مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ نِعْمَةَ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ الجَنَّةِ، وَمِنْ أَجَلِّ مَا يَتَكَرَّمُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ. وَهِيَ مَقَامٌ يَجْمَعُ بَيْنَ كَمَالِ التَّعْظِيمِ وَغَايَةِ السُّرُورِ، وَيَزِيدُ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ نَضَارَةً وَبَهْجَةً، كَمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ الكَرِيمُ وَصَحَّتْ بِهِ الأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ. وَلِذَلِكَ وَجَبَ الإِيمَانُ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا تَجْسِيمٍ، وَمِنْ غَيْرِ كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ.
أَوَّلًا: وُجُوبُ الإِيمَانِ بِرُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ
يَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُرَى فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَهُمْ فِي الجَنَّةِ؛ رُؤْيَةً حَقَّةً ثَابِتَةً، لَا مِرْيَةَ فِيهَا وَلَا شَكَّ، وَلَكِنْ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ وَكَمَالِهِ، بِلَا كَيْفٍ، وَبِلَا مَكَانٍ، وَبِلَا جِهَةٍ. فَهِيَ رُؤْيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ التَّنْزِيهِ التَّامِّ عَنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا تَشْبِيهٌ، وَلَا تَجْسِيمٌ، وَلَا تَحْدِيدٌ، وَلَا تَحَيُّزٌ.
ثَانِيًا: دَلِيلُ القُرْآنِ عَلَى ثُبُوتِ الرُّؤْيَةِ وَمَعْنَاهُ
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ بِأَوْضَحِ بَيَانٍ، إِذْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أَيْ: أَنَّ وُجُوهَ المُؤْمِنِينَ تَكُونُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِقَةً حَسَنَةً مُتَنَعِّمَةً، وَأَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ رُؤْيَةً حَقِيقِيَّةً. وَهُمْ يَرَوْنَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَا يُشَبِّهُونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا يَقَعُونَ فِي وَهْمٍ يُلْحِقُهُ بِالأَجْسَامِ وَالأَشْكَالِ وَالأَلْوَانِ.
ثَالِثًا: تَنْزِيهُ اللهِ عَنْ الكَيْفِيَّةِ وَالمَكَانِ وَالجِهَةِ فِي الرُّؤْيَةِ
إِنَّ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللهُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ؛ فَلَا يَرَوْنَهُ حَجْمًا لَطِيفًا كَالنُّورِ، وَلَا حَجْمًا كَثِيفًا كَالْإِنْسَانِ، وَلَا يَرَوْنَهُ مُسْتَقِرًّا حَالًّا فِي الجَنَّةِ وَلَا خَارِجَهَا، وَلَا يَرَوْنَهُ مُتَحَيِّزًا فِي مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ، فَلَا يَكُونُ فِي جِهَةِ يَمِينٍ وَلَا يَسَارٍ، وَلَا فَوْقٍ وَلَا تَحْتٍ، وَلَا أَمَامٍ وَلَا خَلْفٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا أَوْصَافُ الأَجْسَامِ، وَاللهُ تَعَالَى لَيْسَ جِسْمًا، وَلَا مَوْجُودًا فِي حَيِّزٍ، وَلَا مَحْدُودًا بِحَدٍّ.
وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي هَذِهِ الرُّؤْيَةِ حَجْمٌ وَلَا كَمِّيَّةٌ وَلَا مِقْدَارٌ وَلَا مِسَاحَةٌ وَلَا حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ، فَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ طُولٌ وَلَا عَرْضٌ وَلَا عُمْقٌ وَلَا سُمْكٌ، وَلَا لَوْنٌ وَلَا شَكْلٌ وَلَا هَيْئَةٌ وَلَا كَيْفِيَّةٌ. كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَفُ فِي ذَلِكَ بِقِيَامٍ وَلَا قُعُودٍ وَلَا اتِّكَاءِ وَلَا اتِّصَالٍ وَلَا انْفِصَالٍ وَلَا مُمَاسَّةٍ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ مَسَافَةٌ؛ إِذِ المَسَافَةُ مِنْ لَوَازِمِ المَكَانِ، وَاللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
رَابِعًا: الرُّؤْيَةُ لَيْسَتِ اجْتِمَاعًا بِاللهِ كَاجْتِمَاعِ المَخْلُوقِينَ
وَرُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ لَيْسَتِ اجْتِمَاعًا بِهِ كَاجْتِمَاعِ المُصَلِّينَ بِإِمَامِهِمْ فِي المَسْجِدِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ السُّكْنَى فِي مَكَانٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَالحُلُولُ. فَلَا تُقَاسُ رُؤْيَتُهُ عَلَى رُؤْيَةِ المَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى مَسَافَةٍ وَمُوَاجَهَةٍ وَجِهَةٍ.
خَامِسًا: جَوَازُ الرُّؤْيَةِ عَقْلًا وَدَلِيلُ ذَلِكَ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
وَرُؤْيَةُ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الآخِرَةِ جَائِزَةٌ عَقْلًا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ رَبَّهُ الرُّؤْيَةَ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. فَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُسْتَحِيلَةً عَقْلًا لَمَا سَأَلَهَا نَبِيٌّ كَرِيمٌ مِنْ أُولِي العَزْمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فَمَعْنَاهُ: لَنْ تَرَانِي فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ عَيْنَ الإِنْسَانِ فِي الدُّنْيَا عَيْنٌ فَانِيَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَكُونُ فِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ العَيْنِ الفَانِيَةِ.
سَادِسًا: دَلِيلُ السُّنَّةِ وَبَيَانُ مَعْنَى الحَدِيثِ
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ». وَهَذَا التَّشْبِيهُ لَيْسَ تَشْبِيهًا لِلَّهِ بِالقَمَرِ، وَحَاشَاهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيهٌ لِلرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ وَوُضُوحُ الإِدْرَاكِ؛ أَيْ: أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ رُؤْيَةً لَا شَكَّ فِيهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ رَأَى القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ فِي صَفَاءِ السَّمَاءِ لَا يَشُكُّ فِي مَا رَآهُ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» أَيْ: لَا تَتَزَاحَمُونَ وَلَا تَتَدَافَعُونَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّزَاحُمَ إِنَّمَا يَقَعُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَنْ هُوَ فِي مَكَانٍ مُحَدَّدٍ، فَيَرَاهُ القَرِيبُونَ وَيَحْجُبُهُ البُعْدُ عَنِ البَعِيدِينَ، فَيَحْصُلُ التَّدَافُعُ وَالتَّزَاحُمُ؛ أَمَّا رُؤْيَةُ اللهِ تَعَالَى فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي مَكَانٍ أَوْ جِهَةٍ.
خَاتِمَةٌ
إِنَّ رُؤْيَةَ اللهِ تَعَالَى فِي الآخِرَةِ حَقٌّ يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يَتَنَعَّمُ بِهِ المُؤْمِنُونَ فِي الجَنَّةِ، وَلَكِنَّهَا رُؤْيَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ سُبْحَانَهُ، بِلَا كَيْفٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا جِهَةٍ، وَمَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ كُلِّ مَا يَتَصَوَّرُ فِي حُقُوقِ المَخْلُوقِينَ. فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الكَرِيمِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ، وَأَحْيِنَا عَلَى الإِيمَانِ وَأَمِتْنَا عَلَيْهِ.