مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مَشَاهِدَ الآخِرَةِ تَتَتَابَعُ عَلَى العَبْدِ تَتَابُعًا يُزَلْزِلُ القُلُوبَ، وَيَكْشِفُ الحَقَائِقَ كَشْفًا لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ وَلَا تَرَدُّدٌ. فَبَعْدَ الحِسَابِ وَالْمِيزَانِ تَأْتِي مَرَاحِلُ الفَصْلِ وَالحَسْمِ، حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ، ثُمَّ يَرِدُونَ الحَوْضَ، وَتَتَجَلَّى الشَّفَاعَةُ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَيَنْتَهِي المَسِيرُ إِلَى مَقَامِ النَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي الجَنَّةِ، أَوْ إِلَى دَارِ العَذَابِ فِي النَّارِ. وَهَذِهِ المَعَانِي لَيْسَتْ سَرْدًا فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَحَطَّاتٌ تُرَبِّي الإِيمَانَ، وَتُحْيِي فِي القَلْبِ الخَوْفَ وَالرَّجَاءَ، وَتَدْعُو العَبْدَ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ.
أَوَّلًا: الصِّرَاطُ… حَقِيقَتُهُ وَوُجُوبُ الإِيمَانِ بِهِ
يَجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يُؤْمِنَ بِالصِّرَاطِ؛ فَهُوَ جِسْرٌ عَرِيضٌ يُمَدُّ فَوْقَ جَهَنَّمَ، وَيَرِدُهُ النَّاسُ جَمِيعًا، فَلَا يَتَخَلَّفُ أَحَدٌ عَنْهُ. وَعِنْدَ الصِّرَاطِ تَتَجَلَّى مَعَانِي العَدْلِ وَالحِكْمَةِ، وَيَنْقَسِمُ النَّاسُ إِلَى نَاجٍ وَهَالِكٍ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ فَيَسْلَمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْقُطُ فِي النَّارِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مَوْطِنٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ أَثَرُ الطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ، وَحَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَالكُفْرِ.
ثَانِيًا: مَصِيرُ الكُفَّارِ وَالعُصَاةِ عَلَى الصِّرَاطِ
أَمَّا الكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ يَقَعُونَ مِنَ الصِّرَاطِ فِي ابْتِدَاءِ وُرُودِهِمْ، فَلَا يَمْلِكُونَ نَجَاةً وَلَا سَلَامَةً، لِأَنَّهُمْ قَدْ خَسِرُوا أَصْلَ الإِيمَانِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ النَّجَاةِ. وَأَمَّا بَعْضُ عُصَاةِ المُسْلِمِينَ فَقَدْ يَمْشُونَ عَلَيْهِ مَسَافَةً، ثُمَّ تَزِلُّ بِهِمُ الأَقْدَامُ فَيَقَعُونَ فِي جَهَنَّمَ؛ جَزَاءً عَلَى مَا اقْتَرَفُوا مِنَ الذُّنُوبِ، وَعَلَى قَدْرِ مَا وَجَدَ فِي صَحَائِفِهِمْ مِنَ المَعَاصِي وَالتَّفْرِيطِ.
وَمِنَ العُصَاةِ مَنْ تَأْخُذُهُ الكَلَالِيبُ الَّتِي عَلَى جَانِبَيِ الصِّرَاطِ، فَيَكَادُ أَنْ يَهْوِيَ، ثُمَّ تُفْلِتُهُ بِفَضْلِ اللهِ فَيَمُرُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْبُرُ الصِّرَاطَ مَشْيًا، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ وَمِقْدَارِ مَا تَحَمَّلَ مِنْ أَوْزَارٍ.
ثَالِثًا: عُبُورُ الصَّالِحِينَ… مَرُّوا عَلَى النَّارِ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرِدُ الصِّرَاطَ وُرُودَ مُرُورٍ فِي هَوَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ قَدَمُهُ، وَهُؤُلَاءِ هُمُ الصَّالِحُونَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ الخَاطِفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاعَتِهِمْ وَعِظَمِ إِخْلَاصِهِمْ وَصِدْقِهِمْ فِي عَمَلِهِمْ. وَيَصْدُقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ وَرَدُوا النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلُوهَا، لِأَنَّ الوُرُودَ المَذْكُورَ فِي القُرْآنِ لَيْسَ شَرْطُهُ الدُّخُولَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛ فَلَيْسَ الوُرُودُ هُنَا مُسَاوِيًا لِلدُّخُولِ، بَلْ يَتَحَقَّقُ بِالْمُرُورِ عَلَيْهَا وَمُقَارَبَتِهَا.
وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالأَطْفَالَ لَا يَدْخُلُونَ النَّارَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
رَابِعًا: مَوْقِعُ الصِّرَاطِ وَوَصْفُ خَطَرِهِ
الصِّرَاطُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِي الأَرْضِ المُبَدَّلَةِ، وَطَرَفُهُ الآخَرُ فِيمَا يَلِي الجَنَّةَ بَعْدَ النَّارِ؛ أَيْ: قَبْلَ الجَنَّةِ وَبَعْدَ النَّارِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي وَصْفِهِ أَنَّهُ «دَحْضٌ مَزَلَّةٌ»؛ أَيْ: أَمْلَسُ تَزِلُّ مِنْهُ الأَقْدَامُ. أَمَّا مَا وَرَدَ أَنَّهُ «أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ» فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ وَصْفُ خَطَرِهِ وَهَوْلِهِ، لَا أَنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ دَقِيقٌ كَالشَّعْرِ، فَهُوَ عَرِيضٌ وَلَكِنَّهُ مُخَوِّفٌ؛ لِأَنَّهُ أَمْلَسُ يُخْشَى الِانْزِلَاقُ مِنْهُ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الأَعْمَالَ هِيَ الَّتِي تَجْرِي بِالنَّاسِ عَلَى الصِّرَاطِ؛ فَيَكُونُ يُسْرُ العُبُورِ وَعُسْرُهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالمَعَاصِي، فَمَنْ ثَقُلَتْ طَاعَتُهُ خَفَّ عُبُورُهُ، وَمَنْ كَثُرَتْ مَعَاصِيهِ ثَقُلَ مَشْيُهُ وَتَعَثَّرَ قَدَمُهُ.
خَامِسًا: الحَوْضُ… شَرَابُ الكَرَامَةِ بَعْدَ الصِّرَاطِ
وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالحَوْضِ، وَهُوَ مَكَانٌ أَعَدَّ اللهُ فِيهِ شَرَابًا لِأَهْلِ الجَنَّةِ، يَشْرَبُونَ مِنْهُ بَعْدَ عُبُورِ الصِّرَاطِ وَقَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَلَا يُصِيبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ظَمَأٌ أَبَدًا.
فَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ تَلَذُّذًا وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْرَبُ عَطَشًا وَهُمُ العُصَاةُ؛ فَكُلٌّ يَرِدُهُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا مِنْ مَوَاقِفِ يَوْمِ القِيَامَةِ. وَلِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ حَوْضٌ تَشْرَبُ مِنْهُ أُمَّتُهُ، وَأَكْبَرُ الأَحْوَاضِ حَوْضُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ طُولُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَعَرْضُهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَعَلَيْهِ أَكْوَابٌ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَيَنْصَبُّ فِيهِ مِنْ مَاءِ الجَنَّةِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا».
سَادِسًا: الشَّفَاعَةُ فِي الآخِرَةِ… رَحْمَةٌ لِلْعُصَاةِ وَفَضْلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالشَّفَاعَةِ، وَهِيَ طَلَبُ إِسْقَاطِ العِقَابِ عَنْ بَعْضِ العُصَاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. فَيَشْفَعُ الأَنْبِيَاءُ وَالمَلَائِكَةُ وَالعُلَمَاءُ العَامِلُونَ وَشُهَدَاءُ المَعْرَكَةِ، وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».
وَتَكُونُ الشَّفَاعَةُ لِبَعْضِ العُصَاةِ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ، وَتَكُونُ لِبَعْضٍ بَعْدَ دُخُولِهِمْ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ المُدَّةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ».
وَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ عُصَاةِ المُسْلِمِينَ النَّارَ، فَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِنَجَاةِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِهَا؛ لأَنَّ الشَّفَاعَةَ إِنَّمَا تَقَعُ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ. أَمَّا الأَتْقِيَاءُ وَالَّذِينَ مَاتُوا تَائِبِينَ فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الشَّفَاعَةِ.
وَأَمَّا الكُفَّارُ فَلَا شَفَاعَةَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾؛ أَيْ: لِمَنْ ارْتَضَى الإِسْلَامَ دِينًا، وَمَاتَ عَلَى الإِيمَانِ.
سَابِعًا: الشَّفَاعَةُ العُظْمَى… مَقَامُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي خَلَاصِ الخَلْقِ مِنْ كَرْبِ المَوْقِفِ
وَلِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الشَّفَاعَةُ العُظْمَى، وَهِيَ شَفَاعَةٌ عَامَّةٌ لَا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِهِ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِتَخْلِيصِهِمْ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ وَشِدَّةِ الكَرْبِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
فَإِنَّ النَّاسَ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نَذْهَبُ إِلَى أَبِينَا آدَمَ لِيَشْفَعَ لَنَا إِلَى رَبِّنَا؛ فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَعْتَذِرُ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى نُوحٍ، ثُمَّ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحِيلُهُمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مُوسَى، ثُمَّ مُوسَى إِلَى عِيسَى، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ: لَسْتُ صَاحِبَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ. حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ». فَهُوَ مَقَامٌ جَلِيلٌ يَتَجَلَّى فِيهِ فَضْلُ نَبِيِّنَا ﷺ وَرَحْمَتُهُ بِالخَلْقِ.
ثَامِنًا: الجَنَّةُ… دَارُ النَّعِيمِ الدَّائِمِ وَمَوْطِنُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ
وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِالجَنَّةِ، وَهِيَ دَارُ النَّعِيمِ الدَّائِمِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمَكَانُهَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ الآنَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وَهِيَ لَا تَفْنَى وَلَا يَفْنَى أَهْلُهَا.
وَنَعِيمُ الجَنَّةِ قِسْمَانِ: نَعِيمٌ عَامٌّ لِكُلِّ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَنَعِيمٌ خَاصٌّ لَا يَنَالُهُ إِلَّا الأَتْقِيَاءُ.
تَاسِعًا: النَّعِيمُ العَامُّ… حَيَاةٌ لَا مَوْتَ، وَصِحَّةٌ لَا سَقَمَ، وَشَبَابٌ لَا هَرَمَ
أَمَّا النَّعِيمُ العَامُّ فَهُوَ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ كُلَّهُمْ أَحْيَاءٌ لَا يَمُوتُونَ أَبَدًا، وَكُلَّهُمْ فِي صِحَّةٍ لَا يَمْرَضُونَ أَبَدًا، وَكُلَّهُمْ شَبَابٌ لَا يَهْرَمُونَ أَبَدًا، وَكُلَّهُمْ فِي نَعِيمٍ لَا يَبْأَسُونَ أَبَدًا. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي أَهْلَ الجَنَّةِ بَعْدَ دُخُولِهَا: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا».
عَاشِرًا: النَّعِيمُ الخَاصُّ… مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ
وَأَمَّا النَّعِيمُ الخَاصُّ فَهُوَ مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مِمَّا لَا تَبْلُغُهُ العُقُولُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الخَيَالَاتُ، كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ». فَهِيَ دَارٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الأَقْذَارِ كَالْبَوْلِ وَالغَائِطِ وَالحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالبُصَاقِ وَالمَنِيِّ، فَطَعَامُ أَهْلِهَا وَشَرَابُهُمْ لَا يَتَحَوَّلُ إِلَى بَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهُمْ عَرَقًا كَرَشْحِ المِسْكِ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفِلُونَ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ»، فَقِيلَ: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: «جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ».
حَادِيَ عَشَرَ: صُورَةُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَقُوَّةُ حَوَاسِّهِمْ وَسُهُولَةُ الزِّيَارَاتِ
أَهْلُ الجَنَّةِ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سِتُّونَ ذِرَاعًا طُولًا فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمْ «جُرْدٌ مُرْدٌ» فِي عُمُرِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً؛ أَيْ: لَا شَعَرَ عَلَى أَجْسَادِهِمْ إِلَّا شَعَرُ الرَّأْسِ وَالأَجْفَانِ وَالحَاجِبَيْنِ. وَزِيَارَاتُهُمْ فِيهَا سَهْلَةٌ؛ فَأَحْيَانًا يَطِيرُ سَرِيرُ الشَّخْصِ بِهِ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، وَأَحْيَانًا يَرْكَبُ خُيُولًا لَهَا أَجْنِحَةٌ تَطِيرُ بِهِ. وَأَعْيُنُهُمْ قَوِيَّةٌ تَرَى الشَّخْصَ مِنْ مَسَافَةِ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ.
ثَانِيَ عَشَرَ: صِفَةُ الجَنَّةِ وَبَهَاؤُهَا… نُورٌ وَرَيْحَانٌ وَقُصُورٌ وَأَنْهَارٌ
وَجَاءَ فِي وَصْفِ الجَنَّةِ مَا يُحَرِّكُ القُلُوبَ إِلَى الشَّوْقِ وَيَبْعَثُ النُّفُوسَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا»، ثُمَّ وَصَفَهَا فَقَالَ: «هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، فِي مُقَامٍ أَبَدِيٍّ، فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ».
فَهِيَ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ؛ أَيْ: مُنَوَّرَةٌ لَا ظُلْمَةَ فِيهَا، فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ. وَهِيَ رَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ؛ أَيْ: ذَاتُ خُضْرَةٍ كَثِيرَةٍ مُعْجِبَةِ المَنْظَرِ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ فِيهَا سَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَإِذَا تَحَرَّكَتْ أَشْجَارُهَا صَدَرَ مِنْهَا صَوْتٌ جَمِيلٌ تَمِيلُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ. وَفِيهَا قُصُورٌ عَالِيَةٌ مُشَيَّدَةٌ، وَأَنْهَارٌ جَارِيَةٌ: أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى، وَأَنْهَارٌ مِنْ شَرَابٍ لَذِيذٍ طَاهِرٍ لَا يُسْكِرُ وَلَا يُغَيِّبُ العَقْلَ وَلَا يُصَدِّعُ الرَّأْسَ. وَفِيهَا مِنَ الفَوَاكِهِ كُلُّ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ، كُلُّهَا نَضِيجٌ طَيِّبٌ، وَفِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ أَزْوَاجٌ حِسَانٌ جَمِيلاتٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فِي سُرُورٍ دَائِمٍ وَجَمَالٍ يَظْهَرُ عَلَى وُجُوهِ أَهْلِهَا.
وَلِذَلِكَ لَمَّا سَمِعَ الصَّحَابَةُ هَذَا الوَصْفَ قَالُوا: نَحْنُ المُشَمِّرُونَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ لَهُمْ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللهُ».
خَاتِمَةٌ
هَكَذَا تَتَجَلَّى مَعَالِمُ الطَّرِيقِ بَعْدَ الحِسَابِ: صِرَاطٌ مَمْدُودٌ فَوْقَ جَهَنَّمَ تَجْرِي بِالنَّاسِ عَلَيْهِ أَعْمَالُهُمْ، وَحَوْضٌ يَرْوِي العِطَاشَ رِيًّا لَا ظَمَأَ بَعْدَهُ، وَشَفَاعَةٌ يَجْعَلُهَا اللهُ رَحْمَةً لِبَعْضِ عُصَاةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ جَنَّةٌ هِيَ دَارُ النَّعِيمِ وَالغَايَةُ الكُبْرَى لِكُلِّ مُتَّقٍ. فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَعْبُرُونَ الصِّرَاطَ بِسَلَامٍ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّكَ ﷺ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُونَ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَدْخِلْنَا جَنَّاتِ النَّعِيمِ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.