَلفِيَّتِهِ فِي مُصطَلَحِ الحَدِيثِ]: «وَخَيرُ مَا فَسَّرتَهُ بِالوَارِدِ».
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي [شَرحِ صَحِيحِ مُسلِمٍ]: «قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ المَازِرِيُّ: مَعنَى «يَدنُو» فِي هَذَا الحَدِيثِ: أَي تَدنُو رَحمَتُهُ وَكَرَامَتُهُ، لَا دُنُوَّ مَسَافَةٍ وَمُمَاسَّةٍ. قَالَ القَاضِي: يُتَأَوَّلُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ مِن غَيظِ الشَّيطَانِ يَومَ عَرَفَةَ لِمَا يَرَى مِن تَنَزُّلِ الرَّحمَةِ. قَالَ القَاضِي: وَقَد يُرِيدُ دُنُوَّ المَلَائِكَةِ إِلَى الأَرضِ أَو إِلَى السَّمَاءِ بِمَا يَنزِلُ مَعَهُم مِنَ الرَّحمَةِ، وَمُبَاهَاةُ المَلَائِكَةِ بِهِم عَن أَمرِهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى» انتَهَى.
تَفسِيرِ حَدِيثِ النُّزُولِ بِالوَارِدِ
لَقَدِ اتَّفَقَ أَهلُ التَّفسِيرِ عَلَى أَنَّ خَيرَ مَا يُفَسِّرُ النَّصَّ الوَارِدَ النَّصُّ الوَارِدُ؛ فَخَيرُ مَا يُفَسِّرُ النَّصَّ القُرآنِيَّ السِّيَاقُ، وَخَيرُ مَا يُفَسِّرُ الحَدِيثَ الوَارِدَ الحَدِيثُ الوَارِدُ، كَمَا قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ فِي أَلفِيَّتِهِ:
«وَخَيرُ مَا فَسَّرتَهُ بِالوَارِدِ ~ كَالدُّخِّ بِالدُّخَانِ لِابنِ صَائِدِ».
وَمِن هَذِهِ القَاعِدَةِ الذَّهَبِيَّةِ النَّفِيسَةِ نَنطَلِقُ لِبَيَانِ الآتِي: فَفِي حَدِيثِ النُّزُولِ، الَّذِي يُفَسِّرُ لَفظَ «يَنزِلُ رَبُّنَا» الوَارِدَ فِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ المَشهُورَةِ، وَرِوَايَاتِ عَدَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، لَفظُ «يَأمُرُ مَلَكًا»، فَيَنزِلُ المَلَكُ بِأَمرِ اللهِ، وَهُوَ الوَارِدُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «ثُمَّ يَأمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي»، وَهَذَا المَأمُورُ المُنَادِي هُوَ غَيرُ اللهِ بِلَا شَكٍّ، وَهُوَ المَلَكُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ.
فَمَعنَى «يَنزِلُ رَبُّنَا»: يَنزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا، وَهَذَا مَجَازٌ مَعرُوفٌ عِندَ أَهلِ اللُّغَةِ وَالبَلَاغَةِ وَالأُصُولِ وَالتَّفسِيرِ، وَهُوَ المَجَازُ العَقلِيُّ، وَدَلِيلُهُ الرِّوَايَةُ الأُخرَى.
وَبَعدُ، فَنَقُولُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ عَبدُ الغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ:
«هَذَا هُوَ الحَقُّ المُبِينُ الوَاضِحُ ~ وَبِالَّذِي فِيهِ الإِنَاءُ نَاضِحُ».