الإِسْلَامُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَمَعَانِي الأَحَادِيثِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الجَهْلِ بِمَعْرِفَةِ اللهِ
مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّهَ فِيهِ المُؤْمِنُ وَيُحَقِّقَهُ فِي قَلْبِهِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ العَمَلَ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ عَظِيمَيْنِ: صِحَّةِ الإِيمَانِ وَصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالإِخْلَاصِ، فَلَا يَكُونُ العَمَلُ مَقْبُولًا وَمُثَابًا عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا كَانَ صَادِرًا عَنْ عَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ تُقَرِّرُ وَحْدَانِيَّةَ اللهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، وَتُصَدِّقُ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَعْمَالٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ أَخْلَاقٍ حَسَنَةٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ أَوَّلًا إِيمَانٌ وَتَوْحِيدٌ وَمَعْرِفَةٌ بِاللهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عَمَلٌ صَالِحٌ يُقْبَلُ.
وَلِذَلِكَ جَاءَتِ النُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ وَالأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ شَرْطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ عَمَلَ الكَافِرِ وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ الإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ لَا يَنْفَعُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ لِفَقْدِ أَصْلِ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ القَبُولِ.
أَوَّلًا: دَلِيلُ القُرْآنِ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ
إِنَّ أَصْرَحَ دَلِيلٍ قُرْآنِيٍّ فِي هَذَا البَابِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ بَيَانٌ مُحْكَمٌ لِمَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ أَنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وَنَيْلَ الثَّوَابِ مُعَلَّقٌ بِقَيْدِ الإِيمَانِ، فَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ دَخَلَ الجَنَّةَ مُطْلَقًا، بَلْ قَالَ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ لَا يَكْفِي وَحْدَهُ فِي القَبُولِ إِلَّا إِذَا صَدَرَ عَنْ إِيمَانٍ صَحِيحٍ.
وَالمُؤْمِنُ هُنَا مَعْنَاهُ: المُوَحِّدُ الَّذِي آَمَنَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَخَضَعَ لِدِينِ الإِسْلَامِ.
وَمَعْنَى ﴿نَقِيرًا﴾: شَيْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا، وَهُوَ نُقْرَةٌ فِي نَوَاةِ التَّمْرَةِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَمَالِ عَدْلِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَا يَظْلِمُ المُؤْمِنِينَ فِي ثَوَابِهِمْ أَدْنَى ظُلْمٍ، بَلْ يُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ فَضْلًا.
ثَانِيًا: دَلِيلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الكَافِرِ لَا يَنْفَعُهُ فِي الآخِرَةِ
وَجَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟
فَقَالَ ﷺ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».
فَهَذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ مُحْكَمٌ فِي بَيَانِ أَنَّ عَمَلَ الكَافِرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِحْسَانٌ إِلَى النَّاسِ وَصِلَةُ رَحِمٍ وَإِطْعَامٌ وَمُوَاسَاةٌ، فَإِنَّهُ لَا يُجْدِي عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ شَيْئًا، إِذْ لَمْ يَكُنْ صَادِرًا عَنْ إِيمَانٍ بِاللهِ وَبِاليَوْمِ الآخِرِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِاليَوْمِ الآخِرِ، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ إِلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؛ لِأَنَّ الكَافِرَ لَا يَعْتَرِفُ بِذَنْبٍ، وَلَا يَرْجُو غُفْرَانًا وَجَزَاءً فِي الآخِرَةِ، بَلْ يَكُونُ عَمَلُهُ مَبْنِيًّا عَلَى مَقَاصِدَ دُنْيَوِيَّةٍ: كَالسُّمْعَةِ، وَالرِّيَاسَةِ، وَالثَّنَاءِ، وَذِكْرِ النَّاسِ، وَرُبَّمَا عَطْفِ النَّفْسِ فَقَطْ؛ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ عَمَلٌ يَقَعُ فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ.
ثَالِثًا: قِصَّةُ ابْنِ جُدْعَانٍ وَمَعْنَاهَا فِي بَابِ القَبُولِ وَالرَّدِّ
وَمِنْ حِكْمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَّصِفُ بِبَعْضِ خِصَالِ الخَيْرِ وَالإِحْسَانِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ مُحْرُومًا مِنَ النَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ؛ لِفَقْدِ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ القَبُولِ.
فَابْنُ جُدْعَانٍ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ بِقِرَى الضَّيْفِ وَإِطْعَامِ المِسْكِينِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَهِيَ أَعْمَالٌ فَاضِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَلَكِنَّهُ لَمَّا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ وَعِبَادَةِ الوَثَنِ، وَلَمْ يَكُنْ يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، صَارَ عَمَلُهُ غَيْرَ نَافِعٍ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ.
وَهُنَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَمَلَهُ فِي الدُّنْيَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِمَحَبَّةِ النَّاسِ لَهُ، وَقَدْ يَرْتَفِعُ بِهِ ذِكْرُهُ، وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ رَفَاهٌ وَسَعَةٌ وَسُمْعَةٌ، وَهَذَا مِنْ جِهَةِ الجَزَاءِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي قَدْ يُعْطَى لِلْمُحْسِنِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ ثَوَابَ الآخِرَةِ وَدُخُولَ الجَنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ المُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الجَنَّةَ دَارُ تَكْرِيمٍ وَثَوَابٍ عَلَى الإِيمَانِ وَالعُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ يَدْخُلُهَا مَنْ لَمْ يَعْبُدِ اللهَ وَلَمْ يُوَحِّدْهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِيَوْمِ الدِّينِ؟!
رَابِعًا: دَلِيلٌ آخَرُ مِنَ السُّنَّةِ: قِصَّةُ المُشْرِكِ الَّذِي أَرَادَ القِتَالَ مَعَ المُسْلِمِينَ
وَجَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ رَجُلًا مُشْرِكًا أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ قَوْمِهِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَاتِلُ أَمْ أُسْلِمُ؟
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَسْلِمْ»، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا».
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الَّذِي يُعْطِي العَمَلَ قِيمَتَهُ وَيَرْفَعُهُ فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ؛ فَهَذَا الرَّجُلُ لَمَّا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، صَارَ جِهَادُهُ مَقْبُولًا، بَلْ صَارَ مَنْزِلَةَ شَهَادَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي أَنْ يُؤْجَرَ أَجْرًا عَظِيمًا، مَعَ أَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا قَلِيلًا فِي الظَّاهِرِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ.
فَكَلِمَةُ الإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَتُدْخِلُ العَبْدَ فِي دَائِرَةِ القَبُولِ وَالثَّوَابِ؛ فَلَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَمْ يَنْفَعْهُ أَيُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، وَلَوْ قَاتَلَ حَمِيَّةً لِقَوْمِهِ، أَوْ بَطُولَةً فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِمَّنْ يُقَاتِلُ لِلدُّنْيَا، وَلَا يَكُونُ عَمَلُهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
خَامِسًا: قَوْلُ الغَزَالِيِّ: لَا تَصِحُّ العِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ
وَمِنَ القَوَاعِدِ العَظِيمَةِ فِي هَذَا البَابِ مَا ذَكَرَهُ الإِمَامُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حَيْثُ قَالَ: «لَا تَصِحُّ العِبَادَةُ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ».
وَمَعْنَى هَذِهِ القَاعِدَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ تَعَالَى المَعْرِفَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي تَنْزِهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، فَإِنَّ عِبَادَتَهُ تَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَى خَيَالٍ وَوَهْمٍ، فَيَعْبُدُ شَيْئًا تَصَوَّرَهُ فِي ذِهْنِهِ لَا الإِلَهَ الحَقَّ الَّذِي وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
فَمَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ جِسْمٌ، أَوْ جَالِسٌ، أَوْ مُتَحَيِّزٌ فِي جِهَةٍ، أَوْ سَاكِنٌ فِي مَكَانٍ، فَقَدْ جَعَلَ اللهَ تَعَالَى مِثْلَ خَلْقِهِ، وَالتَّشْبِيهُ نَقْصٌ، وَنَسْبَةُ النَّقْصِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بَاطِلَةٌ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَجَرَّأُونَ عَلَى نِسْبَةِ الجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَلْفَاظٍ يُحَاوِلُونَ تَلْبِيسَهَا بِقَوْلِهِمْ: «لَيْسَ كَجُلُوسِنَا»، قَدْ وَقَعُوا فِي نَوْعٍ مِنَ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّ الجُلُوسَ فِي أَصْلِ مَعْنَاهُ هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ وَالخَلْقِ، فَكَيْفَ يُثْبَتُ لِلخَالِقِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِالمَخْلُوقِ ثُمَّ يُقَالُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ؟!
إِنَّ التَّعْظِيمَ الحَقَّ لِلهِ تَعَالَى هُوَ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ، وَأَنْ يُوْقَفَ عِنْدَ المَحْكَمِ مِنَ النُّصُوصِ، وَأَنْ يُقَالَ: هُوَ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، كَمَا قَرَّرَتْهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ.
سَادِسًا: عَظَمَةُ اللهِ فِي كَوْنِهِ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا، وَخَطَرُ الشَّتْمِ وَسُوءِ الأَدَبِ مَعَهُ
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهِ مَعَ رَبِّهِ: أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنَ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي الَّتِي تُوهِمُ النَّقْصَ وَالتَّشْبِيهَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى عَظِيمٌ، وَعَظَمَتُهُ لَا تُقَاسُ بِعَظَمَةِ خَلْقِهِ، وَمِنْ أَكْبَرِ مَا يَشْتُمُ بِهِ العَبْدُ رَبَّهُ أَنْ يَنْسِبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ نَقْصٍ أَوْ شِبْهٍ بِالمَخْلُوقِين.
وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ»، وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا».
فَإِذَا كَانَ مِمَّا يَعْدُّهُ الشَّرْعُ شَتْمًا لِلهِ تَعَالَى أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ وَلَدٌ—وَهُوَ نَقْصٌ وَتَشْبِيهٌ—فَكَذَلِكَ نِسْبَةُ صِفَاتِ الأَجْسَامِ إِلَيْهِ تَعَالَى نَقْصٌ وَتَشْبِيهٌ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ الخَلْقِ فَنِسْبَتُهُ إِلَى الخَالِقِ بَاطِلَةٌ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ المَقَالِ: أَنَّ الإِسْلَامَ وَالإِيمَانَ شَرْطٌ لِقَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ عَمَلَ الكَافِرِ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ الإِحْسَانُ فِي الدُّنْيَا لَا يَنْفَعُهُ فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ أَصْلَ الإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ بِيَوْمِ الدِّينِ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، وَمِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ ابْنِ جُدْعَانٍ وَحَدِيثُ الرَّجُلِ المُشْرِكِ الَّذِي أُرْشِدَ إِلَى الإِسْلَامِ ثُمَّ نَالَ أَجْرًا عَظِيمًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ العِبَادَةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى مَعْرِفَةً تُنَزِّهُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِهِ؛ فَالتَّوْحِيدُ هُوَ أَصْلُ القَبُولِ، وَالتَّنْزِيهُ هُوَ حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ، وَمَنْ ضَلَّ فِي ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ عَنْ أَعْظَمِ الأُصُولِ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَنَا التَّوْحِيدَ الخَالِصَ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَعْمَالَنَا صَالِحَةً مَقْبُولَةً، وَأَنْ يَثَبِّتَنَا عَلَى دِينِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ وَهُوَ رَاضٍ عَنَّا.