مُقَدِّمَةٌ
يَتَنَاوَلُ هٰذَا البَابُ بَيَانَ مَعْنَى الرِّدَّةِ وَأَقْسَامِهَا، وَيُوضِّحُ أَمْثِلَةً لِمَا يَكُونُ كُفْرًا اعْتِقَادِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا، ثُمَّ يَذْكُرُ أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِمَنْ وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِلْعَوْدِ إِلَى الإِسْلَامِ، مَعَ ذِكْرِ بَعْضِ القَوَاعِدِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الكُفْرُ، وَبَعْضِ الحَالَاتِ المُسْتَثْنَاةِ مِنَ الكُفْرِ اللَّفْظِيِّ.
أَوَّلًا: أَقْسَامُ الرِّدَّةِ وَأَنْوَاعُهَا
الرِّدَّةُ هِيَ قَطْعُ الإِسْلَامِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: اعْتِقَادَاتٌ، وَأَفْعَالٌ، وَأَقْوَالٌ. أَيْ: أَنَّ الكُفْرَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: كُفْرٌ اعْتِقَادِيٌّ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا. وَكُفْرٌ فِعْلِيٌّ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَتْ: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾. وَكُفْرٌ لَفْظِيٌّ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. وَكُلٌّ مِنَ الأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ مُخْرِجٌ مِنَ الإِسْلَامِ بِمُفْرَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ.
ثَانِيًا: أَمْثِلَةٌ عَلَى الكُفْرِ الاعْتِقَادِيِّ وَالفِعْلِيِّ وَاللَّفْظِيِّ
بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنْ اعْتِقَادَاتٍ كُفْرِيَّةٍ.
كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُ فِي مَكَانٍ، أَوْ أَنَّ لَهُ حَجْمًا، أَوْ شَكْلًا، أَوْ لَوْنًا، أَوْ جِهَةً، أَوِ اعْتِقَادِ أَنَّ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ جَاءَ بِغَيْرِ دِينِ الإِسْلَامِ، أَوْ جَوَّزَ الرَّذَائِلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ.
بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنْ أَفْعَالٍ كُفْرِيَّةٍ.
كَالدَّوْسِ عَلَى المُصْحَفِ، أَوْ رَمْيِهِ فِي القَاذُورَاتِ، أَوِ السُّجُودِ لِصَنَمٍ، أَوْ شَيْطَانٍ.
بَعْضَ الأَمْثِلَةِ عَنْ أَقْوَالٍ كُفْرِيَّةٍ.
كَسَبِّ اللَّهِ، أَوْ سَبِّ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ مَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِالجَنَّةِ، أَوْ بِعَذَابِ النَّارِ، أَوِ الِاسْتِخْفَافِ بِشَعِيرَةٍ مِنْ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالأَذَانِ.
ثَالِثًا: أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالكُفْرِ وَالرِّدَّةِ
مَا حُكْمُ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ فِي حَالِ الغَضَبِ؟
الغَضَبُ لَيْسَ عُذْرًا. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَكْفُرُونَ عِنْدَ الغَضَبِ، يَسُبُّونَ خَالِقَهُمْ، أَوْ يَسُبُّونَ دِينَ الإِسْلَامِ. الإِنْسَانُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَظِّمَ اللَّهَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، إِنْ كَانَ فِي حَالِ الغَضَبِ أَوْ فِي حَالِ الرِّضَى. فَهَنِيئًا لِمَنْ عَمِلَ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ: مَا يُنْجِينِي مِنْ غَضَبِ اللَّهِ؟ قَالَ لَهُ: «لَا تَغْضَبْ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ الغَضَبَ يُؤَدِّي إِلَى سَخَطِ اللَّهِ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ النَّجَاةَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَلَا تَغْضَبْ، أَيْ: اتْرُكِ الغَضَبَ؛ فَإِنَّ الغَضَبَ مَهْلَكَةٌ كَبِيرَةٌ، قَدْ يُوصِلُ الإِنْسَانَ إِلَى الكُفْرِ، وَقَدْ يُوصِلُهُ إِلَى قَتْلِ شَخْصٍ ظُلْمًا، أَوْ إِلَى قَطِيعَةِ رَحِمِهِ، وَقَدْ يُوصِلُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَفَاسِدِ. وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ غَضِبَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلَامِهِ (أَيْ: عَبْدِهِ)، فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟ (أَيْ: كَيْفَ تَضْرِبُ وَلَدَكَ أَوْ غُلَامَكَ هٰذَا الضَّرْبَ الشَّدِيدَ، أَلَسْتَ مُسْلِمًا؟)، فَقَالَ: لَا، مُتَعَمِّدًا، كَفَرَ (لِأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ بِإِرَادَتِهِ).
مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ؟
مَنْ أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، كَفَرَ؛ كَأَنْ أَنْكَرَ أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ، أَوْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، أَوِ اسْتَحَلَّ شُرْبَ الخَمْرِ، أَوْ حَرَّمَ النِّكَاحَ عَلَى الإِطْلَاقِ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْعُ حَثَّ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ كَصَلَاةِ الوِتْرِ.
مَا حُكْمُ مَنِ اسْتَخَفَّ بِاللَّهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ كُتُبِهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ؟
كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِخْفَافٍ وَاسْتِهْزَاءٍ بِاللَّهِ، أَوْ رُسُلِهِ، أَوْ كُتُبِهِ، أَوْ مَلَائِكَتِهِ، أَوْ أَحْكَامِهِ، أَوْ وَعْدِهِ بِالجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، أَوْ وَعِيدِهِ بِالنَّارِ وَالعَذَابِ، أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ، أَيْ: مَا كَانَ مَشْهُورًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ كَالصَّلَاةِ وَالحَجِّ وَالأَذَانِ، فَهُوَ كُفْرٌ.
مَا حُكْمُ مَنِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا كُفْرِيًّا أَوْ فَعَلَ فِعْلًا كُفْرِيًّا أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كُفْرِيَّةٍ فَتَشَهَّدَ مَعَ شَكِّهِ فِي كَوْنِ مَا حَصَلَ مِنْهُ كُفْرًا؟
مَنِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا كُفْرِيًّا، أَوْ فَعَلَ فِعْلًا كُفْرِيًّا، أَوْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ كُفْرِيَّةٍ، لَا يَنْفَعُهُ تَشَهُّدُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي كَوْنِ مَا اعْتَقَدَهُ أَوْ فَعَلَهُ أَوْ نَطَقَ بِهِ كُفْرًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْزِمَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ.
رَابِعًا: قَوَاعِدُ يُعْرَفُ بِهَا الكُفْرُ، وَأَحْكَامُ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ
بَعْضَ القَوَاعِدِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الكُفْرُ:
مَنْ رَضِيَ بِالكُفْرِ، أَوِ اسْتَحْسَنَهُ، أَيْ: اعْتَقَدَهُ شَيْئًا حَسَنًا، أَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ، أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ، كَأَنْ قَالَ لَهُ: اكْفُرْ بِاللَّهِ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، أَوْ أَعَانَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، أَوْ فَرِحَ بِهِ، أَوْ تَمَنَّاهُ، أَوْ سَمَّاهُ إِيمَانًا، أَوْ أَشَارَ عَلَى كَافِرٍ أَنْ يَبْقَى عَلَى الكُفْرِ مُدَّةً، أَوْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ فِي المُسْتَقْبَلِ، أَوْ عَلَّقَ كُفْرَهُ بِحُصُولِ أَمْرٍ، كَأَنْ قَالَ: إِنْ حَصَلَ كَذَا أَكْفُرُ، أَوْ تَرَدَّدَ: هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لَا؟ كَفَرَ. وَكَذَلِكَ إِذَا مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، أَوْ سَمَّى الإِسْلَامَ كُفْرًا، أَوْ قَبَّحَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَسَنٌ، أَوْ حَسَّنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَبِيحٌ، أَوِ اسْتَحْسَنَ المَعْصِيَةَ أَوِ اسْتَحَلَّهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ حَلَالٌ، أَوْ أَنْكَرَ فَرْضًا مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ فَرْضٌ، أَوْ أَنْكَرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بَعْدَ العِلْمِ بِهِ، أَوْ أَوْجَبَ مَا لَيْسَ وَاجِبًا مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ.
مَا حُكْمُ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ؟
مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنْ كَافِرٍ، كَأَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ، كَفَرَ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَتَهُ.
خَامِسًا: حُكْمُ تَكْفِيرِ المُسْلِمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عَامِدًا فَهُوَ كَافِرٌ
مَا حُكْمُ مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا؟
مَنْ كَفَّرَ مُسْلِمًا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَعْلَمُ عَنْهُ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ كُفْرًا، كَفَرَ؛ كَأَنْ قَالَ لَهُ: يَا كَافِرُ، وَأَرَادَ أَنَّ مَا عَلَيْهِ هٰذَا المُسْلِمُ مِنَ الدِّينِ كُفْرٌ؛ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، لِأَنَّهُ سَمَّى الإِسْلَامَ كُفْرًا. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ». فَقَوْلُهُ ﷺ: «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» أَيْ: كَانَ الوِزْرُ عَلَى أَحَدِهِمَا. وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ» أَيْ: إِنْ كَانَ كَافِرًا حَقِيقَةً خَارِجًا مِنَ الإِسْلَامِ فَالوِزْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَنْ كَفَّرَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» أَيْ: وَإِلَّا كَانَ الوِزْرُ عَلَى مَنْ كَفَّرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي ذَنْبٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّهُ كَفَّرَهُ مُتَأَوِّلًا، أَيْ: اعْتَمَدَ عَلَى سَبَبٍ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ ظَنَّهُ مُخْرِجًا مِنَ الإِسْلَامِ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ مُخْرِجًا مِنَ الإِسْلَامِ، كَأَنْ كَفَّرَهُ لِقَتْلِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّهُ ظَنَّ لِجَهْلِهِ أَنَّ مُجَرَّدَ انْتِحَارِهِ كُفْرٌ فَكَفَّرَهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكْفُرَ بِهٰذَا القَوْلِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الإِسْلَامَ الَّذِي عَلَيْهِ هٰذَا الشَّخْصُ المُسْلِمُ كُفْرًا. أَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ: يَا كَافِرُ، وَقَصَدَ أَنَّهُ يُشْبِهُ الكَافِرَ فِي خَسَاسَةِ أَعْمَالِهِ، فَلَا يَكْفُرُ، لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ.
الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ عَامِدًا فَهُوَ كَافِرٌ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»، أَيْ: أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لَا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا، وَلَا يَعْتَبِرُهَا مَعْصِيَةً، يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ عَامًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا، وَلَا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الكَافِرُ. وَالحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
سَادِسًا: الحَالَاتُ المُسْتَثْنَاةُ مِنَ الكُفْرِ اللَّفْظِيِّ وَتَفْصِيلُهَا
بَعْضَ الحَالَاتِ المُسْتَثْنَاةِ مِنَ الكُفْرِ اللَّفْظِيِّ:
يُسْتَثْنَى مِنَ الكُفْرِ اللَّفْظِيِّ حَالَاتٌ لَا يَكْفُرُ فِيهَا قَائِلُهُ: حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْطِقَ بِشَيْءٍ مِنَ الكُفْرِ بِلا إِرَادَةٍ، وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ العَقْلِ، أَيْ: عَدَمُ صَحْوِهِ، وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ بِأَنْ يُكْرَهَ بِالقَتْلِ، وَحَالَةُ الحِكَايَةِ لِكُفْرِ الغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ.
سَبْقُ اللِّسَانِ:
سَبْقُ اللِّسَانِ هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الإِنْسَانُ بِكَلَامٍ كُفْرِيٍّ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ، بَلْ جَرَى الكَلَامُ عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَقُولَهُ بِالمَرَّةِ؛ كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ: وَمَا أَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ.
غَيْبُوبَةِ العَقْلِ:
غَيْبُوبَةُ العَقْلِ أَيْ: عَدَمُ صَحْوِ العَقْلِ. فَمَنْ غَابَ عَقْلُهُ، فَنَطَقَ بِكَلَامٍ كُفْرِيٍّ، لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لِارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ. وَيَشْمَلُ هٰذَا النَّائِمَ وَالمَجْنُونَ وَنَحْوَهُمَا، كَالْوَلِيِّ المُسْتَغْرِقِ فِي حُبِّ اللَّهِ إِذَا غَابَ عَقْلُهُ.
حَالَةُ الإِكْرَاهِ:
أَيْ: أَنْ يَنْطِقَ بِالكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالقَتْلِ وَنَحْوِهِ، أَيْ: مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى المَوْتِ. فَمَنْ نَطَقَ بِالكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالقَتْلِ وَنَحْوِهِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، فَلَا يَكْفُرُ. وَالمُكْرَهُ هُوَ الَّذِي هَدَّدَهُ غَيْرُهُ بِالقَتْلِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالكُفْرِ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ تَهْدِيدِهِ، وَهُوَ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ، وَلَا يَجِدُ طَرِيقَةً لِلْخَلَاصِ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِمَا طُلِبَ مِنْهُ.
حَالَةُ الحِكَايَةِ لِكُفْرِ الغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ:
حَالَةُ الحِكَايَةِ لِكُفْرِ الغَيْرِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ هِيَ أَنْ يَنْقُلَ الشَّخْصُ عَنْ غَيْرِهِ كُفْرِيَّةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ رَاضِيًا بِالكُفْرِ، وَلَا مُسْتَحْسِنًا لَهُ، مَعَ اسْتِعْمَالِ أَدَاةِ الحِكَايَةِ، كَأَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، وَيَذْكُرُ كُفْرَهُ.
سَابِعًا: مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي الرِّدَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكَافِرِ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ
مَاذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ؟
يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ، أَيْ: كُفْرٌ، العَوْدُ فَوْرًا إِلَى الإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِاللِّسَانِ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ. وَلَا يَكْفِي أَنْ يُجْرِيَ اللَّفْظَ بِقَلْبِهِ. وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ هُوَ كُفْرٌ. وَلَا يَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ بِقَوْلِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، بَلْ يَزِيدُهُ ذٰلِكَ إِثْمًا وَكُفْرًا؛ لِأَنَّهُ يَطْلُبُ المَغْفِرَةَ وَهُوَ عَلَى الكُفْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ كُفْرَ الكَافِرِ وَذُنُوبَهُ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
مَا الدَّلِيلُ مِنَ الحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الكَافِرَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ؟
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ (أَيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ)، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَبْدُ المُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ، كَانَ يُطْعِمُهُمُ الكَبِدَ وَالسَّنَامَ (أَيْ: سَنَامَ الإِبِلِ، أَيْ: أَعْلَى ظَهْرِهَا، وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ العَرَبِ)، وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ (أَيْ: تَقْتُلُهُمْ فِي الجِهَادِ). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا شَاءَ اللَّهُ» (لَهُ أَنْ يَقُولَ مِنَ الكَلَامِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ). فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ، قَالَ: مَا أَقُولُ؟ (أَيْ: عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ). قَالَ: قُلِ: «اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي» (أَيْ: احْفَظْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي)، «وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي» (أَيْ: دُلَّنِي عَلَى مَا فِيهِ خَيْرِي وَصَلَاحِي). فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ. ثُمَّ (عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَ) قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي، فَقُلْتَ: قُلِ: «اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي»، فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: قُلِ: «اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ نَفْسِي وَاعْزِمْ لِي عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ». فَهٰذَا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ مَا دَامَ كَافِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، بِدَلِيلِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَا عَلَّمَهُ الِاسْتِغْفَارَ اللَّفْظِيَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ.
ثَامِنًا: بَعْضُ الأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرِّدَّةِ، وَحُكْمُ نِكَاحِ المُرْتَدِّ
بَعْضَ الأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرِّدَّةِ:
مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ بَطَلَ صَوْمُهُ وَتَيَمُّمُهُ، وَيَحْرُمُ أَكْلُ ذَبِيحَتِهِ، وَلَا يَرِثُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ المُسْلِمِينَ، وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُهُ قَرِيبُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَلَا الِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
مَا حُكْمُ نِكَاحِ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ؟
مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ بَطَلَ نِكَاحُهُ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ، وَلَوْ عَادَ إِلَى الإِسْلَامِ، إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ. وَكَذَا يَبْطُلُ نِكَاحُهُ إِنِ ارْتَدَّ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَةِ وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الإِسْلَامِ فِي مُدَّةِ العِدَّةِ. فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِسْلَامِ قَبْلَ انْتِهَاءِ العِدَّةِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ العَقْدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَمُدَّةُ العِدَّةِ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ لِمَنْ تَحِيضُ، وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ قَمَرِيَّةٍ لِمَنْ لَا تَحِيضُ. وَأَمَّا الحَامِلُ فَعِدَّتُهَا تَنْتَهِي بِوَضْعِ الحَمْلِ. وَالمُرْتَدُّ لَا يَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلَا غَيْرِهَا.
خَاتِمَةٌ
وَبِهٰذَا يَكْتَمِلُ بَيَانُ مَعْنَى الرِّدَّةِ وَأَقْسَامِهَا، وَأَمْثِلَتِهَا فِي الِاعْتِقَادِ وَالفِعْلِ وَالقَوْلِ، وَيَتَبَيَّنُ حُكْمُ مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذٰلِكَ، وَالحَالَاتُ الَّتِي يُسْتَثْنَى فِيهَا القَوْلُ عَنِ الحُكْمِ بِالكُفْرِ، ثُمَّ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ رِدَّةٌ مِنَ العَوْدِ فَوْرًا إِلَى الإِسْلَامِ، وَبَعْضُ الأَحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمُرْتَدِّ وَنِكَاحِهِ.