مَقَالٌ فِي تَحقِيقِ نِسبَةِ العِبَارَةِ، وَبَيَانِ مَوقِفِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَالرَّدِّ عَلَى تَحرِيفِ المُشَبِّهَةِ
مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ مَسَائِلَ الصِّفَاتِ مِن أَدَقِّ أَبوَابِ العَقِيدَةِ وَأَجَلِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى وَكَمَالِهِ وَتَنزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ، وَفِي الوَقتِ نَفسِهِ هناك من يحَمِلُ بَعضَ الصِفات على التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ وَالخَوضِ فِي مُتَشَابِهِ النُّصُوصِ عَلَى غَيرِ هُدًى. وَمِن هُنَا كَانَ مَذهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ مَبنِيًّا عَلَى أَصلَينِ عَظِيمَينِ: إِثبَاتِ مَا أَثبَتَهُ اللهُ لِنَفسِهِ وَمَا أَثبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيرِ تَشبِيهٍ وَلَا تَمثِيلٍ، وَتَنزِيهِهِ سُبحَانَهُ عَنِ مَعَانِي الأَجسَامِ وَخَصَائِصِ المَخلُوقَاتِ مِن غَيرِ تَعطِيلٍ وَلَا تَأوِيلٍ يُفضِي إِلَى إِبطَالِ النُّصُوصِ.
وَمِن أَكثَرِ المَسَائِلِ الَّتِي استُغِلَّت فِي إِثَارَةِ الِاضطِرَابِ وَنَشرِ الشُّبَهِ مَسأَلَةُ الِاستِوَاءِ، وَمَا يَدُورُ حَولَهَا مِن عِبَارَاتٍ تُتَنَاقَلُ عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النَّاسِ، حَتَّى صَارَت تُستَعمَلُ أَدَاةً لِتَثبِيتِ مَا لَم يَثبُت، وَإِدخَالِ مَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي مَعَانِي كَلَامِ السَّلَفِ. وَمِن أَشهَرِ تِلكَ العِبَارَاتِ مَا يُشَاعُ عَلَى أَنَّهُ مِن كَلَامِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ وَالكَيفُ مَجهُولٌ»، ثُمَّ يُبنَى عَلَى ذَلِكَ إِثبَاتُ «كَيفٍ» لِلَّهِ، وَجَعلُ الجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ لَوَازِمَ لِفَهمِ الآيَةِ، وَهُوَ مَا يَتَنَافَى مَعَ الأُصُولِ المُحكَمَةِ فِي التَّنزِيهِ، وَمَعَ مَا عُرِفَ عَن أَئِمَّةِ الهُدَى مِن شِدَّةِ الإِنكَارِ عَلَى مَن يَخُوضُ فِي «الكَيفِ» وَيَسأَلُ عَنهُ.
ويَستَدِلُّ بَعضُ النَّاسِ بِمَا يُنسَبُ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مِن عِبَارَةِ: «الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ وَالكَيفُ مَجهُولٌ»، وَيَجعَلُونَهَا أَصلًا فِي إِثبَاتِ كَيفِيَّةٍ لِصِفَةِ الِاستِوَاءِ، وَيَبنُونَ عَلَيهَا مَقَالَاتٍ تَستَتِرُ فِيهَا رَوَائِحُ التَّجسِيمِ وَالتَّشبِيهِ. وَفِي ذَلِكَ خَلَلٌ عَظِيمٌ سَنَدًا وَفَهمًا؛ بَل إِنَّ الصَّحِيحَ الثَّابِتَ عَن مَالِكٍ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ مَا يَذهَبُونَ إِلَيهِ؛ إِذ مَقصُودُهُ تَنزِيهُ اللهِ تَعَالَى عَنِ الكَيفِ وَالهَيئَةِ وَالمَكَانِ وَالحَدِّ، لَا إِثبَاتُ «كَيفٍ» مَجهُولٍ.
وَمِن هُنَا جَاءَ هٰذَا المَقَالُ لِيَكُونَ بَيَانًا مُحَرَّرًا فِي تَحقِيقِ نِسبَةِ هٰذِهِ العِبَارَةِ، وَفِي تَتَبُّعِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَإِبرَازِ فَرقِهَا الجَوهَرِيِّ عَمَّا يُرَوَّجُ لَهُ مِن تَحرِيفٍ وَتَصحِيفٍ، خُصُوصًا بَينَ قَولِهِم: «الكَيفُ مَجهُولٌ» وَقَولِ السَّلَفِ الثَّابِتِ: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ». كَمَا يَتَضَمَّنُ المَقَالُ بَيَانًا لِمَقَاصِدِ السَّلَفِ فِي قَولِهِم: «الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ»، وَأَنَّ مَعنَاهُ: مَعلُومُ الوُرُودِ فِي القُرآنِ، لَا مَعلُومُ الكَيفِ وَالهَيئَةِ، وَأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الكَيفِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى بَابٌ يُفتَحُ لِلتَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ، فَلَذَا أَغلَقَهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ بِإِجمَاعِ كَلِمَتِهِم عَلَى: «بِلَا كَيفٍ»، وَعَلَى أَنَّ «الكَيفَ» مَرفُوعٌ عَنهُ تَعَالَى.
فَإِذَا تَأَمَّلَ القَارِئُ مَا سَيَأتِي مِنَ النُّقُولِ المُحَقَّقَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ البَيَانِ وَالتَّفصِيلِ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مَذهَبَ الإِمَامِ مَالِكٍ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ هُوَ مَذهَبُ التَّنزِيهِ الخَالِصِ، وَأَنَّ تَحرِيفَ كَلِمَاتِهِم إِلَى مَا يُشَبِّهُ اللهَ بِخَلقِهِ إِنَّمَا هُوَ انحِرَافٌ عَنِ المَحَجَّةِ البَيضَاءِ، وَسَبِيلٌ إِلَى تَلبِيسِ البَاطِلِ عَلَى العَامَّةِ، وَاللهُ المُستَعَانُ، وَعَلَيهِ التُّكلَانُ.
وَمِمَّا يَجِبُ التَّنبِيهُ عَلَيهِ أَنَّهُ لَا يَثبُتُ أَبَدًا عَن مَالِكٍ وَلَا عَن غَيرِهِ مِنَ السَّلَفِ، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، لَفظُ: «الكَيفِيَّةُ مَجهُولَةٌ»، وَإِنَّمَا يَلهَجُ بِهَا المُشَبِّهَةُ؛ لِأَنَّهَا تُوَافِقُ هَوَاهُم الَّذِي هُوَ التَّشبِيهُ. وَحَقِيقَةُ هَذِهِ العِبَارَةِ – عَلَى مَا يُرِيدُونَ – إِثبَاتٌ لِلكَيفِ، لَا نَفيٌ لَهُ؛ إِذ مُؤَدَّاهَا: «لِلِاستِوَاءِ كَيفٌ، وَلَكِنَّهُ مُجهُولٌ عِندَنَا»، وَهَذَا هُوَ عَينُ مَا يُنَاقِضُ تَصرِيحَ السَّلَفِ بِقَولِهِم: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ»؛ أَي: مَمتَنِعٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ.
وَلِأَنَّ مَسأَلَةَ الِاستِوَاءِ مِن أَدَقِّ مَسَائِلِ العَقِيدَةِ وَأَشَدِّهَا تَعَرُّضًا لِلتَّحرِيفِ، كَانَ لَازِمًا أَن تُقرَأَ أَقوَالُ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي سِيَاقِهَا وَبِمَعنَاهَا الصَّحِيحِ، وَأَن يُنظَرَ فِي نُقُولِ الأَئِمَّةِ الحُفَّاظِ عَنهُ؛ فَإِنَّهُم أَدرَى بِلُغَةِ السَّلَفِ وَأَحفَظُ لِمَقَاصِدِهِم.
أَوَّلًا: الرِّوَايَاتُ الثَّابِتَةُ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ
الثَّابِتُ عَن الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ الِاستِوَاءِ: «استَوَى كَمَا وَصَفَ نَفسَهُ، وَلَا يُقَالُ كَيفَ، وَالكَيفُ عَنهُ مَرفُوعٌ، وَأَنتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدعَةٍ، أَخرِجُوهُ». نَقَلَهُ الحَافِظُ البَيهَقِيُّ فِي «الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ» بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ، وَجَوَّدَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ فِي «فَتحِ البَارِي».
وَثَبَتَت عَنهُ رِوَايَةٌ أُخرَى أَيضًا صَحِيحَةٌ: «الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ، وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبتَدِعًا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَن يُخرَجَ مِنَ المَسجِدِ». وَرَوَاهَا البَيهَقِيُّ أَيضًا فِي «الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ» بِإِسنَادٍ جَيِّدٍ.
وَرَوَى البَيهَقِيُّ مِن طَرِيقِ يَحيَى بنِ يَحيَى قَالَ: «كُنَّا عِندَ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ فَكَيفَ استَوَى؟ فَأَطرَقَ مَالِكٌ رَأسَهُ حَتَّى عَلَاهُ الرَّحضَاءُ، ثُمَّ قَالَ: الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ، وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبتَدِعًا. فَأَمَرَ بِهِ أَن يَخرُجَ». ثُمَّ قَالَ البَيهَقِيُّ: «وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ أَيضًا عَن رَبِيعَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ أُستَاذِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا». اهـ
وَهُنَا تَتَجَلَّى الدَّقَائِقُ الَّتِي يَتَعَمَّدُ المُشَبِّهَةُ طَمسَهَا؛ فَالإِمَامُ لَم يَقُل: «الكَيفُ مَجهُولٌ»، بَل قَالَ: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ»، وَفَرقٌ بَيِّنٌ بَينَ اللَّفظَينِ؛ فَالمَجهُولُ شَيءٌ ثَابِتٌ فِي نَفسِهِ لَكِنَّ العِلمَ بِهِ غَائِبٌ، وَأَمَّا «غَيرُ مَعقُولٍ» فَمَعنَاهُ: لَا يَصِحُّ فِي مِيزَانِ العَقلِ وَالشَّرعِ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِصِفَاتِ الأَجسَامِ.
ثَانِيًا: نُقُولُ المَالِكِيَّةِ وَغَيرِهِم فِي تَثبِيتِ لَفظِ «غَيرُ مَعقُولٍ»
وَمِنَ الشَّوَاهِدِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تَزِيدُ المَسأَلَةَ بَيَانًا، مَا نَقَلَهُ الإِمَامُ الطَّاهِرُ بنُ عَاشُورٍ – وَهُوَ مِن أَئِمَّةِ المَالِكِيَّةِ فِي التَّفسِيرِ – فِي «التَّحرِيرِ وَالتَّنوِيرِ» عَن الإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، قِيلَ لَهُ: كَيفَ استَوَى؟ فَسَكَتَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ، وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ ضَالًّا». فَتَأَمَّل: إِنَّهُ جَعَلَ تَعَلُّقَ السَّائِلِ بِالكَيفِ دَلِيلًا عَلَى ضَلَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَستَبطِنُ التَّشبِيهَ.
وَمِثلُ ذَلِكَ نَقَلَهُ الإِمَامُ أَبُو اللَّيثِ السَّمَرقَندِيُّ فِي «تَفسِيرِهِ»؛ حَيثُ رَوَى أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ فَسَأَلَهُ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾، فَقَالَ: «الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ، وَالكَيفِيَّةُ غَيرُ مَعقُولَةٍ، وَالإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنهُ بِدعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا ضَالًّا». ثُمَّ أَمَرَ بِإِخرَاجِهِ.
فَهَذَانِ نَصَّانِ – مِن مَالِكِيٍّ وَمِن غَيرِهِ – يَشهَدَانِ بِأَنَّ جُملَةَ «غَيرُ مَعقُولٍ» هِيَ المُعتَمَدَةُ فِي نَقلِ الأَئِمَّةِ؛ وَهِيَ الَّتِي تَسُدُّ عَلَى المُشَبِّهَةِ بَابَ التَّموِيهِ.
ثَالِثًا: رِوَايَةُ أُمِّ سَلَمَةَ وَرَبِيعَةَ وَتَحقِيقُ مَعنَى «غَيرُ مَجهُولٍ»
وَقَد رَوَى الإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ فِي «شَرحِ أُصُولِ اعتِقَادِ أَهلِ السُّنَّةِ» عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَعَن رَبِيعَةَ أَبِي عَبدِ الرَّحمَنِ أَنَّهُمَا قَالَا: «الِاستِوَاءُ غَيرُ مَجهُولٍ، وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ».
وَمَعنَى قَولِهِمَا: «غَيرُ مَجهُولٍ» لَيسَ أَنَّ الِاستِوَاءَ مَعلُومٌ بِمَعنَى الجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ – كَمَا يَتَوَهَّمُ المُشَبِّهُ – بَل مَعنَاهُ: أَنَّهُ مَذكُورٌ فِي القُرآنِ، وَثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَأَنَّا نُثبِتُهُ كَمَا وَرَدَ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى، مِن غَيرِ تَصَوُّرِ هَيئَةٍ وَلَا تَكيِيفٍ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَولُهُمَا بَعدَهُ مُبَاشَرَةً: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ»؛ فَلَو كَانَ المُرَادُ «جُلُوسًا» لَكَانَ لِلجُلُوسِ كَيفٌ مُتَصَوَّرٌ فِي العَقلِ، وَهَذَا مَا نَفَوهُ.
وَهُنَا يَبطُلُ تَحرِيفُ مَن قَالَ: «إِنَّهُم أَثبَتُوا الجُلُوسَ وَلَكِن جَهِلُوا كَيفِيَّتَهُ»؛ فَإِنَّ نَفيَ «عَقلِ» الكَيفِ يَعنِي نَفيَ أَصلِ مَا يَلزَمُ مِنهُ التَّجسِيمُ وَالتَّمثِيلُ؛ لِأَنَّ الجُلُوسَ كيفما كان لَا يَكُونُ إِلَّا لِذِي أَعضَاءٍ وَجَوَارِحَ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَخلُوقٌ مُحدَثٌ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَن شَبَهِ المَخلُوقِينَ.
رَابِعًا: لِمَاذَا حَكَمَ الإِمَامُ مَالِكٌ عَلَى السَّائِلِ بِالبِدعَةِ؟
قَالَ المُحَدِّثُ الشَّيخُ سَلَامَةُ العَزَّامِيُّ – وَهُوَ مِن عُلَمَاءِ الأَزهَرِ – فِي تَعلِيلِ مَوقِفِ الإِمَامِ مَالِكٍ: «قَولُ مَالِكٍ عَن هَذَا الرَّجُلِ: “صَاحِبُ بِدعَةٍ”؛ لِأَنَّ سُؤَالَهُ عَن كَيفِيَّةِ الِاستِوَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ الِاستِوَاءَ عَلَى مَعنَاهُ الظَّاهِرِ الحِسِّيِّ الَّذِي هُوَ مِن قَبِيلِ تَمَكُّنِ جِسمٍ عَلَى جِسمٍ وَاستِقرَارِهِ عَلَيهِ، وَإِنَّمَا شَكَّ فِي كَيفِيَّةِ هَذَا الِاستِقرَارِ؛ فَسَأَلَ عَنهَا، وَهَذَا هُوَ التَّشبِيهُ بِعَينِهِ». اهـ
قُلنَا: فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكمَهُ فِي مَن قَالَ: «كَيفَ استَوَى؟»، فَمَا بَالُكُم بِمَن فَسَّرَ الِاستِوَاءَ صَرَاحَةً بِالجُلُوسِ وَالقُعُودِ وَالاستِقرَارِ؟! إِنَّهُ أَولَى بِالزَّجرِ وَالتَّبدِيعِ؛ لِأَنَّهُ تَجسِيمٌ صَرِيحٌ بَعدَ أَن كَانَ فِي مَسأَلَةِ «الكَيفِ» مُجَرَّدَ لَوَازِمَ.
تَأَمَّل هُنَا سُؤَالًا يَقطَعُ مَادَّةَ الخُصُومِ، وَيَهدِمُ أَصلَ شُبهَتِهِم مِن جُذُورِهَا:
لَو كَانَ السُّؤَالُ عَنِ «الكَيفِ» جَائِزًا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَلِمَاذَا اضطَرَبَ الإِمَامُ مَالِكٌ حَتَّى تَغَيَّرَ وَجهُهُ، وَعَلَاهُ العَرَقُ، وَاشتَدَّ إِنكَارُهُ؟ وَلِمَاذَا غَضِبَ، وَأَعرَضَ، وَزَجَرَ السَّائِلَ، ثُمَّ خَتَمَ عَلَيهِ بِالبِدعَةِ وَالضَّلَالِ؟!
إِنَّ هَذَا الِانفِعَالَ العَظِيمَ مِن إِمَامٍ كَمَالِكٍ لَا يَكُونُ عَارِضًا، وَلَا يُحمَلُ عَلَى مَجَرَّدِ تَشَدُّدٍ أَو انفِعَالٍ طَبعِيٍّ؛ بَل هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ بِـ«كَيفَ» فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى سُؤَالٌ فَاسِدُ الأَصلِ، مُنكَرُ المَقصَدِ، يُفضِي إِلَى تَشبِيهِ الرَّبِّ بِالخَلقِ.
فَإِن قَالُوا: إِنَّ «الكَيفَ» مَجهُولٌ فَقَط، وَالسُّؤَالُ عَنهُ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا المَجهُولُ هُوَ تَعيِينُهُ وَتَحدِيدُهُ؛ قُلنَا: هَذَا بَاطِلٌ مِن وَجهَينِ قَاطِعَينِ:
الوَجهُ الأَوَّلُ: أَنَّ مَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنهُ لَا يَغضَبُ مِنهُ الإِمَامُ، وَلَا يُنكِرُهُ هَذَا الإِنكَارَ، وَلَا يَصِفُ سَائِلَهُ بِالبِدعَةِ وَالضَّلَالِ؛ لِأَنَّ مَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنهُ لَا يُنكَرُ عَلَى السَّائِلِ فِيهِ، وَلَا يُنسَبُ إِلَى البِدعَةِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّ المَشرُوعَ لَا يُقَابَلُ بِالتَّبدِيعِ وَالتَّضلِيلِ.
الوَجهُ الثَّانِي: أَنَّ جَعلَ «الكَيفِ» ثَابِتًا فِي نَفسِ الأَمرِ، ثُمَّ ادِّعَاءَ أَنَّهُ مَجهُولٌ عَنَّا، لَازِمُهُ القَطعِيُّ أَنَّ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى تَجرِي عَلَى نَحوِ صِفَاتِ المَخلُوقِينَ؛ فَتَكُونُ لَهَا هَيئَةٌ وَكَيفِيَّةٌ وَتَشَكُّلٌ، وغَايَةُ مَا فِي الأَمرِ أَنَّكُم تَزعُمُونَ جَهلَنَا بِتِلكَ الهَيئَةِ! وَهَذَا فِي الحَقِيقَةِ هُوَ عَينُ التَّجسِيمِ وَالتَّشبِيهِ، وَإِن تَلَطَّفتُم فِي الأَلفَاظِ، وَتَحَايَلتُم بِالعِبَارَاتِ.
وَالحَقُّ أَنَّ الإِمَامَ مَالِكًا إِنَّمَا نَفَى أَصلَ «الكَيفِ» نَفيًا قَاطِعًا؛ لِأَنَّ نَفيَ «عَقلِ» الكَيفِ لَا يَعنِي مُجَرَّدَ نَفيِ العِلمِ بِهِ، بَل يَعنِي نَفيَ أَصلِ مَا يَلزَمُ مِنهُ التَّجسِيمُ وَالتَّمثِيلُ؛ إِذ لَا يُتَصَوَّرُ «كَيفٌ» إِلَّا فِي مَا يَقبَلُ الهَيئَاتِ وَالأَحوَالَ وَالتَّحَدُّدَ.
وَلِهَذَا فَإِنَّ إِثبَاتَ الجُلُوسِ كَيفَمَا كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا لِمَن كَانَ ذَا أَعضَاءٍ وَجَوَارِحَ، وَهَذَا مِمَّا يَستَحِيلُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَسُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَن ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَإِنَّمَا الحَقُّ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيهِ كَلِمَاتُ مَالِكٍ أَنَّ أَصلَ السُّؤَالِ عَنِ «الكَيفِ» مَمنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ عَمَّا يَستَحِيلُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَيَستَلزِمُ تَوَهُّمَ التَّحَدُّدِ وَالتَّشَكُّلِ وَالتَّمَثُّلِ، وَهَذَا بَاطِلٌ فِي حَقِّه سُبحَانَهُ، فَهُوَ المُنَزَّهُ عَنِ الأَحدَاثِ وَالحُدُودِ وَالجِهَاتِ.
وَيَشهَدُ لِهَذَا المَعنَى مَا نُقِلَ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي بَابِ التَّنزِيهِ؛ أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى: «مَتَى؟»؛ لِأَنَّهُ لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَلَا يُقَالُ: «كَيفَ؟»؛ لِأَنَّ «كَيفَ» لَا تُسأَلُ إِلَّا عَمَّا تَتَوَهَّمُ فِيهِ الهَيئَةَ وَالصُّورَةَ، فَمَن وَصَفَهُ بِالكَيفِ فَقَد جَعَلَهُ مَحَلًّا لِلهَيئَةِ وَالصُّورَةِ، وَهَذَا مُحَالٌ عَلَيهِ سُبحَانَهُ. وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: «أَينَ؟»؛ لِأَنَّ «أَينَ» لَا تُطلَبُ إِلَّا لِمَن يَحوِيهِ مَكَانٌ، فَمَن سُئِلَ عَنهُ بِـ«أَينَ» فَقَد جُعِلَ مُتَحَيِّزًا، وَالتَّحَيُّزُ مِن صِفَاتِ المُحدَثَاتِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنهُ تَنزِيهًا مُطلَقًا.
فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ غَضَبَ مَالِكٍ لَم يَكُن لِأَنَّ «الكَيفَ» مَجهُولٌ، بَل لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنهُ فِي نَفسِهِ مُنكَرٌ. فَلَو كَانَ المُرَادُ أَنَّ لِلِاستِوَاءِ كَيفًا حَقِيقِيًّا ثَابِتًا، وَلَكِنَّهُ مَجهُولٌ عِندَنَا، لَكَانَ الأَقرَبُ أَن يَقُولَ: «لَهُ كَيفٌ لَا نَعلَمُهُ»، أَو «كَيفُهُ مَجهُولٌ». وَلَكِنَّهُ لَم يَقُل شَيئًا مِن ذَلِكَ، بَل صَرَفَ السُّؤَالَ عَن أَصلِهِ، وَأَغلَقَ بَابَهُ، وَحَكَمَ عَلَى مَن طَرَقَهُ بِالبِدعَةِ؛ لِأَنَّهُ بَابٌ يُفضِي إِلَى التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ.
وَهَذَا هُوَ مَفهُومُ قَولِ السَّلَفِ: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ»، أَي: لَا يَدخُلُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى تَصَوُّرُ كَيفٍ أَصلًا، وَلَا يَصِحُّ أَن يُطلَبَ لَهُ تَخيِيلٌ، أَو تَحدِيدٌ، أَو تَصَوُّرٌ؛ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَمَن زَعَمَ أَنَّ لِلِاستِوَاءِ «كَيفًا» ثَابِتًا فِي نَفسِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَجهَلُهُ؛ فَقَد أَثبَتَ لِلرَّبِّ مَا يَختَصُّ بِهِ المَخلُوقُ مِنَ الهَيئَاتِ وَالأَحوَالِ، وَإِن زَعَمَ أَنَّهُ يُنَزِّهُهُ؛ فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ يُشَبِّهُهُ، ثُمَّ يُغَلِّفُ التَّشبِيهَ بِاللَّفظِ المُجمَلِ.
خَامِسًا: مَالِكٌ وَنَفيُ الجِهَةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى
إِنَّ الإِمَامَ مَالِكًا – وَهُوَ عَالِمُ المَدِينَةِ وَإِمَامُ دَارِ الهِجرَةِ وَأَمِيرُ المُؤمِنِينَ فِي الحَدِيثِ – كَسَائِرِ أَئِمَّةِ الهُدَى، يَنفِي عَنِ اللهِ تَعَالَى الجِهَةَ وَالتَّحَيُّزَ وَأَوصَافَ الأَجسَامِ.
وَقَد ذَكَرَ الإِمَامُ العَلَّامَةُ نَاصِرُ الدِّينِ ابنُ المُنِيرِ المَالِكِيُّ فِي «المُقتَفَى فِي شَرَفِ المُصطَفَى» أَنَّ مَالِكًا أَشَارَ إِلَى مَعنَى التَّنزِيهِ فِي حَدِيثِ: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بنِ مَتَّى»، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا خَصَّ يُونُسَ لِلتَّنبِيهِ عَلَى التَّنزِيهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ رُفِعَ إِلَى العَرشِ، وَيُونُسُ عَلَيهِ السَّلَامُ هَبَطَ إِلَى قَعبُوسِ البَحرِ، وَنِسبَتُهُمَا مِن حَيثُ الجِهَةُ إِلَى الحَقِّ جَلَّ جَلَالُهُ وَاحِدَةٌ، وَلَو كَانَ الفَضلُ بِالمَكَانِ لَكَانَ ﷺ أَقرَبَ مِن يُونُسَ، وَلَمَا نَهَى عَن ذَلِكَ. اهـ
وَقَد نَقَلَ هَذَا المَعنَى أَيضًا تَقِيُّ الدِّينِ السُّبكِيُّ فِي «السَّيفِ الصَّقِيلِ»، وَمُرتَضَى الزَّبِيدِيُّ فِي «إِتحَافِ السَّادَةِ المُتَّقِينَ»، وَغَيرُهُمَا.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَالِكًا وَسَائِرَ السَّلَفِ لَا يَرَونَ أَنَّ القُربَ مَعَ اللهِ قُربٌ مَكَانِيٌّ، وَلَا أَنَّ الِاستِوَاءَ يُرَادُ بِهِ تَحَيُّزٌ وَجِهَةٌ، بَل هُوَ إِثبَاتُ صِفَةٍ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى مِن غَيرِ مُشَابَهَةٍ وَلَا تَكيِيفٍ.
سَادِسًا: تَحقِيقُ مَعنَى قَولِهِم: «الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ»
يَغلَطُ المُشَبِّهَةُ غَلَطًا فَاحِشًا حِينَ يَحمِلُونَ قَولَ السَّلَفِ: «الِاستِوَاءُ مَعلُومٌ» عَلَى أَنَّهُ مَعلُومٌ بِمَعنَى الجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ! وَإِنَّمَا مَعنَاهُ – كَمَا فَسَّرَهُ أَئِمَّةُ النَّقلِ – أَنَّهُ مَعلُومٌ وُرُودُهُ فِي القُرآنِ، مَذكُورٌ فِي الوَحيِ، فَنُؤمِنُ بِهِ عَلَى وَجهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ، مِن غَيرِ أَن نَحمِلَهُ عَلَى صِفَاتِ الأَجسَامِ. وَفِي بَعضِ رِوَايَاتِ اللَّالَكَائِيِّ: «الِاستِوَاءُ مَذكُورٌ»؛ وَهَذَا أَوضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُم تَثبِيتُ النَّصِّ، لَا تَشبِيهُ المَعنَى.
سَابِعًا: مَعنَى قَولِهِم: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ»
قَولُ السَّلَفِ: «وَالكَيفُ غَيرُ مَعقُولٍ» مَعنَاهُ أَنَّ تَصَوُّرَ الشَّكلِ وَالهَيئَةِ وَالجُلُوسِ وَالِاستِقرَارِ وَالمُحَاذَاةِ وَمَا يُشَابِهُ ذَلِكَ مُمتَنِعٌ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِن خَصَائِصِ الأَجسَامِ وَالمُحدَثَاتِ. وَإِذَا كَانَ الجُلُوسُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِأَعضَاءٍ وَحَدٍّ وَمِقدَارٍ وَمَكَانٍ، فَكَيفَ يُنسَبُ إِلَى مَن قَالَ فِيهِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾؟!
وَلِذَلِكَ تَأتِي كَلِمَةُ الإِمَامِ أَحمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَحَلِّهَا، إِذ سُئِلَ عَنِ الِاستِوَاءِ فَقَالَ: «استَوَى كَمَا أَخبَرَ، لَا كَمَا يَخطُرُ لِلبَشَرِ». فَجَعَلَ مَا يَخطُرُ لِلبَشَرِ مَنفِيًّا، لِأَنَّ خَوَاطِرَ البَشَرِ جِسمِيَّةٌ مَحدُودَةٌ، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَحدُهُ حَدٌّ وَلَا يُحِيطُ بِهِ مَكَانٌ.
ثَامِنًا: كَلَامُ الإِمَامِ البَيهَقِيِّ فِي تَنزِيهِ الِاستِوَاءِ عَنِ لَوَازِمِ الأَجسَامِ
وَمِن أَجمَعِ مَا نُقِلَ فِي تَقرِيرِ هَذَا المَعنَى كَلَامُ الحَافِظِ أَبِي بَكرٍ أَحمَدَ البَيهَقِيِّ فِي «الِاعتِقَادِ عَلَى مَذهَبِ السَّلَفِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ»، إِذ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ استِوَاءَ اللهِ تَعَالَى لَيسَ استِوَاءَ اعتِدَالٍ عَن اعوِجَاجٍ، وَلَا استِقرَارًا فِي مَكَانٍ، وَلَا مُمَاسَّةً لِشَيءٍ مِن خَلقِهِ، بَل هُوَ كَمَا أَخبَرَ: بِلا كَيفٍ وَبِلَا أَينٍ، بَائِنٌ مِن جَمِيعِ خَلقِهِ؛ أَي: لَا يُشَابِهُهُم، ثُمَّ قَرَنَ ذَلِكَ بِمَا يَنفِي الجِسمِيَّةَ وَالصُّورَةَ وَالجَارِحَةَ وَالحَدَقَةَ وَنَحوَهَا، وَخَتَمَ بِالِاستِدلَالِ بِالآيَاتِ المُحكَمَاتِ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَ﴿وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَ﴿هَل تَعلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.
وَهَذَا هُوَ مَعنَى مَذهَبِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ فِي هَذَا البَابِ: إِثبَاتٌ بِلا تَكيِيفٍ، وَتَنزِيهٌ بِلا تَعطِيلٍ، وَتَسلِيمٌ لِلوَحيِ مَعَ حِفظِ جَلَالِ الرَّبِّ عَن صِفَاتِ المُحدَثَاتِ.
تَاسِعًا: تَفنِيدُ دَعوَى: «اللهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ» عَن مَالِكٍ
وَمِمَّا يَرُوجُ عَلَى أَلسِنَةِ بَعضِ النَّاسِ نَقلُهُم عَن مَالِكٍ قَولَهُم: «اللهُ فِي السَّمَاءِ وَعِلمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ»، وَهَذَا لَا يَثبُتُ عَنهُ، وَقَد بَيَّنَ أَهلُ الحَدِيثِ أَنَّ رَاوِيَهُ عَبدَ اللهِ بنَ نَافِعٍ ضَعِيفٌ فِي الحَدِيثِ، وَأَنَّ سُرَيجَ بنَ النُّعمَانِ لَيسَ مِمَّن يُحتَجُّ بِهِ فِي مِثلِ هَذَا البَابِ الدَّقِيقِ. وَإِنَّمَا تُؤخَذُ عَقَائِدُ الأَئِمَّةِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ المَحفُوظَةِ، لَا مِنَ المَرَاسِيلِ الضَّعِيفَةِ وَالنُّقُولِ المُختَلَّةِ.
عَاشِرًا: الجَوَابُ عَن شُبهَةِ «الفَوقِيَّةِ» وَاستِدلَالِهِم بِآيَةِ الِاستِوَاءِ
يَحتَجُّ بَعضُ المُجَسِّمَةِ فِي عَصرِنَا بِقَولِهِم: «إِنَّ اللهَ فَوقَ العَرشِ مِن غَيرِ مُمَاسَّةٍ»، وَيَجعَلُونَ دَلِيلَهُم قَولَهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾. وَالجَوَابُ عَن ذَلِكَ يَأتِي مِن وُجُوهٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ القُرآنَ كَلَامُ اللهِ مُتَعَاضِدٌ لَا تَنَاقُضَ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَنَا أَن نَرُدَّ المُتَشَابِهَ إِلَى المُحكَمِ؛ وَقَد ثَبَتَ فِي القُرآنِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَمَا كُنتُم﴾، وَاتَّفَقُوا أَنَّ المُرَادَ بِهَا مَعِيَّةُ العِلمِ وَالإِحَاطَةِ، لَا مَعِيَّةُ المَكَانِ. فَكَمَا جَازَ تَأوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِتَنزِيهِ اللهِ، جَازَ تَأوِيلُ غَيرِهَا مِن آيَاتِ المُتَشَابِهَاتِ بِمَا يُوَافِقُ قَولَهُ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ﴾، وَهَذَا تَأوِيلٌ إِجمَالِيٌّ دَرَجَ عَلَيهِ السَّلَفُ.
الثَّانِي: أَنَّ المُتَّصِفَ بِالفَوقِيَّةِ الحِسِّيَّةِ لَا بُدَّ لَهُ مِن تَحتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى مُحَالٌ؛ وَقَد جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَأَنتَ البَاطِنُ فَلَيسَ دُونَكَ شَيءٌ»، فَنَفَى النَّبِيُّ ﷺ عَن رَبِّهِ أَن يَكُونَ لَهُ «تَحتٌ» بِمَعنَى المَكَانِ وَالجِهَةِ، وَهُوَ لَازِمٌ لِكُلِّ فَوقِيَّةٍ حِسِّيَّةٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَا يَدَّعُونَهُ مِن أَنَّ اللهَ عَلَى العَرشِ بِنَحوِ مَا يَتَخَيَّلُونَ، يُنَاقِضُ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ: «أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»؛ فَإِن كَانَ القُربُ مَكَانِيًّا لَكَانَ القَائِمُ أَقرَبَ مِنَ السَّاجِدِ؛ لِأَنَّهُ أَرفَعُ مِنهُ فِي جِهَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالبَدَاهَةِ وَالنَّقلِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ مِن مَعَانِي الِاستِوَاءِ فِي لُغَةِ العَرَبِ: الغَلَبَةُ وَالقَهرُ، وَهُوَ مَعنًى لَائِقٌ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى، وَيُوَافِقُ قَولَهُ: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ﴾، وَقَولَهُ: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. فَيَكُونُ تَفسِيرُ الِاستِوَاءِ بِالقَهرِ وَالغَلَبَةِ تَأوِيلًا تَفصِيلِيًّا عَلَى وَفقِ مَا تَحتَمِلُهُ اللُّغَةُ، وَهُوَ مَذهَبٌ رَوَاهُ غَيرُ وَاحِدٍ مِن أَهلِ العِلمِ.
الحَادِي عَشَرَ: التَّحذِيرُ مِن مَذهَبِ التَّجسِيمِ وَتَحرِيفِ كَلِمَةِ السَّلَفِ
إِنَّ مِن أَعظَمِ الخَطَرِ أَن يُقَاسَ الخَالِقُ عَلَى المَخلُوقِ، أَو أَن يُقَالَ: «لَا يُعقَلُ مَوجُودٌ إِلَّا فِي مَكَانٍ»، فَيُبنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللهَ لَا بُدَّ لَهُ مِن مَكَانٍ؛ فَإِنَّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ يُصَادِمُ بَدِيهَةَ العَقلِ وَصَرِيحَ النَّقلِ؛ إِذ قَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «كَانَ اللهُ وَلَم يَكُن شَيءٌ غَيرُهُ»، فَكَانَ مَوجُودًا قَبلَ خَلقِ المَكَانِ وَالزَّمَانِ، فَلَو كَانَ المَكَانُ شَرطًا لِوُجُودِهِ لَكَانَ مُحَالًا وُجُودُهُ قَبلَهُ، وَهَذَا مُحَالٌ.
وَمِن هَذَا البَابِ أَيضًا مَقَالَةُ مَن يَزعُمُ: «إِنَّ اللهَ مَحدُودٌ وَلَكِن لَا نَعلَمُ حَدَّهُ»، فَإِنَّ الحَدَّ وَالمِقدَارَ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ، وَإِثبَاتُهُ لِلَّهِ يُفضِي إِلَى تَشبِيهِهِ بِالمَخلُوقَاتِ، وَالعَرشُ نَفسُهُ –وَهُوَ أَعظَمُ المَخلُوقَاتِ – مَحدُودٌ، فَمَا فَائِدَةُ أَن يُقَالَ فِي الخَالِقِ مَا يُقَالُ فِي المَخلُوقِ؟!
وَقَد نُقِلَ عَن سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ العَرشَ إِظهَارًا لِقُدرَتِهِ، وَلَم يَتَّخِذهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ». وَهَذَا يَفصِلُ فِي المَسأَلَةِ فَصلًا بَيِّنًا؛ فَالعَرشُ مَخلُوقٌ لِلدَّلَالَةِ عَلَى القُدرَةِ، لَا لِأَن يَكُونَ حَيِّزًا لِلذَّاتِ.
الخُلَاصَةُ
إِنَّ الصَّحِيحَ الثَّابِتَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَدُلُّ دَلَالَةً بَيِّنَةً عَلَى أَنَّ:
الِاستِوَاءَ ثَابِتٌ نَصًّا فِي الوَحيِ، وَنُؤمِنُ بِهِ كَمَا وَرَدَ.
وَالسُّؤَالَ عَنِ «الكَيفِ» فِي حَقِّ اللهِ بِدعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَنطَوِي عَلَى التَّشبِيهِ وَالتَّجسِيمِ.
وَ«الكَيفُ» مَنفِيٌّ عَقلًا وَشَرعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ مِن صِفَاتِ الأَجسَامِ.
وَأَنَّ تَحرِيفَ المُشَبِّهَةِ لِعِبَارَةِ السَّلَفِ مِن «غَيرِ مَعقُولٍ» إِلَى «مَجهُولٍ» تَحرِيفٌ يُقصَدُ بِهِ فَتحُ بَابِ التَّجسِيمِ عَلَى النُّفُوسِ، وَإِلَّا فَالسَّلَفُ أَعلَمُ بِرَبِّهِم مِن أَن يَقُولُوا فِيهِ مَا يَقُودُ إِلَى تَشبِيهِهِ بِخَلقِهِ.
فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ، وَقَد تَبَيَّنَتِ المَحَجَّةُ، وَظَهَرَتِ البَرَاهِينُ عَلَى وَجهِهَا، فَلَا مَجَالَ بَعدَ ذَلِكَ لِتَحرِيفٍ أَو تَلبِيسٍ.
وَمَا بَعدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، فَمَن أَبَى إِلَّا التَّشبِيهَ فَقَد بَاءَ بِالخُسرَانِ المُبِينِ.