مُقَدِّمَةُ الدَّرْسِ
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَشْكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا؛ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مِثْلَ لَهُ، وَلَا ضِدَّ، وَلَا نِدَّ؛ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُلَيِّنُ القُلُوبَ، وَيُصَحِّحُ المَسَارَ، وَيَرُدُّ الإِنْسَانَ إِلَى رَبِّهِ: ذِكْرُ المَوْتِ وَالتَّفَكُّرُ فِي مَا بَعْدَهُ.
أَهْدَافُ الدَّرْسِ
يَهْدِفُ هٰذَا الدَّرْسُ إِلَى:
1. تَرْسِيخِ الإِيمَانِ بِأَنَّ المَوْتَ حَقٌّ لَا مَفَرَّ مِنْهُ.
2. تَعْلِيمِ المُؤْمِنِ مَا يَقُولُ وَمَا يَفْعَلُ عِنْدَ المُصِيبَةِ وَخَبَرِ الوَفَاةِ.
3. بَيَانِ حَقِيقَةِ القَبْرِ: نَعِيمًا أَوْ عَذَابًا، وَثُبُوتِ سُؤَالِ مَلَكَيْنِ.
4. التَّحْذِيرِ مِنَ المَعَاصِي الَّتِي تَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابِ القَبْرِ.
5. الدَّعْوَةِ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلآخِرَةِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
عُنْوَانُ الدَّرْسِ
المَوْتُ حَقٌّ، وَالقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ
مُحَاوِرُ الدَّرْسِ
1. الآيَةُ العَظِيمَةُ فِي حَقِيقَةِ المَوْتِ وَفَوْزِ الآخِرَةِ.
2. مَا يَقُولُ المُسْلِمُ عِنْدَ المُصِيبَةِ، وَفَضْلُ ذٰلِكَ.
3. التَّفَكُّرُ فِي حَالِ الإِنْسَانِ عِنْدَ الغُسْلِ وَالحَمْلِ وَالدَّفْنِ.
4. ثُبُوتُ عَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ بِالأَدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ.
5. سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَمَصِيرُ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ وَالمُنَافِقِ.
6. مِنْ أَسْبَابِ عَذَابِ القَبْرِ: عَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنَ البَوْلِ، وَالنَّمِيمَةُ.
7. نَعِيمُ القَبْرِ لِلْمُؤْمِنِ وَفَضْلُ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ وَسُؤَالِ التَّثْبِيتِ.
8. القَبْرُ رَوْضَةٌ أَوْ حُفْرَةٌ: فَأَيْنَ مَكَانُنَا؟
المَحْوَرُ الأَوَّلُ: المَوْتُ حَقٌّ وَفَوْزُ الآخِرَةِ
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185).
هٰذِهِ الآيَةُ تُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ سَيَذُوقُ المَوْتَ، وَأَنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا، بَلْ فِي النَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ.
فَوَقْفَةٌ: مَا دَامَ أَنَّ المَوْتَ آتٍ لَا مَحَالَةَ، فَمَا زَادُكَ لِلِقَاءِ اللَّهِ؟
المَحْوَرُ الثَّانِي: مَاذَا نَقُولُ عِنْدَ المُصِيبَةِ؟
مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ المُؤْمِنَ إِذَا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، قَالَ: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
وَقَدْ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ آجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».
وَتَوْجِيهٌ تَرْبَوِيٌّ: إِيَّاكَ وَالِاعْتِرَاضَ عَلَى اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّسَخُّطَ؛ فَإِنَّ ذٰلِكَ يُضِيعُ الأَجْرَ، وَيَزِيدُ القَلْبَ وَجَعًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَدِّمُهُ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا فِي هٰذَا البَابِ:
عِنْدَ وَفَاةِ وَلَدِهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «إِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَإِنَّا عَلَى فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا».
المَحْوَرُ الثَّالِث: مَشْهَدُ الغُسْلِ وَالحَمْلِ وَالقَبْرِ
تَخَيَّلْ ـ أَخِي المُؤْمِنُ ـ نَفْسَكَ:
* عَلَى المُغْتَسَلِ.
* ثُمَّ مَحْمُولًا عَلَى الأَكْتَافِ.
* ثُمَّ مَوْضُوعًا فِي قَبْرٍ ضَيِّقٍ.
هُنَا تَصِيرُ الحَقِيقَةُ وَاضِحَةً: فَلَا يَنْفَعُ مَالٌ، وَلَا جَاهٌ، وَلَا مَدْحُ النَّاسِ؛ إِنَّمَا يَنْفَعُ العَمَلُ الصَّالِحُ.
المَحْوَرُ الرَّابِع: الإِيمَانُ بِسُؤَالِ القَبْرِ وَعَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ
مِمَّا يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ: سُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَعَذَابُ القَبْرِ وَنَعِيمُهُ.
دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ عَلَى عَذَابِ القَبْرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ (غافر: 46).
فَهٰذَا عَرْضٌ عَلَى النَّارِ قَبْلَ القِيَامَةِ؛ وَهُوَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى عَذَابِ القَبْرِ.
دَلِيلٌ نَبَوِيٌّ: حَدِيثُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ… أَتَاهُ مَلَكَانِ… فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هٰذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ … فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا… أُبْدِلَ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ… وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا… يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ…».
المَحْوَرُ الخَامِس: أَسْبَابٌ تُؤَدِّي إِلَى عَذَابِ القَبْرِ
حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَعَاصِي تُكْثِرُ عَذَابَ القَبْرِ، وَمِنْهَا:
1. عَدَمُ التَّنَزُّهِ مِنَ البَوْلِ.
قَالَ ﷺ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ».
2. النَّمِيمَةُ وَإِفْسَادُ ذَاتِ البَيْنِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ القَبْرَيْنِ: «كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».
وَعِظَةٌ: لَا تَسْتَصْغِرِ الذَّنْبَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَبَبَ شَقَاءِ القَبْرِ.
المَحْوَرُ السَّادِس: نَعِيمُ القَبْرِ لِلْمُؤْمِنِ
مِنْ كَرَمِ اللَّهِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ العَبْدُ مُؤْمِنًا تَقِيًّا:
* يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ.
* وَيُنَوَّرُ لَهُ.
* وَيُقَالُ لَهُ: نَمْ نَوْمَ العَرُوسِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا…».
المَحْوَرُ السَّابِع: القَبْرُ رَوْضَةٌ أَوْ حُفْرَةٌ
قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تَسْكُنَ القَلْبَ: القَبْرُ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَإِمَّا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ.
فَمَا الَّذِي يُحَوِّلُ قَبْرَ الإِنْسَانِ إِلَى رَوْضَةٍ؟
إِنَّهُ: الإِيمَانُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ وَالتَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ.
تَطْبِيقَاتٌ عَمَلِيَّةٌ
1. اجْعَلْ لَكَ وِرْدًا يَوْمِيًّا مِنَ القُرْآنِ.
2. اجْتَنِبْ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِعَذَابِ القَبْرِ: البَوْلُ وَالنَّمِيمَةُ وَالمَعَاصِي.
3. أَكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ.
4. إِذَا دُفِنَ مَيِّتٌ: أَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ وَسُؤَالِ التَّثْبِيتِ.
5. لَا تُؤَجِّلْ العَمَلَ؛ فَإِنَّ المَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً.
خَاتِمَةُ الدَّرْسِ
أَخِي المُؤْمِنُ؛ إِنَّ الدُّنْيَا تَنْتَهِي، وَالقَبْرَ بَابٌ لِمَا بَعْدَهُ، وَالسَّعِيدُ مَنْ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، فَاتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَرَاقِبْهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَلا تَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا مَتَاعُ الغُرُورِ.
حَقِيقَةُ القَبْرِ وَسُؤَالُ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَأَسْبَابُ النَّجَاةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ مِنَ الحَقَائِقِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا وَنُوقِنَ أَنَّ القَبْرَ لَيْسَ نِهَايَةَ الأَمْرِ، بَلْ هُوَ بَابٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ. وَإِنَّ مِنَ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الإِيمَانَ بِسُؤَالِ المَلَكَيْنِ: مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَالإِيمَانَ بِعَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ، فَمَنْ أَنْكَرَ ذٰلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ ثَابِتًا مِنْ ثَوَابِتِ الدِّينِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَذَابَ القَبْرِ فِي القُرْآنِ دَلَالَةً وَاضِحَةً، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ (غافر: 46). فَهٰذَا عَرْضٌ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القَبْرَ فِيهِ عَذَابٌ لِأَهْلِ الكُفْرِ وَالمَعْصِيَةِ. ثُمَّ إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ قِيلَ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾. وَمِنْ أَظْهَرِ الأَدِلَّةِ أَيْضًا حَدِيثُ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، إِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هٰذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ… وَأَمَّا الكَافِرُ أَوِ المُنَافِقُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ…». فَتَأَمَّلُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ هٰذَا المَشْهَدَ: يَذْهَبُ الأَهْلُ وَالأَصْحَابُ، وَيَنْقَطِعُ صَوْتُ النَّاسِ، وَيَبْقَى العَبْدُ وَحْدَهُ فِي ظُلْمَةِ القَبْرِ، ثُمَّ يَأْتِيَانِهِ مَلَكَانِ بِمَنْظَرٍ مُهَوِّلٍ، وَصَوْتٍ شَدِيدٍ، وَسُؤَالٍ حَاسِمٍ. وَهُنَا يَظْهَرُ مَعْنَى التَّثْبِيتِ الَّذِي نَدْعُو بِهِ لِلْمَيِّتِ. فَلَيْسَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ شَكْلًا وَلَا عَادَةً، بَلْ هُوَ حَاجَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لِأَنَّ المَيْتَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَاتِ يَكُونُ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتِهِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ». وَإِذَا عَرَفْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ القَبْرَ هٰكَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقَبْرِ نَعِيمًا وَلَهُ عَذَابًا، فَنَعِيمُهُ لِلْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ، وَعَذَابُهُ لِلْكَافِرِ وَلِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ عُصَاةِ المُسْلِمِينَ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَسْبَابِ عَذَابِ القَبْرِ: عَدَمَ التَّنَزُّهِ مِنَ البَوْلِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ: «اسْتَنْزِهُوا مِنَ البَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبْرِ مِنْهُ». وَحَذَّرَ مِنَ النَّمِيمَةِ وَإِفْسَادِ ذَاتِ البَيْنِ؛ فَفِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». فَلَا تَسْتَصْغِرْ ذَنْبًا، وَلَا تَقُلْ: هٰذِهِ هَيِّنَةٌ، فَكَمْ مِنْ هَيِّنَةٍ عِنْدَ النَّاسِ تُصِيرُ فِي القَبْرِ عَظِيمَةً! وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَنَّهُ جَعَلَ سَبِيلَ النَّجَاةِ مَيْسُورًا لِمَنْ صَدَقَ: تَوْحِيدٌ صَحِيحٌ، وَصَلَاةٌ مَحْفُوظَةٌ، وَتَوْبَةٌ صَادِقَةٌ، وَحَقٌّ لَا يُضَيَّعُ، وَحَرَامٌ لَا يُقْتَحَمُ. وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ فِي قَبْرِهِ: «رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ»، فَاسْتَقِمْ عَلَى هٰذَا فِي دُنْيَاكَ، وَعَشْ عَلَيْهِ، تُثَبَّتْ عَلَيْهِ. وَتَذَكَّرُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ أَنَّ القَبْرَ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ. فَأَيُّهَا تُرِيدُ؟ تَرِيدُ رَوْضَةً تُنَادِيكَ فِيهَا المَلَائِكَةُ بِالبُشْرَى، أَمْ تُرِيدُ حُفْرَةً تَضِيقُ عَلَيْكَ حَتَّى تَخْتَلِفَ الأَضْلَاعُ؟ اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَنَسْأَلُكَ نَعِيمَ القَبْرِ وَرِضْوَانَكَ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا وَقُبُورَ مُسْلِمِيْنَا رَوْضَاتٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِمَوْتَانَا. آمِينَ.
دُعَاءٌ خِتَامِيٌّ
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عِنْدَ السُّؤَالِ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا رَوْضَاتٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَلَا تَجْعَلْهَا حُفَرًا مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.