مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِأَحْوَالِ الْبَرْزَخِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ مِنْ نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ، مِنْ جُمْلَةِ أُصُولِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَمِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ. فَالْقَبْرُ لَيْسَ مَجَرَّدَ مَكَانٍ تُوَارَى فِيهِ الأَجْسَادُ، بَلْ هُوَ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، وَمَوْضِعُ ابْتِدَاءِ الجَزَاءِ وَالمُكَافَأَةِ، فَإِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَإِمَّا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ. وَفِي هَذَا الْمَقَالِ نَتَنَاوَلُ قَضِيَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ، وَحُكْمَ مُنْكِرِهِ، وَالأَدِلَّةَ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَمَا جَاءَ فِي فَضْلِ سُورَةِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ فِي النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِهِ.
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَوُجُوبُ الإِيمَانِ بِهِ
يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِنْ غَيْبِ اللهِ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، وَالإِيمَانُ بِالْغَيْبِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. وَمِنْ أَظْهَرِ صُوَرِ عَذَابِ الْقَبْرِ: عَرْضُ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَمَرَّةً فِي آخِرِهِ، فَيَتَعَذَّبُ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ فِي الآخِرَةِ، فَتَتَجَدَّدُ عَلَيْهِ الْحَسْرَةُ وَالرُّعْبُ وَالأَلَمُ كُلَّمَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وَالْمُرَادُ بِهَا: آلُ فِرْعَوْنَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ؛ فَهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِي الْبَرْزَخِ، أَيْ فِي مُدَّةِ الْقَبْرِ، كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى يَمْتَلِئُوا رُعْبًا وَهَوْلًا. ثُمَّ إِذَا قَامَتِ السَّاعَةُ قِيلَ لِلْمَلَائِكَةِ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، فَيَكُونُ لَهُمْ عَذَابُ الْبَرْزَخِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَلْحَقُهُ عَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ.
وَمِنْ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ أَيْضًا عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؛ أَيْ: مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً فِي الْقَبْرِ. وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيِّ.
ثَانِيًا: صُوَرٌ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ: ضَغْطَةُ الْقَبْرِ وَهَوْلُهُ
مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ: ضَغْطَةُ الْقَبْرِ، وَهِيَ أَنْ يَقْتَرِبَ حَائِطَا الْقَبْرِ مِنْ جَانِبَيْهِ حَتَّى تَتَدَاخَلَ أَضْلَاعُ الْمَيِّتِ، فَيُصِيبُهُ مِنَ الأَلَمِ وَالْوَحْشَةِ مَا يَشَاءُ اللهُ. وَيَزِيدُ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ: أَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ الأَفَاعِي وَالْعَقَارِبُ وَحَشَرَاتُ الأَرْضِ، فَتَنْهَشُ مِنْ جَسَدِهِ وَتَأْكُلُهُ، وَتَدْخُلُ الأَفْعَى فِي فَمِهِ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ أَعْصَابَهُ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ تَسْتَرْخِي، وَمَفَاصِلَهُ تَنْحَلُّ، فَتَأْكُلُ مِنْ فَمِهِ وَأَمْعَائِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَقَارِبُ وَثَعَابِينُ، لَوْ نَفَخَ أَحَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا، تَنْهَشُهُ، فَتُؤْمَرُ الأَرْضُ فَتُضَمُّ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ». وَفِي هَذَا تَصْوِيرٌ بَلِيغٌ لِشِدَّةِ مَا يَلْقَاهُ الْمُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ.
ثَالِثًا: عَذَابُ الْقَبْرِ لِلْكَافِرِ وَلِعُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ: تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ
أَمَّا الْكَافِرُ الَّذِي مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَلَمْ يَتُبْ، فَعَذَابُهُ فِي الْقَبْرِ حَقٌّ، وَيَكُونُ عَذَابُهُ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ، وَهُوَ عَذَابٌ مُسْتَمِرٌّ فِي الْبَرْزَخِ إِلَى أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَيُدْخَلَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَهُمْ صِنْفَانِ:
صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَلَا يُصِيبُهُمْ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمُ اللهُ فِي الْقَبْرِ بِقَدْرِ مَا شَاءَ، فَيُصِيبُهُمْ مَثَلًا ضَغْطَةُ الْقَبْرِ، وَالِانْزِعَاجُ مِنْ ظُلْمَتِهِ وَوَحْشَتِهِ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، وَتُؤَخَّرُ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْلِ الإِلٰهِيِّ وَالْحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي مُوَازَنَةِ الذُّنُوبِ وَأَثَرِهَا.
رَابِعًا: دَلِيلٌ نَبَوِيٌّ جَلِيٌّ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ: حَدِيثُ الْقَبْرَيْنِ
مِنْ أَشْهَرِ الأَدِلَّةِ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرِ إِثْمٍ» أَيْ: لَيْسَ فِي كَبِيرٍ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ. ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ ذَلِكَ فَقَالَ: «بَلَى، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» وَهِيَ نَقْلُ الْكَلَامِ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا، «وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ» أَيْ: لَا يَتَنَزَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُلَوِّثَ جَسَدَهُ بِهِ.
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، أَيْ: بِغُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ، فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا»؛ أَيْ: يُخَفَّفُ عَنْهُمَا عَذَابُ الْقَبْرِ مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَّانِ رَطْبَيْنِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبَاتَ الأَخْضَرَ يُسَبِّحُ اللهَ، وَإِذَا وُضِعَ عَلَى الْقَبْرِ خُفِّفَ عَنْ صَاحِبِهِ بِتَسْبِيحِهِ إِنْ كَانَ فِي نَكَدٍ، فَيُنَاسِبُ ذَلِكَ وُضْعُ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ عَلَى الْقُبُورِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَسْمَعُ تَسْبِيحَهُ.
خَامِسًا: التَّسْبِيحُ وَقِصَّةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ الصَّحَابَةِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَهُوَ مِنَ الأَوْلِيَاءِ الْكِبَارِ، لَقِيَ الصَّحَابَةَ وَلَمْ يَلْقَ رَسُولَ اللهِ ﷺ. وَمِنْ عَجَائِبِ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّةً كَانَ يُسَبِّحُ اللهَ بِسُبْحَةٍ، فَنَامَ، فَصَارَتِ السُّبْحَةُ تَدُورُ فِي يَدِهِ وَتَقُولُ: «سُبْحَانَكَ يَا مُنْبِتَ النَّبَاتِ، وَيَا دَائِمَ الثَّبَاتِ» أَيْ: يَا دَائِمَ الْوُجُودِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ وَلَا يَتَغَيَّرُ. وَلَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ مَعْنَى السُّكُونِ أَوْ الْجُمُودِ، بَلْ هُوَ ثَبَاتُ الْكَمَالِ وَدَوَامُ الْبَقَاءِ. ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَهَا تُسَبِّحُ وَتَدُورُ عَلَى ذِرَاعِهِ، فَنَادَى زَوْجَتَهُ أُمَّ مُسْلِمٍ لِتَرَى ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَتْ سَكَتَتِ السُّبْحَةُ.
سَادِسًا: حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ وَثُبُوتُ الإِجْمَاعِ عَلَيْهِ
اعْلَمْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ؛ فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ. وَقَدْ نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ثُبُوتِ عَذَابِ الْقَبْرِ أَئِمَّةٌ كِبَارٌ مِنْهُمْ:
الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ فِي «الإِبَانَةِ»،
وَالإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي «عَقِيدَتِهِ»،
وَابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ «الإِجْمَاعُ».
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ (الْمُتَوَفَّى سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ) فِي كِتَابِهِ «الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ»: إِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَطَعُوا بِأَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ الْقَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِي الْقَبْرِ لِكُفْرِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ الشَّافِعِيُّ فِي «الْعُدَّةِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ»: إِنَّ قَوْلَهُ ﷺ عِنْدَ مُرُورِهِ بِالْقَبْرَيْنِ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ» دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ، وَمِمَّا نَقَلَتْهُ الأُمَّةُ مُتَوَاتِرًا. فَمَنْ أَنْكَرَ عَذَابَ الْقَبْرِ أَوْ نَعِيمَهُ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ.
وَمِنَ الأَدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ عَلَى ثُبُوتِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ». وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ». فَمَا دَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ مِنْهُ وَيَأْمُرُ الأُمَّةَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، فَهَذَا قَطْعٌ بِوُجُودِهِ وَحَقِيقَتِهِ.
سَابِعًا: سُورَةُ الْمُلْكِ وَدَلِيلُ كَوْنِهَا «الْمَانِعَةَ الْمُنْجِيَةَ»
مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ: أَنَّ سُورَةَ الْمُلْكِ «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» تَكُونُ سَبَبًا فِي النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ بِإِذْنِ اللهِ. فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ خَيْمَةً، أَيْ: نَصَبَ خَيْمَةً عَلَى قَبْرٍ، فَسَمِعَ مِنَ الْقَبْرِ قِرَاءَةَ «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» حَتَّى خَتَمَهَا، فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ ﷺ مُصَدِّقًا لَهُ: «هِيَ الْمَانِعَةُ، هِيَ الْمُنْجِيَةُ» أَيْ: تَمْنَعُ صَاحِبَهَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَتُنْجِيهِ مِنْ أَهْوَالِهِ.
وَرَوَى الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثِينَ آيَةً تَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهَا حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ». فَمَنْ ثَبَتَ عَلَى قِرَاءَتِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ قِرَاءَةً صَحِيحَةً لِلهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ وَلَا فِي الآخِرَةِ بِإِذْنِ اللهِ. وَمِنْ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تُدَاوِمُ عَلَى قِرَاءَتِهَا، إِلَّا فِي حَالِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لَا يُمْنَعُهَا ذَلِكَ مِنْ حُصُولِ سِرِّهَا وَفَضْلِهَا.
ثَامِنًا: هَلِ الشَّهَادَةُ سَبَبٌ لِلنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؟ وَبَيَانُ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ
اعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَالَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ وَلَا فِي الآخِرَةِ. وَالشَّهَادَةُ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِ، وَالشَّهِيدُ هُوَ مَنْ شَهِدَ اللهُ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَمَنْ شَهِدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْجَنَّةِ.
وَالشُّهَدَاءُ أَنْوَاعٌ:
فَمَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي الْمَعْرَكَةِ فَهُوَ شَهِيدُ مَعْرَكَةٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «السَّيْفُ مَحَّاءُ الْخَطَايَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَقَالَ ﷺ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
فَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ: أَيْ دَافَعَ عَنْ مَالِهِ لِيَرُدَّ مُعْتَدِيًا يُرِيدُ أَخْذَهُ ظُلْمًا فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ: أَيْ دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ لِيَرُدَّ ظَالِمًا أَرَادَ قَتْلَهُ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ: أَيْ قُتِلَ لِدِينِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ: كَأَنْ دَافَعَ عَنْ زَوْجَتِهِ لِيَمْنَعَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا بِالزِّنَى، فَقَتَلَهُ الْمُعْتَدِي، فَهُوَ شَهِيدٌ.
وَمِنْ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ أَيْضًا: مَنْ مَاتَ غَرَقًا أَوْ حَرَقًا فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ «قَتَلَهُ بَطْنُهُ» أَيْ مَاتَ بِسَبَبِ مَرَضٍ فِي بَطْنِهِ كَإِسْهَالٍ شَدِيدٍ أَوِ احْتِبَاسٍ لَا يَخْرُجُ مَعَهُ رِيحٌ وَلَا غَائِطٌ، فَهُوَ شَهِيدٌ، لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ». وَمَنْ مَاتَ غَرِيبًا عَنْ بَلَدِهِ وَأَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ: «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ». وَمَنْ قَتَلَهُ الطَّاعُونُ، أَوْ مَاتَ بِمَرَضِ ذَاتِ الْجَنْبِ، أَوْ مَاتَ تَحْتَ الْهَدْمِ، أَوْ بِالتَّرَدِّي مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ، فَهُوَ شَهِيدٌ. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَمُوتُ بِجُمْعٍ، أَيْ بِسَبَبِ أَلَمِ الْوِلَادَةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
تَاسِعًا: نَعِيمُ الْقَبْرِ وَمَشَاهِدُ التَّكْرِيمِ لِلْمُؤْمِنِينَ
كَمَا يَجِبُ الإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، يَجِبُ أَيْضًا الإِيمَانُ بِنَعِيمِهِ. فَمِنْ نَعِيمِ الْقَبْرِ: أَنْ يُوَسَّعَ قَبْرُ الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ، وَمَنْ شَاءَ اللهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ الأَتْقِيَاءِ، سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا، وَأَنْ يُنَوَّرَ قَبْرُهُ بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَأَنْ يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً آخِرَهُ، وَيَشُمَّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ الَّتِي تَكُونُ أَلَذَّ لَهُ مِنْ كُلِّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ، وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ؟ فَهُوَ قَائِلٌ مَا كَانَ يَقُولُ قَبْلَ الْمَوْتِ». فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَامِلًا قَالَ: «هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». فَيَقُولَانِ لَهُ: «إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَقُولُ ذَلِكَ»، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: «نَمْ»، فَيَنَامُ كَنَوْمِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَزِيدُ التَّوْسِيعُ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ فَيَتَّسِعُ قَبْرُهُمْ مَدَّ الْبَصَرِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ. فَقَدْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَكَانَ قَائِدًا لِلْجَيْشِ، فَأَرَادَ أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ وَلَمْ يَجِدْ سَفِينَةً؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ أَخَذَ السُّفُنَ وَهَرَبَ بِهَا، فَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، يَا عَلِيُّ يَا كَرِيمُ»، وَخَاضَ الْبَحْرَ، فَلَمْ تَبْتَلَّ رُكْبَتُهُ؛ جَعَلَ اللهُ لَهُ الْبَحْرَ كَالأَرْضِ الْيَابِسَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَيْشِ: «خُوضُوا»، فَخَاضُوا وَقَطَعُوا مِنْ دُونِ تَعَبٍ حَتَّى لَحِقُوا بِالْعَدُوِّ فَظَفِرُوا بِهِمْ وَكَسَرُوهُمْ.
ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ تُوُفِّيَ هَذَا الْقَائِدُ فِي أَرْضٍ بَرِّيَّةٍ، فَحَفَرُوا لَهُ وَدَفَنُوهُ؛ لِأَنَّ مِنْ إِكْرَامِ الْمَيِّتِ التَّعْجِيلَ بِدَفْنِهِ. ثُمَّ لَمَّا تَجَاوَزُوا مَكَانَ دَفْنِهِ لَقُوا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا الَّذِي دَفَنْتُمُوهُ؟» قَالُوا: «هَذَا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ»، فَقَالَ: «مَا جَزَاءُ صَاحِبِكُمْ أَنْ تَتْرُكُوهُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ، فِيهَا سِبَاعٌ تَحْفِرُ لِتَأْكُلَ الْجُثَّةَ!» فَرَجَعُوا لِيَنْقُلُوهُ، فَحَفَرُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَإِنَّمَا وَجَدُوا الْقَبْرَ مُمْتَدًّا مَدَّ الْبَصَرِ وَكُلَّهُ أَنْوَارٌ، أَمَّا جَسَدُهُ فَلَمْ يَرَوْهُ، فَقَدْ رُفِعَ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللهُ. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ نَعِيمَ الْقَبْرِ وَكَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللهِ تَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَفَضْلِهِ.
خَاتِمَةٌ
وَخُلَاصَةُ مَا تَقَدَّمَ: أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ حَقٌّ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَأَنَّهُ مِنْ مُكَمِّلَاتِ الإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الآخِرِ. فَالْكَافِرُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَعُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ مَنْ يُعْفَى وَمَنْ يُعَذَّبُ. وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الأَحَادِيثُ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمُرُ أُمَّتَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ. وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنْ جَعَلَ لِعِبَادِهِ أَسْبَابًا لِلنَّجَاةِ وَالسَّلَامَةِ؛ كَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ الْمُلْكِ، وَنَيْلِ الشَّهَادَةِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالْحِفَاظِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَتَرْكِ النَّمِيمَةِ وَمَا يُغْضِبُ اللهَ تَعَالَى. فَطُوبَى لِمَنْ اسْتَعَدَّ لِقَبْرِهِ بِالتَّقْوَى، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الْلقَاءِ، وَبِدَايَةُ السَّفَرِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ.