مُقَدِّمَةُ الدَّرْسِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَى وَمَنَعَ، وَخَفَضَ وَرَفَعَ، وَأَحْيَا وَأَمَاتَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرِ مَنْ صَامَ وَرَكَعَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ وَاتَّبَعَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَرُدُّ القَلْبَ إِلَى رَبِّهِ، وَيُذَكِّرُ الإِنْسَانَ بِحَقِيقَتِهِ وَمَصِيرِهِ: ذِكْرُ المَوْتِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الآخِرَةِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِقَاءِ اللَّهِ.
أَوَّلًا: المَوْتُ حَقٌّ، وَالفَوْزُ فِي النَّجَاةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185).
مَعْنَى ذٰلِكَ: أَنَّ الدُّنْيَا تَنْقَضِي، وَأَنَّ المَوْتَ نِهَايَةُ مَسِيرِ الجَسَدِ، وَبِدَايَةُ الرِّحْلَةِ إِلَى الآخِرَةِ، وَأَنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا جَاهٍ، وَلَا بِطُولِ عُمُرٍ، بَلْ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ.
ثَانِيًا: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يَحْدُثُ إِلَّا مَا يُرِيدُ
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُحْيِي مَنْ يَشَاءُ وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ العَدْلُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ أَحَدًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ: بأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، لَا لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمْ ـ وَحَاشَاهُ ـ بَلْ لِأَنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ نَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ، وَنَنْجُو بِهَا يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ.
وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الخَلْقِ كُلِّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾.
ثَالِثًا: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الِاحْتِيَاجِ وَعَنِ المَكَانِ
يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُنَزِّهَ اللَّهَ عَنِ المَكَانِ وَالجِهَةِ وَالتَّغَيُّرِ؛ فَاللَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالعَرْشِ وَالزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَوْلُهُ: «كَانَ اللَّهُ وَلَا مَكَانَ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ».
فَسُبْحَانَ مَنْ يُغَيِّرُ وَلا يَتَغَيَّرُ!
وَكُلُّنَا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
رَابِعًا: الدُّنْيَا زَائِلَةٌ وَالآخِرَةُ هِيَ البَاقِيَةُ
إِنَّ الدُّنْيَا مَتَاعٌ زَائِلٌ، وَالأَيَّامَ تَمْضِي سَرِيعًا، وَالمَوْتَ قَرِيبٌ، وَاللَّهَ مُغَيِّرُ الأَحْوَالِ.
فَاجْعَلْ دُنْيَاكَ مَزْرَعَةَ آخِرَتِكَ، وَأَدِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ: الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَتَعَلُّمِ عِلْمِ الدِّينِ، وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ، وَحِفْظِ اللِّسَانِ، وَغَيْرِ ذٰلِكَ مِنَ الوَاجِبَاتِ.
وَاجْتَنِبْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ، وَأَعْظَمُهَا: الكُفْرُ ـ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ ـ بِأَنْوَاعِهِ: القَوْلِيِّ، وَالفِعْلِيِّ، وَالِاعْتِقَادِيِّ.
خَامِسًا: أَعْظَمُ نِعْمَةٍ تُخْتَمُ بِهَا الحَيَاةُ: الإِيمَانُ
مِنْ أَعْظَمِ مَا يُوَصَّى بِهِ المُؤْمِنُ: أَنْ يَمُوتَ عَلَى الإِيمَانِ؛ فَهُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَبِهِ تَكُونُ النَّجَاةُ فِي الآخِرَةِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ».
وَتَذَكَّرْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ يُعْطِي الدُّنْيَا لِمَنْ يُحِبُّ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَكِنَّهُ لَا يُعْطِي الإِيمَانَ إِلَّا لِمَنْ يُحِبُّ.
سَادِسًا: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».
فَالدُّنْيَا سَاعَةٌ، فَاجْعَلْهَا طَاعَةً، وَالنَّفْسُ طَمَّاعَةٌ، فَأَلْزِمْهَا القَنَاعَةَ، وَاجْعَلْ أَمَلَكَ فِي مَا عِنْدَ اللَّهِ.
سَابِعًا: عِظَةٌ بَلِيغَةٌ فِي خَاتِمَةِ الدَّرْسِ
وَمِنْ أَبْلَغِ مَا قِيلَ فِي هٰذَا المَقَامِ:
المَوْتُ كَأْسٌ وَكُلُّ النَّاسِ شَارِبُهُ… فَلَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ المَوْتِ مَا الدَّارُ
الدَّارُ دَارُ نَعِيمٍ إِنْ عَمِلْتَ بِمَا… يُرْضِي الإِلٰهَ وَإِنْ خَالَفْتَ فَالنَّارُ
هُمَا مَحَلَّانِ مَا لِلْمَرْءِ غَيْرُهُمَا… فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ أَيَّ الدَّارِ تَخْتَارُ
تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ
1. أَدِّ الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ مَا يَثْقُلُ المِيزَانَ.
2. تَعَلَّمْ عِلْمَ الدِّينِ؛ لِتَعْرِفَ رَبَّكَ وَتُحْسِنَ عِبَادَتَهُ.
3. اجْتَنِبْ المُحَرَّمَاتِ، وَلَا تَسْتَخِفَّ بِالصَّغَائِرِ.
4. كَثِّرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لِتُخْتَمَ لَكَ بِالخَيْرِ.
5. اجْعَلْ ذِكْرَ المَوْتِ حَافِزًا لِلْعَمَلِ، لَا سَبَبًا لِلْيَأْسِ.
خَاتِمَةٌ وَدُعَاءٌ
وَفِي خِتَامِ دَرْسِنَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْحَمَ مَنْ كَانَ اجْتِمَاعُنَا بِسَبَبِهِ وَعَلَى نِيَّتِهِ، فَنَقُولُ:
اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ عِنْدَ السُّؤَالِ فِي القَبْرِ، وَوَسِّعْ قَبْرَهُ، وَأَفِضْ عَلَيْهِ الضِّيَاءَ وَالنُّورَ وَالسُّرُورَ. اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ.
ثُمَّ نَقْرَأُ الفَاتِحَةَ.
حَقِيقَةُ المَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِمَا بَعْدَهُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. أَحِبَّتِي فِي اللَّهِ، نَحْنُ فِي دُنْيَا تَتَقَلَّبُ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَسْرَعَ مَا تَتَبَدَّلُ الأَحْوَالُ، وَمَا أَقْرَبَ مَا تَنْقَضِي الأَعْمَارُ! وَإِذَا كَانَ الإِنْسَانُ يُفَكِّرُ فِي مَسِيرِهِ فِي هٰذِهِ الدُّنْيَا وَأَيْنَ يَذْهَبُ وَمَاذَا يَفْعَلُ، فَإِنَّ الأَجْدَرَ أَنْ يُفَكِّرَ فِي السَّفَرِ الأَكْبَرِ: سَفَرِ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ المَوْتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185). فَالمَوْتُ حَقٌّ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَكُلُّ مَنْ عَلَى هٰذِهِ الأَرْضِ سَيَمُوتُ، فَلَا يَصِحُّ لِعَاقِلٍ أَنْ يَسِيرَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ خَالِدٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعِيشَ كَأَنَّ المَوْتَ لَا يَأْتِي إِلَّا لِغَيْرِهِ. وَإِذَا كَانَ المَوْتُ حَقًّا، فَالْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، وَفِي القَبْرِ يَكُونُ السُّؤَالُ، وَفِي القَبْرِ يَكُونُ النَّعِيمُ أَوِ العَذَابُ، وَبَعْدَ القَبْرِ يَكُونُ البَعْثُ وَالحَشْرُ وَالحِسَابُ.
أَخِي المُؤْمِنُ، سَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا صَرِيحًا: هَلْ أَعْدَدْتَ لِهٰذَا اللِّقَاءِ؟ هَلْ تَزَوَّدْتَ لِهٰذَا السَّفَرِ؟ أَمْ أَنَّكَ تَجْمَعُ وَتُرَتِّبُ وَتَبْنِي وَتُخَطِّطُ لِدُنْيَا قَدْ تَتْرُكُهَا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ؟ وَتَذَكَّرْ أَنَّ الأَمْوَاتَ لَمْ يَمُوتُوا لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا ذٰلِكَ، وَلَمْ يَمُوتُوا لِأَنَّهُمْ تَفَرَّغُوا، وَلَمْ يَمُوتُوا فِي الوَقْتِ الَّذِي خَطَّطُوا لَهُ؛ بَلْ جَاءَهُمُ الأَجَلُ فَانْقَطَعَتِ الأَنْفَاسُ، وَطُوِيَتِ الصَّحَائِفُ، وَحُقَّ عَلَيْهِمْ قَوْلُ اللَّهِ. وَإِذَا سَمِعْتَ ـ يَا أَخِي ـ خَبَرَ وَفَاةٍ، فَأَوَّلُ مَا تُجِيبُ بِهِ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ»، فَهِيَ كَلِمَةُ تَسْلِيمٍ وَرِضًا، وَهِيَ مِفْتَاحُ الأَجْرِ وَسَبَبُ الرَّحْمَةِ. وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».
فَاصْبِرْ يَا عِبَادَ اللَّهِ، وَلَا تَتَسَخَّطُوا، فَإِنَّ السَّخَطَ لَا يَرُدُّ مَيْتًا، وَلَا يُغَيِّرُ قَدَرًا، وَلَكِنَّهُ يُضِيعُ الأَجْرَ وَيُظْلِمُ القَلْبَ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُثَبِّتُكَ فِي هٰذَا البَابِ أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ المَالِكُ، وَأَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ عِبَادٌ لَهُ، وَأَنَّهُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَزِيدُ العَبْدَ تَعْظِيمًا لِرَبِّهِ وَثَبَاتًا عَلَى دِينِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَهُوَ خَالِقُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَالعَرْشِ، وَخَالِقُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ بِلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ، لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَحَوَّلُ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ! فَإِذَا تَحَقَّقَ لَكَ هٰذَا المَعْنَى، هَانَتْ عَلَيْكَ المُصَائِبُ، وَعَرَفْتَ أَنَّ الدُّنْيَا مَمَرٌّ، وَأَنَّ العَبْدَ مَسَافِرٌ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». فَكَيْفَ يَتَعَلَّقُ الغَرِيبُ بِمَا لَيْسَ لَهُ؟ وَكَيْفَ يَبْنِي العَابِرُ فِي طَرِيقِهِ قُصُورًا؟ بَلْ يَحْمِلُ زَادَهُ وَيَسِيرُ. فَاجْعَلْ زَادَكَ: صَلَاةً تُحَافِظُ عَلَيْهَا، وَقُرْآنًا تَتْلُوهُ، وَصَدَقَةً تُخْفِيهَا، وَعِلْمًا تَتَعَلَّمُهُ، وَحَرَامًا تَتْرُكُهُ، وَحَقًّا تُؤَدِّيهِ، وَتَوْبَةً تَصْدُقُ فِيهَا.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَلْقَى بِهِ العَبْدُ رَبَّهُ: الإِيمَانُ، وَأَعْظَمُ مَا يُخَافُ عَلَى العَبْدِ: أَنْ يَمُوتَ عَلَى غَيْرِ الإِيمَانِ؛ فَاحْرِصْ عَلَى العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَجَوَارِحَكَ وَقَلْبَكَ مِنْ كُلِّ مَا يُفْسِدُ الإِيمَانَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ. وَإِنَّ مِنْ أَبْلَغِ مَا يُذَكِّرُ العَبْدَ فِي خِتَامِ هٰذَا الدَّرْسِ قَوْلَ الزَّاهِدِ: المَوْتُ كَأْسٌ وَكُلُّ النَّاسِ شَارِبُهُ… فَلَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ المَوْتِ مَا الدَّارُ
الدَّارُ دَارُ نَعِيمٍ إِنْ عَمِلْتَ بِمَا…. يُرْضِي الإِلٰهَ وَإِنْ خَالَفْتَ فَالنَّارُ.
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ـ يَا أَخِي ـ قَبْلَ أَنْ تُخْتَارَ، وَتُبْ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الأَبْوَابُ. اللَّهُمَّ اخْتِمْ لَنَا بِالإِيمَانِ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِمَوْتَانَا وَلِمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا. آمِينَ.