﴿ ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾
أي ومن أحزابِهِم وهم كَفَرَتُهُم الذين تحزَّبوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم بالعداوة ككعبِ بنِ الأشرف وأصحابِه والسيِّد والعاقِب وأشياعِهِما وكان واحد أيضا يقال له عبدُ المسيح
لأنهم كانوا لا يُنكِرونَ الأقاصيصَ لذلك يقول اليهود مع كل ما كذَّبوا النبيّ عليه الصلاة والسلام مثلًا لما جاءت قصةُ يوسف ما أنكروها قبِلوا قصةَ يوسف فكانوا يقبَلونَ البعض لذلك قال ﴿ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ وعلاماتُ نبوَّة النبيّ عليه الصلاة والسلام عرَفوها وصدّقوا أنه رسولُ الله وفيما بينهم أسَرَّ بعضُهم لبعض أنه محمّد الذي بشَّرَ به موسى ولكن مع أنهم رأَوا منه تلك العلامات مع ذلك أنكروا الإيمانَ به وقالوا النُّبُوَّةُ إن نحن صدَّقنا به خرجت من أيدينا وكانوا لا يُنكرونَ الأقاصيصَ وبعضَ الأحكامِ والمعاني مما هو ثابتٌ في كتُبِهم ومع ذلك ماذا كان منهم؟ وكانوا ينكرون نبوَّةَ محمّدٍ عليه الصلاة والسلام وغيرَ ذلك مما حرَّفوهُ وبدّلوهُ من الشرائع
قصة وفد أهل نجران مع النبيّ:
من ناحية يقال لها نَجران وهي من مَخاليطِ اليمن وهي نسبة إلى نَجران بنِ زَيد إلى اسمِ هذا الرجل فسُمِّيَت نجران معروفة في جنوب الجزيرة العربية نجران كانت أرضَ نصارى ولما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام في مكة جاء وفدٌ من أهل نجران إلى مكة صارت البلاد في ذلك الوقت أليس كانت مكة مَقصِدًا لهم ويأتي باسمِ الحجِّ مَن يأتي إلى مكة فسمعوا عن نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام فأحبّوا لقاءَهُ وأحبّوا السَّماعَ منه فجاء نحوُ عشرين رجلًا من نجران فجاءوا وكان نبيُّنا عليه الصلاة والسلام عندَ الكعبة وكان هذا أول وفد لأن في بعد ذلك وفود أخرى كانت في المدينة فوَفد نجران ليس وَفدًا واحدًا في أكثر من وفد فكان عليه الصلاة والسلام عندَ الكعبة فجاءوا يسألونَهُ عن الإسلام كانوا نصارى فلما سمِعوا كلامَ نبيِّنا صلى الله عليه وسلّم وتلا عليه الصلاة والسلام شيئًا من القرآن الكريم ماتَمالَكوا أنفسهم صاروا يبكون وأسلَموا العِشرون،
أبو جهل لعنه الله كان مُتَخَفِّيًا في ناحيةٍ عندَ الكعبة اغتاظَ فظهرَ وأغلَظَ لهم في الكلام وقال خيَّبَكُمُ اللهَ من رَكب قومُكم بعثوا بكم لأجلِ أن ترَوا حالَ الرّجل وأنتم تركتُم دينَكم وصدَّقتُم به ،لكنهم ثبتوا على الإسلام ورجَعوا إلى بلادِهم يدعونَ إلى الإسلام يوجد بعدَ ذلك من تلك الأرض أرض نَجران أنتم لو تُحصون في مباحثِ السيرة أعدادَ الوفود من قبائلِ العرب التي وَفَدَت إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام تُدرِكونَ كم كان جهادُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام كيف الوقت عندَه يذهب عليه الصلاة والسلام تارة للغزو يجاهد في سبيل الله ويستقبل هذه الوفود ويعلِّم وينشرُ الإسلام ويَعودُ المرضى ويجالسُ أصحابَه ويجلسُ معهم في المسجد ويصلي معهم عليه الصلاة والسلام هكذا كانت حياتُه صلى الله عليه وسلّم في طاعةِ الله عزَّ وجلّ
فلما كان عليه الصلاة والسلام في المدينة جاء وفدٌ من أهل نجران من النصارى هذا الوفد كان منهم من ذكرنا هذا الذي يقال له عبدُ المسيح وكان أكبرَ واحد يعتبرونَه ذا رأيٍ فيهم يقال له السيِّد وواحد يقال له العاقِب ومعهم جمع وجاءوا أرادوا بزعمِهِم مُحاجَجَةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم يعني كالذي يريد المُناظَرَة فجاءوا إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام في المدينة
وهنا ينبغي أن نتَنَبَّهَ إلى ما قد نسميه خُرافَة قصة في هذا الموضوع ليس لها إسناد ذُكِرَت عندَ ابنِ هشام لكنه لم يروِها بسَنَد وهذه تُعتَبَر من القصصِ الَمكذوبة على النبيِّ عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لَقِيَت شُهرَةً كبيرة ما هي؟ من أسماءِ نبيِّنا محمّد عليه الصلاة والسلام الماحي قال:
“وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ بِيَ الكفر”
النبيّ عليه الصلاة والسلام بعثه الله تعالى لهدايةِ الناس إلى الإسلام لإنقاذِهِم من الكفرِ والضلال فرسولُ الله صلى الله عليه وسلّم لا يرضى بالكفر ولا يأذَن بالكفر ولا يأمُر بالكفر حاشاه عليه الصلاة والسلام ماذا بعضُهم يروي موجود في هذا الكتاب؟ موجود قال لما صارَ بزعمِهِم وقتُ صلاتِهِم السيّد والعاقب وعبدُ المسيح قال أرادوا أن يصلّوا فبزعمِهِم قالوا كَذِبًا عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام دعوهُم يصلّوا في مسجده ويصلوا ماذا هم؟ على غير الإسلام ما أسلَموا؟ أن يفعلون أفعالَ الكفر؟ هل يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم بالكفر؟ لا يرضى، مسجدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم هذا المسجدُ المبارَك الذي صار يسمّى على اسمِهِ عليه الصلاة والسلام المسجدُ النبويُّ الشريف الذي فيه قبرُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم هل يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أن يكونَ الكفر في مسجدِهِ الطاهر الشريف المبارَك؟ لا يرضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم ذلك فكيف مثلُ هذه القصة مطبوعة في هذا الكتاب وهذا الكتاب في أسواقِنا؟ ويقتنيه من يقتنيه من الناس يقولون والعياذ بالله بأنَّ النبيّ قال دعوهم يصلوا في مسجدي وهم على الكفرِ والعياذ بالله فهذا ضلالٌ شنيع هذا يستحيل أن يكونَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام قد قال ذلك
نرجِع إلى قصةِ هؤلاء فجاءوا هؤلاء يقولون لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام عيسى هو ابنُ الله فَرَدَّ عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنّ ربَّ العالمين لا يشبه خلقَهَ والوالِد لا بدّ أن يكونَ له من ولَدِه شَبَه والله لا يشابِهُ عيسى، وضُرِبَت أمثلة لذلك الله تعالى هو الذي يُصَوِّرُ في الأرحام وعيسى لا يُصَوِّرُ في الأرحام نعم عيسى أحيا بإذن الله عددًا لكن الله يحيي العباد ونزَلت آيات كريمة من سورةِ آل عمران إلى نحو ثمانين آية من سورةِ آل عمران في الردِّ على هؤلاء وفيها إثباتُ أنّ الخالقَ سبحانه وتعالى يستحيلُ أن يكونَ له ولد لأن الذي يكون له ولد فهو أصلٌ لِفَرع وما كان أصلًا يتجزَّأُ عنه فروع فهو جسم وما كان جسمًا فهو مُقَدَّر وهو مُخَصَّص وما كان مُخَصَّصًا ومُقَدَّرًا فهو يحتاجُ إلى مُخَصِّصٍ ومُقّدِّرٍ جعله بهذا الحجم والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك بأدلةٍ نَقليَّةٍ جاءت في أوائلِ سورةِ آلِ عِمران ومعها ما معها من الشَّواهد العقليّة حتى نتعلَّمَ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم كيف نُناظِرُ أهلَ الضلال وكيف نَرُدُّ عليهم بالحُجَّة عندما يقولون إنّ الله جسم والعياذ بالله تعالى
ثم هؤلاء عرضَ عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام الإسلام فأبَوا ذهبوا واجتمعوا فيما بينَهم قالوا لا نُسلِمُ له ثم دعاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم إلى المُباهَلَة دعاهم إلى المُباهَلَة
المُباهَلَة من البَهْلَة الدعاء بنزولِ العذاب فدعاهم النبيّ عليه الصلاة والسلام أن يحضروا إليه وأن تكونَ المُباهَلَة إذا لم يريدوا الإسلام ثم ذهبوا فاجتمعوا فيما بينَهم فقال هذا مَن كان ذا رأيٍ فيهِم الذي يقال له السيد قد عَلِمتُم أنه نبيّ وما لَنا به طاقة أرى أن لا نُباهِلَه وأرى أن نترُكَ الرجل ونرجِعَ إلى بلادِنا قال فإنّا إن باهَلْناه فدعا علينا فلا يَنبُتُ لنا بعد ذلك ولد ولا يبقى لنا شيخ ولا يبقى نَصرانِيٌّ على وجه الأرض قد عرَفوا ذلك قال لا أرى هذه المُباهَلَة فهذا الرجلُ صادق وأنتم تعلمون أنه صادق وكأنهم مالوا إلى رأيِهِ فذهبوا هناك كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام قد خرج في الطريق وكان عليه الصلاة والسلام الحُسين في حُضنِه والحسن في يدِهِ وفاطِمة رضي الله عنها تمشي خلفَهُ وخلفَها كان يَتبَعُهم سيّدنا عليّ فلما جاء وفدُ نجران ورأَوا هذا المشهد قال: يا قوم إني أرى وجوهًا لو أنها دعت على جبلٍ لَزَال ما لَكُم طاقةٌ بهم فلما جاءوا وقفوا أمام النبيّ عليه الصلاة والسلام أخبروه أنهم لن يُسلِموا ولكن لا يريدون المُباهَلَة وقَبِلوا دَفعَ الجِزيَة فكانت جِزيَتُهم ألفَي حُلَّة في السَّنة يُرسلونَها إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام ثم إنه عليه الصلاة والسلام قال:
“لقد رأيتُ الهلاكَ ينزلُ على أهلِ نجران -أي فوقَ رؤوسِهِم- لكن لما كان منهم ما هذا ما نزل عليهم العذاب”
لما قِبِلوا بالجزية كان منهم هذا قبِلوا الجزية ما نزل عليهِمُ العذاب ولولا ذلك لأهلَكَهُم الله تعالى ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾