مُقَدِّمَةٌ
وَبَعدَ بَيَانِ مَوضِعِ الإِشكَالِ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ، فَهَذَا فَصلٌ تُسَاقُ فِيهِ نُقُولُ الأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي نَفيِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ عَنِ اللهِ تَعَالَى.
وَالمَقصُودُ مِن هَذِهِ النُّقُولِ إِظهَارُ أَنَّ عَقِيدَةَ أَهلِ الحَقِّ وَاحِدَةٌ فِي التَّنزِيهِ، وَأَنَّ النُّزُولَ الوَارِدَ لَا يُحمَلُ عَلَى نُزُولِ الأَجسَامِ، بَل عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى.
أَقوَالُ الأَئِمَّةِ فِي نَفيِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ عَنِ اللهِ
وَقَد تَوَارَدَت نُقُولُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ النُّزُولِ بِمَعنَى الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ، وَبَيَانِ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ لَا يُحمَلُ عَلَى ظَاهِرٍ يُوهِمُ صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ.
فَمِن ذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَمَا فِي [سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ] للذَّهَبِيُّ، وَ[الرِّسَالَةِ الوَافِيَةِ] لِأَبِي عَمرٍو الدَّانِيِّ، وَ[شَرحِ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ]، وَ[الإِنصَافِ] لابنِ السِّيِّدِ البَطلَيُوسِيِّ، أَنَّهُ سُئِلَ رَحِمَهُ اللهُ عَن نُزُولِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: «يَنزِلُ أَمرُهُ تَعَالَى كُلَّ سَحَرٍ، فَأَمَّا هُوَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ وَلَا يَنتَقِلُ، سُبحَانَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» انتَهَى. وَرَوَى البَيهَقِيُّ بِإِسنَادِهِ عَنِ الإِمَامِ إِسحَاقَ بنِ رَاهَوَيهِ، وَهُوَ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ، أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلَنِي ابنُ طَاهِرٍ عَن حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، يَعنِي فِي النُّزُولِ، فَقُلتُ لَهُ: النُّزُولُ بِلَا كَيفٍ».
وَمِن ذَلِكَ مَا قَالَهُ الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ أَحمَدُ بنُ الحُسَينِ البَيهَقِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمسِينَ وَأَربَعِمِائَةٍ، صَاحِبُ السُّنَنِ، فِي كِتَابِهِ [الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ] عِندَ ذِكرِ هَذَا الحَدِيثِ: «أَخبَرَنَا أَبُو عَبدِ اللهِ الحَافِظُ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا مُحَمَّدٍ أَحمَدَ بنَ عَبدِ اللهِ المُزَنِيَّ يَقُولُ: حَدِيثُ النُّزُولِ قَد ثَبَتَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن وُجُوهٍ صَحِيحَةٍ، وَوَرَدَ فِي التَّنزِيلِ مَا يُصَدِّقُهُ، وَهُوَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وَالنُّزُولُ وَالمَجِيءُ صِفَتَانِ مَنفِيَّتَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى مِن طَرِيقِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ مِن حَالٍ إِلَى حَالٍ، بَل هُمَا صِفَتَانِ مِن صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى بِلَا تَشبِيهٍ، جَلَّ اللهُ تَعَالَى عَمَّا تَقُولُهُ المُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِهِ وَالمُشَبِّهَةُ بِهَا عُلُوًّا كَبِيرًا. قُلتُ: وَكَانَ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: إِنَّمَا يُنكِرُ هَذَا وَمَا أَشبَهَهُ مِنَ الحَدِيثِ مَن يَقِيسُ الأُمُورَ فِي ذَلِكَ بِمَا يُشَاهِدُهُ مِنَ النُّزُولِ الَّذِي هُوَ تَدَلٍّ مِن أَعلَى إِلَى أَسفَلَ، وَانتِقَالٌ مِن فَوقٍ إِلَى تَحتٍ، وَهَذِهِ صِفَةُ الأَجسَامِ وَالأَشبَاحِ، فَأَمَّا نُزُولُ مَن لَا تَستَولِي عَلَيهِ صِفَاتُ الأَجسَامِ فَإِنَّ هَذِهِ المَعَانِيَ غَيرُ مُتَوَهَّمَةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَن قُدرَتِهِ وَرَأفَتِهِ بِعِبَادِهِ، وَعَطفِهِ عَلَيهِم، وَاستِجَابَتِهِ دُعَاءَهُم، وَمَغفِرَتِهِ لَهُم، يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى صِفَاتِهِ كَيفِيَّةٌ، وَلَا عَلَى أَفعَالِهِ كَمِّيَّةٌ، سُبحَانَهُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾» انتَهَى كَلَامُ البَيهَقِيِّ.
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرٍ أَحمَدُ بنُ الحُسَينِ البَيهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد]: «يَجِبُ أَن يُعلَمَ أَنَّ استِوَاءَ اللهِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لَيسَ بِاستِوَاءِ اعتِدَالٍ عَنِ اعوِجَاجٍ، وَلَا استِقرَارٍ فِي مَكَانٍ، وَلَا مُماسَّةٍ لِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، لَكِنَّهُ مُستَوٍ عَلَى عَرشِهِ كَمَا أَخبَرَ، بِلَا كَيفٍ، بِلَا أَينٍ، بَائِنٌ مِن جَمِيعِ خَلقِهِ، وَأَنَّ إِتيَانَهُ لَيسَ بِإِتيَانٍ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّ مَجِيئَهُ لَيسَ بِحَرَكَةٍ، وَأَنَّ نُزُولَهُ لَيسَ بِنُقلَةٍ، وَأَنَّ نَفسَهُ لَيسَت بِجِسمٍ، وَأَنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِصُورَةٍ، وَأَنَّ يَدَهُ لَيسَت بِجَارِحَةٍ، وَأَنَّ عَينَهُ لَيسَت بِحَدَقَةٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ أَوصَافٌ جَاءَ بِهَا التَّوقِيفُ، فَقُلنَا بِهَا، وَنَفَينَا عَنهَا التَّكيِيفَ، فَقَد قَالَ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَقَالَ: ﴿هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾» انتَهَى.
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ عِندَ ذِكرِهِ لِحَدِيثِ النُّزُولِ: «إِنَّ مَن حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ هُمُ المُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللهُ عَن قَولِهِم». ثُمَّ نَقَلَ عَنِ البَيضَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَمَّا ثَبَتَ بِالقَوَاطِعِ أَنَّهُ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ، امتَنَعَ عَلَيهِ النُّزُولُ عَلَى مَعنَى الاِنتِقَالِ مِن مَوضِعٍ إِلَى مَوضِعٍ أَخفَضَ مِنهُ، فَالمُرَادُ نُورُ رَحمَتِهِ»، وَأَقَرَّهُ الحَافِظُ وَلَم يَتَعَقَّبهُ.
وَقَالَ القَسطَلَّانِيُّ فِي شَرحِ البُخَارِيِّ عِندَ ذِكرِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ: «هُوَ نُزُولُ رَحمَةٍ، وَمَزِيدُ لُطفٍ، وَإِجَابَةُ دَعوَةٍ، وَقَبُولُ مَعذِرَةٍ، لَا نُزُولُ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ؛ لِاستِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللهِ، فَهُوَ نُزُولٌ مَعنَوِيٌّ». ثُمَّ قَالَ: «نَعَم، يَجُوزُ حَملُهُ عَلَى الحِسِّيِّ، وَيَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مَلَكِهِ الَّذِي يَنزِلُ بِأَمرِهِ وَنَهيِهِ».
وَمِثلُهُ قَالَ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى التِّرمِذِيِّ عِندَ ذِكرِ حَدِيثِ النُّزُولِ.
وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ المُفَسِّرُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَلِيٍّ، المَعرُوفُ بِابنِ الجَوزِيِّ الحَنبَلِيِّ، فِي [البَازِ الأَشهَبِ المُنقَضِّ عَلَى مُخَالِفِي المَذهَبِ] مَا نَصُّهُ: «الوَاجِبُ عَلَينَا أَن نَعتَقِدَ أَنَّ ذَاتَ اللهِ تَعَالَى لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ، وَلَا يُوصَفُ بِالتَّغَيُّرِ وَالاِنتِقَالِ» انتَهَى.
وَقَالَ أَيضًا فِي [البَازِ الأَشهَبِ المُنقَضِّ عَلَى مُخَالِفِي المَذهَبِ]: «فَتَرَى أَقوَامًا يَسمَعُونَ أَخبَارَ الصِّفَاتِ، فَيَحمِلُونَهَا عَلَى مَا يَقتَضِيهِ الحِسُّ، كَقَولِ قَائِلِهِم: يَنزِلُ بِذَاتِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنتَقِلُ، وَهَذَا فَهمٌ رَدِيءٌ؛ لِأَنَّ المُنتَقِلَ يَكُونُ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَيُوجِبُ ذَلِكَ كَونَ المَكَانِ أَكبَرَ مِنهُ، وَيَلزَمُ مِنهُ الحَرَكَةُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى الحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ» انتَهَى.
وَابنُ الجَوزِيِّ مِن أَسَاطِينِ الحَنَابِلَةِ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابِ [دَفعِ شُبَهِ التَّشبِيهِ] الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى المُجَسِّمَةِ الَّذِينَ يَنسُبُونَ أَنفُسَهُم إِلَى مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ بَرِيءٌ مِمَّا يَعتَقِدُونَ. وَقَد بَيَّنَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي هَذَا الكِتَابِ أَنَّ عَقِيدَةَ السَّلَفِ وَعَقِيدَةَ الإِمَامِ أَحمَدَ تَنزِيهُ اللهِ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ وَالحَدِّ وَالجِسمِيَّةِ وَالقِيَامِ وَالجُلُوسِ وَالاِستِقرَارِ وَغَيرِهَا مِن صِفَاتِ الحَوَادِثِ وَالأَجسَامِ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ [دَفعُ شُبَهِ التَّشبِيهِ] ـ الَّذِي فَضَحَ فِيهِ سَلَفَ ابنِ تَيمِيَّةَ فِي تَشبِيهِ اللهِ بِخَلقِهِ، وَبَيَّنَ رَحِمَهُ اللهُ بَرَاءَةَ الإِمَامِ أَحمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِنَ المُشَبِّهَةِ ـ بَعدَ أَن ذَكَرَ حَدِيثَ النُّزُولِ مَا نَصُّهُ: «إِنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الحَرَكَةُ وَالنُّقلَةُ وَالتَّغَيُّرُ، وَوَاجِبٌ عَلَى الخَلقِ اعتِقَادُ التَّنزِيهِ، وَامتِنَاعُ تَجوِيزِ النُّقلَةِ، وَأَنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ انتِقَالٌ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يَفتَقِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجسَامٍ: جِسمٍ عَالٍ، وَهُوَ مَكَانُ السَّاكِنِ، وَجِسمٍ سَافِلٍ، وَجِسمٍ يَنتَقِلُ مِن عُلُوٍّ إِلَى أَسفَلَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى قَطعًا».
ثُمَّ قَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ: «قَالَ ابنُ حَامِدٍ ـ وَهُوَ أَحَدُ أَسلَافِ ابنِ تَيمِيَّةَ فِي التَّجسِيمِ وَالتَّشبِيهِ ـ: هُوَ عَلَى العَرشِ بِذَاتِهِ مُماسٌّ لَهُ، وَيَنزِلُ مِن مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَيَزُولُ وَيَنتَقِلُ. قُلتُ ـ أَيِ ابنُ الجَوزِيِّ ـ: وَهَذَا رَجُلٌ لَا يَعرِفُ مَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَمِنهُم ـ أَيِ المُشَبِّهَةِ ـ مَن قَالَ: يَتَحَرَّكُ إِذَا نَزَلَ، وَلَا يَدرِي أَنَّ الحَرَكَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الخَالِقِ، وَقَد حَكُوا عَن أَحمَدَ ـ أَيِ ابنِ حَنبَلٍ ـ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذِبٌ عَلَيهِ، وَلَو كَانَ النُّزُولُ صِفَةً لِذَاتِهِ لَكَانَت صِفَاتُهُ كُلَّ لَيلَةٍ تَتَجَدَّدُ، وَصِفَاتُهُ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، أَي أَزَلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ اللهَ أَزَلِيٌّ لَا بِدَايَةَ لَهُ، وَهُوَ مَوصُوفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ سُبحَانَهُ أَزَلًا وَأَبَدًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ».
وَقَالَ الإِمَامُ الفَقِيهُ أَبُو سُلَيمَانَ الخَطَّابِيُّ -وكَانَ فَقِيهًا أَدِيبًا مُحَدِّثًا، لَهُ التَّصَانِيفُ البَدِيعَةُ، حَافِظًا كَبِيرَ الشَّأنِ، مُصَنِّفًا، فَقِيهًا، لُغَوِيًّا- فِي شَرحِهِ عَلَى البُخَارِيِّ عِندَ شَرحِ حَدِيثِ النُّزُولِ: «إِنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ تَدَلٍّ مِن أَعلَى إِلَى أَسفَلَ، وَانتِقَالٌ مِن فَوقٍ إِلَى تَحتٍ، هُوَ صِفَةُ الأَجسَامِ وَالأَشبَاحِ، فَأَمَّا نُزُولُ مَن لَا تَستَولِي عَلَيهِ صِفَاتُ الأَجسَامِ، فَإِنَّ هَذِهِ المَعَانِيَ غَيرُ مُتَوَهَّمَةٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَن قُدرَتِهِ وَرَأفَتِهِ بِعِبَادِهِ، وَاستِجَابَتِهِ دُعَاءَهُم، وَمَغفِرَتِهِ لَهُم، يَفعَلُ مَا يَشَاءُ، لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى صِفَاتِهِ كَيفِيَّةٌ، سُبحَانَهُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾». وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ: «إِنَّ الحَرَكَةَ وَالاِنتِقَالَ مِن نُعُوتِ الحَدَثِ، وَتَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا».
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ فِي [مَعَالِمِ السُّنَنِ شَرحِهِ عَلَى سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ]: «وَقَد زَلَّ بَعضُ شُيُوخِ أَهلِ الحَدِيثِ مِمَّن يُرجَعُ إِلَى مَعرِفَتِهِ بِالحَدِيثِ وَالرِّجَالِ، فَحَادَ عَن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حِينَ رَوَى حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى نَفسِهِ، فَقَالَ: إِن قَالَ قَائِلٌ: كَيفَ يَنزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ؟ قِيلَ لَهُ: يَنزِلُ كَيفَ يَشَاءُ. فَإِن قَالَ: هَل يَتَحَرَّكُ إِذَا نَزَلَ؟ فَقَالَ: إِن شَاءَ يَتَحَرَّكُ، وَإِن شَاءَ لَم يَتَحَرَّك. وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ عَظِيمٌ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالحَرَكَةِ؛ لِأَنَّ الحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ يَتَعَاقَبَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَن يُوصَفَ بِالحَرَكَةِ مَن يَجُوزُ أَن يُوصَفَ بِالسُّكُونِ، وَكِلَاهُمَا مِن أَعرَاضِ الحَدَثِ، وَأَوصَافِ المَخلُوقِينَ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَعَالٍ عَنهُمَا، لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ. فَلَو جَرَى هَذَا الشَّيخُ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَم يُدخِل نَفسَهُ فِيمَا لَا يَعنِيهِ، لَم يَكُن يَخرُجُ بِهِ القَولُ إِلَى مِثلِ هَذَا الخَطَإِ الفَاحِشِ». ثُمَّ قَالَ: «وَإِنَّمَا ذَكَرتُ هَذَا لِكَي يُتَوَقَّى الكَلَامُ فِيمَا كَانَ مِن هَذَا النَّوعِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُثمِرُ خَيرًا، وَلَا يُفِيدُ رُشدًا، وَنَسأَلُ اللهَ العِصمَةَ مِنَ الضَّلَالِ، وَالقَولِ بِمَا لَا يَجُوزُ مِنَ الفَاسِدِ وَالمُحَالِ» انتَهَى وَلَا يَخفَى عَلَى مَن مَارَسَ شَيئًا مِن عِلمِ الرِّجَالِ أَنَّ أَبَا سُلَيمَانَ الخَطَّابِيَّ مِن أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالفِقهِ وَالحَدِيثِ.
وَقَد وَافَقَهُ فِي قَولِهِ صَاحِبُ [لِسَانِ العَرَبِ]، حَيثُ قَالَ فِي مَادَّةِ «نَزَلَ» عِندَ ذِكرِهِ حَدِيثَ النُّزُولِ مَا نَصُّهُ: «النُّزُولُ وَالصُّعُودُ وَالحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَتَعَالَى عَن ذَلِكَ وَيَتَقَدَّسُ؛ وَالمُرَادُ بِهِ نُزُولُ الرَّحمَةِ وَالأَلطَافِ الإِلَهِيَّةِ، وَقُربُهَا مِنَ العِبَادِ، وَتَخصِيصُهَا بِاللَّيلِ وَبِالثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنهُ؛ لِأَنَّهُ وَقتُ التَّهَجُّدِ، وَغَفلَةُ النَّاسِ عَمَّن يَتَعَرَّضُ لِنَفَحَاتِ رَحمَةِ اللهِ، وَعِندَ ذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ خَالِصَةً، وَالرَّغبَةُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَافِرَةً، وَذَلِكَ مَظِنَّةُ القَبُولِ وَالإِجَابَةِ».
وَقَالَ القَاضِي أَبُو بَكرٍ مُحَمَّدٌ البَاقِلَّانِيُّ المَالِكِيُّ الأَشعَرِيُّ فِي كِتَابِهِ [الإِنصافُ فِيمَا يَجِبُ اعتِقَادُهُ وَلَا يَجُوزُ الجَهلُ بِهِ]: «وَيَجِبُ أَن يُعلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الحُدُوثِ أَو عَلَى سِمَةِ النَّقصِ، فَالرَّبُّ تَعَالَى يَتَقَدَّسُ عَنهُ، فَمِن ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى مُتَقَدِّسٌ عَنِ الاِختِصَاصِ بِالجِهَاتِ، وَالاِتِّصَافِ بِصِفَاتِ المُحدَثَاتِ، وَكَذَلِكَ لَا يُوصَفُ بِالتَّحَوُّلِ وَالاِنتِقَالِ، وَلَا القِيَامِ وَلَا القُعُودِ؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَقَولِهِ: ﴿وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَدُلُّ عَلَى الحُدُوثِ، وَاللهُ تَعَالَى يَتَقَدَّسُ عَن ذَلِكَ» انتَهَى.
وَقَالَ إِمَامُ الحَرَمَينِ الجُوَينِيُّ فِي [الإِرشَادِ]، أَثنَاءَ كَلَامِهِ عَمَّا رُوِيَ بِشَأنِ النُّزُولِ: «وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِهَا، فَآحَادٌ لَا تُفضِي إِلَى العِلمِ، وَلَو أَضرَبنَا عَن جَمِيعِهَا لَكَانَ سَائِغًا، لَكِنَّا نُومِئُ إِلَى تَأوِيلِ مَا دُوِّنَ مِنهَا فِي الصِّحَاحِ، فَمِنهَا حَدِيثُ النُّزُولِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَنزِلُ اللهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ لَيلَةِ جُمُعَةٍ، وَيَقُولُ: هَل مِن تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيهِ؟ هَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرَ لَهُ؟ هَل مِن دَاعٍ فَأُجِيبَ لَهُ؟» الحَدِيثَ، وَلَا وَجهَ لِحَملِ النُّزُولِ عَلَى التَّحَوُّلِ وَتَفرِيغِ مَكَانٍ وَشَغلِ غَيرِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَنُعُوتِ الأَجرَامِ، وَتَجوِيزُ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى طَرَفَي نَقِيضٍ: أَحَدُهُمَا الحُكمُ بِحُدُوثِ الإِلَهِ، وَالثَّانِي القَدحُ فِي الدَّلِيلِ عَلَى حُدُوثِ الأَجسَامِ. وَالوَجهُ حَملُ النُّزُولِ، وَإِن كَانَ مُضَافًا إِلَى اللهِ تَعَالَى، عَلَى نُزُولِ مَلَائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ، وَذَلِكَ سَائِغٌ غَيرُ بَعِيدٍ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، مَعنَاهُ: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ أَولِيَاءَ اللهِ، وَلَا يَبعُدُ حَذفُ المُضَافِ وَإِقَامَةُ المُضَافِ إِلَيهِ تَخصِيصًا» انتَهَى.
وَقَالَ الإِمَامُ المُفَسِّرُ مُحَمَّدُ بنُ أَحمَدَ الأَنصَارِيُّ القُرطُبِيُّ المَالِكِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ إِحدَى وَسَبعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فِي تَفسِيرِهِ [الجَامِعُ لِأَحكَامِ القُرآنِ] مَا نَصُّهُ: «وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّحَوُّلِ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّى لَهُ التَّحَوُّلُ وَالاِنتِقَالُ، وَلَا مَكَانَ لَهُ وَلَا أَوَانَ، وَلَا يَجرِي عَلَيهِ وَقتٌ وَلَا زَمَانٌ؛ لِأَنَّ فِي جَرَيَانِ الوَقتِ عَلَى الشَّيءِ فَوتَ الأَوقَاتِ، وَمَن فَاتَهُ شَيءٌ فَهُوَ عَاجِزٌ» انتَهَى.
وَقَالَ رَئِيسُ القُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي مِصرَ فِي زَمَانِهِ بَدرُ الدِّينِ بنُ جَمَاعَةَ، المُتَوَفَّى سَنَةَ سَبعٍ وَعِشرِينَ وَسَبعِمِائَةٍ، فِي كِتَابِهِ [إِيضَاحِ الدَّلِيلِ فِي قَطعِ حُجَجِ أَهلِ التَّعطِيلِ] مَا نَصُّهُ: «اعلَم أَنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ الاِنتِقَالُ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ لَا يَجُوزُ حَملُ الحَدِيثِ عَلَيهِ لِوُجُوهٍ: الأَوَّلُ: النُّزُولُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ، وَيَحتَاجُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجسَامٍ: مُنتَقِلٍ، وَمُنتَقَلٍ عَنهُ، وَمُنتَقَلٍ إِلَيهِ، وَذَلِكَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مُحَالٌ. الثَّانِي: لَو كَانَ النُّزُولُ لِذَاتِهِ حَقِيقَةً لَتَجَدَّدَت لَهُ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ حَرَكَاتٌ عَدِيدَةٌ تَستَوعِبُ اللَّيلَ كُلَّهُ، وَتَنَقُّلَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ اللَّيلِ يَتَجَدَّدُ عَلَى أَهلِ الأَرضِ مَعَ اللَّحَظَاتِ شَيئًا فَشَيئًا، فَيَلزَمُ انتِقَالُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنيَا لَيلًا وَنَهَارًا، مِن قَومٍ إِلَى قَومٍ، وَعَودُهُ إِلَى العَرشِ فِي كُلِّ لَحظَةٍ عَلَى قَولِهِم، وَنُزُولُهُ فِيهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا، وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ ذُو لُبٍّ وَتَحصِيلٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ القَائِلَ بِأَنَّهُ فَوقَ العَرشِ، وَأَنَّهُ مَلَأَهُ، كَيفَ تَسَعُهُ سَمَاءُ الدُّنيَا، وَهِيَ بِالنِّسبَةِ إِلَى العَرشِ كَحَلقَةٍ فِي فَلَاةٍ؟ فَيَلزَمُ عَلَيهِ أَحَدُ أَمرَينِ: إِمَّا اتِّسَاعُ سَمَاءِ الدُّنيَا كُلَّ سَاعَةٍ حَتَّى تَسَعَهُ، أَو تَضَاؤُلُ الذَّاتِ المُقَدَّسِ عَن ذَلِكَ حَتَّى تَسَعَهُ-بزعمه-، وَنَحنُ نَقطَعُ بِانتِفَاءِ الأَمرَينِ» انتَهَى كَلَامُ ابنِ جَمَاعَةَ.
وَقَالَ الحَافِظُ المُتَبَحِّرُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ الجَوزِيِّ الحَنبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ [دَفعِ شُبَهِ التَّشبِيهِ] بَعدَ ذِكرِ حَدِيثِ النُّزُولِ مَا نَصُّهُ: «إِنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الحَرَكَةُ وَالنُّقلَةُ وَالتَّغَيُّرُ، وَوَاجِبٌ عَلَى الخَلقِ اعتِقَادُ التَّنزِيهِ، وَامتِنَاعُ تَجوِيزِ النُّقلَةِ، وَأَنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ انتِقَالٌ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ يَفتَقِرُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجسَامٍ: جِسمٍ عَالٍ، وَهُوَ مَكَانُ السَّاكِنِ، وَجِسمٍ سَافِلٍ، وَجِسمٍ يَنتَقِلُ مِن عُلُوٍّ إِلَى أَسفَلَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ قَطعًا» انتَهَى.
وَقَالَ الإِمَامُ البَيضَاوِيُّ في [عُمدَةُ القَارِي]: «مَا ثَبَتَ بِالقَوَاطِعِ العَقلِيَّةِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ امتَنَعَ عَلَيهِ النُّزُولُ عَلَى مَعنَى الاِنتِقَالِ مِن مَوضِعٍ أَعلَى إِلَى مَا هُوَ أَخفَضُ مِنهُ، فَالمُرَادُ نُزُولُ رَحمَتِهِ. وَيُقَالُ: لَا فَرقَ بَينَ المَجِيءِ وَالإِتيَانِ وَالنُّزُولِ إِذَا أُضِيفَ إِلَى جِسمٍ يَجُوزُ عَلَيهِ الحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ وَالنُّقلَةُ الَّتِي هِيَ تَفرِيغُ مَكَانٍ وَشَغلُ غَيرِهِ، فَإِذَا أُضِيفَ ذَلِكَ إِلَى مَن لَا يَلِيقُ بِهِ الاِنتِقَالُ وَالحَرَكَةُ كَانَ تَأوِيلُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِنَعتِهِ وَصِفَتِهِ تَعَالَى» انتَهَى.
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو بَكرِ بنُ العَرَبِيِّ المَالِكِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى التِّرمِذِيِّ [عَارِضَةُ الأَحوَذِيِّ بِشَرحِ سُنَنِ التِّرمِذِيِّ] مَا نَصُّهُ: «إِنَّ اللهَ سُبحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحوِيهِ مَكَانٌ، كَمَا لَا يَشتَمِلُ عَلَيهِ زَمَانٌ، وَلَا يَشغَلُ حَيِّزًا، كَمَا لَا يَدنُو إِلَى شَيءٍ بِمَسَافَةٍ، مُتَقَدِّسُ الذَّاتِ عَنِ الآفَاتِ، مُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ، وَهَذِهِ عَقِيدَةٌ مُستَقِرَّةٌ فِي القُلُوبِ، ثَابِتَةٌ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ» انتَهَى.
وَقَالَ الحَافِظُ مُحَمَّدٌ عَبدُ الرَّؤُوفِ المُنَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ [فَيضِ القَدِيرِ شَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ]، وَفِي كِتَابِهِ [التَّيسِيرِ بِشَرحِ الجَامِعِ الصَّغِيرِ] مَا نَصُّهُ: «قِيلَ: المُرَادُ نُزُولُ رَحمَةٍ، وَمَزِيدُ لُطفٍ، وَإِجَابَةُ دَعوَةٍ، وَقَبُولُ مَعذِرَةٍ». ثُمَّ قَالَ فِي [فَيضِ القَدِيرِ] مَا نَصُّهُ: «لَا نُزُولَ حَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ؛ لِاستِحَالَتِهِ عَلَيهِ، تَقَدَّسَ، فَفِيهِ نُزُولٌ مَعنَوِيٌّ» انتَهَى.
وَقَالَ الفَقِيهُ الحَنَفِيُّ المُلا عَلِيُّ القَارِيُّ، المُتَوَفَّى سَنَةَ أَربَعَ عَشرَةَ وَأَلفٍ، فِي كِتَابِهِ [المِرقَاةِ فِي شَرحِ المِشكَاةِ] مَا نَصُّهُ: «وَتَعَالَى عَن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ مِنَ الطُّلُوعِ وَالنُّزُولِ» انتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي قَولِهِ: «كُلَّ لَيلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا»: «قَالَ ابنُ حَجَرٍ: أَي يَنزِلُ أَمرُهُ وَرَحمَتُهُ أَو مَلَائِكَتُهُ، وَهَذَا تَأوِيلُ الإِمَامِ مَالِكٍ وَغَيرِهِ» انتَهَى.
وَقَالَ الشَّيخُ أَبُو العُلَا مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَبدِ الرَّحِيمِ المُبَارَكفُورِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، المُتَوَفَّى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَأَلفٍ فِي [تُحفَةِ الأَحوَذِيِّ بِشَرحِ جَامِعِ التِّرمِذِيِّ] مَا نَصُّهُ: «قَولُهُ: «يَنزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيلَةٍ»، قَدِ اختُلِفَ فِي مَعنَى النُّزُولِ عَلَى أَقوَالٍ؛ فَمِنهُم مَن حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُمُ المُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللهُ عَن قَولِهِم. وَمِنهُم مَن أَنكَرَ صِحَّةَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُملَةً، وَهُمُ الخَوَارِجُ وَالمُعتَزِلَةُ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ. وَمِنهُم مَن أَوَّلَهُ. وَمِنهُم مَن أَجرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ، مُؤمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الإِجمَالِ، مُنَزِّهًا اللهَ تَعَالَى عَنِ الكَيفِيَّةِ وَالتَّشبِيهِ، وَهُم جُمهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، وَالسُّفيَانَينِ، وَالحَمَّادَينِ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَاللَّيثِ، وَغَيرِهِم، وَهَذَا القَولُ هُوَ الحَقُّ، فَعَلَيكَ بِاتِّبَاعِ جُمهُورِ السَّلَفِ» انتَهَى.
بَيَانُ مَذهَبِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ
وَبَعدَ بَيَانِ دَلَالَةِ الرِّوَايَاتِ وَأَقوَالِ الأَئِمَّةِ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ، يَتَّضِحُ هُنَا مَسلَكُ أَهلِ الحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي النُّصُوصِ المُتَشَابِهَةِ: إِيمَانٌ بِمَا وَرَدَ، مَعَ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن ظَوَاهِرِ المُحَالِ، وَصَرفِ مَا يُوهِمُ الحَرَكَةَ وَالاِنتِقَالَ عَن مَعَانِي الأَجسَامِ وَالمَخلُوقَاتِ.
فَلَيسَ الخِلَافُ بَينَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي أَصلِ التَّنزِيهِ، فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى نَفيِ الجِهَةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالحَرَكَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا الخِلَافُ فِي طَرِيقَةِ العِبَارَةِ: أَتَفوِيضٌ مَعَ تَنزِيهٍ، أَم تَأوِيلٌ تَفصِيلِيٌّ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرحِهِ عَلَى صَحِيحِ مُسلِمٍ: «هَذَا الحَدِيثُ مِن أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، وَفِيهِ مَذهَبَانِ مَشهُورَانِ لِلعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا، وَهُوَ مَذهَبُ السَّلَفِ وَبَعضِ المُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهُ يُؤمَنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ ظَاهِرَهَا المُتَعَارَفَ فِي حَقِّنَا غَيرُ مُرَادٍ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِي تَأوِيلِهَا، مَعَ اعتِقَادِ تَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن صِفَاتِ المَخلُوقِ، وَعَنِ الاِنتِقَالِ وَالحَرَكَاتِ وَسَائِرِ سِمَاتِ الخَلقِ. وَالثَّانِي مَذهَبُ أَكثَرِ المُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ مَحكِيٌّ هُنَا عَن مَالِكٍ وَالأَوزَاعِيِّ، أَنَّهَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ مَوَاطِنِهَا. فَعَلَى هَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الحَدِيثَ تَأوِيلَينِ: أَحَدُهُمَا تَأوِيلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ وَغَيرِهِ، وَمَعنَاهُ: تَنزِلُ رَحمَتُهُ وَأَمرُهُ وَمَلَائِكَتُهُ، كَمَا يُقَالُ: فَعَلَ السُّلطَانُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ أَتبَاعُهُ بِأَمرِهِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الاِستِعَارَةِ، وَمَعنَاهُ: الإِقبَالُ عَلَى الدَّاعِينَ بِالإِجَابَةِ وَاللُّطفِ» انتَهَى.
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي [فَتحِ البَارِي]: «قَولُهُ: «يَنزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا»، استَدَلَّ بِهِ مَن أَثبَتَ الجِهَةَ، وَقَالَ: هِيَ جِهَةُ العُلُوِّ، وَأَنكَرَ ذَلِكَ الجُمهُورُ؛ لِأَنَّ القَولَ بِذَلِكَ يُفضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ. وَقَدِ اختُلِفَ فِي مَعنَى النُّزُولِ عَلَى أَقوَالٍ: فَمِنهُم مَن حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُمُ المُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللهُ عَن قَولِهِم. وَمِنهُم مَن أَنكَرَ صِحَّةَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ جُملَةً، وَهُمُ الخَوَارِجُ وَالمُعتَزِلَةُ، وَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَالعَجَبُ أَنَّهُم أَوَّلُوا مَا فِي القُرآنِ مِن نَحوِ ذَلِكَ، وَأَنكَرُوا مَا فِي الحَدِيثِ إِمَّا جَهلًا وَإِمَّا عِنَادًا. وَمِنهُم مَن أَجرَاهُ عَلَى مَا وَرَدَ مُؤمِنًا بِهِ عَلَى طَرِيقِ الإِجمَالِ، مُنَزِّهًا اللهَ تَعَالَى عَنِ الكَيفِيَّةِ وَالتَّشبِيهِ، وَهُم جُمهُورُ السَّلَفِ، وَنَقَلَهُ البَيهَقِيُّ وَغَيرُهُ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ، وَالسُّفيَانَينِ، وَالحَمَّادَينِ، وَالأَوزَاعِيِّ، وَاللَّيثِ، وَغَيرِهِم. وَمِنهُم مَن أَوَّلَهُ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ، مُستَعمَلٍ فِي كَلَامِ العَرَبِ. وَمِنهُم مَن أَفرَطَ فِي التَّأوِيلِ حَتَّى كَادَ أَن يَخرُجَ إِلَى نَوعٍ مِن أَنوَاعِ التَّحرِيفِ. وَمِنهُم مَن فَصَّلَ بَينَ مَا يَكُونُ تَأوِيلُهُ قَرِيبًا مُستَعمَلًا فِي كَلَامِ العَرَبِ، وَبَينَ مَا يَكُونُ بَعِيدًا مَهجُورًا، فَأَوَّلَ فِي بَعضٍ وَفَوَّضَ فِي بَعضٍ، وَهُوَ مَنقُولٌ عَن مَالِكٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ ابنُ دَقِيقِ العِيدِ. قَالَ البَيهَقِيُّ: وَأَسلَمُهَا الإِيمَانُ بِلَا كَيفٍ، وَالسُّكُوتُ عَنِ المُرَادِ، إِلَّا أَن يَرِدَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ فَيُصَارَ إِلَيهِ، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُهُم عَلَى أَنَّ التَّأوِيلَ المُعَيَّنَ غَيرُ وَاجِبٍ، فَحِينَئِذٍ التَّفوِيضُ أَسلَمُ» انتَهَى.
وَقَالَ المُلا عَلِيُّ القَارِيُّ الحَنَفِيُّ فِي [مِرقَاةِ المَفَاتِيحِ شَرحِ مِشكَاةِ المَصَابِيحِ]، بَعدَ أَن نَقَلَ كَلَامَ النَّوَوِيِّ بِشَأنِ مَعنَى حَدِيثِ النُّزُولِ وَأَقوَالِ العُلَمَاءِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَلَامَ الشَّيخِ الرَّبَّانِيِّ أَبِي إِسحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَإِمَامِ الحَرَمَينِ، وَالغَزَالِيِّ، وَغَيرِهِم مِن أَئِمَّتِنَا: «يُعلَمُ أَنَّ المَذهَبَينِ مُتَّفِقَانِ عَلَى صَرفِ تِلكَ الظَّوَاهِرِ، كَالمَجِيءِ، وَالصُّورَةِ، وَالشَّخصِ، وَالرِّجلِ، وَالقَدَمِ، وَاليَدِ، وَالوَجهِ، وَالغَضَبِ، وَالرَّحمَةِ، وَالاِستِوَاءِ عَلَى العَرشِ، وَالكَونِ فِي السَّمَاءِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفهَمُهُ ظَاهِرُهَا؛ لِمَا يَلزَمُ عَلَيهِ مِن مُحَالَاتٍ قَطعِيَّةِ البُطلَانِ، تَستلزِمُ أَشيَاءَ يُحكَمُ بِكُفرِهَا بِالإِجمَاعِ، فَاضطُرَّ ذَلِكَ جَمِيعَ الخَلَفِ وَالسَّلَفِ إِلَى صَرفِ اللَّفظِ عَن ظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا اختَلَفُوا: هَل نَصرِفُهُ عَن ظَاهِرِهِ مُعتَقِدِينَ اتِّصَافَهُ سُبحَانَهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ مِن غَيرِ أَن نُؤَوِّلَهُ بِشَيءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذهَبُ أَكثَرِ أَهلِ السَّلَفِ، وَفِيهِ تَأوِيلٌ إِجمَالِيٌّ، أَو مَعَ تَأوِيلِهِ بِشَيءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذهَبُ أَكثَرِ أَهلِ الخَلَفِ، وَهُوَ تَأوِيلٌ تَفصِيلِيٌّ». إِلَى أَن قَالَ: «بَل قَالَ جَمعٌ مِنهُم وَمِنَ الخَلَفِ: إِنَّ مُعتَقِدَ الجِهَةِ كَافِرٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ العِرَاقِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَولٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَشعَرِيِّ وَالبَاقِلَّانِيِّ» انتَهَى.
وَقَالَ الشَّيخُ مَحمُودٌ خِطَابٌ السُّبكِيُّ، وَهُوَ مِن مَشَايِخِ الأَزهَرِ بِمِصرَ، فِي [إِتحَافِ الكَائِنَاتِ بِبَيَانِ مَذهَبِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي المُتَشَابِهَاتِ وَرَدِّ شُبَهِ المَلَاحِدَةِ وَالمُجَسِّمَةِ وَمَا يَعتَقِدُونَهُ مِنَ المُفتَرَيَاتِ] مَا نَصُّهُ: «وَالنُّصُوصُ فِي ذَلِكَ ـ إِثبَاتِ التَّأوِيلِ وَصَرفِ النُّصُوصِ عَن ظَاهِرِهَا ـ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ وَالخَلَفَ مُجمِعُونَ عَلَى صَرفِ حَدِيثِ النُّزُولِ عَن ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ النُّزُولِ بِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِن سِمَاتِ الحَوَادِثِ، وَمُنَافٍ لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَقَولِهِ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَقَولِهِ: ﴿وَلَم يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وَمِنهُ تَعلَمُ بُطلَانَ مَا زَعَمَهُ المُجَسِّمَةُ، كَابنِ حَامِدٍ وَأَبِي يَعلَى وَأَضرَابِهِمَا، مِن أَنَّهُ تَعَالَى عَلَى العَرشِ بِذَاتِهِ، وَيَنزِلُ مِنهُ، وَيَنتَقِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا، وَأَنَّ مَا فِي [مُختَصَرِ الصَّوَاعِقِ] لابنِ القَيِّمِ مِن أَنَّ جَمَاعَةً مِن أَهلِ الحَدِيثِ، مِنهُم أَبُو الفَرَجِ بنُ الجَوزِيِّ، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ تَعَالَى يَنزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا بِذَاتِهِ، كَذِبٌ وَافتِرَاءٌ عَلَيهِم؛ فَقَد تَقَدَّمَ لَكَ قَولُ ابنِ الجَوزِيِّ: إِنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى الحَرَكَةُ وَالنُّقلَةُ وَالتَّغَيُّرُ، وَالوَاجِبُ عَلَى الخَلقِ اعتِقَادُ التَّنزِيهِ وَامتِنَاعُ تَجوِيزِ النُّقلَةِ، وَأَنَّ النُّزُولَ الَّذِي هُوَ انتِقَالٌ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ رَدٌّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيهِ ابنُ حَامِدٍ وَأَبُو يَعلَى، وَمَن نَسَبَ ذَلِكَ إِلَى الإِمَامِ أَحمَدَ فَقَد كَذَبَ عَلَيهِ. وَمِنهُ تَعلَمُ أَيضًا كَذِبَ مَا نُسِبَ فِي [مُختَصَرِ الصَّوَاعِقِ] إِلَى حَمَّادِ بنِ زَيدٍ مِن قَولِهِ: «إِنَّ اللهَ فِي مَكَانِهِ يَقرُبُ مِن خَلقِهِ كَيفَ يَشَاءُ»، وَعَلَى فَرضِ ثُبُوتِهِ عَنهُ فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ وَلَا اعتِقَادُهُ؛ لِمُنَافَاتِهِ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَإِجمَاعَ سَلَفِ الأُمَّةِ وَخَلَفِهَا؛ فَإِنَّ المَكَانَ يَستلزِمُ المُمَاثَلَةَ وَالاِحتِيَاجَ، وَهُمَا مُحَالَانِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى. وَكَذَا مَا نَسَبَهُ إِلَى ابنِ عَبدِ البَرِّ مِن أَنَّ أَهلَ السُّنَّةِ مُجمِعُونَ عَلَى حَملِ المُتَشَابِهَاتِ عَلَى الحَقِيقَةِ لَا عَلَى المَجَازِ، فَهُوَ كَذِبٌ وَافتِرَاءٌ؛ فَهَا هِيَ كَلِمَتُهُم مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُم مُجمِعُونَ عَلَى صَرفِ المُتَشَابِهِ عَن ظَاهِرِهِ؛ لِقِيَامِ الأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ، العَقلِيَّةِ وَالنَّقلِيَّةِ، عَلَى استِحَالَةِ ظَاهِرِهَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى. وَمِثلُهُ مَا زَعَمَهُ ابنُ تَيمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ [شَرحِ حَدِيثِ النُّزُولِ] مِن أَنَّ إِسحَاقَ بنَ رَاهَوَيهِ، وَعَبدَ اللهِ بنَ طَاهِرٍ، وَجُمهُورَ المُحَدِّثِينَ، وَأَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ، يَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ يَنزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنيَا وَلَا يَخلُو مِنهُ العَرشُ؛ فَإِنَّهُ يَلزَمُ عَلَيهِ إِثبَاتُ المَكَانِ لِلهِ تَعَالَى. وَقَد ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ القَاطِعِ العَقلِيِّ وَالنَّقلِيِّ كَونُ الإِلَهِ لَيسَ فِي مَكَانٍ، وَإِلَّا لَلَزِمَ انقِسَامُهُ، وَكُلُّ مُنقَسِمٍ مُرَكَّبٌ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ مُمكِنٌ، فَكَيفَ يَصِحُّ نِسبَةُ ذَلِكَ إِلَى قَادَةِ الأُمَّةِ؟ سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ، هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ» انتَهَى.
فَليَعلَمِ الجَاهِلُ الَّذِي لَا تَميِيزَ لَهُ أَنَّهُ حَادَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيهِ السَّلَفُ وَالخَلَفُ؛ فَإِنَّ مَن أَوَّلَ مِنَ السَّلَفِ وَالخَلَفِ تَأوِيلًا إِجمَالِيًّا قَالَ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ، وَحَدِيثِ الجَارِيَةِ، وَشِبهِهِمَا، وَفِي آيَةِ الاِستِوَاءِ عَلَى العَرشِ، وَالمَجِيءِ المَذكُورِ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وَشِبهِهَا مِنَ الآيَاتِ: «بِلَا كَيفٍ»، وَمُرَادُهُم أَنَّ ذَلِكَ عَلَى غَيرِ صِفَةٍ مِن صِفَاتِ الخَلقِ، أَي: لَيسَ النُّزُولُ كَالنُّزُولِ الحِسِّيِّ، وَلَا الاِستِوَاءُ بِمَعنَى الجُلُوسِ وَالاِستِقرَارِ، وَلَا المَجِيءُ بِالاِنتِقَالِ وَالحَرَكَةِ وَمَا هُوَ مِن صِفَاتِ المَخلُوقِ، فَمَعنَى قَولِهِم: «بِلَا كَيفٍ» أَنَّ لِهَذِهِ النُّصُوصِ مَعَانِيَ لَيسَ فِيهَا تَشبِيهٌ لِصِفَاتِ اللهِ بِصِفَاتِ الخَلقِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ أَوَّلُوا التَّأوِيلَ التَّفصِيلِيَّ، كَالَّذِينَ أَوَّلُوا المَجِيءَ بِمَجِيءِ القُدرَةِ، أَي: آثَارِ قُدرَةِ اللهِ، وَالنُّزُولَ بِنُزُولِ المَلَكِ، أَو نُزُولِ الرَّحمَةِ، وَمَا أَشبَهَ ذَلِكَ، كَتَأوِيلِ الإِمَامِ سُفيَانَ الثَّورِيِّ وَالإِمَامِ البُخَارِيِّ «وَجهَ اللهِ» المَذكُورَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجهَهُ﴾، بِمَا أُرِيدَ بِهِ وَجهُ اللهِ، وَبِمُلكِ اللهِ، فَلَم يَصِفُوا اللهَ تَعَالَى بِصِفَاتِ المَخلُوقِينَ. فَكِلَا الفَرِيقَينِ لَم يَتَمَسَّك بِظَوَاهِرِ تِلكَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ، فَكُلُّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى تَنزِيهِ اللهِ عَن صِفَاتِ المَخلُوقِينَ، وَعَلَى أَنَّ تِلكَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثَ لَيسَت مَعَانِيهَا المَعَانِيَ المَعهُودَةَ مِنَ الخَلقِ.
فَلَا أَحَدَ مِنَ الفَرِيقَينِ يَعتَقِدُ فِي حَدِيثِ النُّزُولِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنزِلُ نُزُولًا حِسِّيًّا كَنُزُولِ المَلَائِكَةِ وَالبَشَرِ، وَلَا أَحَدَ مِنهُم يَعتَقِدُ أَنَّ مَعنَى الاِستِوَاءِ الجُلُوسُ وَالاِستِقرَارُ عَلَى العَرشِ، أَوِ الكَونُ فِي جِهَةِ العُلُوِّ مِن غَيرِ مُماسَّةٍ. وَذَلِكَ تَمَسُّكٌ مِنهُم بِمَعنَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، الَّذِي هُوَ تَنزِيهٌ كُلِّيٌّ، فَتُرَدُّ تِلكَ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأَنَّهَا مُحكَمَةٌ.
فَنُفَاةُ التَّأوِيلِ الإِجمَالِيِّ وَالتَّفصِيلِيِّ لَا مَهرَبَ لَهُم مِنَ الوُقُوعِ فِي المُحَالِ، فَيَصِيرُونَ ضُحكَةً عِندَ أَهلِ التَّميِيزِ وَالفَهمِ، الَّذِينَ يُوَفِّقُونَ بَينَ النَّقلِ وَالعَقلِ.
وَقَالَ تَقِيُّ الدِّينِ الحِصنِيُّ مَا نَصُّهُ: «وَفِي مَوَاضِعِ أَغرَاضِهِم ـ أَيِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَأَتبَاعِهِ ـ الفَاسِدَةِ يُجرُونَ الأَحَادِيثَ عَلَى مُقتَضَى العُرفِ وَالحِسِّ، وَيَقُولُونَ: يَنزِلُ بِذَاتِهِ، وَيَنتَقِلُ، وَيَتَحَرَّكُ، وَيَجلِسُ عَلَى العَرشِ بِذَاتِهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: لَا كَمَا يُعقَلُ، يُغَالِطُونَ بِذَلِكَ مَن يَسمَعُ مِن عَامِّيٍّ وَسَيِّءِ الفَهمِ، وَذَلِكَ عَينُ التَّنَاقُضِ، وَمُكَابَرَةٌ لِلحِسِّ وَالعَقلِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُتَهَافِتٌ يَدفَعُ آخِرُهُ أَوَّلَهُ، وَأَوَّلُهُ آخِرَهُ» انتَهَى.
تَأوِيلُ الإِمَامِ أَحمَدَ لِلمَجِيءِ وَبَيَانُ أَنَّهُ لَا يُحمَلُ عَلَى انتِقَالِ الأَجسَامِ
وَمِن أَوضَحِ مَا يُبطِلُ دَعوَى المُشَبِّهَةِ فِي نِسبَةِ الحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ إِلَى مَذهَبِ الإِمَامِ أَحمَدَ رَحِمَهُ اللهُ، مَا نُقِلَ عَنهُ مِن تَأوِيلِ المَجِيءِ بِمَجِيءِ القُدرَةِ وَالأَمرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُنَزِّهُ اللهَ عَن مَجِيءِ الأَجسَامِ وَنُزُولِهَا.
وَهَذَا النَّقلُ عَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ حُجَّةٌ عَلَى مَن كَذَبَ عَلَيهِ وَنَسَبَ إِلَيهِ التَّشبِيهَ، إِذ يُبَيِّنُ أَنَّ مَذهَبَهُ تَقرِيرُ النُّصُوصِ مَعَ صَرفِ مَا يُوهِمُ الحُدُوثَ عَن ظَاهِرِهِ، وَرَدِّ المُتَشَابِهِ إِلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى.
قَالَ البَيهَقِيُّ فِي [مَنَاقِبِ أَحمَدَ]: «أَنبَأَنَا الحَاكِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمرِو بنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنبَلُ بنُ إِسحَاقَ، قَالَ: سَمِعتُ عَمِّي أَبَا عَبدِ اللهِ، يَعنِي أَحمَدَ، يَقُولُ: احتَجُّوا عَلَيَّ يَومَئِذٍ ـ يَعنِي يَومَ نُوظِرَ فِي دَارِ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ ـ فَقَالُوا: تَجِيءُ سُورَةُ البَقَرَةِ يَومَ القِيَامَةِ، وَتَجِيءُ سُورَةُ تَبَارَكَ. فَقُلتُ لَهُم: إِنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، إِنَّمَا تَأتِي قُدرَتُهُ، وَإِنَّمَا القُرآنُ أَمثَالٌ وَمَوَاعِظُ» انتَهَى.
وقَالَ البَيهَقِيُّ: «وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَعتَقِدُ فِي المَجِيءِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الكِتَابُ، وَالنُّزُولِ الَّذِي وَرَدَت بِهِ السُّنَّةُ، انتِقَالًا مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ كَمَجِيءِ ذَوَاتِ الأَجسَامِ وَنُزُولِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَن ظُهُورِ آيَاتِ قُدرَتِهِ؛ فَإِنَّهُم لَمَّا زَعَمُوا أَنَّ القُرآنَ لَو كَانَ كَلَامَ اللهِ وَصِفَةً مِن صِفَاتِ ذَاتِهِ لَم يَجُز عَلَيهِ المَجِيءُ وَالإِتيَانُ، فَأَجَابَهُم أَبُو عَبدِ اللهِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَجِيءُ ثَوَابُ قِرَاءَتِهِ الَّتِي يُرِيدُ إِظهَارَهَا يَومَئِذٍ، فَعَبَّرَ عَن إِظهَارِهِ إِيَّاهَا بِمَجِيئِهِ» انتَهَى.
وَنَقَلَ الحَافِظُ ابنُ الجَوزِيِّ الحَنبَلِيُّ فِي تَفسِيرِهِ [زَادِ المَسِيرِ] عَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ أَنَّهُ فَسَّرَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَو يَأتِيَ أَمرُ رَبِّكَ﴾ بِمَجِيءِ أَمرِهِ، وَالقُرآنُ يُفَسِّرُ بَعضُهُ بَعضًا.
الخَاتِمَةُ
وَبَعدُ، فَقَد تَبَيَّنَ بِمَا سَبَقَ مِنَ النُّقُولِ المُتَظَافِرَةِ عَن أَئِمَّةِ الإِسلَامِ، مِنَ المُحَدِّثِينَ وَالفُقَهَاءِ وَالمُفَسِّرِينَ وَأَئِمَّةِ العَقِيدَةِ، أَنَّ حَدِيثَ النُّزُولِ لَا يَجُوزُ حَملُهُ عَلَى النُّزُولِ الحِسِّيِّ الَّذِي هُوَ انتِقَالٌ مِن عُلُوٍّ إِلَى سُفلٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِسمِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ وَالحَرَكَةِ وَالاِنتِقَالِ وَالتَّغَيُّرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
وَقَد تَقَرَّرَ أَنَّ طَرِيقَ أَهلِ الحَقِّ فِي هَذَا البَابِ هُوَ الإِيمَانُ بِمَا صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَعَ الجَزمِ بِتَنزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَن ظَوَاهِرِ المُحَالِ، فَإِمَّا تَفوِيضٌ مَعَ تَنزِيهٍ، وَإِمَّا تَأوِيلٌ صَحِيحٌ يَشهَدُ لَهُ اللِّسَانُ العَرَبِيُّ وَالنُّصُوصُ الوَارِدَةُ، كَحَملِ النُّزُولِ عَلَى نُزُولِ المَلَكِ بِأَمرِ اللهِ، أَو نُزُولِ الرَّحمَةِ وَاللُّطفِ وَالقُربِ بِالإِجَابَةِ وَالقَبُولِ، لَا نُزُولِ ذَاتٍ وَحَرَكَةٍ وَانتِقَالٍ.
وَقَد ظَهَرَ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ، وَمَا نَقَلَهُ الحُفَّاظُ كَابنِ حَجَرٍ وَالعَينِيِّ وَالقُرطُبِيِّ وَغَيرِهِم، تُبَيِّنُ أَنَّ المُرَادَ نُزُولُ مَلَكٍ بِأَمرِ اللهِ يُنَادِي عَنِ اللهِ، كَمَا تُسنَدُ أَفعَالُ المَأمُورِينَ إِلَى الآمِرِ فِي لِسَانِ العَرَبِ، وَكَمَا وَرَدَ فِي القُرآنِ مِن إِسنَادِ النِّدَاءِ وَالقِرَاءَةِ وَالكِتَابَةِ وَالقَولِ إِلَى اللهِ مَعَ أَنَّ المُبَاشِرَ بِأَمرِهِ مَلَكٌ مِن مَلَائِكَتِهِ. فَالخَبَرُ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، وَالمُحكَمُ يَرُدُّ المُتَشَابِهَ إِلَى مَعناهُ الصَّحِيحِ.
فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِن شُبَهِ المُشَبِّهَةِ الَّذِينَ يَتَسَتَّرُونَ بِدَعوَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَطَرِيقِ السَّلَفِ، ثُمَّ يَبُثُّونَ فِي قُلُوبِ العَوَامِّ عَقِيدَةَ الجِهَةِ وَالحَدِّ وَالحَرَكَةِ وَالنُّزُولِ الحِسِّيِّ، وَالسَّلَفُ مِن ذَلِكَ بَرَآءُ. فَلَيسَ السَّلَفُ مَن شَبَّهَ اللهَ بِخَلقِهِ، وَلَا مَن جَعَلَ رَبَّهُ جِسمًا تَحُدُّهُ الجِهَاتُ وَتَعرِضُ لَهُ الحَرَكَاتُ، بَلِ السَّلَفُ هُم أَهلُ التَّنزِيهِ وَالتَّسلِيمِ وَالوُقُوفِ عِندَ حُدُودِ الشَّرعِ مَعَ تَقدِيسِ اللهِ عَن صِفَاتِ الحَادِثَاتِ.
فَمَن زَعَمَ أَنَّ اللهَ يَنزِلُ بِذَاتِهِ نُزُولَ الأَجسَامِ، أَو يَنتَقِلُ مِن مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، أَو تَعرِضُ لَهُ الحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ، فَقَد خَالَفَ صَرِيحَ التَّنزِيهِ، وَنَاقَضَ مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ، وَتَشَبَّثَ بِظَاهِرٍ مَردُودٍ بِالمُحكَمِ وَالعَقلِ الصَّرِيحِ وَالنَّقلِ الصَّحِيحِ. وَمَن رَدَّ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحكَمِ، وَآمَنَ بِالنُّصُوصِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ، وَنَزَّهَ رَبَّهُ عَن مُمَاثَلَةِ الخَلقِ، فَقَد سَلِمَ لَهُ دِينُهُ، وَاستَمسَكَ بِعَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.
وَالخُلَاصَةُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيهِ كَانَ، لَا يَحُلُّ فِي شَيءٍ، وَلَا يَحِلُّ فِيهِ شَيءٌ، وَلَا يَتَحَرَّكُ، وَلَا يَنتَقِلُ، وَلَا يَنزِلُ نُزُولَ الأَجسَامِ، وَلَا يَصعَدُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عَلَامَةُ الحُدُوثِ، وَاللهُ تَعَالَى أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ، قَدِيمٌ بِلَا ابتِدَاءٍ، بَاقٍ بِلَا انتِهَاءٍ، مَوصُوفٌ بِصِفَاتِ الكَمَالِ اللَّائِقَةِ بِهِ، مُنَزَّهٌ عَن كُلِّ نَقصٍ وَعَيبٍ وَسِمَةِ حُدُوثٍ.
فَاثبُتُوا، رَحِمَكُمُ اللهُ، عَلَى عَقِيدَةِ التَّنزِيهِ، وَخُذُوا دِينَكُم عَن أَهلِ العِلمِ المُحَقِّقِينَ، وَلَا تَغتَرُّوا بِمَن يُزَخرِفُ القَولَ فِي مَوَاسِمِ الخَيرِ لِيَصرِفَ القُلُوبَ عَنِ التَّوحِيدِ الصَّحِيحِ إِلَى التَّشبِيهِ القَبِيحِ. فَالدِّينُ أَمَانَةٌ، وَالعَقِيدَةُ رَأسُ المَالِ، وَمَن سَلِمَ لَهُ تَوحِيدُهُ فَقَد فَازَ بِأَصلِ النَّجَاةِ، وَمَن أَفسَدَ عَقِيدَتَهُ فَلَا يَنفَعُهُ بَعدَ ذَلِكَ تَزَيُّنٌ بِدَعوَى العِلمِ وَالاِتِّبَاعِ.
نَسأَلُ اللهَ تَعَالَى أَن يُثَبِّتَنَا عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ الحَقِّ، وَأَن يَحفَظَنَا مِن شُبَهِ المُشَبِّهَةِ وَالمُجَسِّمَةِ، وَأَن يَجعَلَنَا مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِمُحكَمِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَى فَهمِ أَئِمَّةِ الهُدَى، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.