مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ يَكْتَمِلُ بِالإِيمَانِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ مَوَاقِفَ وَأَحْوَالٍ عِظَامٍ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا: مَوْقِفُ الْحِسَابِ، ثُمَّ مَا يَتَبَعُهُ مِنْ مَعَانِي الثَّوَابِ وَالْعَذَابِ، وَوُقُوفِ الْخَلْقِ عِنْدَ الْمِيزَانِ، ثُمَّ الِانْتِهَاءُ إِلَى مَصِيرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي قَضَايَا نَظَرِيَّةً تُتْرَكُ بِلَا أَثَرٍ، بَلْ هِيَ حَقَائِقُ إِيمَانِيَّةٌ تَغْرِسُ فِي الْقَلْبِ الْمُرَاقَبَةَ وَالْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ، وَتَدْفَعُ الْعَبْدَ إِلَى الِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي تُعْرَضُ فِيهِ الأَعْمَالُ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَيُؤْخَذُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِمَا كَسَبَ.
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ الْحِسَابِ وَمَعْنَى عَرْضِ الأَعْمَالِ
الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ؛ أَيْ: إِنَّ الْعَبْدَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَاعْتِقَادٍ، فَيَطَّلِعُ عَلَى صَحِيفَتِهِ، وَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَا صَنَعْتَ، وَهَذَا مَا قَدَّمْتَ. وَفِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ يُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ كِتَابَ عَمَلِهِ، وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبَهُ الْمَلَكَانِ: رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ، فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ مَجَالٌ لِلْجَحْدِ أَوِ الِادِّعَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، إِذْ تَحْفَظُ الْمَلَائِكَةُ كُلَّ مَا كَانَ، وَتُثْبِتُهُ فِي صَحَائِفَ لَا تَخُونُ وَلَا تَنْسَى.
ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ أَخْذِ الْكِتَابِ… بَيْنَ يَمِينِ الْمُؤْمِنِ وَشِمَالِ الْكَافِرِ
وَمِنْ أَوَّلِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ فَرْقُ الْمَصِيرِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بُشْرَى لَهُ وَدَلِيلَ نَجَاتِهِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ خِزْيًا وَفَضِيحَةً، وَإِعْلَانًا بِسُوءِ مَصِيرِهِ. وَهَذَا الْكِتَابُ لَيْسَ كِتَابًا مُتَخَيَّلًا، بَلْ هُوَ سِجِلٌّ مَكْتُوبٌ بِالْحَقِّ، شَهِدَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ لَا تَعْصِي اللهَ مَا أَمَرَهَا.
ثَالِثًا: تَكْلِيمُ اللهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعًا وَشَرَفُ الأَنْبِيَاءِ فِي السُّؤَالِ
وَمِنْ أَعْظَمِ مَعَانِي الْحِسَابِ أَنَّهُ يَكُونُ بِتَكْلِيمِ اللهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ؛ فَلَا يَبْقَى إِنْسَانٌ إِلَّا وَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَيَسْمَعُ الْعَبْدُ كَلَامَ اللهِ الأَزَلِيَّ الَّذِي لَيْسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً، وَيَفْهَمُ مِنْهُ مَا يُرِيدُهُ اللهُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ.
أَمَّا الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَا يُحَاسَبُونَ حِسَابَ المُؤَاخَذَةِ، بَلْ يُسْأَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِمْ وَرِفْعَةِ مَقَامِهِمْ: هَلْ بَلَّغْتُمْ أَقْوَامَكُمْ؟ فَيَكُونُ سُؤَالُهُمْ تَشْهِيرًا بِفَضْلِهِمْ وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَى أُمَمِهِمْ.
رَابِعًا: سُرُورُ الْمُؤْمِنِ وَخَوْفُ الْكَافِرِ وَسُرْعَةُ انْتِهَاءِ الْحِسَابِ
إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُؤْمِنًا تَقِيًّا سُرَّ بِذَلِكَ الْمَوْقِفِ، لِأَنَّهُ يَرَى مَآلَهُ وَبُشْرَاهُ، وَيَرْجُو مَا عِنْدَ رَبِّهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَسُرُّهُ ذَلِكَ، بَلْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ، لِأَنَّهُ يُوقِنُ أَنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَى عَذَابٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَرَّطَ فِيهِ سَيُرَدُّ عَلَيْهِ وَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ. وَمَعَ كَثْرَةِ الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، فَإِنَّ حِسَابَهُمْ يَنْتَهِي فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ؛ لِأَنَّ تَكْلِيمَ اللهِ لَهُمْ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ، فَلَوْ كَانَ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ لَاسْتَغْرَقَ الْحِسَابُ أَزْمَانًا طَوِيلَةً جِدًّا، وَلَمَا انْقَضَى فِي مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ، لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ، وَلِأَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، أَيْ: أَنَّهُ أَسْرَعُ مِنْ كُلِّ حَاسِبٍ، وَأَنَّ حِسَابَهُ مُحِيطٌ وَسَرِيعٌ لَا يُشْبِهُ حِسَابَ الْخَلْقِ بِحَالٍ.
خَامِسًا: مَعْنَى الثَّوَابِ وَأَنَّهُ فَضْلٌ وَوَعْدٌ حَقٌّ
الثَّوَابُ هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يُجَازَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي الآخِرَةِ عَلَى عَمَلِهِ الصَّالِحِ مِمَّا يَسُرُّهُ وَيُفْرِحُهُ. وَالثَّوَابُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَجِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُثِيبَ الطَّائِعِينَ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَعَدَهُمْ بِالثَّوَابِ، وَوَعْدُهُ حَقٌّ، وَاللهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَكُلُّ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَدَقَ فِي إِيمَانِهِ وَعَمِلَ بِمَا يُرْضِي رَبَّهُ فَلَهُ مِنَ الْجَزَاءِ مَا يَبْهَجُهُ وَيُقِرُّ عَيْنَهُ.
سَادِسًا: مَعْنَى الْعَذَابِ وَصُوَرٌ مِنْ أَهْوَالِهِ فِي الْمَوْقِفِ
أَمَّا الْعَذَابُ فَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي يُجَازَى بِهِ الْعَبْدُ فِي الآخِرَةِ مِمَّا يَسُوءُهُ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ سَيِّئَاتٍ. وَمِنْ صُوَرِهِ: أَذَى حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِذْ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَكُونَ بِمِقْدَارِ مِيلٍ؛ أَيْ: أَلْفَيْ ذِرَاعٍ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّاسَ يَعْرَقُونَ عَرَقًا يَتَفَاوَتُ فِي شِدَّتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْعَجُزِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى الْخَاصِرَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَسَطَ فِيهِ. فَهَذَا الْمَوْقِفُ مُفْزِعٌ، يَشْهَدُ فِيهِ النَّاسُ مَا لَا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَتَمَنَّى الْبَعْضُ مِنْ شِدَّتِهِ زَوَالَ ذَلِكَ الْعَذَابِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ عَاقَبَهُ اللهُ فَبِعَدْلِهِ، وَاللهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ لِكُلِّ شَيْءٍ، يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُ ظُلْمٌ، إِذِ الظُّلْمُ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ آمِرٌ وَنَاهٍ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ آمِرٌ وَلَا نَاهٍ، وَقَدْ قَالَ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
سَابِعًا: الإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ وَحَقِيقَةُ مَا يُوزَنُ فِيهِ
وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالْمِيزَانِ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾. وَالَّذِي يَتَوَلَّى وَزْنَهُ: الْمَلَكَانِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَالَّذِي يُوزَنُ هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِي كُتِبَتْ فِيهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ. وَالْمِيزَانُ مِنْ حَيْثُ التَّرْكِيبُ كَمِيزَانِ الدُّنْيَا، لَكِنَّهُ أَكْبَرُ حَجْمًا، لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ: كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ، وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ.
فَتُوضَعُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِي كَفَّةٍ، وَصَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِي الْكَفَّةِ الأُخْرَى؛ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَالْفَوْزِ، يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ. وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا، لَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً، فَيَمْكُثُ عَلَى الأَعْرَافِ مُدَّةً ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَالأَعْرَافُ هُوَ سُورُ الْجَنَّةِ، وَسُورُهَا عَرِيضٌ وَاسِعٌ.
أَمَّا مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ مُدَّةً فِي النَّارِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَهُ حَسَنَاتٌ وَلَا سَيِّئَاتَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتُوضَعُ سَيِّئَاتُهُ فِي كَفَّةٍ فَتَرْجَحُ كَفَّتُهَا، لِأَنَّهُ لَا حَسَنَاتَ لَهُ فِي الآخِرَةِ؛ فَإِنَّ حَسَنَاتِهِ يُجَازَى عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ».
ثَامِنًا: النَّارُ… حَقِيقَتُهَا وَوُجُوبُ الإِيمَانِ بِهَا
وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالنَّارِ، أَيْ: جَهَنَّمَ، وَهِيَ دَارُ الْعَذَابِ الدَّائِمِ لِلْكَافِرِينَ، وَيُعَذَّبُ فِيهَا بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا. وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ الآنَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. وَهِيَ لَا تَفْنَى وَلَا يَفْنَى أَهْلُهَا؛ فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا تَفْنَى فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَكَفَرَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ فَلَا تَخْفِيفَ عَنْهُمْ، بَلْ يَزْدَادُ عَذَابُهُمْ.
تَاسِعًا: مِنْ أَوْصَافِ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَشِدَّتِهِ عَلَى الْكُفَّارِ
يَزِيدُ اللهُ فِي حَجْمِ الْكَافِرِ فِي النَّارِ لِيَزْدَادَ عَذَابًا؛ حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ، وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَغِلْظُ جِلْدِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَتَأْكُلُهُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ؛ فَلَوْ كَانَتْ خِلْقَتُهُ كَمَا هِيَ فِي الدُّنْيَا لَذَابَ بِلَحْظَةٍ. وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَمُوتُ فَيَرْتَاحَ، وَلَا يَحْيَا حَيَاةً هَنِيئَةً، بَلْ يَبْقَى فِي نَكَدٍ وَعَذَابٍ لَا يَنْقَطِعُ.
وَنَارُ جَهَنَّمَ تَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَتَكْسِرُ الْعَظْمَ، وَتَسْتَوْلِي عَلَى الْقُلُوبِ؛ وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الأَلَمِ أَلَمُ الْقَلْبِ إِذَا تَطَلَّعَتِ النَّارُ إِلَى الأَفْئِدَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾.
عَاشِرًا: طَعَامُ أَهْلِ النَّارِ وَشَرَابُهُمْ وَثِيَابُهُمْ
طَعَامُ الْكُفَّارِ فِي جَهَنَّمَ مِنْ ضَرِيعٍ، وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. وَيَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ۞ طَعَامُ الأَثِيمِ ۞ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، وَمَنْظَرُهَا قَبِيحٌ جِدًّا وَرَائِحَتُهَا كَرِيهَةٌ لَا تُطَاقُ.
وَأَمَّا شَرَابُهُمْ فَهُوَ الْحَمِيمُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْمُتَنَاهِي فِي الْحَرَارَةِ، وَالْغَسَّاقُ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ، يُسْقَوْنَ مِنْهُ فَتَتَقَطَّعُ أَمْعَاؤُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ۞ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. وَثِيَابُهُمْ مِنْ نَارٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾.
حَادِيَ عَشَرَ: الْحَيَّاتُ وَالْعَقَارِبُ فِي جَهَنَّمَ وَزِيَادَةُ الْعَذَابِ
وَيُوجَدُ فِي جَهَنَّمَ حَيَّاتٌ؛ الْحَيَّةُ الْوَاحِدَةُ كَالْوَادِي، وَعَقَارِبُ كَالْبِغَالِ، لَا تَتَأَثَّرُ بِالنَّارِ، تَلْسَعُ الْكُفَّارَ وَتُعَذِّبُهُمْ فَوْقَ عَذَابِهِمْ بِالنَّارِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: «يَا رَبِّ، أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا»، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا يَجِدُهُ النَّاسُ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا يَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، وَالزَّمْهَرِيرُ: شِدَّةُ الْبَرْدِ.
وَقَدْ قَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ كَلِمَةً تُلَخِّصُ مَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ: إِنَّهُ تَخَيَّلَ نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَأْكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَيَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِهَا وَيَتَعَثَّرُ بِأَغْلَالِهَا، فَقَالَ لِنَفْسِهِ: «مَا تُرِيدِينَ؟» فَقَالَتْ: «الْعَوْدُ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا»، فَقَالَ: «أَنْتِ الآنَ فِي الأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي»، فَنَحْنُ فِي الدُّنْيَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَتَمَنَّاهُ الإِنْسَانُ لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْعَذَابِ. فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُجِيرَنَا مِنَ النَّارِ.
ثَانِيَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ النَّارِ وَأَنَّهَا لَا تَفْنَى
وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ لَا تَفْنَى. وَقَدْ نُقِلَ الإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَقَلَ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي رِسَالَتِهِ «الِاعْتِبَارُ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ» الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَفْنَى، وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ فِي بَقَائِهَا كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي «الْفِقْهِ الأَكْبَرِ»: «وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ الآنَ وَلَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا».
وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا ۞ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾؛ فَلَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ النَّارَ تَفْنَى وَأَنَّ الْكُفَّارَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَلَا يُوجَدُ فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَنْزِلَتَانِ: إِمَّا جَنَّةٌ وَإِمَّا نَارٌ؟
ثَالِثَ عَشَرَ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَدَّعِي أَنَّ اللهَ يَعْفُو عَنْ كَافِرٍ لِكَرَمِهِ أَوْ لِرُجُوعِهِ فِي وَعِيدِهِ
إِنَّ الْكَافِرَ مَحْرُومٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى وَإِنْ وَسِعَتْ فِي الدُّنْيَا كُلَّ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أَيْ: أَخُصُّهَا فِي الآخِرَةِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو عَنْ أَبِي لَهَبٍ أَوْ عَنْ كَافِرٍ لِأَنَّهُ كَرِيمٌ وَأَنَّ اللهَ يَرْجِعُ فِي وَعِيدِهِ؛ فَهَذَا زَعْمٌ مُصَادِمٌ لِلْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ يَصْلَى النَّارَ، فَقَالَ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾. وَقَوْلُ اللهِ صِدْقٌ لَا يَتَغَيَّرُ، فَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَنِسْبَةُ التَّخَلُّفِ إِلَى خَبَرِهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ لِلْكَذِبِ، وَالْكَذِبُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللهِ. فَمَنْ شَبَّهَ وَعِيدَ اللهِ بِوَعِيدِ الْخَلْقِ فَقَدْ أَسَاءَ وَانْحَرَفَ، وَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ قَوْلَكَ يَلْزَمُ مِنْهُ نِسْبَةُ الْكَذِبِ إِلَى اللهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مَرْدُودٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْحُكْمَ بِبَقَاءِ أَبِي لَهَبٍ وَامْرَأَتِهِ فِي النَّارِ مَشْرُوطٌ بِبَقَائِهِمَا عَلَى الْكُفْرِ إِلَى الْوَفَاةِ، فَلَمَّا مَاتَا عَلَى الْكُفْرِ صَدَقَ الإِخْبَارُ عَنْهُمَا، فَفِيهِ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ إِذْ أَخْبَرَ الْقُرْآنُ عَنْ مَصِيرِهِمَا قَبْلَ وُقُوعِهِ. وَإِنَّ مِنْ مَصَائِبِ زَمَانِنَا كَثْرَةَ الْمُحَرِّفِينَ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الضَّلَالَ بِاسْمِ الدِّينِ، فَيَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ.
رَابِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْتَفِعُ فِي الآخِرَةِ بِحَسَنَاتِهِ
وَمِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْتَفِعُ فِي الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنْ حَسَنَاتٍ فِي الدُّنْيَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾؛ فَشَبَّهَ اللهُ أَعْمَالَهُمْ بِالرَّمَادِ الَّذِي تَذْهَبُ بِهِ الرِّيحُ فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الإِيمَانَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ. فَالْكَافِرُ إِنْ تَصَدَّقَ، أَوْ سَاعَدَ الْفُقَرَاءَ، أَوْ أَغَاثَ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُثِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الآخِرَةِ، وَلَكِنَّهُ يُجَازِيهِ فِي الدُّنْيَا بِالرِّزْقِ وَالصِّحَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا…». وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْتَفِعُ فِي الآخِرَةِ بِأَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ لَا بِتَخْفِيفِ عَذَابٍ وَلَا بِنَعِيمٍ.
وَمِنْ ثَمَّ يُفْهَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْكَافِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، وَلِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾. وَعَلَى هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا» لِلْكَافِرِ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ الدُّعَاءِ لَهُ بِثَوَابِ الآخِرَةِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ يَكْتُبَ اللهُ لَهُ ثَوَابًا، وَهَذَا لَا يَكُونُ لِلْكَافِرِ فِي الآخِرَةِ، أَمَّا إِنْ قُصِدَ بِهِ جَزَاءُ الدُّنْيَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ؛ لِأَنَّ اللهَ يَجْزِي الْكُفَّارَ فِي الدُّنْيَا.
خَامِسَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ عَلَى حِرْمَانِ الْكَافِرِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَأَنَّهُ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ
وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى حِرْمَانِ الْكَافِرِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فِي الآخِرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ مُنَادَاةِ أَصْحَابِ النَّارِ لِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ فَهُمْ يُحْرَمُونَ مِنَ الْمَاءِ الْمُرْوِيِّ وَالرِّزْقِ النَّافِعِ، وَلَا يَجِدُونَ إِلَّا الْحَمِيمَ وَالْغَسَّاقَ؛ جَزَاءً عَلَى إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الإِيمَانِ وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ.
وَكَذَلِكَ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. وَوَرَدَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَسْتَغِيثُونَ بِمَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ، فَيُجِيبُهُمْ بَعْدَ أَلْفِ سَنَةٍ إِذْلَالًا لَهُمْ، وَلَا يَطْلُبُونَ خُرُوجًا، بَلْ يَطْلُبُونَ الْمَوْتَ مِنْ شِدَّةِ مَا يَلْقَوْنَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. فَهَذَا أَبْلَغُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّ الْعَذَابَ دَائِمٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ عَنْهُمْ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي يَطْمَعُونَ فِيهَا قَدْ حُرِمُوهَا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَاسْتِكْبَارِهِمْ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ مَوْقِفَ الْحِسَابِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْمِيزَانِ وَالثَّوَابِ وَالْعَذَابِ، ثُمَّ الِانْتِهَاءُ إِلَى جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، لَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَزَعُ الْقَلْبَ وَيُحَرِّكُ الْوَعْيَ وَيُصَحِّحُ مَسَارَ الإِنْسَانِ. فَمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ سَيُعْطَى كِتَابَهُ، وَسَيُسْأَلُ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ وَاعْتِقَادٍ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ سَيَنْصِبُ لَهُ فَيُوزَنُ مَا خَطَّتْهُ صَحَائِفُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ التَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ وَتَجْدِيدِ الْعَهْدِ مَعَ اللهِ. فَاللهُمَّ ارْزُقْنَا حُسْنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِيَامَةِ، وَاجْعَلْ كِتَابَنَا بِيَمِينِنَا، وَثَقِّلْ مَوَازِينَ حَسَنَاتِنَا، وَأَجِرْنَا مِنَ النَّارِ.