﴿اللَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
أَخْلِصُوا النِّيَّةَ لِلَّهِ
﴿اللَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ﴾
أَيْ: لَا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ عَلَى الإِطْلَاقِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، فَهُوَ وَحْدَهُ المَعْبُودُ بِالحَقِّ، وَمَا سِوَاهُ مَعْبُودٌ بِالبَاطِلِ.
﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
أَيْ: هُوَ سُبْحَانَهُ حَيٌّ حَيَاةً أَزَلِيَّةً أَبَدِيَّةً، لَا بَدَاءَةَ لَهَا وَلَا نِهَايَةَ، لَيْسَتْ كَحَيَاةِ المَخْلُوقِينَ المُرَكَّبَةِ مِنْ رُوحٍ وَدَمٍ وَجَسَدٍ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ. وَهُوَ القَيُّومُ: أَيْ القَائِمُ بِنَفْسِهِ، الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالقَائِمُ عَلَى غَيْرِهِ بِالتَّدْبِيرِ وَالحِفْظِ وَالإِمْدَادِ، فَكُلُّ شَيْءٍ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
أَيْ: لَا يُصِيبُهُ نُعَاسٌ وَلَا نَوْمٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ العَجْزِ وَالنَّقْصِ، وَمُنَزَّهٌ عَنِ التَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَالانْفِعَالِ؛ فَإِنَّ النُّعَاسَ وَالنَّوْمَ مِنْ خَصَائِصِ المَخْلُوقِ الضَّعِيفِ.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾
أَيْ: هُوَ المَالِكُ المَلِكُ الحَقُّ لِكُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؛ مِنْ ذَوِي العُقُولِ كَالمَلَائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالجِنِّ، وَمِنْ غَيْرِ ذَوِي العُقُولِ كَالبَهَائِمِ وَالجَمَادَاتِ، كُلُّهُمْ مُلْكُهُ وَعَبِيدُهُ تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
أَيْ: لَا يَتَجَرَّأُ أَحَدٌ عَلَى الشَّفَاعَةِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ، فَالشَّفَاعَةُ كُلُّهَا مِلْكُهُ وَأَمْرُهَا إِلَيْهِ. وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَكُونُ شَفَاعَةُ المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالعُلَمَاءِ العَامِلِينَ لِبَعْضِ عُصَاةِ المُسْلِمِينَ، وَلَا تَقَعُ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾
أَيْ: يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَمَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ، وَمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ؛ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِ خَلْقِهِ، وَلَا مِنْ سِرِّهِمْ وَعَلَانِيَتِهِمْ.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
أَيْ: إِنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّهُمْ—مَلَائِكَةً وَإِنْسًا وَجِنًّا—لَا يُدْرِكُونَ شَيْئًا مِنْ مَعْلُومَاتِهِ إِدْرَاكًا مُحِيطًا، وَلَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ وَشَاءَ أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَعِلْمُهُمْ مَوْهُوبٌ، وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ ذَاتِيٌّ كَامِلٌ لَا حَدَّ لَهُ.
﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
أَيْ: أَنَّ الكُرْسِيَّ جِرْمٌ عَظِيمٌ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ تَحْتَ العَرْشِ، وَقَدْ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ؛ دَلَالَةً عَلَى عَظَمَةِ خَلْقِ اللهِ وَجَلَالِ سُلْطَانِهِ.
﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾
أَيْ: لَا يُتْعِبُهُ وَلَا يُثْقِلُ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا؛ فَهُوَ خَالِقُهُمَا بِغَيْرِ تَعَبٍ، وَحَافِظُهُمَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾
أَيْ: هُوَ تَعَالَى عَالِي القَدْرِ وَالمَنْزِلَةِ وَالقَهْرِ وَالسُّلْطَانِ، وَلَيْسَ المُرَادُ عُلُوَّ المَكَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الجِهَةِ وَالمَكَانِ، بَلْ هُوَ الأَعْلَى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَالأَعْظَمُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ شَأْنًا، وَالأَقْوَى مِنْ كُلِّ قَوِيٍّ، وَالأَقْدَرُ مِنْ كُلِّ قَادِرٍ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.