مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهَا تَبْنِي مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ، فَتُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَتَنْفِي عَنْهُ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. وَمِنْ أَهَمِّ الْمَبَاحِثِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ: مَبْحَثُ التَّأْوِيلِ، وَبَيَانُ جَوَازِهِ وَضَوَابِطِهِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ يُحَارِبُهُ أَوْ يُشَوِّهُ مَعْنَاهُ، حَتَّى لَا يَتَزَلْزَلَ الْإِيمَانُ بِسَبَبِ فَهْمٍ فَاسِدٍ لِلنُّصُوصِ الْمُتَشَابِهَةِ.
أَوَّلًا: مَعْنَى التَّأْوِيلِ وَحَقِيقَتُهُ
التَّأْوِيلُ فِي مَعْنَاهُ الْعِلْمِيِّ: إِخْرَاجُ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ إِلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، وَيَكُونُ أَوْفَقَ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَقَوَاطِعِ الْعَقْلِ، لَكِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ يُلْتَجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ نُصُوصٍ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ مِنْ ظَاهِرِهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِثْلُ خَلْقِهِ، كَأَنْ يُظَنَّ أَنَّ لَهُ أَعْضَاءً: كَالْقَدَمِ وَالرِّجْلِ وَالْوَجْهِ وَالْعَيْنِ، أَوْ يُوصَفُ بِصِفَاتِ الْمَحْدُودِينَ: كَالْجُلُوسِ وَالتَّحَيُّزِ فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. فَهُنَا يَأْتِي التَّأْوِيلُ لِصَرْفِ الْفَهْمِ عَمَّا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ، وَإِلَى مَا يُنَاقِضُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
ثَانِيًا: ضَوَابِطُ التَّأْوِيلِ وَشُرُوطُ صِحَّتِهِ
لَيْسَ التَّأْوِيلُ هَوًى وَلَا تَحَكُّمًا، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّأْوِيلُ جَائِزًا فِي النُّصُوصِ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا التَّشْبِيهَ، وَذَلِكَ بِشَرْطٍ أَسَاسٍ: أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ مُسْتَنِدًا إِلَى دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ ثَابِتٍ أَوْ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ قَاطِعٍ؛ كَمَا نَقَلَ الْعُلَمَاءُ، وَمِنْهُمْ الرَّازِيُّ فِي «الْمَحْصُولِ»، أَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ صَحِيحٌ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ نَفْيَ التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا تَجَاوُزٌ وَتَشْدِيدٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَأَنَّ التَّأْوِيلَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ حِفْظٌ لِلدِّينِ وَالتَّنْزِيهِ، لَا إِبْطَالٌ وَلَا تَعْطِيلٌ.
ثَالِثًا: الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّأْوِيلِ
مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى جَوَازِ التَّأْوِيلِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ فَهْمِ الْكِتَابِ، وَقَالَ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ»، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَلَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ مَمْنُوعًا مُطْلَقًا لَمَا سَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمَا كَانَ مِمَّا يُدْعَى بِهِ لِأَفْضَلِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ نَبَّهَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ «الْمَجَالِسُ» أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَشَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى مَنْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ، وَوَسَّعَ الْقَوْلَ فِي إِثْبَاتِ جَوَازِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ الْمُطْلَقَ لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رَابِعًا: هَلِ التَّأْوِيلُ تَعْطِيلٌ؟ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ
يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ أَنَّ تَأْوِيلَ النُّصُوصِ الْمُتَشَابِهَةِ تَعْطِيلٌ وَإِنْكَارٌ، وَهَذَا زَعْمٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ لَا يَنْفِي النَّصَّ وَلَا يُبْطِلُهُ، بَلْ يَحْمِلُهُ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَيُوَافِقُ الْمُحْكَمَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
وَمِنْ أَدَلِّ الْأَمْثِلَةِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِمْ: مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. فَهُنَا اسْتُعْمِلَتْ كَلِمَةُ «النَّفْسِ» فِي مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ: «الْغَيْبُ»، فَصَارَ مَعْنَى ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾: أَيْ مَا فِي غَيْبِكَ مِمَّا أَخْفَيْتَهُ عَنْ عِبَادِكَ. فَإِنْ أَبَى الْمُشَبِّهَةُ هَذَا وَأَصَرُّوا عَلَى الظَّاهِرِ، لَزِمَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مِثْلَ الْمَخْلُوقِ الَّذِي تَشْمَلُهُ الْآيَةُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، فَيُفْضِي أَمْرُهُمْ إِلَى تَجْوِيزِ الْمَوْتِ عَلَى اللَّهِ، وَهَذَا كُفْرٌ بَوَاحٌ. فَالتَّأْوِيلُ فِي مِثْلِ هَذَا مَخْرَجٌ شَرْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ يَحْفَظُ التَّنْزِيهَ.
وَكَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سَفِينَةِ نُوحٍ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، فَإِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الظَّاهِرِ يُفْضِي إِلَى مَعْنًى فَاسِدٍ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ «بِحِفْظِنَا وَرِعَايَتِنَا»، لَا أَنَّ السَّفِينَةَ تَجْرِي فِي ذَاتِ اللَّهِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ. وَهُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ يَقَعُ فِي مَحَاذِيرَ عَظِيمَةٍ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ بِمَعَانٍ لَا تَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ رُؤُوسِ الْمُشَبِّهَةِ الْقُدَمَاءِ يُقَالُ لَهُ بَيَانُ بْنُ سِمْعَانَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَفْنَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا وَجْهُهُ؛ وَهَذَا مِنْ أَشْنَعِ الْبَاطِلِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ سُوءِ فَهْمِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾. فَأَهْلُ الْحَقِّ يَحْمِلُونَهَا عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ، لَا عَلَى «جُزْءٍ مُرَكَّبٍ عَلَى بَدَنٍ»؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ وَالْجِسْمِيَّةِ.
خَامِسًا: دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ التَّجْسِيمِ وَإِثْبَاتِ التَّنْزِيهِ
إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَصِفُ اللَّهَ بِالْجِسْمِ وَالْأَعْضَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَمَعْنَى «أَحَدٌ»: أَيْ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ، وَمَنْ لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لَيْسَ جِسْمًا؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ مُتَرَكِّبٌ ذُو حَجْمٍ وَمِقْدَارٍ، كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا. وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَيَرْجِعُ قَوْمٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عِنْدَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ كُفَّارًا يُنْكِرُونَ خَالِقَهُمْ فَيَصِفُونَهُ بِالْجِسْمِ وَالْأَعْضَاءِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ خُرُوجٌ عَنِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
سَادِسًا: فَهْمُ نُصُوصِ الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ فِي الْحَدِيثِ وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ فِيهَا التَّجْسِيمَ
مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْمُجَسِّمَةُ: مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جَهَنَّمَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى «يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ» وَفِي لَفْظٍ: «رِجْلَهُ». فَيَحْمِلُونَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ جَارِحَةً، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ صَرِيحٌ. وَالْحَقُّ أَنَّ «الْقَدَمَ» فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَدَّمُ إِلَى الشَّيْءِ، وَأَنَّ «الرِّجْلَ» تَأْتِي بِمَعْنَى «الْفَوْجِ»؛ فَيُقَالُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، أَيْ فَوْجٌ مِنْ جَرَادٍ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ: الْجَمَاعَةُ الَّتِي يُقَدِّمُهَا اللَّهُ لِلنَّارِ حَتَّى تَمْتَلِئَ بِهِمْ، وَتَقُولَ: «قَطْ قَطْ» أَيْ: اكْتَفَيْتُ اكْتَفَيْتُ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِضَافَةُ مِلْكٍ، لَا إِضَافَةُ صِفَةٍ جِسْمِيَّةٍ.
وَلَوْ فُتِحَ بَابُ التَّجْسِيمِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ أنَّ الله تعالى يَرِدُ النَّارَ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْقِيرِ الْأَصْنَامِ: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾. فَكُلُّ مَا دَخَلَ النَّارَ مَخْلُوقٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ صِفَةً جِسْمِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى.
سَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ الْقُعُودَ عَلَى الْعَرْشِ
مِنْ أَفْظَعِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُشَبِّهَةِ: زَعْمُهُمْ أَنَّ اللَّهَ «قَاعِدٌ عَلَى الْعَرْشِ». وَهَذَا شَتْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقُعُودَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْبَهَائِمِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَا يَتَصَوَّرُ قُعُودٌ إِلَّا لِمَنْ لَهُ جُزْءٌ أَعْلَى وَجُزْءٌ أَسْفَلُ وَمَقْعَدَةٌ تُلَامِسُ مَا يُقْعَدُ عَلَيْهِ؛ وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمُلَامَسَةِ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي شَرْحِ «إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ»: «مَنْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ كَفَرَ»، لِأَنَّ الْكَمِّيَّةَ وَالْحَجْمَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْحُدُوثِ، وَمَا كَانَ مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ فَهُوَ مُحْتَاجٌ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
ثَامِنًا: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾
هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ آيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ، وَقَدْ فَسَّرَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِمَعْنَى «الْقَهْرِ»، أَيْ: أَنَّ الْعَرْشَ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ، أَوْجَدَهُ وَحَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ. وَلَكِنْ لَا يُقْطَعُ أَنَّ الْمُرَادَ قَطْعًا هُوَ الْقَهْرُ، بَلْ يُقَالُ: هُوَ ظَنٌّ رَاجِحٌ. وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَ الِاسْتِوَاءَ بِالْجُلُوسِ أَوِ الِاسْتِقْرَارِ أَوِ الْمُحَاذَاةِ بِفَرَاغٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ، فَهُوَ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ، وَقَوْلُهُ كُفْرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّحْدِيدِ.
وَلِذَلِكَ تُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِاللَّهِ، كَالْقَهْرِ، أَوْ يُقَالُ: «اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِهِ» أَوْ «اسْتَوَى بِلَا كَيْفٍ»، وَالْمَنْفِيُّ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ: مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالتَّحَيُّزِ فِي الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «اعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ»، وَفَسَّرَ أَئِمَّةٌ مِنَ السَّلَفِ مِثْلَ هَذِهِ الْآيَاتِ بِقَوْلِهِمْ: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفِيَّةٍ»، أَيْ: آمِنُوا بِهَا وَلَا تَنْسِبُوا إِلَى اللَّهِ كَيْفِيَّةً مِنْ كَيْفِيَّاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَمِمَّا يَزِيدُ الْمَبْحَثَ وَضُوحًا: أَنَّ «الِاسْتِوَاءَ» فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ (قِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى)، فَمِنْهَا مَا لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْجُلُوسِ، وَمِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهِ كَالْقَهْرِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.
تَاسِعًا: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فِي ضَوْءِ فَهْمِ أَهْلِ السُّنَّةِ
قَالَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي تَأْوِيلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: إِنَّ «ثُمَّ» هُنَا بِمَعْنَى «الْوَاوِ»، أَيْ: «وَقَدِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ»؛ لِيَفْهَمَ النَّاسُ أَنَّ قَهْرَ اللَّهِ وَسُلْطَانَهُ عَلَى الْعَرْشِ لَيْسَ أَمْرًا حَادِثًا طَرَأَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ مُتَّصِفٌ بِالْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ أَزَلًا، وَإِنَّمَا خُصَّ الْعَرْشُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا، فَإِذَا كَانَ قَاهِرًا لِلْعَرْشِ فَمَا دُونَهُ أَوْلَى بِالْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ.
وَإِذَا ادَّعَى الْمُجَسِّمَةُ أَنَّ «عَلَى» فِي الآيَةِ بِمَعْنَى «فَوْقَ» حِسًّا، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ «عَلَى» تَأْتِي لِعُلُوِّ الْقَدْرِ كَمَا تَأْتِي لِلْعُلُوِّ الْحِسِّيِّ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، فَأَرَادَ عُلُوَّ الْقَهْرِ وَالتَّسَلُّطِ، لَا عُلُوَّ الْمَكَانِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْعِبَادَ فَوْقَ اللَّهِ، بَلْ مَعْنَاهُ: تَفْوِيضُ الْأَمْرِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى اللَّهِ.
عَاشِرًا: دَلِيلُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ الْمَكَانِ عَنِ اللَّهِ وَبَيَانُ أَنَّهُ لَيْسَ نَفْيًا لِلْوُجُودِ
مِنْ أَوْضَحِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْمَكَانِ وَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَكَانٌ لَكَانَ مَحْدُودًا بِالْأَبْعَادِ: طُولٍ وَعَرْضٍ وَعُمْقٍ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ»، أَيْ: كَانَ اللَّهُ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، فَلَا سَمَاءَ وَلَا أَرْضَ وَلَا عَرْشَ وَلَا كُرْسِيَّ وَلَا مَكَانَ وَلَا جِهَاتٍ، فَهُوَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْمَكَانِ بِلا مَكَانٍ، وَهُوَ خَالِقُ الْمَكَانِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ نَفْيَ الْمَكَانِ نَفْيٌ لِلْوُجُودِ فَقَدْ جَعَلَ وُجُودَ اللَّهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْأَوْهَامِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ يَقْضِي بِأَنَّ الْمَحْدُودَ مُحْتَاجٌ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا؛ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا كَمِّيَّةٌ وَلَا يَتَحَيَّزُ فِي مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
حَادِيَ عَشَرَ: لِمَاذَا نَرْفَعُ الْأَيْدِيَ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ؟
يَرْفَعُ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ وَمَهْبِطُ الرَّحَمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، لَا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ فِي السَّمَاءِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ: أَنَّنَا نَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الصَّلَاةِ، لَا لِأَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا. وَمِنْ هُنَا يُفْهَمُ أَيْضًا: أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَسَاجِدِ «بُيُوتَ اللَّهِ» إِنَّمَا هِيَ إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ؛ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُعَدَّةٌ لِذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى مَعَابِدُ الْكُفَّارِ بُيُوتَ اللَّهِ؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِلشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، فَلَا تَكُونُ مُعَظَّمَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
ثَانِيَ عَشَرَ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ
إِنَّ مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ: ادِّعَاءَ بَعْضِ الْمُشَبِّهَةِ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ؛ فَهُمْ بِذَلِكَ يُثْبِتُونَ الْمَسَافَةَ وَالْمَكَانَ وَالْجِهَةَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ النُّصُوصَ. فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ». فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ لَكَانَ الْقَائِمُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنَ السَّاجِدِ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ أَعْلَى مِنَ السَّاجِدِ مَكَانًا، وَهَذَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْحَدِيثِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْقُرْبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ: أَيْ قُرْبُ رَحْمَةٍ وَإِجَابَةٍ وَفَضْلٍ، لَا قُرْبُ مَسَافَةٍ.
وَيُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، فَلَوْ كَانَ بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ لَكَانَ بَعِيدًا عَنْ خَلْقِهِ، وَلَمَا صَحَّ وَصْفُهُ بِالْقُرْبِ. ثُمَّ إِنَّ الْمَكَانَ هُوَ مَا يَشْغَلُهُ الْحَجْمُ مِنَ الْفَرَاغِ؛ فَمَنْ جَعَلَ اللَّهَ فِي مَكَانٍ فَقَدْ جَعَلَهُ حَجْمًا، وَالْحَجْمُ يَلْزَمُهُ الِاحْتِيَاجُ، وَالْمُحْتَاجُ لَا يَكُونُ إِلَهًا.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ فِي «الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ»: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ مَلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَوْ أَنَّهُ جِسْمٌ قَاعِدٌ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ. وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُجَسِّمُ كَافِرٌ»، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ اللَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ كَفَرَ». فَهَذِهِ النُّقُولُ وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ تُبَيِّنُ أَنَّ التَّجْسِيمَ ضَلَالٌ يُخْرِجُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ.
خَاتِمَةٌ
يَتَبَيَّنُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ التَّأْوِيلَ لَيْسَ تَعْطِيلًا وَلَا إِنْكَارًا، بَلْ هُوَ طَرِيقٌ عِلْمِيٌّ مَشْرُوعٌ يُلْتَجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِحِفْظِ التَّنْزِيهِ وَدَفْعِ التَّشْبِيهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالدَّلِيلِ، وَأَنْ يَسِيرَ فِي ضَوْءِ الْمُحْكَمِ الَّذِي هُوَ أُمُّ الْكِتَابِ. وَأَنَّ مَنْ مَنَعَ التَّأْوِيلَ مُطْلَقًا وَأَصَرَّ عَلَى الظَّاهِرِ فِي الْمُتَشَابِهَاتِ فَقَدْ فَتَحَ بَابَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ وَالتَّنَاقُضِ، وَأَوْقَعَ النَّاسَ فِي مَعَانٍ لَا تَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى. فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْلُكَ سَبِيلَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقِ، وَأَنْ يَعْتَصِمَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فَإِنَّهَا أَصْلُ التَّنْزِيهِ وَمِيزَانُ فَهْمِ النُّصُوصِ كُلِّهَا.